اليابان تعلق تدريبات إجلاء السكان وبيونغ يانغ تدمر مواقع للتجارب الباليستية

ترمب متأكد من بدء نزع السلاح النووي... رغم تشكيك مراقبين

طلاب المدارس اليابانية يشاركون في عمليات التدريب على الإجلاء في يوليو 2017 بعد إطلاق كوريا الشمالية صواريخ باليستية باتجاه الجزر اليابانية. وأمس أعلنت طوكيو أنها بصدد تعليق هذا النوع من التدريبات (أ.ب)
طلاب المدارس اليابانية يشاركون في عمليات التدريب على الإجلاء في يوليو 2017 بعد إطلاق كوريا الشمالية صواريخ باليستية باتجاه الجزر اليابانية. وأمس أعلنت طوكيو أنها بصدد تعليق هذا النوع من التدريبات (أ.ب)
TT

اليابان تعلق تدريبات إجلاء السكان وبيونغ يانغ تدمر مواقع للتجارب الباليستية

طلاب المدارس اليابانية يشاركون في عمليات التدريب على الإجلاء في يوليو 2017 بعد إطلاق كوريا الشمالية صواريخ باليستية باتجاه الجزر اليابانية. وأمس أعلنت طوكيو أنها بصدد تعليق هذا النوع من التدريبات (أ.ب)
طلاب المدارس اليابانية يشاركون في عمليات التدريب على الإجلاء في يوليو 2017 بعد إطلاق كوريا الشمالية صواريخ باليستية باتجاه الجزر اليابانية. وأمس أعلنت طوكيو أنها بصدد تعليق هذا النوع من التدريبات (أ.ب)

أجرت اليابان 29 تمرينا في جميع أنحاء البلاد على عمليات إجلاء السكان تحسبا لقدوم صواريخ باليستية اعتادت كوريا الشمالية على إطلاقها منذ مارس (آذار) عام 2017.
وأمس أعلن كبير المتحدثين باسم الحكومة اليابانية أن الحكومة ستعلق تدريبات الإجلاء. وأدلى كبير أمناء مجلس الوزراء يوشيهيد سوجا بهذا التصريح في مؤتمر صحافي بعد اجتماع لمجلس الوزراء أمس الجمعة، بحسب هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية.
جاء القرار بعد الانفراجة ونزع فتيل التوتر في شبه الجزيرة الكورية نتيجة القمة التي عقدت في سنغافورة في 12 يونيو (حزيران) بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، واتفقا خلالها على تجريد شبه المنطقة من السلاح النووي.
وتضمنت الوثيقة الموقعة بين الطرفين التزام كيم بالتخلص من الأسلحة النووية مقابل التزام الولايات المتّحدة بأمن كوريا الشمالية.
كما تبعت القمة عدة خطوات مشجعة صبت في هذا المجال، كان آخرها إعلان الرئيس ترمب مساء الخميس بأن كوريا الشمالية دمرت «أربعة مواقع للتجارب» الباليستية. كما أعلن أمس الجمعة عن استئناف لقاءات العائلات التي فرقتها الحرب الكورية (1950 - 1953). واعتبرت الخطوة آخر مثال على حالة الوفاق في شبه الجزيرة.
وكانت الحكومة اليابانية تجري تدريبات مشتركة مع حكومات المقاطعات والبلديات تحسبا لهجوم صاروخي باليستي محتمل من جانب كوريا الشمالية. وأطلقت كوريا الشمالية العام الماضي صاروخين حلقا فوق اليابان وأسقطت عددا آخر في البحر.
وفي البداية لم تؤكد الحكومة على الفور هذه المعلومات، لكن السلطات في إحدى القرى أعلنت لوكالة الصحافة الفرنسية أنها علقت بناء على أمر من طوكيو تدريبا كان مقررا الأسبوع المقبل. وكانت مدينة يايتا، شمال طوكيو، قررت القيام بتدريب على محاكاة لإجلاء السكان الأسبوع المقبل بمشاركة 800 شخص منهم 350 تلميذا، كما قال المسؤول البلدي يوتاكا ياناغيدا لوكالة الصحافة الفرنسية. لكن المدينة ألغت فجأة كل الاستعدادات لهذا المشروع بعدما أبلغتها الحكومة بـ«ضرورة إرجاء كل التدريبات في الوقت الراهن بسبب تغير الوضع بعد القمة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية». وأكد سوجا أن التدريبات في تسع مقاطعات سيتم تعليقها خلال السنة المالية الحالية.
وأشار إلى انخفاض كبير في التوترات التي تؤثر على البيئة الأمنية في اليابان منذ اجتماع قادة الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في سنغافورة. وتابع سوجا بأن الحكومة والبلديات ستواصل القيام بتدريبات لتزويد العامة بالمعلومات الأساسية، بما في ذلك استخدام نظام التحذير على مستوى الدولة.
كما أعلن الرئيس الأميركي الخميس أن كوريا الشمالية دمرت «أربعة مواقع للتجارب» الباليستية، وذلك في وقت كان العديد من المحللين يبدون شكوكا حيال نتائج القمة التاريخية. وقال ترمب خلال اجتماع لإدارته «علاقتنا جيدة جدا. لقد توقفوا عن إرسال الصواريخ، بما فيها الصواريخ الباليستية». وأضاف: «لقد دمروا أحد مواقع تجاربهم الكبيرة. في الواقع، إن أربعة مواقع تجارب كبيرة» قد تم بالفعل تدميرها. وتابع ترمب بأن الأمر يتعلق بـ«نزع السلاح النووي بشكل كامل، وقد بدأ ذلك» يتحقق. وكان مسؤول أميركي قال لوكالة الصحافة الفرنسية الثلاثاء إن كوريا الشمالية قد تسلّم الولايات المتحدة قريباً دفعة أولى تضم رفات 200 جندي أميركي قتلوا في الحرب الكورية، وذلك بموجب الاتفاق بين الطرفين. وأكد ترمب الخميس: «لقد فهمت أنهم قاموا بإعادة، أو أنهم في طور إعادة رفات أبطالنا الكبار».
وفي سياق متصل التقت منظمتا الصليب الأحمر لدى الكوريتين الجمعة لمناقشة استئناف لقاءات العائلات التي فرقتها الحرب. وكان النزاع، الذي أدى إلى تقسيم شبه الجزيرة، تسبب بانفصال ملايين الأشخاص قبل حوالي 70 سنة. وقال بارك كيونغ سيو، رئيس الوفد الكوري الجنوبي في بداية محادثات بمحطة مون كومغانغ الجبلية الكورية الشمالية: «فلنسع إلى إنجاح هذا الاجتماع من خلال عقده من وجهة نظر إنسانية»، كما جاء في تصريحه الذي بثه التلفزيون الكوري الجنوبي. ورد باك يونغ إيل الذي يرأس الوفد الكوري الشمالي بأن «مجرد اجتماع الشمال والجنوب لإجراء محادثاتهما الأولى في محطتنا مون كومغانغ الشهيرة، مسألة بالغة الأهمية بحد ذاتها».
وقد مات معظم أفراد العائلات من دون أن يتمكنوا من رؤية ذويهم، ولا حتى الحصول على أخبار عنهم. فكل الاتصالات عبر الحدود بين المدنيين ممنوعة. وما زال على قيد الحياة 57 ألف شخص فقط مسجلون لدى الصليب الأحمر الكوري الجنوبي لرؤية أقاربهم، وتفوق أعمار معظمهم 70 عاما. وحتى لو عقدت الاجتماعات، فسيتم اختيار حوالي مائة شخص فقط من المشاركين من الجانبين.
وغالبا ما تكون هذه اللقاءات مشحونة بالعواطف ولا يسمح لهم سوى بثلاثة أيام غياب مستمر منذ عقود، وينتهي الحدث بفراق جديد قد يكون نهائيا هذه المرة.
وفي أعقاب بعض اللقاءات غير المنتظمة بدأت سياسة لم الشمل بصورة فعلية في 2000، في أعقاب قمة تاريخية بين الكوريتين. وفي البداية، كانت تعقد كل سنة، ثم أصبحت نادرة جدا بسبب التوترات. واستخدمت بيونغ يانغ سياسة لم الشمل ورقة للمساومة السياسية، رافضة عقد لقاءات منتظمة أو تعمد إلى إلغائها في اللحظة الأخيرة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...