بيدرو سانشيز... «الشاب الوسيم» على رأس الحكومة الإسبانية

حقق حلم استعادة السلطة للاشتراكيين بعد «سنوات الظل»

بيدرو سانشيز... «الشاب الوسيم» على رأس الحكومة الإسبانية
TT

بيدرو سانشيز... «الشاب الوسيم» على رأس الحكومة الإسبانية

بيدرو سانشيز... «الشاب الوسيم» على رأس الحكومة الإسبانية

أطاح تصويت على الثقة بحكومة رئيس وزراء إسبانيا اليميني ماريانو راخوي، زعيم الحزب الشعبي، الذي حكم البلاد بين 21 ديسمبر (كانون الأول) 2011 وأول يونيو (حزيران) الحالي. وبعد فترة ارتباك وضياع سادت معسكر اليسار الإسباني، تمكَّن الزعيم الاشتراكي الشاب بيدرو سانشيز عبر تصويت الثقة وإسقاط حكومة راخوي من استعادة السلطة للاشتراكيين.
بيدرو سانشيز (تلفظ سانتشيث، باللغة الإسبانية)، الرئيس الجديد، والسابع للحكومة الإسبانية في الحقبة الديمقراطية الحديثة التي بدأت بعد وفاة الديكتاتور الجنرال فرانشيسكو فرنكو، لا يحتفل بعيد ميلاده سوى مرة واحدة كل أربع سنوات.
سانشيز «الوسيم»، ولد يوم 29 فبراير (شباط) عام 1972 في كنف عائلة مدريدية ميسورة كانت ترسله وشقيقه الأصغر لتمضية عطلة الصيف في ربوع الأرياف البريطانية لتعلّم اللغة الإنجليزية و«الانفتاح على العالم»، كما يردد والده الذي كان يريد لابنه البكر مستقبلاً مهنيّاً خارج إسبانيا.
بيد أن بيدرو الصغير كان يحمل مشروعاً آخر في رأسه ويعمل على تنفيذه بمثابرة لا تعرف الإحباط ولا الملل. ومن المنصف القول إن ثباته اللافت على مواقف جريئة لم يكن يراهن عليها أحد، كان مجزياً... وإن طالعه كان سعيداً في أكثر من مرحلة بدت خلالها الآفاق مسدودة أمام مشروعه.

الدراسة والانطلاق
بعد إنهاء دراسته الثانوية في أحد المعاهد الخاصة في العاصمة، التحق بيدرو سانشيز بكلية الاقتصاد في جامعة مدريد المركزية حيث تخرّج في أحد معاهدها المخصصة للنخبة، ثم بدأ بإعداد أطروحة الدكتوراه التي نالها عام 1998، وانتقل إلى العاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل ليعمل مستشاراً في البرلمان الأوروبي، وهناك بنى علاقات مع بعض السياسيين الاشتراكيين الذين سيواكبون مسيرته السياسية ويدعمونها لاحقاً.
ومن بروكسل، سافر إلى نيويورك حيث عمل مساعداً في بعض المؤسسات المالية «لاكتساب الخبرة والوقوف مباشرة على واقع النظام الرأسمالي». وفي نيويورك توطّدت علاقته بمندوب إسبانيا لدى الأمم المتحدة والوزير الأسبق للخارجية كارلوس وستندورب الذي - عند تعيينه مندوباً للأمين العام في سراييفو إبان حرب كوسوفو - استدعاه ليكون مديراً لمكتبه خلال فترة يصفها سانشيز بأنها كانت «الأكثر تأثيراً في حياته الشخصية والمهنية على غير صعيد».
عاد سانشيز إلى مدريد ليكمل مشروعه الذي كان يحتفظ به سراً ويعدّ له بتصميم وثبات. وفي عام 2004 أصبح عضوا في المجلس البلدي للعاصمة، إلا أنه استقال بعد خمس سنوات كي يدخل البرلمان بديلاً لأحد الوزراء الاشتراكيين الذي اضطر للاستقالة عند توليه مفوضيّة الاقتصاد في الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2010 اختاره الصحافيون الذين يغطّون أخبار البرلمان «النائب الواعد»، وبدأت مرحلة صعوده السريع والمتعثّر نحو قيادة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، الذي تولّى قادته رئاسة الحكومة الإسبانية أربع مرات منذ وفاة الجنرال فرنكو.

الاشتراكيون... و«سنوات الظل»
في عام 2014 عصفت أزمة داخلية قوية بالحزب الاشتراكي الإسباني إثر هزيمته في الانتخابات العامة ونشوب صراع شديد بين تّياراته الإقليمية لتولّي القيادة، انتهى بفوز سانشيز (أو سانتشيث) بمنصب الأمين العام كمرشح وسطي وتوافقي بانتظار «هدوء العاصفة» وبروز غالبية واضحة وقيادة جديدة. ولكن خلال العامين التاليين مني الحزب الاشتراكي بهزيمتين أخريين عمّقتا الانقسامات الحادة في صفوفه بعد تراجع شعبيته وصعود حركة «بإمكاننا» التي باتت تهدّد زعامة الاشتراكيين للمشهد اليساري في إسبانيا. ولقد بلغت حدة الانقسام داخل الحزب في تلك المرحلة حد «الانفساخ» بين المعسكر المؤيد لسانشيز ومعسكر الغالبية بقيادة الزعماء التاريخيين للحزب مثل رئيس الوزراء الأسبق فيليبي غونزاليس (تلفظ غونثاليث) الذي ما زال يتمتع بنفوذ قوي بين القيادات والقواعد الشعبية الاشتراكية.
ولم يكن سراً أن المعسكر الأخير كان يهدف إلى إسقاط سانشيز بدفعه إلى الاستقالة، بينما كانت أجهزة الإعلام القريبة من خط غونزاليس، وفي مقدمتها صحيفة «إل باييس» النافذة والواسعة الانتشار، تشنّ حملة غير معهودة في قسوتها على سانشيز مطالبةً بتنحّيه عن منصب الأمين العام. وهنا يقول بعض المقرّبين الذين ظلوا على وفائهم لسانشيز إبان الفترة التي كانت تنصبّ عليه فيها كل الانتقادات والاتهامات وتحمّله مسؤولية الهزائم الانتخابية، إن تلك المرحلة كانت من الصعوبة والقسوة والإجحاف بما يكفي ويزيد لتدمير أي زعامة والقضاء نهائيا على احتمالات نهوضها. غير أن القيادي الشاب أبدى من برودة الأعصاب ورباطة الجأش وروح المسؤولية والنزاهة الفكرية ما يندر وجوده عند كبار الزعماء المخضرمين. هذه المزايا رسّخت قناعة مؤيديه، بل وعدّلت في مواقف بعض خصومه، بأنه حقاً الرجل المناسب لقيادة الحزب ومواصلة المسيرة للعودة إلى الحكم.
مع هذا، ما كانت الأرقام في مصلحة سانشيز عندما انشطر الحزب بين خصومه المؤيدين لمنح الثقة لحكومة راخوي اليمينية مقابل بعض التنازلات، وتيّاره المعارض منحها الثقة لأنها «حكومة حزب يعشّش فيه الفساد، تتغاضى عن الفساد وتكافئ مرتكبيه، ويتوجب حجب الثقة عنها لأسباب أخلاقية». وبالتالي، أجبر القيادي الشاب، يومذاك، على الاستقالة من منصب الأمين العام للحزب. وعلى الأثر قرّر التخلّي عن مقعده البرلماني كي لا يضطر لتأييد حكومة راخوي عملاً بالقرار الذي اتخذته اللجنة التنفيذية للحزب الاشتراكي والذي يُلزِم النواب الاشتراكيين تنفيذه.
تلك كانت في توقعات كثيرين النهاية المعلنة لمسيرة الشاب الوسيم الذي «دأب يدرس ويتعلّم، ويحلم بأنه سيتمكن يوما من تغيير الحياة السياسية في إسبانيا نحو الأفضل»، كما يقول شقيقه الأصغر - الذي درس الاقتصاد أيضاً - وانتهى به الأمر قائدا لأوركسترا. غير أن الذين راهنوا على استسلام سانشيز كانوا يجهلون قوة عزمه وصلابة إرادته وإصراره على مواصلة السعي نحو الهدف الذي وضعه نصب عينيه منذ سنوات.

العودة إلى القمة
وحقاً، بعد أسابيع من استقالته عاد بيدرو سانشيز لينافس خصومه، وفي طليعتهم زعيمة الحزب الاشتراكي في إقليم الأندلس - الذي يعد الخزّان الانتخابي للاشتراكيين - في الانتخابات الأولية لمنصب الأمين العام. وبعد حملة مكثفة جال فيها على قواعد الحزب في الأقاليم الإسبانية، وبخلاف كل التوقعات، فاز على منافسيه الأندلسية سوزانا ديّاز (ديّاث) والباسكي باتشي لوبيز (لوبيث)، وعاد إلى زعامة الحزب من غير منازع منظور هذه المرة.
هذه العودة إلى قيادة الحزب الاشتراكي كانت انتصاراً شخصياً كبيراً لسانشيز على خصومه الذين حاولوا إسقاطه بإصرار غير معهود، واستخدموا كل الوسائل لتدمير سمعته والتشكيك في قدراته القيادية. لكن حنكته، التي راحت تتبدّى مع ظهور الانتكاسات في طريقه، تجلّت في خطابه الجامع دائماً، ونأيه عن تغذية الأحقاد، وحرصه على احتواء الخصوم وتحاشي الوقوع في إغراء الإجراءات الانتقامية. كذلك تجلت في الروح الانضباطية والرياضية التي واجه بها العثرات، وتغليبه الاعتبارات الأخلاقية على المقتضيات التقليدية للعمل السياسي.

التكتيك الذكي

لقد كان يدرك أن انتصاره داخل الحزب سيبقى منقوصاً بقدر ما هو قصي عن هدف الوصول إلى رئاسة الحكومة. إذ كانت دون هذا الهدف عقبات كثيرة ليس أقلّها التمثيل البرلماني الضعيف للحزب الاشتراكي في البرلمان والتشرذم الكبير وغير المسبوق للأحزاب السياسية.
من هنا تتجلّى براعة القيادي الشاب وجرأته في اختيار أسلوب العمل السياسي وتحديد أهداف مراحله. إذ كان يدرك أن تغيير معادلة التمثيل البرلماني، الذي هو الأساس للوصول إلى رئاسة الحكومة، مستحيل في الظروف الراهنة التي تحول دون إجراء انتخابات قبل موعدها الدستوري بعد سنتين. أيضاً كان موقناً أن الانتخابات المبكرة، في حال إجرائها، قد تكون كارثيّة بالنسبة للحزب الاشتراكي طالما هو في المعارضة. ولذا، انصبّت كل حسابات سانشيز على الوصول إلى رئاسة الحكومة من خارج صناديق الاقتراع بالطريقة الوحيدة الممكنة، أي حجب الثقة عن حكومة راخوي في البرلمان، وتشكيل حكومة اشتراكية تتجاوب مع المطالب الملّحة للمواطنين، كالاهتمام بالأوضاع الاجتماعية ومكافحة الفساد السياسي المُستشري وتنفيس الاحتقان الانفصالي. كل هذا تمهيداً للانتخابات العامة المقبلة واستعادة الشعبية المفقودة.
لم يكشف سانشيز أوراقه إلا لعدد ضئيل جداً من مساعديه، مع العلم أن بعضهم حذروه من مغبَّة الإقدام على هذه المجازفة التي قد تعيده إلى نقطة الصفر في حال فشلها، لا سيّما أن خصومه في الداخل ينتظرون أي هفوة لاستئناف معركة إزاحته عن قيادة الحزب. غير أنه لم يكن مستعداً للانتظار طويلاً في صفوف المعارضة بانتظار أن تسنح الفرصة التي قد لا تأتي أبداً وهو خارج البرلمان. وهكذا، مدّ يده كزعيم مسؤول للمعارضة إلى غريمه راخوي لمواجهة التحدي الانفصالي في إقليم كاتالونيا، وراح يراقب المسار الاهترائي للحزب اليميني الحاكم أمام عجزه عن فتح معابر التهدئة مع الانفصاليين وتحت وطأة فضائح الفساد، منتظراً اقتناص المناسبة التي تتيح له الانقضاض على خصمه وهزيمته بالضربة القاضية. وعندما أعلنت المحكمة العليا قرارها النهائي في كبرى قضايا الفساد ضد الحزب الشعبي الحاكم، وقضت بسجن عدد من الوزراء وكبار المسؤولين السابقين وشكّكت في صدقية الشهادة التي أدلى بها رئيس الحكومة راخوي أمام المحققين، أدرك سانشيز أنه بات قاب قوسين أو أدنى من الموعد المنتظر. إلا أنه مع ذلك - كما كشف أحد أعوانه أخيراً، فضّل التريّث مراهناً على عدم صدور ردة فعل من راخوي في مستوى خطورة الأحكام القضائية والاستياء العميق بين المواطنين، ما سيفاقم وضعه ويزيد من عزلته. وصحّ الرهان عندما أصرّ راخوي على أن الأحكام كانت مجحفة من حيث قسوتها. وادعى أنها تطال حقبة سابقة لعهده كرئيس للحكومة، مكتفياً بالدعوة إلى تركيز الجهود على ترسيخ الاستقرار الاقتصادي ومواجهة التحرك الانفصالي بثبات.
ولكن، عندما حان موعد تقديم طلب سحب الثقة من حكومة راخوي، قرر سانشيز المغامرة بالمضي في رهانه حتى النهاية، رافضاً التفاوض مع أي من القوى السياسية التي يتعذر إسقاط الحكومة من غير تأييدها لطلب سحب الثقة، وصرّح بأن الدافع وراء خطوته هو الاعتبار الأخلاقي والاستجابة لمطالب المواطنين بسياسة نزيهة واجتماعية.
مجدداً، روح المغامرة، أو النزاهة السياسية، عند القيادي الإسباني الشاب ما كانت قد بلغت ذروتها بعد. إذ إنه عندما تيقّن من أنه سيحصل على التأييد الكافي لإسقاط الحكومة، عرض على راخوي الاستقالة مقابل سحب طلبه حجب الثقة بحيث يبقى الحزب الشعبي في الحكم ويكلّف شخص آخر تشكيل الوزارة، لكنه لم يلقَ تجاوباً من راخوي الذي كان اتهمه بأنه يريد الوصول بأي ثمن إلى رئاسة الحكومة.

في نعيم السلطة
عشرة أيام فقط انقضت على تشكيل حكومة بيدرو سانشيز، لكن الأجواء السياسية والاجتماعية تبدو أكثر انفراجا وميلا إلى التفاؤل في إسبانيا.
لم يضع سانشيز عناوين كبيرة لبرنامجه الحكومي الذي حصر أهدافه الكبرى بمعالجة القضايا الاجتماعية الملحة التي أهملتها الحكومات اليمينية السابقة، واستعادة ثقة المواطنين بإدارة الشأن العام ومكافحة الفساد من غير تساهل، وفتح قنوات الحوار التي انقطعت بين القوى والأحزاب السياسية. وقد جاء القرار الأول الذي اتخذه سانتشيث باستقبال المهاجرين الأفارقة الذين رفضت إيطاليا استقبال سفينتهم التائهة في عرض البحر، بمبادرة فردية من غير التشاور مع أفراد حكومته، كمؤشر قوي على تغيير سياسة الحكومة في ملف الهجرة ومقاربة القضايا الاجتماعية والإنسانية. كما أن معالجته السريعة والحاسمة لأول أزمة واجهت حكومته عندما أوعز لوزير الثقافة بالاستقالة الفورية بعد انكشاف محاولته التهرب من دفع الضرائب منذ عشر سنوات، رغم تسوية وضعه القانوني لاحقاً مع وزارة المالية وسداد ما عليه من مستحقات، أظهرت أن ثمة ثقافة جديدة ستقوم عليها سياسة سانتشيث في التصدّي لمشكلة الفساد.



«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
TT

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا، وذلك بعد أن قامت طهران بعمليات تغيير ديموغرافي في المنطقة، وإحلال سكان جدد من ميليشياتها بدل السكان الأصليين الذين تم تهجير غالبيتهم والاستيلاء على أملاكهم. الزائر اليوم للمنطقة يدرك، من أحاديث السكان، أن العام الذي مضى على إسقاط الأسد، «شهد عودة أعداد كبيرة من السكان الذين هجّرهم نظام الأسد والميليشيات الإيرانية والميليشيات الأخرى التابعة لإيران و(حزب الله) قسراً من منطقتهم ومنازلهم».

تقع «السيدة زينب»، على أطراف دمشق الجنوبية، وتتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن مركز العاصمة نحو 8 كيلومترات. وقبل اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) 2011 كانت التركيبة السكانية للمنطقة عبارة عن خليط غالبيته من السُّنة، ويضم السكان الأصليين (الفلاحين) المنحدرين من الغوطة الشرقية، وآخرين من نازحي هضبة الجولان السوري المحتل، ولاجئين فلسطينيين، بالإضافة إلى قلة من أتباع المذهب الشيعي المنحدرين من بلدتي الفوعة وكفريا بريف إدلب، وآخرين غير سوريين قدِموا إليها من لبنان والعراق وبلدان الخليج وأقاموا فيها.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد سكانها؛ إذ يتحدث نشطاء عن أن عددهم بلغ نحو 136 ألف نسمة حسب إحصاء عام 2004، في حين تذكر دراسات أخرى أن العدد وصل إلى نحو 400 ألف شخص قبل اندلاع الثورة.

سوق «شارع التنين» حيث الحركة أفضل منها في سوق «بهمن» (الشرق الأوسط)

التغيير الديموغرافي تجاوز 08 %

منذ العام الأول لاندلاع الثورة، تدخلت إيران إلى جانب نظام الأسد، واتخذت من مسألة «الدفاع عن مقام السيدة زينب» الذي كان يؤمُّه آلاف الزوار من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، حجّة لجذب عشرات آلاف المسلحين إلى سوريا. وعملت، حسب تأكيدات مصادر محلية، مع نظام الأسد، على تهجير مقاتلي المعارضة المسلحة والاستيلاء على ممتلكاتهم، ومنحها لعائلات مقاتلي الميليشيات التابعة لها في المنطقة التي باتت المعقل الرئيسي لإيران في جنوب دمشق، وأُلبست الصبغة الإيرانية، وباتت توصف بأنها «مدينة إيرانية» وليست سورية، في ضوء تغيير أسماء شوارعها، والانتشار الكبير لصور رموز لإيران وأعلامها ورايات ميليشياتها، وتشييد وافتتاح مزيد من المراكز الدينية فيها.

تؤكد مصادر مقربة من الحكومة السورية، وأخرى محلية، لـ«الشرق الأوسط»، أن نسبة التغيير الذي أحدثته إيران في التركيبة السكانية لـ«السيدة زينب» والبلدات المحيطة بها، تجاوز الـ80 في المائة، بحيث أصبح السكان الأصليون أقلية ومعظمهم من كبار السن.

يذكر عنصر من قوى الأمن الداخلي، وهو من سكان المنطقة الأصليين، أنه عاد مع عائلته إلى منزله بعد تهجيرهم إلى الشمال السوري لأكثر من 12 عاماً. ويؤكد أنه «بعد بضعة أيام من سيطرة فصائل المعارضة وسقوط الأسد وفراره، وهروب الطغاة (في إشارة إلى قادة ومقاتلي الميليشيات الإيرانية) بدأ سكان المنطقة يعودون من الشمال ومحافظات أخرى، كما من دول اللجوء، والحكومة تعمل على إعادة أملاكهم إليهم، سواء كانت منازل أو محال تجارية أو أرضاً».

ولا يزال عدد كبير من أهالي بلدتي الفوعة وكفريا يقيمون في «السيدة زينب» بعد أن تم نقلهم إليها ضمن ما يُعرف بـ«اتفاق المدن الأربع» الذي تم التوصل إليه في عام 2017 بين «هيئة تحرير الشام» و«حركة أحرار الشام» من جهة، والنظام السوري و«حزب الله» والجانب الإيراني من جهة أخرى.

عرّف شاب على نفسه باسم «صالح»، وقال إنه تم إخراجه من بلدة الفوعة ونقله مع آخرين إلى «السيدة زينب»، حيث لا يزال يقيم فيها مع عائلته حتى اليوم. وبعد أن يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه مدني ولم ينضم إلى الميليشيات التابعة لإيران أو للنظام السابق، يؤكد أن أهالي الفوعة وكفريا المدنيين الذين لا يزالون يقيمون في «السيدة زينب»، لم يتعرضوا لأي مضايقات من سلطات الحكم الجديد، لكن من ارتكبوا جرائم بحق الأهالي واختفوا عن الأنظار تجري ملاحقتهم للقبض عليهم ومحاسبتهم.

وبموجب «اتفاق البلدات الأربع» تم إخراج 3800 شخص، بينهم مقاتلون من المعارضة المسلحة، من منطقة الزبداني بريف دمشق الغربي باتجاه محافظة إدلب، وإخراج 8000 شخص بينهم مسلحون من الميليشيات الموالية لنظام الأسد من بلدتي كفريا والفوعة باتجاه مناطق سيطرة النظام السابق وحلفائه.

سوق «بهمن» المجاور لمقام «السيدة زينب» وهو شبه خالٍ من المارة ويطلق عليه الأهالي حالياً اسم «شارع عبد الرحمن بن عوف» (الشرق الأوسط)

إعادة الحقوق لأصحابها

وتعمل الجهات المعنية في الحكومة السورية الجديدة على إعادة أملاك أهالي «السيدة زينب» الأصليين، إليهم. وتوضح المصادر المقربة من الحكومة أن العملية تتم «وفق ضوابط قانونية، تتضمن أن يقدم صاحب الحق طلباً إلى الجهة الحكومية المعنية، مرفقاً بأوراق ثبوتية تؤكد ملكيته المنزل أو المحل التجاري أو العقار... وبالنسبة إلى من أجبرتهم إيران على بيع ممتلكاتهم بالإكراه، فيجب عليهم أن يُحضروا شهوداً على ذلك، وفي حال ثبت أنهم أصحاب حقوق، تعاد أملاكهم إليهم».

وتتم إعادة الحقوق بعد عمليات تدقيق كبيرة في الأوراق الثبوتية التي يقدمها الأهالي، من الجهات المعنية؛ لأن هناك عمليات تزوير لوثائق ملكية جرت خلال سنوات الحرب، وفق قول المصادر نفسها.

ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن عملية إعادة الأملاك إلى أصحابها تجري «بوتيرة سريعة؛ إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتُعاد فيه أملاك إلى أصحابها، لكن الانتهاء من هذه العملية سيستغرق وقتاً طويلاً؛ نظراً إلى العدد الكبير للطلبات وعمليات التدقيق».

بدورها، تذكر مصادر محلية عدة أن طلبات إعادة الأملاك تُقدَّم إلى «هيئة الأملاك» في ناحية ببيلا الواقعة شمال «السيدة زينب». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول منها على إحصائية لعدد العقارات والمنازل والمحال التجارية التي استولت عليها إيران، لكن لم يتسنَّ لها ذلك، وسط مؤشرات إلى احتمال أن يكون العدد كبيراً جداً.

وكشفت مصادر مطلعة، تتردد دائماً على «الهيئة»، عن أن طلبات استعادة الأملاك باتت تشكل «مجلداً ضخماً للغاية»، لافتةً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عمليات استيلاء إيران على الأملاك وصلت إلى المناطق المحيطة بـ«السيدة زينب» من كل الجهات، حيث كانت تخطط لإنشاء ضاحية جنوبية في دمشق شبيهة بضاحية بيروت الجنوبية.

وبينما لا يزال مقام «السيدة زينب» يفتح أبوابه أمام زواره، يلفت الانتباه حالياً انعدام أفواج الزوار الذين كانوا يقصدونه بالآلاف من إيران والعراق ولبنان في سنوات ما قبل إسقاط النظام السابق.

وكانت مصادر محلية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» قبل سقوط النظام، عن أن قادة الميليشيات الإيرانية اشتروا بالإكراه عدداً كبيراً من المحال التجارية في أسواق «السيدة زينب»؛ طمعاً في إيراداتها المالية الضخمة، خصوصاً أن المنطقة تُعدّ وجهة للسياحة الدينية، حيث يبلغ عدد المحال التجارية فيها أكثر 500 محل، بالتوازي مع عمليات شراء مماثلة لأبنية ذات مساحات كبيرة وتحويلها فنادق، وصل عددها إلى نحو 50 فندقاً.

ووصلت عملية استملاك إيران وشرائها العقارات والأبنية خلال سنوات الحرب إلى مدينة دمشق؛ إذ سبق لخبير اقتصادي أن تحدث إلى «الشرق الأوسط»، بأنها سيطرت على سوق العقارات عبر شبكات من المؤسسات وتجار العقارات وبنوك إيرانية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقدمت تسهيلات، ومنحت قروضاً كبيرة للراغبين في شراء العقارات في سوريا، فتملّك إيرانيون ومقاولون ورجال أعمال، وقادة وعناصر الميليشيات، آلاف العقارات في أكثر المناطق حيوية في دمشق وفي الوسط التجاري، في حين استملكت السفارة الإيرانية فنادق عدة، ومساحات واسعة خلف «مستشفى الرازي» على أوتوستراد المزة لإنشاء أبراج سكنية، إضافةً إلى تملك أراضٍ وعقارات في ريف دمشق.


تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
TT

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً سياسياً مثيراً للجدل في أفريقيا الوسطى، يخوض واحدة من أكثر الرحلات تعقيداً فيما يُعرف على نطاق واسع بـ«أرض الغابات». فمن قاعات الرياضيات إلى «دهاليز السلطة»، برز الرجل بوصفه أهم لاعب سياسي منذ التسعينات، حاملاً مشروعه لإعادة تشكيل موازين الحكم في دولة أرهقتها الحروب وخلخلتها هشاشة المؤسسات. دولة تتنازعها القوى الإقليمية والدولية، ويُثقل تاريخها إرثٌ طويل من الانقلابات التي هزّت أفريقيا الوسطى وغرب القارة، بحسب ما يقول محللون. في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي توجه أكثر من مليوني مواطن إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات تشمل الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية، وهي انتخابات تمثّل اختباراً سياسياً حاسماً لتواديرا؛ إذ يتشابك الاستحقاق الانتخابي مع جدل حول تمديد الولاية الرئاسية، وسط تطلعات لتعزيز الشرعية وبناء المؤسسات الهشة للدولة المثقلة بتحديات الأمن والتنمية.

من رحم أسرة بسيطة، ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحه، وأظهر تفوقاً نادراً فيه، حتى التحق بالقسم العلمي في بانغي، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا عام 1976.

استمر في مساره الأكاديمي، فحصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة بانغي عام 1981، ثم الماجستير في ساحل العاج، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 1986.

وبعد عودته، التحق تواديرا بالعمل الأكاديمي، حيث أصبح عميد كلية ورئيساً في جامعة بانغي، واستمر في التدريس حتى بعد انتقاله للعمل الحكومي، متمسكاً برغبته في التواصل المباشر مع الطلاب والجمهور.

فمشوار أكاديمي استثنائي للبروفسور تواديرا في بلد يعاني من ندرة الأساتذة المؤهلين، أهداه صورة قيادية بعيدة عن الخطاب العسكري التقليدي، لكنه لم يبعده عن صراعات السلطة.

تحالفات محلية ودولية

وعلى الرغم من خلفيته العلمية، دخل تواديرا عالم السياسة الواقعية، حيث فرضت عليه الظروف بناء تحالفات محلية ودولية، خصوصاً مع روسيا والفصائل المسلحة المحلية والدولية. وقبل وصوله إلى قصر الرئاسة في 2016، شغل منصب رئيس الحكومة، ما منح مسار حكمه بعد ذلك قاعدة سياسية متينة، وخبرة واسعة أهلته لتكون صورة واضحة لمعادلات السياسية المعقدة في بلاده.أُعيد انتخاب تواديرا في 2020، وواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة، وإبرام اتفاقات سلام متقطعة مع فصائل مسلحة، مع اللجوء أحياناً إلى أدوات وأحلاف مثيرة للجدل على المستويين الداخلي والدولي.

ولطالما كان الأمن نقطة ضعف رئيسية في جمهورية أفريقيا الوسطى لسنوات، وقد ورث الرئيس تركة صراع بين تحالف «سليكا» المسلم وميليشيات «أنتي بالاكا» المسيحية، أدى إلى صراع طائفي واسع بعد الإطاحة بالرئيس فرنسوا بوزيزي عام 2013. وازدادت فصائل مسلحة محلية وتدخلات دولية وروسية وفرنسية أزمة البلاد تعقيداً، بحسب «مجموعة الأزمات الدولية».

وبعد انسحاب فرنسا من معادلة النفوذ في أفريقيا الوسطى، وتراجع فاعلية بعثات حفظ السلام التقليدية، اتجه قصر الرئاسة في عهد تواديرا نحو شراكة أمنية واقتصادية مع روسيا وشبكات مقاتلين خاصة تعرف إعلامياً بـ«فاغنر»، ثم وريثتها مجموعة «الفيلق الأفريقي».

الاعتماد على روسيا

ويبدو أن هذه المعادلة غير قابلة للتغيير؛ إذ لا يستبعد باحثون، ومنهم مستشارة «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتورة أماني الطويل، «استمرار تكريس اعتماد النظام الحاكم في أفريقيا الوسطى على الشركاء الخارجيين، وخصوصاً روسيا؛ إذ إن موسكو هي الضامن الأمني الأول لنظام الرئيس تواديرا، نظراً لسيطرتها الواسعة على الموارد الطبيعية وغياب أي منافس غربي بعد انسحاب فرنسا»، وفق ما قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط».هذا الوضع منح الرئيس هامش مناورة داخلياً لمواجهة التهديدات، لكنه أثار اتهامات بانتهاكات حقوقية ومخاوف من فقدان السيادة الوطنية مقابل تنازلات على الموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن.

«أرض الغابات» ودوامة الانقلابات

وعلى الصعيد الإقليمي، عزز تواديرا مكانته بتعيينه في 2023 ميسراً للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا خلال الأزمة في الغابون، ما أسهم في صورته كقائد قادر على لعب دور إقليمي. كما ألغى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2024 الحظر عن الأسلحة المفروض على قواته المسلحة. كذلك أنهت عملية «كيمبرلي» تعليقها لصادرات الألماس الخام من أفريقيا الوسطى، علماً بأنها نظام دولي تم إنشاؤه للحد من تجارة الألماس الدموي؛ أي الألماس الذي يُستخدم لتمويل النزاعات المسلحة.وفي بلد لم تبارحه دوامة الانقلابات منذ استقلاله في ستينات القرن الماضي، لم تكن فترة ولاية الرئيس المنتخب تواديرا استثناءً من هذه الدائرة. ففي عام 2021، قاد الرئيس السابق فرنسوا بوزيزي محاولة «انقلاب فاشلة» ضد تواديرا، فانخرط الجيش الوطني، بدعم من قوات روسية ورواندية، في صدّ الجماعات المسلحة ودفعها إلى حدود البلاد، ما منح الرئيس تواديرا «نصراً عسكرياً» مؤقتاً استغله لتعزيز موقعه في حملته الانتخابية.

وتزداد المفارقات في «أرض الغابات» وضوحاً حين يظهر تدخل محمد حمدان دقلو «حميدتي» عام 2023، وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان، لإحباط مخطط انقلاب في جمهورية أفريقيا الوسطى عبر ضبط الحدود وتعطيل تحركات فصائل مسلحة.

محاولتا الانقلاب العسكري على حكم تواديرا لم تمنعاه من القيام بـ«انقلاب دستوري»، وفق وصف أماني الطويل، في 2023، حين أقرّت البلاد استفتاءً دستورياً أثار جدلاً واسعاً، مدّد فترة الولاية الرئاسية إلى سبع سنوات، وألغى القيد المتعلق بحصرها في ولايتين، ما فتح المجال أمام ترشحه لولاية ثالثة.

استقرار أم تمديد للحكم؟

مؤيدوه رأوا في ذلك خطوة نحو الاستقرار المؤسسي، بينما أعرب معارضون عن خشيتهم من مسار لتمديد الحكم بطريقة غير ديمقراطية، وهو ما حدا بمنظمة «المرصد من أجل الحوكمة الديمقراطية» إلى التقدم بطلب رسمي إلى المجلس الدستوري للطعن في ترشحه.أما على مستوى حياة المواطن العادي، فما زال البطء يهيمن على مؤشرات التنمية بشكل واضح؛ إذ يعتمد الاقتصاد على قطاعات محدودة، بينما تتحول الموارد الطبيعية إلى محور تنافس داخلي وخارجي.

ورغم رهان الحكومة على استثمارات جديدة لتمويل تكاليف الأمن، فإن مشكلات الشفافية والحوكمة ظلّت عقبة بنيوية حالت دون تحويل الثروات إلى نمو فعلي داخل الاقتصاد الوطني. وبقيت مناطق الشمال الشرقي مهمّشة ومحرومة من الخدمات والمشروعات الأساسية، في مقابل تركّز الجهود الحكومية في بانغي والمناطق الأكثر نمواً، وفق تقديرات منظمات المجتمع المدني وتحليلات معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا.

المعارضة عاجزة

ومع ذلك، يستبعد محللون، ومنهم الطويل، أي فرص للإطاحة بحكم تواديرا عبر صناديق الاقتراع، أو حتى اندلاع احتجاجات واسعة ضده، وهو ما عزته إلى «عجز المعارضة عن خلق وجود فعلي على الأرض بسبب التضييق والانقسام في بلد أنهكته الحروب بين المسلمين والمسيحيين».ويشار إلى أن أبرز خصوم فاوستين تواديرا في الانتخابات (تُعلن نتائجها خلال أيام)، هم أنيست جورج دولوغليه عن حزب «الاتحاد من أجل النهضة»، وهنري ماري دوندرا، مرشح مستقل ورئيس وزراء سابق، إلى جانب عدد من المرشحين الصغار المحدودي التأثير.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تكن المفارقات والصراعات بعيدة عن حياة الرئيس تواديرا لكن بشكل ناعم، فهو «متعدد الزوجات»؛ إذ إنه متزوج من كل من بريجيت، وكذلك تينا تواديرا، ولديه ثلاثة أبناء، بينما ترد تقارير عن منافسة بين الزوجتين على لقب «السيدة الأولى» خلف الكواليس.

وسط هذه التفاعلات، يبقى السؤال المحوري أمام الرئيس تواديرا: هل سيقدّم تمديد فترة حكمه إطاراً حقيقياً لإرساء السلام والمؤسسات، أم أنه سيُعمّق الانقسام ويزيد الاعتماد على الفاعلين الخارجيين؟


الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)

تظل القارة الأفريقية بيئة خصبة للصراعات العرقية والدينية والسياسية، وفي قلبها تتشابك الأزمات الأمنية والاجتماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى مع هشاشة مؤسساتها، كأنها أرض تئن تحت وطأة الصراعات المتواصلة.

ومع اندلاع حرب أهلية عام 2013، إثر انقلاب أطاح بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، تصاعدت التحديات والاقتتال الأهلي على أساس ديني بين فصيلين، أحدهما مسلم، والآخر مسيحي، ما استدعى تدخلاً دولياً عاجلاً تحت مظلة الأمم المتحدة لحماية المدنيين ودعم الاستقرار، رغم إدراك الجميع أن الحل لن يكون سريعاً أو سهلاً.

وفي أبريل (نيسان) 2014، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد في أفريقيا الوسطى، المعروفة باسم «مينوسكا»، لتكون ركيزة أساسية لمحاولة إعادة الاستقرار. وصُممت بعثة حفظ السلام لتعمل كـ«فرقة إطفاء دولية» تحاول السيطرة على ألسنة اللهب الصراعية المشتعلة في بلد تعصف به النزاعات المسلحة، وتتفكك فيه الدولة.

وتكفلت «مينوسكا» بمهام شاملة، شملت حماية المدنيين، ودعم الانتقال السياسي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة وسيادة القانون، في محاولة لإعادة بناء الدولة وسط فوضى مستمرة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، حقّقت البعثة بعض الإنجازات الملموسة. فقد نجحت في منع موجات من العنف الجماعي، ونزعت سلاح أكثر من 800 مقاتل منذ منتصف 2025، كما دمّرت بنية تحتية للفصائل المسلحة، ما ساهم في تقليل التهديد على المناطق السكنية. كما دعمت «مينوسكا» المسار السياسي، وعزّزت سلطة الدولة، وشجّعت على تنفيذ اتفاقيات السلام، وإصلاح قطاع الأمن، وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع المدني، ما مثّل خطوة مهمة نحو استقرار جزئي.

وفيما يعكس التحديات السياسية والدولية المحيطة بعمل البعثة الدولية، مدّد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لعام إضافي، وسط تحفظ أميركي عن القرار، تمثّل في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

إضافة إلى المهام الأمنية، لعبت «مينوسكا» دوراً محورياً في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق النائية، وتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية، ما ساعد في دعم العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب. ففي مناطق ساخنة مثل أوت مبومو، جنوب شرقي البلاد، وسّعت البعثة وجودها منذ 2024 لتخفيف تهديد الفصائل المسلحة، وتمكين السلطات المدنية من استعادة السيطرة على الأرض.

ومع ذلك، لم تكن الإنجازات شاملة. فقد رفضت بعض الجماعات المسلحة الالتزام الكامل باتفاقيات السلام، واستمرت في نشاطها في مناطق يصعب الوصول إليها، بينما واجهت قوات حفظ السلام هجمات مباشرة واحتجاجات محلية، ما كشف هشاشة الوضع الأمني وصعوبة بناء ثقة كاملة مع السكان. كما عانت البعثة من تحديات هيكلية، مثل نقص الموارد وتأخر الانتشار في البداية، ما أعاق السيطرة الفورية على بعض المناطق.

ويبقى دور الأمم المتحدة في أفريقيا الوسطى رمزاً مزدوجاً، فهي تحمي المدنيين وتتيح وصول المساعدات، لكنها عاجزة عن إخماد الحرائق بالكامل. القوة موجودة، لكن تأثيرها محدود، والسلام جزئي وهشّ.

ويعتقد محللون أن السلام المستدام لن يتحقق إلا بتكامل الدعم الدولي مع بناء دولة وطنية قوية قادرة على توفير أمن دائم، وعدالة حقيقية، وتنمية شاملة، وهو تحدٍ عسير يشكّل رهاناً استراتيجياً للرئيس فاوستين أركانج تواديرا في الولاية الرئاسية الثالثة المتوقعة.

وتبرز هذه التحديات نفسها، بصورة أو أخرى، في دول أفريقية مختلفة، تضم بعثات للأمم المتحدة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وجنوب السودان، والسودان (إقليم دارفور سابقاً)، والصومال، حيث تسعى المنظمة الدولية إلى تقديم نموذج محدود لسلام مستدام في قارة تعاني أزمات متكررة ومعقدة.