بيرس لـ {الشرق الأوسط}: مطلوب «هلسنكي» شرق أوسطية لإعادة الاستقرار

المندوبة البريطانية لدى الأمم المتحدة قالت في أول حديث مع صحيفة عربية إن أوروبا تعمل مع أميركا للجم نشاطات إيران

كارين بيرس
كارين بيرس
TT

بيرس لـ {الشرق الأوسط}: مطلوب «هلسنكي» شرق أوسطية لإعادة الاستقرار

كارين بيرس
كارين بيرس

اتهمت المندوبة البريطانية الدائمة لدى الأمم المتحدة كارين بيرس، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، هو الأول لها مع صحيفة عربية، منذ تسلمها منصبها في مطلع السنة الجارية، الحرس الثوري الإيراني بأنه «يزعزع الاستقرار» في الشرق الأوسط، داعية إلى تسوية سياسية شاملة تضمن خروج الإيرانيين من اليمن، كاشفة أن المبعوث الدولي مارتن غريفيث يحاول إطلاق هذه العملية السياسية انطلاقاً من وجوب انسحاب ميليشيا الحوثي من الحديدة.
وكشفت أن هناك مساعي جارية لتمكين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من تحديد المسؤولين عن استخدام الغازات السامة المحظورة دولياً، في سوريا ودول أخرى، على رغم معارضة روسيا لذلك. وأشارت إلى دعوة قدمتها بريطانيا، لعقد مؤتمر في لاهاي يومي 26 و27 من الشهر الجاري، للدول الأعضاء في معاهدة الأسلحة الكيمائية، بهدف التصويت لإعطاء صلاحية تمكن المنظمة من توجيه اتهامات للجهات المسؤولة.
ووصفت المندوبة البريطانية برنامج الإصلاحات الداخلية السعودية التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بأنها مثيرة للغاية، وعبرت عن أملها في إنشاء آليات لصون الاستقرار في الشرق الأوسط وتوقيع اتفاقية على غرار اتفاقية هيلسنكي (أغسطس/ آب 1975) بين الاتحاد السوفياتي السابق والدول الغربية، التي حددت أطر العلاقات خلال الحرب الباردة... وتطبيقها بين المملكة العربية السعودية وإيران.
في حديثها مع «الشرق الأوسط» حول عدد من الملفات الرئيسية في الأمم المتحدة، عبرت المندوبة البريطانية التي حازت أخيراً على لقب «سيدة» من التاج البريطاني بمناسبة عيد ميلاد الملكة إليزابيث الثانية، عن اعتقادها أن «مجلس الأمن سيضطلع بدور ما» في حال سارت الأمور على ما يرام في شبه الجزيرة الكورية في أعقاب القمة التاريخية التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في سنغافورة. وقالت: «وصلنا إلى هذا الحد لأن مجلس الأمن كان متحداً خلف قيادة أميركية قوية»، إذ أنه «تمكن من ممارسة أقصى ضغط ممكن لتنفيذ العقوبات» التي تقررت في سلسلة من القرارات التي اتخذها المجلس طوال أكثر من سنوات، معتبرة أنها «شكلت عاملاً رئيسياً في جلب الكوريين الشماليين إلى الطاولة». وأضافت أن المجلس ينتظر أن يسمع من الأميركيين لمعرفة «ما إذا كان من المفيد عرض المسألة على المجلس لاتخاذ موقف ما».
ورداً على سؤال عما إذا كان مجلس الأمن سيتعامل مع كوريا الشمالية بالطريقة التي اعتمدها مع إيران عندما تبنى مجلس الأمن قراراً يؤيد خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي) أم أنه سيتخذ مساراً مختلفاً، أجابت أن «هذا أحد السيناريوهات الممكنة». بيد أنها استدركت أن «السيناريو الأكثر احتمالاً هو أن يكون محدداً أكثر»، مرجحة أن تخفف العقوبات «بشكل تدريجي».

الحرس الثوري يزعزع الاستقرار
وبالإشارة إلى التطورات الأخيرة المتعلقة بكوريا الشمالية، أكدت السفيرة بيرس أن هناك عدداً من العبر التي يمكن الإفادة منها بالنسبة إلى الإيرانيين الذين «لديهم الكثير من الأصابع في الكثير من الفطائر» في المنطقة والعالم، داعية الإيرانيين إلى أن «يبدأون حواراً أفضل مع الغرب، بما في ذلك أميركا» حول «أفضل السبل لتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط». وأكدت أن «كثيرا من الفوضى يتسبب بها وبشكل أساسي الحرس الثوري الإيراني»، إذ أنه «يتبع طريقة مزعزعة للاستقرار» باسم أن «إيران لديها مصالح أمنية مشروعة» في المنطقة. ولاحظت أن الإيرانيين «تلاحقهم قضايا في بلد مثل اليمن، على رغم أن لا مصالح أمنية إيرانية مباشرة هناك». ورأت أن بريطانيا والدول الغربية تعتمد «سياسة حازمة» حيال الدور السيئ لإيران في المنطقة، مؤكدة أن هذه الدول تعمل مع الأميركيين من أجل «لجم نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار». لكنها عبرت عن اعتقادها أنه «من الأفضل القيام بوجود الاتفاق النووي، عوض رفع القيود عن النشاطات النووية لدى إيران».
وقالت: «نحن نقبل بأن لدى إيران مصالح أمنية مشروعة، لكن بعض نشاطها حول الصواريخ الباليستية يتجاوز أي حاجة عقلانية قد تكون لديها»، موضحة أن لدى الإيرانيين «الكثير من الصواريخ، والكثير منها مصوب نحو إسرائيل، والكثير منها يشحن إلى الحوثيين لإطلاقها على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة»، مشددة على أنه «يجب إيجاد طريقة لتقييد تطوير تلك الصواريخ وإنتاجها في إيران»، علما بأنه «لن يكون هناك حظر شامل على إنتاج كل الصواريخ».

للإمارات والسعودية مخاوف مشروعة
وعن دور إيران بدعم الأسد في سوريا و«حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن، رأت أن «دول المنطقة تتحمل المسؤولية الأساسية عن تحقيق الاستقرار في المنطقة. لذا في اليمن، يجب أن تكون هناك تسوية سياسية مع الحوثيين، ولكن أيضاً مع مجموعات يمنية داخلية أخرى من أجل تسوية سياسية أكثر شمولاً وتضمن خروج الإيرانيين في نهاية المطاف من اليمن عسكرياً». وأضافت أنه في سوريا «نحض الروس والإيرانيين على ممارسة نفوذهم من أجل التوصل إلى تسوية سياسية». ورأت أنه «في النهاية ستكون هناك حاجة إلى شكل ما من الحوار بين المملكة العربية السعودية وإيران». وأكدت أن «الوضع حول الحديدة يثير قلقاً بالغاً»، موضحة أن «هجمات الحوثيين ضد السعودية بالصواريخ، وبعضها من إيران، ليست شرعية ويجب أن تتوقف»، معترفة بأن «لكل من الإمارات والسعودية مخاوف أمنية مشروعة نابعة من اليمن ويجب معالجتها». غير أنها اعتبرت أنه «لا يوجد حل عسكري في اليمن. يجب أن تكون هناك تسوية سياسية وهذا ما يعمل عليه مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث»، كاشفة أن «الأمم المتحدة تحاول التفاوض على انسحاب الحوثيين من الحديدة».
وأكدت أن «إيران تورد بعض الصواريخ التي يستخدمها الحوثيون»، مضيفة أن مجلس الأمن أصدر بالفعل قرارات حول توريد الصواريخ للحوثيين. وكشفت أن خطة مارتن غريفيث للسلام تتضمن «إجلاء الحوثيين من الحديدة تمشياً مع قرارات مجلس الأمن» على أن يبقى ميناءي الحديدة والصليف مفتوحين لأنهما «يشكلان شريان الحياة الحيوي للشعب اليمني». وتجنبت وضع جدول زمني لذلك.
وفيما يتعلق بسوريا، قالت: «أنا لا أعتبر أن كل شيء تقوم به روسيا موجه نحو تحقيق السلام»، بل على العكس لأن «معظم ما قامت به روسيا كان موجها لمساعدة الرئيس الأسد على الأرض، بما في ذلك مهاجمة شعبه». غير أنها اعترفت بأن «هناك فائدة» من بعض الجهود الروسية مثل مناطق خفض التصعيد وعملية أستانة، مضيفة أن المبعوث الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا يمكن أن يشكل قريباً اللجنة الدستورية. وأكدت أن «الروس لا يستخدمون الحد الأقصى الممكن من التأثير على الأسد».
وعما إذا كان الرئيس الأسد أو أي شخص آخر في سوريا سيحاكم على استخدام الأسلحة الكيماوية، أجابت أنها لا تريد أن تكون متفائلة بصرف النظر عن الظروف المحيطة بهذه المسألة بالذات «لأننا بعيدون عن أن نكون قادرين على اقتياد شخص ما إلى محكمة بسبب استخدام الأسلحة الكيماوية»، موضحة أنه «لا توجد في الوقت الراهن محكمة دولية» مخصصة لذلك، مضيفة: «لذا، سيوضع الأمر في عهدة محكمة وطنية في سوريا أو في أي مكان آخر». واعتبرت أن الأمر «الأكثر أهمية هو أنه ينبغي أن تكون هناك آلية مناسبة، آلية دولية لتحديد من استخدم الأسلحة الكيماوية استناداً إلى معايير قائمة على الأدلة ومن ثم ينبغي أن تكون هناك مساءلة على ذلك»، مشددة على أهمية جمع الأدلة تمهيداً لليوم الذي يمكن فيه تسليم الجناة إلى المحكمة.
وتعليقاً على اعتبار نظيرها الروسي فاسيلي نيبينزيا أن الاستعدادات الجارية لعقد مؤتمر في نهاية الشهر الجاري في لاهاي لتمكين منظمة حظر الأسلحة الكيماوية من تحديد المسؤولية في هجمات الغازات السامة ووصفه ذلك بأنه «خطير»، قالت بيرس: «أود أن أعرف لماذا يعتقد أن هذا خطير. لا أرى خطورة إذا كانت هناك آلية لتحديد المسؤولية (...) ومساءلة على استخدام هذه الأسلحة المحظورة»، مؤكدة أن ذلك «يجعل العالم أكثر أماناً لأنه يعمل كرادع ضد أشخاص آخرين يحاولون استخدامها في المستقبل». ورأت أن «هذه ليست بالضرورة سلطة مجلس الأمن، الذي هو أحد الخيارات. ولكن هناك خيار آخر عبر استخدام اتفاقية الأسلحة الكيماوية نفسها لمعالجة مسألة تحديد المسؤولية. وأوضحت أن هذا هو هدف عقد اجتماع للدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة الكيماوية في نهاية يونيو (حزيران) الجاري. وتساءلت عن سبب حرص الروس على دور مجلس الأمن حيث يملكون حق النقض، الفيتو.
وأكدت أن الدول الغربية لم تتخل عن هدف التوصل إلى حل في سوريا من دون الأسد. ولكنها أضافت: «نحن نتعامل مع واقع العالم كما هو، ومن الواضح أن وضع الشروط المسبقة للعملية السياسية لن ينجح، وبالتالي نحن مستعدون للعمل مع الروس وغيرهم ومع الأمم المتحدة لمحاولة دفع العملية السياسية إلى الأمام، ولن نضع شروطاً مسبقة قد تعرقل ذلك».

التصعيد في غزة
وعن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي والتجاذبات الأخيرة التي شهدتها أجهزة الأمم المتحدة، ومنها مجلس الأمن والجمعية العامة، حول التصعيد الأخير في غزة ولا سيما فيما يتعلق بالنص الذي يطالب بالحماية الدولية للشعب الفلسطيني والذي امتنعت بريطانيا عن التصويت عليه، قالت بيرس إن بلادها «تتطلع إلى أن تكون هذه النصوص متوازنة لكي تتمكن من التصويت لمصلحتها»، معتبرة أن النص الذي أعد للجمعية العامة «ليس متوازناً» لأنه «لا يندد بحركة حماس». وأضافت أن «الصعوبات الأخرى تكمن في الإشارة المبهمة للغاية إلى آلية الحماية المطلوبة». ودعت إلى صوغ «قرار معقول ومتوازن في عملية السلام في الشرق الأوسط يدعم حل الدولتين، ويدعو الإسرائيليين والفلسطينيين إلى الجلوس حول طاولة المفاوضات للتفاوض حول ذلك»، معتبرة أن «ذلك ممكن من الناحية النظرية (...) لكن جعل ذلك يحدث في الواقع أمر صعب للغاية». وأضافت: «لا نزال نترقب مقترحات السلام الأميركية»، آملة في حصول ذلك «قريباً» لأنه «سيكون حافزاً لنوع القرار الذي من شأنه أن يشجع الجانبين على الجلوس حول طاولة المفاوضات».
وفي ليبيا رأت أن «اجتماع باريس كان مفيداً» إذ أنه «تطرق إلى كل القضايا وحدد الطريق الممكنة للتقدم». ولكن «خلال الشهرين المقبلين، ينبغي أن يجري مجلس الأمن حواراً أعمق مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة، بهدف دعم جهوده على أفضل وجه وجمع كل الأطراف».

المصالح المتضاربة تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط
ورداً على سؤال عما إذا كان الشرق الأوسط يتحرك في اتجاه المزيد من انعدام الاستقرار، قالت إنه عقب انتهاء الحرب الباردة في التسعينات من القرن الماضي «كان هناك الكثير من الحديث عن نظام عالمي جديد»، مشيرة إلى أن ذلك أدى إلى «عدم استقرار في مناطق عدة لبعض الوقت، مثل البلقان. ولكن على المستوى العام ساد الهدوء مناطق معينة».
وأضافت أن ما يظهر الآن إلى الصدارة بلدان تصير أكثر حداثة ولديها مصالح اقتصادية وأمنية وسياسية على الساحة العالمية، ولكن من دون أن يكون لديها أي إطار كالذي كان خلال الحرب الباردة.
ورأت أن هذه البلدان «تتموضع في منطقها وفي العالم من النواحي الاقتصادية والأمنية»، وهذا ما يؤدي في نظرها إلى «تصادم الكثير من المصالح بطريقة لا مثيل لها من قبل، جزئياً لأن الكثير في بلدان الشرق الأوسط لم تكن لاعبة في على الساحة العالمي سابقاً». واعتبرت أن النظر إلى «مجموعة العشرين» التي أنشئت حديثاً نسبياً يوضح كيف أن «عدداً من الدول صارت فجأة من اللاعبين الاقتصاديين والسياسيين الجديين، ومن الطبيعي أن تتصادم مصالحها».
وأضافت: «ما لم نحصل عليه بعد هو الإطار الذي يمكن من خلاله إدارة هذا النوع من تنافس المصالح»، مذكرة أن «أوروبا لديها تلك الأطر»، ومنها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجلس أوروبا، فضلاً عن الكثير من أطر العمل بين الشرق والغرب ومجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى. وقالت إن «بقية العالم ليس لديها سوى الأمم المتحدة ومجموعة العشرين»، داعية إلى «حوار ونقاش أكبر من أجل تسوية التنافس على كل هذه المصالح خارج نطاق خطر النزاع أو عدم الاستقرار».
وعن تراجع الدور القيادي للولايات المتحدة من المسرح العالمي، رأت أن «أميركا تدخل في دورة وستعود، لأن هناك عدداً كبيراً من المصالح الأميركية الموجودة في الخارج»، مرجحة أن «تبدأ أميركا بتغيير موقفها» في وقت ما. لكن على المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وبعض القوى الاقتصادية الجديدة، ومنها المملكة العربية السعودية، أن «تبذل المزيد من الجهد لمساعدة مناطق مختلفة على أن تكون أكثر استقراراً». وأشارت إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان «لديه برنامج إصلاح داخلي مثير للغاية»، مضيفة أنه «سيكون من المثير للاهتمام للغاية إذا ساعدت منظمة المؤتمر الإسلامي في صوغ بعض الآليات، كالتي في أوروبا، للمساعدة في إدارة بعض القضايا الداخلية في المنطقة». وأعطت مثلاً أن أوروبا لديها اتفاقية هيلسنكي بين روسيا والغرب ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا للمشورة حول كيفية التعامل مع الأقليات الوطنية وحول التغيير الدستوري وحول القضايا الاقتصادية والاجتماعية على المستوى الإقليمي، ولكن «ليس لديك هذه الأشياء في الشرق الأوسط»، علما بأنها «موجودة أكثر في أفريقيا من خلال الاتحاد الأفريقي».
وتساءلت أخيراً عما إذا كانت القوى الرئيسية في الشرق الأوسط تريد البحث عن أنظمة مؤسسية تساعدها على إدارة بعض هذه المصالح المتضاربة. «أنا شخصياً أعتقد أنه يجب أن تكون هناك اتفاقية على غرار هيلسنكي بين إيران والمملكة العربية السعودية».



عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

قرَّر القاضي قاهر مصطفى، النائب العام اليمني، السبت، تكليف لجنة قضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وجميع الجرائم المنسوبة إلى المتهم عيدروس الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

وستُحقِّق اللجنة في أعمال الفساد واستغلال السلطة ونهب الأراضي وتجارة النفط والشركات التجارية من قِبل الزبيدي، التي أسهمت تداعياتها الخطيرة، وفق مراقبين، في خلق حالة من الانقسام السياسي والشعبي في المحافظات الجنوبية اليمنية نتيجة الفساد المالي والإداري والمظالم.

استغلال الصلاحيات

يرى الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عيدروس الزبيدي شخصية ليست صاحبة رصيد سياسي ولا نضالي ولا خبرة إدارية مطلقاً، لكن الصدفة والدور الخارجي دفعا به إلى أعلى المناصب في سلطة يمنية تعيش أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك استغل مناصبه وصلاحياته للاستحواذ على المال العام، وإفساد الوظيفة العامة والتآمر مع طرف خارجي ضد الوطن».

وثيقة الاستحواذ على حوش النقل البري

وأشار البيل إلى فساد كبير مارسه الزبيدي، مستغلاً الصلاحيات الممنوحة له إبان رئاسته لجنة الموارد السيادية، وهي أعلى سلطة تدير المال العام في اليمن، وقال إنه «استحوذ باسم (المجلس الانتقالي) على ميزانيات ضخمة خارج القانون لصالح المجلس وأفراده تُقدّر بـ10 مليارات ريال شهرياً. كما سخّر كثيراً من الموارد لصالحه مثل إيرادات المواني (عدن)، والجمارك، والضرائب، دون توريدها إلى البنك المركزي»، وقام بـ«توظيف هذه الإيرادات في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة».

وأضاف البيل أن عيدروس «فرض رسوماً غير قانونية على التجار والمواطنين، وخلق تعدد نقاط الجباية التابعة لتشكيلات مختلفة محسوبة على (الانتقالي)»، ناقلاً أمثلة لفساده أوردتها تقارير، منها «الاستحواذ على نحو 6 مليارات ريال شهرياً ضرائب على القات لا تُورّد إلى الخزينة العامة، وما يقارب 9 مليارات ريال شهرياً ضرائب على الوقود، وكذلك جبايات على الأسمنت والنقل، والمشاريع السياحية والنقاط الأمنية بموارد ضخمة، وكذلك الاستثمارات الخاصة والشركات وغيرها».

وتمثّل الفساد الإداري والمؤسسي للزبيدي، وفق البيل، في «تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال كوادر موالية له بدلاً من الكفاءات، وكذلك تعطيل مؤسسات خدمية (الكهرباء، والمياه، والقضاء) لصالح إدارته الموازية، وخلق أزمات خدمية لابتزاز الحكومة وإثارة سخط المواطنين، فضلاً عن خلق أجهزة أمنية متعددة بمرجعيات مختلفة لا تتبع الدولة، مما أنتج فوضى إدارية وانعداماً للمساءلة»، وانتهاكه لحقوق الإنسان «عبر إنشائه السجون السرية وما شملته من انتهاكات واتهامات موثّقة بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات خارج القانون بحق معارضين وصحافيين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

احتكار سياسي

من الناحية السياسية فيقول رئيس «مركز المستقبل»، إن الزبيدي «اختزل (القضية الجنوبية) في شخصه وطموحه وحوّلها إلى أداة احتكار سياسي ومكاسب نخب محدودة، ومارس باسمها ابتزازاً للدولة والمجتمع الدولي»، منوهاً إلى تورطه بـ«تهمة العمالة وخيانة الوطن» التي «تكاد تكون الجريمة الأكثر فظاعة في الدستور والقانون»، وهي «جزء من قائمة اتهامات طويلة ارتكبها عيدروس بحق الوطن والدولة والمواطن اليمني».

من جانبه، عدَّ إبراهيم جلال، الباحث والاستشاري في الأمن وتحليل النزاعات والاقتصاد السياسي، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، الفساد الذي مارسه الزبيدي انعكاساً لمنطق الغلبة وأنماط الاستئثار بالثروة والسلطة، بما في ذلك على نحو غير قانوني، وعلى حساب معاناة الناس ومصالحهم المعيشية.

بدوره، رأى عادل شمسان، الباحث الاقتصادي اليمني، أن بدء الإجراءات القضائية من النائب العام بالتحقيق فيما نُسب إلى عيدروس الزبيدي بالفساد والإثراء غير المشروع ومخالفة القانون وقضايا تمسّ سيادة الدولة بمثابة خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة. ونوَّه شمسان بأن «الإسراع في فتح التحقيق يعكس توجيهاً لتعزيز مبدأ المساءلة وسيادة القانون، واحتواء تداعيات القضية قبل اتساعها سياسياً»، لافتاً إلى أنه «سيُسهم في إعادة ضبط المشهد وتخفيف حدة الاستقطاب وإثارة التوتر الذي يسعى له عيدروس وأطراف داعمة من خلال إجراءات شفافة ومستقلة».

ومن الناحية الاقتصادية، يقول الباحث شمسان إن «هذا التحرك السريع يبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق والمانحين حول جدية المؤسسات، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحدّ من المخاطر المرتبطة التي يشوبها عدم اليقين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

أراضٍ وعقارات

وحسب وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، استحوذ الزبيدي على مساحة شاسعة من أراضي المنطقة الحرة في عدن والمخصصة بوصفها مخازن ومستودعات للميناء، حيث تم توثيق الأرض الممتدة من جولة كالتكس في المنصورة إلى محطة الحسوة بمدينة الشعب، وتوثيق الأرض باسم صهره جهاد الشوذبي.

وكشفت الوثائق عن استحواذ الزبيدي أيضاً على مساحة أرض في جزيرة العمال مطلة على البحر مباشرة وتتبع هيئة مواني عدن، وتم تسجيل الأرض باسم الشوذبي، بحيث يقسمها إلى مجموعة أراضٍ، وتُوزع على عيدروس ومجموعة من المقربين منه.

ووفقاً لمراقبين، استحوذ الزبيدي على نحو 100 فدان في بئر فضر بعدن، تابعة لشخص من أبناء المحافظات الشمالية يُدعى (الدفيف)، وتجري مساومته وابتزازه للتنازل عنها أو الدخول معه في شراكة من قِبل الشوذبي لعمل مدينة سكنية أو بيع هذه المساحة بوصفها أراضي نقداً.

وأشارت الوثائق إلى استحواذ عيدروس على 4 آلاف فدان بمنطقة راس عمران في عدن وتوثيقها باسم محمد قاسم الزبيدي، وكذلك على حوش النقل البري بمنطقة الدرين في الشيخ عثمان بعقد إيجار ومبلغ زهيد جداً يتم دفعه إلى الدولة، والمستفيد من هذه العملية عماد أبو الرجال مدير مكتب عيدروس، بالإضافة إلى حوش تابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر بتوجيهات من عيدروس، وعلى نحو 1000 فدان في محافظة لحج وتوثيقها باسم وسيط لمصلحة عيدروس، والمعهد الهندسي في التواهي المخصص لتأهيل الطلبة والمهندسين، وقطع أراضٍ بالقرب منه في جبل هيل.

وثيقة تأجير منتجع خليج الفيل لأحد أقارب عيدروس الزبيدي

النفط والشركات التجارية

أفاد مراقبون بأنه تم الضغط على شركة النفط اليمنية، ومديرها طارق الوليدي، بمنع استيراد البترول إلا عبر شركة تتبع الشوذبي ووزير النقل عبد السلام حميد، مشيرين إلى أنه منذ نحو عامَين، والأول هو من يورّد فقط بفوائد كبيرة تذهب إلى خزينة عيدروس. كما تم من وقت إلى آخر خلال الفترة ذاتها توريد شحنات نفطية إلى ميناء قنا بمحافظة شبوة لمصلحة الزبيدي والشوذبي، إلى جانب كميتين من النفط كان معهما فيها محمد الغيثي.

وأشار مراقبون إلى رصد قضايا فساد أيضاً على الشركة الأهلية للصرافة والتحويلات، والشركة العربية «إيكا» للأثاث، ومقرهما الرئيسي عدن، وتتبعان للشوذبي، بدعم من عيدروس.


«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)

عزّزت قوات درع الوطن اليمنية انتشارها العسكري، والأمني في الشريط الحدودي لمحافظة المهرة مع سلطنة عُمان، بالتوازي مع استعادة كميات من الأسلحة التي كانت قد نُهبت من مخازن عسكرية خلال عملية إخراج قوات المجلس الانتقالي المنحل من المحافظة، في إطار حملة أمنية متواصلة تشمل أيضاً محافظة حضرموت.

ووفق بلاغ عسكري حديث، نفذت وحدات من قوات «درع الوطن» في محافظة المهرة مهام تأمين استراتيجية في مديرية شحن، والمنفذ الحدودي الدولي مع سلطنة عُمان، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني، وحماية المواقع الحيوية، والمرافق السيادية، وضمان استقرار الحدود الشرقية للبلاد.

وشاركت في تنفيذ هذه المهام وحدات من اللواء الرابع – الفرقة الثانية بقيادة عبد الكريم الدكام، واللواء الخامس – الفرقة الأولى بقيادة منصور التركي، وذلك في سياق جهود توحيد العمل بين التشكيلات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية، والانضباط الأمني، بما يعكس توجه القيادة العسكرية نحو تعزيز حضور الدولة، وبسط سلطتها في المناطق المحررة.

وأكدت القيادات العسكرية أن هذه الخطوة تمثل صمام أمان لحماية المقدرات الاقتصادية، والاستراتيجية، وتؤكد التزام قوات درع الوطن بمسؤولياتها الوطنية في حفظ الأمن، والاستقرار، وبالتنسيق الكامل مع مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة اليمنية، وبدعم وإسناد من المملكة العربية السعودية، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية لتعزيز الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة من سيطرة جماعة الحوثي.

ضبط أسلحة في المهرة

ضمن حملتها لجمع السلاح، واستعادة ما نُهب من المعسكرات، تمكنت قوات «درع الوطن» اليمنية من ضبط كمية من الأسلحة، والذخائر في منطقة نشطون بمحافظة المهرة، في إطار جهودها الأمنية الرامية إلى مكافحة تهريب السلاح، ومنع انتشاره.

وأفادت السلطات المحلية في المحافظة بأن عملية الضبط جرت أثناء إجراءات تفتيش روتينية في النقطة الأمنية، حيث تم الاشتباه بإحدى المركبات، ليُعثر بداخلها على أسلحة وذخائر، جرى التحفظ عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، وفقاً للقوانين النافذة.

وأكدت قيادة قوات «درع الوطن» في المهرة أن هذه الجهود تأتي ضمن مهامها الأساسية لحفظ الأمن، وحماية المواطنين، ومنع تسرب السلاح، مشددة على استمرارها في أداء واجبها الوطني بكل حزم، ومسؤولية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، بما يسهم في تعزيز حالة الأمن والاستقرار في المحافظة الحدودية.

استعادة بعض الأسلحة التي نُهبت من مخازن قوات «الانتقالي» المنحل (إعلام حكومي)

من جهتها، أشادت قيادة السلطة المحلية في المهرة بأداء قوات «درع الوطن» العاملة في ميناء نشطون، مثمنة جهود قائد أمن الميناء ملازم أول عبد القادر السليمي، وقائد نقطة التفتيش محفوظ علي بن جعرة، ودورهما في تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المنفذ البحري من أي أنشطة غير مشروعة.

وفي موازاة ذلك، أكد مواطنون في المحافظة أن ما تحقق مؤخراً في المحافظات المحررة يمثل فرصة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، وتعزيزها، عبر اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة، والاستفادة الجادة من أخطاء المرحلة السابقة، والاعتراف بها، وضمان عدم تكرارها.

وشدد المواطنون على أهمية استكمال دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة تخضع لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، باعتبار ذلك ضرورة وجودية لبناء دولة قوية، ومستقرة.

كما طالبوا، في الوقت ذاته، بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءات، بعيداً عن المحاصصة السياسية، ومنح السلطات المحلية صلاحيات كاملة لإدارة شؤون محافظاتها، مع تكثيف جهود مكافحة الفساد.

نفي مهاجمة المحتجين

في سياق متصل بتطبيع الأوضاع الأمنية في محافظات شرق وجنوب اليمن، نفت قيادة الفرقة الثانية من قوات «العمالقة»، بقيادة العميد حمدي شكري، نفياً قاطعاً صحة بيان متداول تضمّن اتهامات باستهداف مشاركين في مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي المنحل، مؤكدة أن البيان مفبرك ومحرّف.

وأوضح المركز الإعلامي لقوات «درع الوطن» أن الفرقة الثانية عمالقة لم تستهدف أي متظاهرين، ولم تستخدم السلاح ضد المدنيين، وأن مهامها في النقاط الأمنية تقتصر على تنظيم الحركة، وتأمين الطرق، ومنع أي اختلالات أمنية قد تهدد سلامة المواطنين. وأكد أن الادعاءات حول سقوط قتلى أو جرحى نتيجة أعمال منسوبة للقوات عارية تماماً عن الصحة.

«درع الوطن» تواصل حملة جمع الأسلحة في حضرموت (إعلام محلي)

وحملت قيادة الفرقة مروّجي هذه الادعاءات المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن نشر معلومات مضللة، والتحريض على العنف، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يقف خلف فبركة البيانات، أو الترويج لها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الاجتماعي، ومحاولة لخلط الأوراق، واستهداف المؤسسة العسكرية.

وجددت قيادة الفرقة التزامها بحماية المواطنين، واحترام النظام والقانون، وتنفيذ مهامها وفق التعليمات العسكرية، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.


حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
TT

حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)

في موجة جديدة من العقوبات الأميركية منذ إدراج الحوثيين في اليمن على لوائح الإرهاب، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية حزمة عقوبات جديدة استهدفت البنية الاقتصادية الخفية للجماعة، من النفط والسلاح، إلى الطيران والتهريب البحري.

القرار، الذي شمل 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة، لا يكتفي بتجفيف الموارد، بل يسعى إلى خنق شبكات التمويل العابرة للحدود التي تربط الحوثيين بإيران، مروراً بالإمارات وسلطنة عمان، وصولاً إلى مواني البحر الأحمر.

وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تأتي في سياق استراتيجية أوسع لحرمان الحوثيين من القدرة على تمويل أنشطتهم العسكرية، وهجماتهم على الملاحة الدولية، واستخدام الاقتصاد سلاحاً ضد اليمنيين أنفسهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات من الضغوط الدولية، فإن وزارة الخزانة الأميركية تكشف عن أن الحوثيين ما زالوا يجنون أكثر من مليارَي دولار سنوياً من مبيعات نفطية غير مشروعة. هذه الإيرادات لا تُستخدَم لتحسين الأوضاع المعيشية، بل تُحوَّل مباشرة إلى خزائن الحرب، بينما يُفرض على اليمنيين شراء الوقود بأسعار باهظة.

تمثال للسيناتور السابق ألبرت غاليتين أمام وزارة الخزانة في واشنطن (رويترز)

العقوبات الجديدة استهدفت شبكة شركات واجهة لعبت دور الوسيط بين النفط الإيراني والحوثيين، أبرزها شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة، مثل «الشرفي لخدمات النفط»، و«أديما للنفط»، و«أركان مارس للبترول».

وتقول واشنطن إن هذه الشركات تلقت دعماً مباشراً من الحكومة الإيرانية، وسهّلت شحنات نفط شهرية، بينها شحنات مجانية، مخصصة لتعزيز القدرات المالية للحوثيين.

كما برزت شركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي بوصفها حلقة وصل لتحويل الأموال، من بينها «جنات الأنهار للتجارة العامة»، التي أُعيدت تسميتها بعد إدراجها سابقاً تحت اسم آخر، في محاولة للالتفاف على العقوبات.

وتشير «الخزانة» إلى أن هذه الشبكات لم تكن تجارية بحتة، بل كانت جزءاً من منظومة سياسية - عسكرية هدفها إبقاء الجماعة قادرة على تمويل التصعيد، داخلياً وإقليمياً.

تهريب الأسلحة

الضربة الأميركية لم تقتصر على النفط، بل طالت شبكات تهريب الأسلحة التي تعتمد على شركات لوجيستية وهمية، ومستودعات، ومسارات معقّدة عبر البر والبحر.

ومن بين أخطر القضايا التي كشفتها «الخزانة»، محاولة تهريب 52 صاروخ «كورنيت» مضاداً للدبابات داخل مولدات كهربائية مزيفة، عبر سلطنة عمان إلى صنعاء، قبل أن تتم مصادرتها.

كما أُدرجت شركات صرافة حوثية، أبرزها شركة «الرضوان للصرافة والتحويل»، التي وُصفت بأنها «الخزنة المالية» لعمليات شراء السلاح، حيث استُخدمت أموال المودعين لتمويل شبكات التهريب، ودفع أثمان مكونات صواريخ وأنظمة عسكرية متقدمة.

الجماعة الحوثية تستغل العقوبات داخلياً لقمع السكان وإجبارهم على مناصرتها (أ.ب)

وفي تطور لافت، كشفت العقوبات عن محاولة الحوثيين دخول مجال الطيران التجاري ليس لأغراض مدنية، بل كأداة مزدوجة لتهريب البضائع وتوليد الإيرادات. فقد تعاونت قيادات حوثية مع رجال أعمال موالين للجماعة لتأسيس شركتَي «براش للطيران» و«سما للطيران» في صنعاء، مع مساعٍ لشراء طائرات تجارية، بعضها بالتواصل مع تاجر أسلحة دولي مدان.

وترى واشنطن أن هذا التوجه يكشف عن انتقال الحوثيين من اقتصاد حرب محلي إلى اقتصاد تهريب إقليمي، يستخدم واجهات مدنية لتغطية أنشطة عسكرية.

الشحن البحري

كان البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى بؤرة توتر دولي، حاضراً بقوة في لائحة العقوبات الأميركية الجديدة، فبعد انتهاء التراخيص الإنسانية التي سمحت بتفريغ شحنات نفطية لفترة محدودة، واصلت بعض السفن نقل الوقود إلى موانٍ يسيطر عليها الحوثيون، في خرق صريح للقيود الأميركية.

العقوبات طالت شركة «البراق للشحن»، وسفينتها «ALBARRAQ Z»، إضافة إلى عدد من قباطنة السفن الذين أشرفوا على تفريغ شحنات نفطية في ميناء رأس عيسى. وتؤكد «الخزانة» أن هذه العمليات وفَّرت دعماً اقتصادياً مباشراً للحوثيين، بعد تصنيفهم «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً».

هجمات الحوثيين البحرية أدت إلى غرق 4 سفن شحن وقرصنة خامسة خلال عامين (أ.ف.ب)

الأخطر، وفق واشنطن، هو التحذير من العقوبات الثانوية، التي قد تطال مؤسسات مالية أجنبية تُسهّل «عن علم» معاملات كبيرة لصالح أشخاص أو كيانات مدرجة. فمكتب «OFAC» يملك صلاحية حظر أو تقييد الحسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة، ما يعني عملياً عزل أي بنك مخالف عن النظام المالي العالمي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أدرجت الحوثيين «منظمةً إرهابيةً عالميةً مصنفةً تصنيفاً خاصاً»، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة، اعتباراً من 16 فبراير (شباط) 2024، ثم صنّفتها لاحقاً أيضاً «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً» بموجب المادة 2019 من قانون الهجرة والجنسية في 5 مارس (آذار) 2025.