«خرائط صغيرة» بين دول كبرى على خطوط التماس السورية

قاعدة أميركية جديدة شرق الفرات... وتفاهم روسي ـ تركي حول تل رفعت

«خرائط صغيرة» بين دول كبرى على خطوط التماس السورية
TT

«خرائط صغيرة» بين دول كبرى على خطوط التماس السورية

«خرائط صغيرة» بين دول كبرى على خطوط التماس السورية

ضربة غامضة على «الحشد الشعبي» العراقي وميليشيات تدعمها إيران في ريف دير الزور على ما تعرف بـ«طريق طهران - دمشق» شمال شرقي سوريا... مفاوضات مكثفة بين الجيش الروسي ونظيره الإسرائيلي في تل أبيب لبلورة ترتيبات لمنطقة خفض التصعيد جنوب غربي سوريا وعمق إبعاد إيران، بالتزامن مع تعزيزات من القوات الحكومية السورية إلى «مثلث الجنوب» وسط استئناف للقصف الجوي.
في شمال غربي البلاد، بدأ الجيش التركي تسيير دوريات على خط التماس في ريف منبج بين «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية التي تدعمها واشنطن، وبين قوات «درع الفرات» المدعومة من أنقرة، بموجب اتفاق أميركي - تركي أبرم في 4 يونيو (حزيران) الحالي. وعلى بعد عشرات الكيلومترات، تتأهب قوات الجيش التركي وفصائل سورية معارضة للدخول إلى تل رفعت بدلاً من قوات الحكومة السورية وميليشيات إيرانية، بموجب تفاهم تركي - روسي.
سياسياً؛ انتهى المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في جنيف أمس، من جولته الأولى من المشاورات مع الدول الثلاث «الضامنة» لـ«عملية آستانة»، على أن يدعو ممثلي هذه الدول إلى جولة ثانية بعد لقائه الاثنين والثلاثاء المقبلين مع ممثلي دول «النواة الصلبة» الست؛ أميركا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن وألمانيا.
مفاوضات وتعزيزات وغارات
أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن طائرات حربية قصفت منطقة خاضعة للمعارضة في محافظة درعا في تصعيد بمنطقة تستعد القوات الحكومية لمهاجمتها. واستهدفت الضربات منطقة قرية مسيكة في شمال شرقي المحافظة، وذلك بالتزامن مع وصول تعزيزات من قوات العميد سهيل الحسن المعروف بـ«النمر» و«قوات الغيث» في الحرس الجمهوري. وتعهد معارضون بصد الهجمات وبثوا فيديو أظهر تعرض رتل من قوات النظام لهجوم. واستهدفت فصائل معارضة بالقذائف مدينة السويداء للمرة الأولى منذ 3 سنوات، بحسب «المرصد».

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت قبل يومين أنها «لا تزال تشعر بالقلق من تقارير عن عمليات عسكرية وشيكة للحكومة السورية جنوب غربي سوريا ضمن حدود منطقة خفض التصعيد التي تم التفاوض حولها بين الولايات المتحدة والأردن وروسيا في العام الماضي... ونؤكد مرة أخرى أن الولايات المتحدة ستتخذ تدابير صارمة ومناسبة ردا على انتهاكات الحكومة في هذه المنطقة».
بحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، فإن هذه التهديدات والتعزيزات تزامنت مع محادثات مكثفة بين الجيشين الروسي والإسرائيلي للوصول إلى تفاهمات تتعلق بالجنوب السوري. ودعم هذه المفاوضات مقترح مساعد نائب وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد بانسحاب «حزب الله» وميليشيات إيران بعمق بين 20 و25 كيلومترا من خط فك الاشتباك في الجولان المحتل، وترتيبات تسمح بانتشار قوات الحكومة في الجنوب، وتسيير دوريات روسية للشرطة العسكرية ونشر نقاط مراقبة، ونقل ما بين 10 آلاف و12 ألف معارض وعائلاتهم وممن لا يقبلون بالتسوية من الجنوب إلى إدلب. كما تضمن الاقتراح استعداد واشنطن لتفكيك قاعدة التنف بعد التأكد من التزام روسيا بتعهدات إبعاد إيران و«حزب الله» بموجب آلية رقابة صارمة.
لكن الجديد، بحسب المعلومات، أن إسرائيل طالبت بإبعاد إيران بعمق 80 كيلومترا عن الجولان؛ أي إلى ما وراء دمشق، مع التأكد من حصول ذلك، وامتلاك إسرائيل صلاحية شن غارات ضد ما تعده خرقا لذلك من دون اعتراض روسي. وكان هذا ضمن اتصال الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنامين نتنياهو واتصال وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي مايك بومبيو الذي أكد على ضرورة «التزام ترتيبات» اتفاق بوتين - ترمب حول الجنوب.
وضمن الخلاف حول عمق الانتشار الإيراني بين 20 و25، و80 كيلومترا، وعرض الانتشار بين القنيطرة والجولان وريف السويداء نحو قاعدة التنف، جاءت الغارات الغامضة على عناصر تدعمها إيران في أقصى العمق السوري في شمال شرقي البلاد.

قاعدة أم انسحاب؟
أفادت معلومات بأن الجيش الأميركي عزز وجوده في مطار الطبقة العسكري بمناطق «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل ثلث مساحة البلاد. والمطار أحد أهم المطارات العسكرية السورية الذي كان التحالف الدولي استعجل السيطرة عليه قبل وصول قوات الحكومة والجيش الروسي إليه. بذلك، يرتفع عدد القواعد الأميركية إلى 6 كبيرة، فيما تقول أنقرة إن عددها يزيد على 20 قاعدة أو مركزا.
جاء ذلك في ظل توسيع مساهمة التحالف في المعركة الأخيرة ضد «داعش» حيث انضم عشرات ومئات المستشارين الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين إلى ألفي جندي أميركي، وذلك بموجب طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الحلفاء المساهمة في المعارك ضد «داعش» والمساهمة في تحمل العبء العسكري والمالي.
وكان ترمب قرر استعجال سحب قواته من شمال شرقي سوريا، لكن نصائح من أركان الإدارة الأميركية وحلفاء واشنطن في أوروبا والشرق الأوسط أدت إلى تأجيل ذلك. وتم ربط الوجود الأميركي بثلاثة أمور: الأول: القضاء الكامل على «داعش» في آخر جيوبه. الثاني: تقليص النفوذ الإيراني وقطع طريق طهران - دمشق. الثالث: تحقيق تقدم في عملية السلام عبر بوابة جنيف.
لكن صفقة منبج بين واشنطن وأنقرة من جهة؛ وسيطرة فصائل سورية معارضة تدعمها أنقرة على عفرين من جهة ثانية، دفعتا «وحدات حماية الشعب» الكردية المنضوية في «قوات سوريا الديمقراطية» للتريث في القضاء على «داعش» قرب حدود العراق، وإن كانت حققت كثيرا من التقدم في اليومين الماضيين. وتردد الأكراد دفع واشنطن إلى تعزيز الاعتماد على القوات العراقية داخل أراضي سوريا والضغط لتشكيل غرفة عمليات بين «قوات سوريا الديمقراطية» والقوات العراقية لطرد «داعش».
وبحسب المعلومات، فإن ترمب لم يصدر إلى الآن قراره بالانسحاب من شمال شرقي سوريا، وإن «مهمة أركان إدارته وحلفائه اليومية إقناعه بضرورة البقاء وتحقيق الأهداف الثلاثة وعدم ترك فراع تملأه طهران ودمشق وموسكو».
وفي حال قرر ترمب عشية الانتخابات النصفية للكونغرس في بداية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل الانسحاب وفق وعوده الانتخابية ومنع تقدم الديمقراطيين، فإن تنفيذ الأمر يتطلب ما بين 3 و5 أشهر، لكن عدم الوضوح من جهة، وتهديدات دمشق، وحصول اغتيالات غامضة شرق الفرات، وظهور حركات مسلحة تدعمها دمشق وطهران ضد الأميركيين، دفعت «قوات سوريا الديمقراطية» وجناحها السياسي إلى توسيع الانفتاح على خيار التفاوض للوصول إلى ترتيبات سياسية وعسكرية واقتصادية مع الحكومة السورية تتناول اللامركزية وحقوق الأكراد والتشارك في الموارد الاقتصادية.
صفقات وخيبات
نشرت وكالة «تسنيم» الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» أمس تقريراً يتحدث عن بنود «اتفاق غير مسبوق في تاريخ السنوات الثماني من عمر الأزمة السورية» قضى بتسليم مدينة تل رفعت شمال سوريا إلى تركيا. وقالت إن الاتفاق يشكل نقطة انطلاق لعهد جديد من التعاون الروسي - التركي؛ حيث ستدخل قوات الجيش التركي بشكل رسمي إلى المدينة لتطلع بمهام إدارة المدينة الكبيرة. وقالت: «في الوقت الراهن تتسلم القوات النظامية السورية المقربة من جبهة المقاومة؛ سيما الوحدات العسكرية المحلية في مدن نبل والزهراء والسفيرة والمجموعات من قبيل (لواء الباقر) و(فوج النيرب)، مسؤولية إدارة مدينة تل رفعت ومحيطها إلى جانب (الوحدات) الكردية التابعة لـ(قوات سوريا الديمقراطية)». في الاتفاق، تعهدت روسيا بإخراج عناصر إيران وقوات الدفاع الوطني الموالية لدمشق من تل رفعت وإدخال عناصر «الجيش الحر» إلى هذه المناطق وإلى داخل المدينة التي ستدار كغيرها من المناطق التي دعمت أنقرة فصائل سورية فيها.
وكان الجيش الروسي أقام مركزا له في تل رفعت، مما يشكل تكرارا لصفقات سابقة حصلت بين روسيا وتركيا في عفرين بداية العام الحالي قضت بطرد «وحدات حماية الشعب»، وفي «درع الفرات» بين الباب وجرابلس قضت بطرد «داعش». لكن اللافت أن صفقة تل رفعت جاءت فور بدء أنقرة وواشنطن تنفيذ صفقة منبج؛ إذ بدأ الجيش التركي تسيير دوريات في خط التماس بين «درع الفرات» و«سوريا الديمقراطية» على أن يتم تنفيذ الاتفاق خطوة بعد خطوة وصولا إلى إخراج «الوحدات» الكردية وتسير دوريات أميركية - تركية مشتركة وتشكيل مجلس محلي مدعوم من «مجلس منبج العسكري» من دون دخول الأتراك إلى المدينة.
من جهتها، نددت الخارجية السورية أمس بـ«التوغل» التركي - الأميركي في محيط منبج، عادّة أن ذلك يأتي «في سياق العدوان التركي والأميركي المتواصل على سيادة وسلامة ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية». وقالت في بيان رسمي إن دمشق «عازمة على تحرير كامل التراب السوري من أي وجود أجنبي».
وكانت تركيا أقامت 12 نقطة مراقبة في أطراف إدلب من جهة محافظات حلب وحماة واللاذقية ضمن اتفاق «الضامنين» الثلاثة لـ«عملية آستانة». وتسعى أنقرة إلى عملية متدحرجة لعزل «هيئة تحرير الشام» التي تضم «فتح الشام» («النصرة» سابقا)، ومنع حصول هجوم عسكري من قوات الحكومة منعا لتدفق مزيد من اللاجئين، ذلك أن إدلب باتت تضم 2.5 مليون شخص أكثر من نصفهم هجروا من مناطق أخرى سيطرت عليها دمشق.
وهناك اعتقاد أميركي بأنه في إدلب 12 ألف عنصر أجنبي وموالين لـ«القاعدة» سيتم استهدافهم بعمليات اغتيال بغارات جوية أو عمليات استخباراتية بالتزامن مع دعم المجلس المحلي والفصائل المسلحة المعتدلة.
الفجوة كبيرة بين ما يجري في جنيف والصفقات الصغيرة بين الدول الكبرى في الأرض. لكن الجامع بينهما هو غياب السوريين أنفسهم حكومة ومعارضة. وليس هناك رابط مباشر وعاجل بين مسار جنيف الدولي - الإقليمي المتعلق بتشكيل لجنة لصوغ الدستور السوري من جهة؛ والعمليات العسكرية والصفقات والتفاهمات على الأرض من جهة ثانية. لكن دبلوماسيين غربيين يتوقعون استمرار الواقع الميداني المتأرجح في جنوب غربي سوريا وشمالها الشرقي وشمالها الغربي، إلى أن يثبت على صيغة تتقاطع مع موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المرتقبة في 2021. وقتها، ستتم ترجمة مناطق النفوذ الخارجية في نصوص الدستور السوري.



السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.