الناخبون الأتراك يصوّتون غداً في واحد من أحرج الاستحقاقات الانتخابية

6 مرشحين للرئاسة و8 أحزاب تتنافس على 600 مقعد في البرلمان

مؤيدون للرئيس الحالي رجب طيب اردوغان خلال تظاهرة في اسطنبول (أ.ب)
مؤيدون للرئيس الحالي رجب طيب اردوغان خلال تظاهرة في اسطنبول (أ.ب)
TT

الناخبون الأتراك يصوّتون غداً في واحد من أحرج الاستحقاقات الانتخابية

مؤيدون للرئيس الحالي رجب طيب اردوغان خلال تظاهرة في اسطنبول (أ.ب)
مؤيدون للرئيس الحالي رجب طيب اردوغان خلال تظاهرة في اسطنبول (أ.ب)

يتوجه الناخبون الأتراك إلى صناديق الاقتراع غداً (الأحد)، للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة التي تشهد منافسة شرسة وغير مسبوقة وتشكل من وجهة نظر كثير من المراقبين والمحللين واحدة من أصعب الاستحقاقات الانتخابية التي تشهدها تركيا منذ صعود حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى السلطة منذ 16 عاماً. وعقب هذه الانتخابات التي كان مقرراً إجراؤها في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، ستنتقل تركيا رسمياً إلى النظام الرئاسي، الذي أثار كثيراً من الجدل، الذي تم الاستفتاء عليه في 16 أبريل (نيسان) 2016 وتم تأييده من قبل أغلبية ضئيلة من الناخبين بلغت 51.4 في المائة، ويمنح هذا النظام رئيس الجمهورية صلاحيات تنفيذية غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية التركية، كما يلغي منصب رئيس الوزراء، حيث يختار الرئيس الوزراء من خارج نواب البرلمان.
ويدلي 56 مليوناً و322 ألفاً و632 ناخباً بأصواتهم في 180 ألف صندوق داخل البلاد، فيما يدلي 3 ملايين و47 ألفاً و328 ناخباً بأصواتهم في الخارج، ويشكل النساء 50.76 في المائة من الناخبين في الداخل، ويتركز أكبر عدد من الناخبين في إسطنبول بواقع 10 ملايين و559 ألفاً و686 ناخباً، ثم العاصمة أنقرة 3 ملايين و904 آلاف و585 ناخباً، ثم ولاية إزمير (شمال غرب) بواقع 3 ملايين و227 ألفاً و32 ناخباً.
ويتنافس في الانتخابات الرئاسية 6 مرشحين؛ هم الرئيس الحالي رجب طيب إردوغان، ومرشح حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة محرم إينجه، ومرشحة حزب «الجيد» ذي التوجه القومي ميرال أكشينار، ومرشح حزب الشعوب الديمقراطي (مؤيد للأكراد) صلاح الدين دميرتاش، ومرشح حزب السعادة الإسلامي تمال كرم الله أوغلو، ومرشح حزب الوطن اليساري دوغو برنتشيك، فيما تتنافس 8 أحزاب في الانتخابات البرلمانية.
وعلى الرغم من أن محرم إينجه يبدو أنه المرشح الأكثر حظاً لمنافسة إردوغان في انتخابات الرئاسة، فإن حزب العدالة والتنمية قلل من احتمالات حصوله على نسبة عالية من الأصوات، كما أشارت إلى ذلك استطلاعات الرأي الأخيرة التي قالت إنه قد يحصل على ما بين 28 و30 في المائة من أصوات الناخبين، وذلك على اعتبار أن أسلوبه الفظ يتناقض مع الخطاب الهادئ لرئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو الذي لم ينجح من قبل في الفوز بأي استحقاق في مواجهة إردوغان.
ويرى مراقبون أن إردوغان اعتاد من قبل مواجهة مرشحين ضعفاء يهزمهم بسهولة، لكن محرم إينجه يبدو خصماً شرساً لا يتردد في إثارة موضوعات حساسة على غرار حديثه عن التعاون السابق بين الحزب الحاكم وإردوغان والداعية فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب التي وقعت عام 2016.
وكثف إردوغان في الأيام الأخيرة التجمعات في مختلف أنحاء البلاد مهاجماً خصومه ومذكراً بإنجازاته، وركز بشكل أساسي على مهاجمة إينجه وصلاح الدين دميرتاش مرشح حزب الشعوب الديمقراطي سعياً للحصول على أكبر نسبة من أصوات الأكراد والتأثير على فرص الشعوب الديمقراطي في دخول البرلمان مجتازاً الحد النسبي (10 في المائة من أصوات الناخبين). ويؤكد مراقبون أن توقع نتيجة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية يبدو صعباً هذه المرة، حيث أتيحت للمعارضة الفرصة لتقدم للناخبين خياراً مختلفاً.
وقال المحلل السياسي مصطفى أوزجان، القريب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، إن مرشح الشعب الجمهوري محرم إينجه يعد منافساً مهماً للرئيس الحالي رجب طيب إردوغان، ويقال عنه إنه شخصية طموحة وخطيب بارع ومجادل شرس، واعتبر أن رهان صلاح الدين دميرتاش، المسجون منذ أكثر من عام والذي رشحه حزب «الشعوب الديمقراطي» الموالي للأكراد لهذه الانتخابات، هو تمكين حزبه من الحصول على 10 في المائة على الأقل من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية.
وبينما لم تتمكن أحزاب المعارضة في الاتفاق على مرشح واحد في مواجهة إردوغان، نجحت في بناء «تحالف الأمة» بين 4 أحزاب تمثل توجهات سياسية مختلفة، هي حزب الشعب الجمهوري العلماني وحزب السعادة الإسلامي الذي أسسه رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان أحد أبرز زعماء تيار الإسلامي السياسي في تركيا والحزب الجيد القومي والحزب الديمقراطي (يمين الوسط).
ويخوض هذا التحالف الانتخابات أمام «تحالف الشعب» المكون من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية الذي يدعمه حزب الوحدة الكبرى (اليميني) وهو تحالف يلعب على قاعدة الناخب المحافظ والقاعدة الشعبية للقوميين التي انقسمت بين حزبي الحركة القومية والحزب «الجيد» بزعامة ميرال أكشينار، أما حزب الشعوب الديمقراطي فيخوض الانتخابات وحيداً، وإن كان هناك بعض الأحزاب اليسارية الراديكالية المتحالفة معه بشكل غير رسمي.
ويوجد بالبرلمان التركي حالياً 4 أحزاب كبيرة تمثل اتجاهات سياسية رئيسية، هي بحسب ترتيب عدد المقاعد: العدالة والتنمية الحاكم (محافظ)، والشعب الجمهوري (علماني كمالي)، والشعوب الديمقراطي (مؤيد للأكراد) والحركة القومية (قومي).
وجاءت الدعوة إلى الانتخابات المبكرة بعد إخفاق حزب «العدالة والتنمية» في إنهاء الاحتقان السياسي والاجتماعي المستمر منذ عام 2013، على خلفية فضائح الفساد التي تورط فيها بعض الوزراء من حزب العدالة والتنمية وعائلاتهم، إضافة إلى فشل العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا وشمال العراق في القضاء على تهديدات حزب العمال الكردستاني (المحظور) أو منع تسلل العناصر الإرهابية إلى تركيا، وهي العمليات التي سعى إردوغان لاستغلالها لتعزيز مكاسب داخلية بإرضاء القوميين الأتراك، وتحسين فرصه في الانتخابات المبكرة، وهو ما تحقق بحصوله على دعم حزبي الحركة القومية والوحدة الكبرى.
وشهدت تركيا تعبئة لأحزاب وجمعيات ومواطنين لمراقبة صناديق الاقتراع والتأكد من عدم حدوث أي مخالفة، في الوقت الذي يجري فيه التشكيك في شفافية الانتخابات المقبلة بسبب بعض التعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات. وظهرت مبادرات عدة لمراقبة الانتخابات، منها المنظمة غير الحكومية «التصويت وما وراءه» التي تعمل من أجل شفافية الانتخابات، حيث عقدت ورشة لتدريب المواطنين على مراقبة الانتخابات وسيتوزع عشرات الآلاف من الأشخاص في مراكز الاقتراع لمراقبة سير الاقتراع. لكن الدعوة إلى الانتخابات قبل موعدها الذي كان مقرراً في نوفمبر 2019، باغتت الجمعيات وأحزاب المعارضة التي سعت إلى التكيف مع قواعد انتخابية جديدة في فترة محدودة لم تزد إلا قليلاً عن شهرين.
ومن بين الإجراءات التي تثير استياء كبيراً، القبول بالبطاقات والأظرف التي لا تحمل ختم اللجنة العليا للانتخابات، مع أن المراقبين يعتبرون هذا الختم حصانة من حشو صناديق الاقتراع.
وكانت اللجنة الانتخابية العليا أدرجت في اللحظة الأخيرة هذه القاعدة خلال الاستفتاء على الدستور الذي أجري في 16 أبريل 2017 حول تعزيز الصلاحيات الرئاسية. وأقر التعديل الدستوري بفارق طفيف (51.4 في المائة) بينما تحدثت المعارضة عن تزوير، في اتهام رفضته الحكومة. وقالت المحامية ياسمين أولو شن التي تولت تنظيم دورات لزملائها الذين يريدون المشاركة في مراقبة الانتخابات، إن هذا الأمر سيكون أول ما تجب مراقبته. وانضمت نحو 30 نقابة في خطوة غير مسبوقة، لإرسال محامين في مراكز الاقتراع، معلنة تشكيل «خلية أزمة».
كما وحدت أحزاب المعارضة الرئيسية قواها لتنشئ «المنصة من أجل انتخابات حرة» التي ستجري فرزاً خاصاً بها للأصوات بمساعدة تطبيق هاتفي زودت به مراقبيها. وقالت نورسال داغ أوزال النائبة عن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة لـ«الشرق الأوسط»، إن الهدف من إنشاء هذه المنصة هو «حماية صوت الناخب أياً كان الحزب الذي صوت له».
في المقابل، تعهد رئيس اللجنة العليا للانتخابات سعدي جوفان بأن تكون الانتخابات «آمنة جداً» و«شفافة»، كما سمحت اللجنة لـ8 منظمات أوروبية بمراقبة الانتخابات، لكن كمال كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري أكد عدم ثقته في اللجنة العليا للانتخابات.
واتخذت السلطات إجراءات أمنية كثيرة في بعض المدن في شرق وجنوب شرقي البلاد، وهي مناطق تركز الأكراد، التي تعتبر أنها تواجه «تهديداً إرهابياً». لكن حزب الشعوب الديمقراطي يتهم السلطات بأنها تريد عرقلة تنقل الناخبين. وضاعف الحزب الذي يشعر بالقلق، الدعوات إلى مراقبة مراكز الاقتراع في جنوب شرقي البلاد.
ويشارك في تغطية الانتخابات 635 صحافياً أجنبياً من 34 دولة، إضافة إلى المراسلين الأجانب المعتمدين لدى تركيا.
وأقامت مديرية الصحافة والإعلام التابعة لرئاسة الوزراء مراكز إعلامية للصحافيين الأجانب في مدن أنقرة، وإسطنبول، وديار بكر، من أجل متابعة نتائج الانتخابات عبر شاشات نصبت في المراكز تُظهر بيانات نتائج الانتخابات أولاً بأول، حيث تقرر فرز الأصوات في الانتخابات الرئاسية أولاً ثم الانتخابات البرلمانية.
- أبرز التعديلات في قانون الانتخابات
أقر البرلمان التركي جملة تعديلات على قانون الانتخابات في مارس (آذار) الماضي من أبرزها:
> يحق للأحزاب للمرة الأولى تشكيل تحالفات خلال الانتخابات البرلمانية مع السماح للأحزاب التي لم تحصل على 10 في المائة من الأصوات بدخول البرلمان تحت مظلة التحالف.
> يتم جمع الأحزاب في بطاقات التصويت تحت اسم التحالف، لكن الناخبين يصوتون لحزب واحد من أحزاب التحالف على حسب اختياراتهم.
> يسمح باحتساب الأصوات التي ليس عليها ختم رسمي، وهو إجراء تم اعتماده خلال استفتاء أبريل 2017 على التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي وأثار جدلاً، إذ ترى فيه المعارضة مخاطر حدوث تزوير.
> يسمح بدمج بعض الدوائر الانتخابية ونقل صناديق اقتراع من دائرة إلى أخرى لأسباب أمنية، ويستهدف هذا البند دوائر في شرق وجنوب شرقي تركيا.
> يسمح لقوات الأمن بدخول مراكز الاقتراع في حالة طلب مواطن أو مراقب أو مسؤول ذلك، أو في حال حصول مشاجرات أو مناقشات ويحق لها إخراج ناخبين أو مراقبين إذا اعتبرت أنهم يثيرون بلبلة.
- كيف يصوّت الأتراك في الانتخابات؟
> يصوت الناخبون الأتراك بطريقة جديدة في انتخابات الغد لاختيار الرئيس ونواب البرلمان بوضع ورقتين في مظروف واحد.
> يتم انتخاب الرئيس بالاقتراع العام المباشر للمرة الثانية في تاريخ تركيا بعد انتخابات 2014.
> إذا لم يحصل أي مرشح للرئاسة على أكثر من 50 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى تجري جولة ثانية بين المرشحين الاثنين الحاصلين على أعلى نسبة أصوات في 8 يوليو (تموز) المقبل.
> يتم انتخاب النواب في جولة واحدة في كل من الولايات الـ81 في البلاد.
> الأحزاب التي تحصل على أكثر من 10 في المائة من الأصوات هي التي تدخل البرلمان، ويحق لها تكوين مجموعات برلمانية.
> يتألف البرلمان الجديد من 600 نائب مقابل 550 في البرلمان المنتهية ولايته.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.