بوتين يتوج في بكين مرحلة الصعود الروسي

بوتين يتوج في بكين مرحلة الصعود الروسي

علاقة «استثنائية» بين موسكو وبكين تؤسس لعالم «ما بعد الغرب»
السبت - 3 شوال 1439 هـ - 16 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14445]
موسكو: رائد جبر
عكس الإعلان المشترك الذي وقعه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ، في ختام المحادثات الثنائية الأخيرة بينهما في الصين، تنامي القناعة الروسية الصينية بحجم التحولات التي حملتها السنوات الأخيرة على العلاقات الدولية، وتزايد المخاوف المشتركة من انعكاسات السياسة الأميركية على مصالح الطرفين.
وكان واضحاً أن موسكو وبكين تجاوزتا الحذر الذي سيطر حتى وقت قريب على علاقات البلدين لأسباب مختلفة، بينها التغلغل الصيني الواسع في مناطق شرق سيبيريا الشاسعة، التي نبه خبراء روس أكثر من مرة من أنها ستتحول في مرحلة لاحقة إلى ساحة مواجهة بين البلدين. هذا، إضافة إلى تضارب المصالح الاقتصادية في عدد من الملفات الإقليمية المهمة. هذه الهواجس غابت مؤقتاً، كما برز في الإعلان المشترك، وحل مكانها إدراك لأهمية منح علاقات روسيا والصين صفة «التحالف الاستراتيجي» لمواجهة مساعي الهيمنة الأميركية، وتداعيات السياسات الغربية على مصالح البلدين.
اتفق الزعيمان الروسي والصيني، فلاديمير بوتين وشي جينبينغ، في الإعلان المشترك، على أن «روسيا والصين ستعززان، في ظروف الأوضاع الخارجية المعقدة والمتغيرة، الدعم المتبادل في إطار الشؤون الدولية، وستعمقان التعاون الاستراتيجي بينهما». وأكد البلدان أنهما «سيؤيدان بقاء المسؤولية الأساسية عن تعزيز السلم والأمن الدوليين في عهدة مجلس الأمن، وسيتصديان لمحاولات شن العمليات العسكرية أحادية الجانب دون قرار من قبل مجلس الأمن، أو موافقة السلطات الشرعية في البلد المستهدف».
كذلك أشار الجانبان إلى ضرورة «منع التدخل في شؤون الدول الأخرى، إن كانت الداخلية أو الخارجية، وحل النزاعات السياسية عبر الطرق الدبلوماسية حصراً»، وأكدا «عزمهما على مواصلة تعزيز الاتصالات الاستراتيجية، والتنسيق بين قواتهما العسكرية، وتطوير الآليات الموجودة للتعاون العسكري، وتوسيع العلاقات في مجال التعاون العسكري والتقني العسكري، والتصدي المشترك للتحديات التي يواجهها الأمن العالمي والإقليمي». كذلك لفت الجانبان في الإعلان المشترك إلى ضرورة «إيلاء اهتمام خاص لضمان التوازن والاستقرار الاستراتيجيين، عالمياً وإقليمياً، لا سيما في ظل قيام بعض الدول بتطوير منظومات الدفاع الجوي بشكل أحادي، ونشرها في أوروبا وآسيا والمحيط الهادي، بذريعة ما يسمى التهديد الصاروخي، نظراً لأن هذا الأمر يضر بالمصالح الأمنية الاستراتيجية للدول الإقليمية، بما فيها روسيا والصين».

سوريا ونووي إيران
وفِي الأزمات الإقليمية، حرص الجانبان الروسي والصيني على إبداء رد واضح يكشف عن تطابق المواقف. وفِي الملف السوري، بالذات، تعهدا بمواصلة تقديم «الدعم المشترك لضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا، واحترام سيادتها، وتأييد التسوية السلمية فيها بأيدي السوريين أنفسهم، وبدعم الأمم المتحدة، وعبر منصتي جنيف وآستانة، واستناداً إلى نتائج مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي»، واتفقا على «التنسيق المكثف لضمان إعادة إعمار سوريا بصورة فعالة».
وفِي الموضوع النووي الإيراني، أعربا عن «قلق مشترك» بسبب «الانسحاب الأحادي لواشنطن من الالتزامات التي تم تسجيلها في اتفاق إيران النووي»، وأشارتا إلى أنهما «ستبذلان كل الجهود الممكنة للحفاظ على خطة العمل المشتركة الشاملة، انطلاقاً من الأهمية المبدئية لحماية مصالح تعاون جميع الدول التجاري والاقتصادي مع إيران من العقوبات الأحادية العابرة للحدود».
وانسحب تطابق المواقف على الوضع في شبه الجزيرة الكورية، إذ اتفق الجانبان على «مواصلة تنسيق الجهود الرامية إلى الحل الشامل لقضايا شبه الجزيرة الكورية»، وتعهدا بـ«التعاون مع الدول الأخرى في المنطقة للإسهام في التسوية في أفغانستان، وإعادة إعماره، ومحاربة الإرهاب وتهريب المخدرات في هذا البلد».
لقد شكلت وثيقة الإعلان المشترك الأساس القانوني العملي الذي يجمع سياسات البلدين على الساحة الدولية. ومن الطبيعي أن الفقرات المتعلقة بالنظام الدولي الجديد وإصلاحات الأمم المتحدة شغلت حيزاً مهماً بسبب المخاوف المتصاعدة خلال السنوات الأخيرة لدى كل من روسيا والصين من الميل الغربي لاستخدام الفوضى الناشئة عالمياً لفرض تعديلات في النظام الدولي تهدد مصالح «القطب» الروسي - الصيني، المتطلع للصعود بقوة على خلفية إخفاقات السياسات الغربية المتواصلة. ومع الإعلان السياسي، وضعت موسكو وبكين أساساً عملياً لتطوير التعاون الثنائي، عبر توقيع رزمة من الاتفاقات التي حملت طابعاً استراتيجياً، ورسمت الاتجاهات الرئيسية لتطوير التعاون بين البلدين في مجالات عدة، على رأسها مجال الطاقة النووية للعقود المقبلة. وتعد حزمة الاتفاقات الأكبر في تاريخ تعاون البلدين في الطاقة الذرية للأغراض السلمية، إذ تشمل مشاريع قائمة على التكنولوجيا المتطورة لا نظير لها في الصناعة النووية العالمية.
وعلى الرغم من أن التركيز الإعلامي انصب أكثر على التعاون في المجال النووي، وهو قطاع تحتاج الصين بقوة فيه إلى الخبرات والإمكانات الروسية، فإن رزمة الاتفاقات التي وقعت خلال الزيارة تجعل القفزة المشتركة بوابة لمرحلة جديدة غير مسبوقة في تاريخ التعاون الثنائي، وهو ما انعكس في كل المجالات الأخرى. وانسحب ذلك على التعاون في مجال صناعات الفضاء، وفِي خطط إمدادات النفط والغاز، خصوصاً في إطار الدراسة المشتركة التي أطلقها الاقتراح المنغولي لمد أنابيب إمداد للنفط والغاز من روسيا إلى الصين عبر أراضي منغوليا، وهو مشروع ستكون له أبعاد استراتيجية مهمة بدأت الأطراف الثلاثة بالترويج لها عبر الحديث عن «تحالف طاقة» يجمع مصالحها.
وشكلت التطورات التي رافقت الزيارة مناسبة مهمة لروسيا للاحتفال بحلول الصين في المرتبة الأولى بين الشركاء التجاريين لموسكو، محتلة بذلك مكان الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى في التاريخ.
ويصل حجم التبادل التجاري الحالي إلى نحو 100 مليار دولار (٩٥ ملياراً مع أوروبا)، ويسعى الطرفان وفقاً للإعلانات المشتركة إلى بلوغ رقم 200 مليار خلال السنوات العشر المقبلة.
وهي قفزة غير مسبوقة لا تضع أسساً للتحول الروسي نحو الشرق في مواجهة مساعي التحول الأميركي إلى هناك وحسب، لكنها تبرز أيضاً نجاح روسيا في كسر العزلة والحصار الاقتصادي والسياسي الذي فرض عليها من جانب الغرب، مع كل ما يمكن أن يلي ذلك من تداعيات على السياسات الدولية والإقليمية لروسيا.

«منظمة شانغهاي للتعاون»
في عام 2016، عندما وضعت روسيا وحليفتها الأقرب في الفضاء السوفياتي السابق كازاخستان ملامح فكرة إطلاق مشروع «أوراسيا الكبرى»، كانت التطورات العالمية ما زالت لا تمنح «منظمة شانغهاي للتعاون» مكانة عالمية مهمة، وظل تأثيرها محدوداً في إطار إقليمي يجعلها ذراعاً لتحركات روسيا والصين في ظروف ضيقة.
غير أن الفهم المشترك لتداعيات تأثير تنامي التنافس العالمي، ومحاولات صياغة النظام الدولي الجديد، دون الأخذ بالاعتبار المصالح الكبرى للطرفين، دفعا إلى تطوير المشروع الأورآسيوي، ليشكل نافذة وأداة تأثير واسعة.
وبرز دور هذه النافذة أخيراً بشكل متزايد من خلال إصرار الخبراء ومراكز الدراسات الروسية والصينية على تأكيد مغزى التحول الكبير، عبر إسقاط معادلة «أوروبا الممتدة من لشبونة إلى فلاديفوستوك»، التي تستند إليها السياسات الغربية، وإحلال نظرية «أوراسيا» الممتدة من بحر الصين الجنوبي إلى بحر المانش مكانها.
هذه الصياغة حملت ترجمة عملية لوحدة المصالح الروسية والصينية في قلب معادلة التوسّع الأوروبي، اقتصادياً وسياسياً، نحو آسيا، وجعلها معكوسة تماماً.
وجاء الإعلان رسمياً عن ضم الهند وباكستان رسمياً هذا العام إلى «منظمة شانغهاي»، مع ترك الباب مفتوحا أمام انضمام كل من إيران ومنغوليا وأفغانستان وبلدان أخرى لاحقاً، ليحول المنظمة - التي عقدت قمتها بالتزامن مع زيارة بوتين إلى الصين - من أداة إقليمية محدودة التأثير إلى لاعب دولي رئيسي، يسيطر على أكثر من ربع الناتج العالمي، ويمتلك أكثر من ثلث ثروات العالم، ويسيطر على مساحة جغرافية وبشرية شاسعة.
ويرى خبراء روس أن العالم غداً أمام واقع سياسي جديد، باعتبار أن روسيا والصين دافعتا سابقاً عن مبادئ عدم التكتل، وأرادتا التطور وفقاً لمبدأ كل على حده.
إلا أن التطورات الحالية تبرز أنه يتم اتخاذ خطوة جدية ليس فقط نحو التكامل الاقتصادي على أساس المشروع الصيني «حزام واحد - طريق واحد»، بل نحو نوع من الاتحاد العسكري السياسي الاقتصادي. وهو يوفر - وفقاً للخبراء - منطقة ثقة تجارية واقتصادية وعسكرية وسياسية، تؤسس فيها قواعد موحدة للعبة. كما هو الحال، مثلاً، في الاتحاد الأوروبي. ويرى بعضهم أنه بات على أوروبا، التي تعاني مشكلات جدية، تحديد ما إذا كانت ستصبح جزءاً من هذا المشروع الجديد، الذي تتحد فيه «أوراسيا» لأول مرة برمتها في قارة واحدة، ليس جغرافياً فحسب وإنما اقتصادياً وسياسياً أيضاً.
وكان لافتا أن البيان الختامي الذي أصدرته قمة «شانغهاي» أبرز قناعة بأن الوقت حان لتكريس تعاظم مكانة هذه المنظمة عالمياً؛ فقد تبنى المواقف الروسية في الملفات الإقليمية وأخرجها برؤية مشتركة.
وجاء في الوثيقة أن قادة دول المنظمة اتفقوا على مواصلة تطوير الحوار، وتوسيع التعاون في سبيل حل المشكلات العالمية والإقليمية، وثمنوا نتائج ترؤس الصين للمنظمة في 2017 – 2018، وهو ما ساعد في تعزيز «الثقة والتفاهم المتبادل والتعاون البناء والمثمر وتوطيد علاقات حسن الجوار والصداقة بين دول المنظمة».
ودعا قادة دول المنظمة جميع الأطراف المتناحرة في سوريا إلى القيام بخطوات عملية لتكوين مناطق خفض التوتر، بهدف توفير الظروف الملائمة للتسوية السياسية في البلاد.
وأعربت دول المنظمة عن تأييدها للمفاوضات السلمية في جنيف برعاية الأمم المتحدة. كذلك دعت جميع المشاركين في «خطة العمل المشتركة الشاملة الخاصة بتسوية البرنامج النووي الإيراني» للوفاء بالتزاماتهم.
وأشار بيان المنظمة إلى اضطراب الاقتصاد العالمي، واصطدام العولمة الاقتصادية حالياً بتزايد تدابير الحمائية، وتحديات أخرى تواجه التجارة الدولية. أيضاً حثت كل «الأطراف المعنية» على تقديم المساعدة اللازمة لتعزيز الحوار بين الكوريتين، ودعم الاتصالات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة.

سوريا وملامح النظام الجديد
> في حديث مع «الشرق الأوسط»، قال فيدور لوكيانوف، رئيس مجلس السياسة والدفاع المقرب من الكرملين، إن موسكو نجحت في تحويل أولويات السياسة الدولية بعد تدخلها العسكري المباشر في سوريا. والرؤية الروسية لا تقوم على فكرة قلب التوازنات، وعرقلة تطور السيناريو السوري، وانتقاله إلى بلدان أخرى، بما لا يؤثر على مصالح روسيا وحسب، بل - وبالدرجة الأولى - التأسيس لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية، وضعت موسكو ملامحها الأولى منذ أن تدخلت في جورجيا عسكرياً في عام 2008، قبل أن تقلب موازين القوى في أوكرانيا في 2014، وتضع القوى الموالية للغرب في مأزق داخلي ما زالت تداعياته متواصلة.
في الحالتين الجورجية والأوكرانية، كان الهدف الرئيس منع اقتراب «ناتو» من حدود روسيا لأن الملف لن يقبل ضم بلدان تخوض حروباً داخلية. لكن في المثال السوري، بدا التحول الروسي صارخاً على خلفية قناعة بأن تكريس الدور العالمي الجديد لروسيا بات ممكناً، في ظل ظروف ناضجة إقليمياً ودولياً. ويقول لوكيانوف إنه منذ عام 2015، بدا واضحاً لروسيا أنه مهما كانت آليات تسوية الصراع في سوريا، فإنه سيشكل بداية الطريق لوضع ملامح النظام الإقليمي الجديد. ومن ثم، النظام الدولي الذي سيظهر لاحقاً.
Moscow موسكو

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة