الخيط الرفيع بين الفن والموضة.. يذوب

صيف ساخن بلوحات من الغرافيتي والبوب آرت والفن الانطباعي

«ديور»  -  «سيلين»  -  «شانيل»  -  «برادا»
«ديور» - «سيلين» - «شانيل» - «برادا»
TT

الخيط الرفيع بين الفن والموضة.. يذوب

«ديور»  -  «سيلين»  -  «شانيل»  -  «برادا»
«ديور» - «سيلين» - «شانيل» - «برادا»

الخيط الذي يفصل الفن والموضة، وكان رفيعا في الماضي، ذاب هذا الموسم بعد أن تقمص العديد من المصممين أدوار رسامين وطرحوا لنا أزياء تحاكي الفن بشتى مدارسه وتوجهاته. البعض يفسر هذه الموجة بأنها تدرج طبيعي بعد أن دخلت أعمال مصممي الأزياء إلى المتاحف، ودخل فنانون محترمون مجال تصميم الأزياء أو الإكسسوارات من خلال تعاونات مهمة حققت لكلتا الجهتين الربح والشهرة.
وإذا كان دخول مصممي الأزياء المتاحف، لمنافسة فنانين من أمثال مونيه أو رينوار أو ماتيس وغيرهم، قد أثار حفيظة البعض في البداية على أساس أنه لا يمكن المقارنة بين الاثنين، وعلى أساس أن الموضة سطحية من دون عمق أو أهداف سامية، إضافة إلى أنها متغيرة ولا تبقى للأبد، فإنهم مع الوقت غيروا رأيهم، إما عن قناعة أو مضض. السبب أنهم عاينوا بأنفسهم أن بعض المتاحف التي كانت شبه فارغة لا يؤمها إلا شريحة قليلة من المهتمين بالفن والمتخصصين في شؤونه، أصبحت تزدحم بالزوار المهتمين بالموضة أو الفضوليين.
فجأة وبحسبة بسيطة لم يعد الأمر سيئا، فهو إن لم يرق بالفن عاليا، فإنه على الأقل سيرقى بأذواق الناس، حتى وإن اقتصر الحال على إدخالهم متاحف لم يكونوا ليفكروا في دخولها من قبل لولا بريق الموضة والأسماء التي يعشقونها أو يقرأون عنها في المجلات.
هذه الجدلية بين الفن والموضة بدأت منذ بداية القرن الماضي، من باب اهتمام المصممين بالفن ومعاشرتهم لفنانين من عصرهم ودعمهم لهم بشكل أو بآخر. كان هناك إعجاب، يصل إلى حد العشق، من قبل صناع الموضة ولّد لديهم رغبة قوية في التشبه بهم مستعملين أدواتهم الخاصة. استلهموا من شتى الفنون والمدارس، ومع الوقت أصبح بعضهم يرى أنهم لا يقلون فنية أو تفانيا في إبداع تحف لا تعترف بزمن، وبالتالي يستحقون أن يُنظر إليهم على أنهم فنانون. وربما يكون أكبر مثال على هذا تشارلز جيمس، المصمم الذي يحتفل به متحف المتروبوليتان بنيويورك حاليا، وأقيم الحفل السنوي للمتحف الذي ترأسه أنا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ» الأميركية، على شرفه للتذكير بعطاءاته الفنية. لم يترك هذا المصمم إرثا زاخرا من حيث العدد، كما أنه مات مفلسا، لأنه كان يتعامل مع كل فستان يصممه على أنه تحفة قائمة بذاتها، تحتاج إلى صبر ودقة بغض النظر عن الوقت الذي تستغرقه والخامات المترفة التي تستنفذها، فالمهم هو النتيجة التي ترضيه أولا وترضي زبونته ثانيا. وهكذا عوض أن ينتج كميات كبيرة يبيعها ويستفيد منها، تعامل مع الأزياء ليس كصناعة بل كفن ليذكرنا برسامين ماتوا مدقعين ولم يعرف أحد قيمتهم إلا بعد مماتهم.
بيد أن هذه الصورة ليست هي العامة والسائدة في عالم الأزياء، ففي المقابل، هناك مصممون يحترمون الفن ويستلهمون منه، كما استفادوا منه، مثل كوكو شانيل وغريمتها إلسا سكابيريللي وكريستيان ديور. الاستفادة كانت أنهم نجحوا في تحقيق المعادلة الصعبة بين الفن والتسويق، لأنهم خاطبوا شريحة عارفة وذواقة بهذه التصاميم بلغة عصرهم، وكانت هذه الإيحاءات الفنية خفيفة، تهمس أكثر مما تصرخ. في الستينات، جاء الراحل إيف سان لوران، وقلب الموازين وحقق ما لم يكن في الحسبان، عندما باع لنا لوحات «موندريان» مطبوعة على فساتين ترقص على إيقاع هذه الحقبة، التي شهدت تحرر المرأة من العديد من القيود الاجتماعية والثقافية. كانت فساتين بسيطة بخطوط هندسية وألوان واضحة تصرخ باسم موندريان، وفجأة أصبح الفن مشاعا للجميع، والأهم من هذا وجد المصمم نفسه في بؤرة الضوء مرة أخرى بعد أن فشلت تشكيلاته السابقة في تحقيق بعض من النجاح التجاري الذي كان يحتاجه للاستمرار. بهذه التشكيلة أكد سان لوران للجميع أن الفن يمكن أن يغني ويسمن، وأن كل ما يحتاجه المصمم هو نظرة حساسة وعارفة وقدرة على ترجمة الفن بلغة عصرية. وربما كان مارك جايكوبس أكثر من فهم الدرس وطبقه طوال فترته كمصمم فني في دار «لوي فويتون» الفرنسية، من خلال تعاونات حققت للدار الكثير من الأرباح وبوأتها مكانة مهمة بين بيوت الأزياء، وهي التي كانت قبل جايكوبس مجرد دار إكسسوارات. تعاونات شملت تاكاشي موراكامي، ستيفن سبراوس، ويايوا كوساما وغيرهم. الآن وبعد 16 عاما من العمل في الدار، ارتأى المصمم أن يتفرغ لخطه الخاص فاتحا المجال لنيكولا غيسكيير لكي يرسم لوحات جديدة بأسلوبه الخاص. وطبعا لا يمكن الحديث عن الفن من دون ذكر اسم ميوتشا برادا، التي، مثل إيف سان لوران، ترجمته بطريقة أكثر وضوحا في قطع تخاطب امرأة واثقة و«مثقفة» كما يحلو لها أن تقول دائما.
لصيف 2014، يمكننا القول، ومن دون مبالغة، إن موجة الاستلهام من شتى المدارس الفنية، بما فيها الغرافيتي والبوب آرت، وصلت حدا لا يمكن تجاهله هذا الموسم. فهي مثل الحمى اجتاحت كل الأسواق والأذواق بعد أن شهدت دفعة قوية من قبل بيوت أزياء لها جمهورها وتبث الثقة في النفوس، مثل «شانيل، ديور، سيلين، برادا، كنزو»، وغيرها. والعديد من هذه البيوت حولت مكان عروضها إلى ما يشبه المتحف، إن لم يكن من حيث الديكورات فمن حيث الأزياء التي تلونت وأخذت أشكال لوحات متحركة، حاول فيها كل مصمم أن يستعرض قدراته الفنية الكامنة أو فقط عشقه للفن. كل من «لو غران باليه» و«فيا فوغازارو»، مثلا، تحول على يد كارل لاغرفيلد وميوتشا برادا إلى متحف للفنون المعاصرة. كارل لاغرفيلد قال بعد عرضه إنه حاول أن يجعل الحضور يشعرون بأنهم في متحف يجمع باقة من الفنانين الشباب، لكل منهم أسلوبه الخاص وألوانه المعينة.
من جهتها، دعت ميوتشا برادا مجموعة من الرسامين على الجدران هم مايلز ماغريغور، ميسا، غابرييل سبيكتر وستينكفيش، ليتعاونوا مع رسامين معروفين هما جين ديتالانانت وبيير مورني، لتحويل جدران «فيا فوغازارو» إلى لوحات تلعب على تيمة أنثوية تجسد القوة والأوجه المختلفة لامرأة برادا. وكانت النتيجة تحفة غيرت مفهوم عروض الأزياء التي كانت تجري في قاعة عادية، وتجربة تستكشف فن الشارع والبوب آرت، الذي طبع العديد من القطع التي ظهرت بها العارضات، والتي ستتحول لا محالة إلى قطع للهواة خصوصا من النساء القويات اللواتي تتوجه لهن المصممة الإيطالية عموما.
فيبي فيلو لم تتأخر عن الركب، وقدمت في تشكيلتها لدار «سيلين» قطعا مرسومة بالغرافيتي منحت تصاميمها المفصلة بدقة عالية دفئا ليس معهودا في تصاميمها التي يغلب عليها الأبيض عادة والأشكال الهندسية، وكأنها تنهي موجة البساطة، أو القليل كثير، التي كانت تتبناها وسوقتها بنجاح طوال السنوات الأخيرة. حتى راف سيمونز، وهو واحد من أهم مصممي المدرسة البلجيكية، الذين يميلون إلى التصاميم الهادئة والبسيطة، تبنى مذهب دار «ديور»، التي التحق بها ليحملها إلى المستقبل. أمر ظهر بوضوح في عرضه لربيع وصيف 2014، من خلال أزياء وإكسسوارات مطبوعة بلمسات من البوب آرت والفن الانطباعي، كما تجلى في الحملة الدعائية التي تظهر فيها الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار على خلفية جدار يقطر بالدهان. الصورة تصرخ بالحداثة رغم أنه لم يدر ظهره تماما إلى الإرث الذي خلفه المؤسس كريستيان ديور، الذي كان يعشق الفن الانطباعي وأعمال رينوار، وديغا، ومونيه، تحديدا، وليس أدل على هذا من تأثير لوحة رينوار Roses Mousseuses مثلا التي تجسدت في فستان صمم في عام 1956 باسم «روز دو فرانس». أما في أعمال راف سيمونز، فتأخذ الورود والطبيعة عموما شكلا أكثر عصرية وحداثة، يجعلها مطلبا لكل امرأة أيا كان عمرها أو جنسيتها، ربما لأن كل واحدة منا تعرف أنها قطع أيقونية قد تدخل في يوم من الأيام إلى المتاحف أو المزادات العالمية.
فالخيط بين الفنان والمصمم يذوب بالتدريج وقد ينعدم في يوم من الأيام بعد أن أصبح مصممو الأزياء يرون أن الفرق الوحيد الفاصل بينهم وبين الرسامين هو اختلاف الأدوات. وربما هذا ما عبر عنه كارل لاغرفيلد بعد عرضه لربيع وصيف 2014 عندما قال بنرجسية الفنان إن عرضه لا يتعلق بالفنانين الشباب فحسب «فهناك فنان عجوز آخر وراء هذا كله هو أنا! لقد صنعت كل شيء».

* لأن أغلب اتجاهات الموضة تعكس ثقافة العصر الذي تظهر فيه وتغيراته وتطلعاته، فإنه لا بد من ربط هذه الموجة بالاهتمام المتزايد في السنوات الأخيرة بعالم الفنون ورغبة الطبقات الثرية والمتوسطة على حد سواء في الاستثمار في الفن من خلال شراء لوحات من المزادات والمعارض. فكما للموضة عشاقها والراغبون في اقتنائها بغض النظر عن سعرها، هناك من يستثمر في اللوحات الفنية، مما أنعش سوقها. على الأقل بتنا الآن نرى فنانين شبابا يحققون الملايين، بعد كان هذا الفن في الماضي البعيد لا يشبع من جوع ويموت أصحابه فقراء ومفلسين.

* الفن الجديد «نوفو آرت» الذي ظهر في بداية القرن التاسع عشر، كان نتاج الثورة الصناعية، ببساطة أشكاله الهندسية مثل الأقواس ونصف الدوائر والأبراج، فضلا عن الخطوط التي تتوخى عملية أقرب إلى التقشف أحيانا.

* بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، وفي العشرينات من القرن الماضي، ظهرت موجة الـ«آرت ديكو» التي كانت مضادة للبساطة بزخارفها السخية وألوانها المتوهجة، ومرآة لبداية تحرر المرأة. وشهدت هذه الموجة عهدا مزدهرا آخرا في 2008، في ما يخص مجال الموضة، وكأن المصممين أرادوا من خلال هذا السخاء وبريق الذهب الهروب من الأزمة الاقتصادية والتأكيد على أنها لم تمس جانب المنتجات المترفة.

* كان للرجل نصيب من هذه الموجة، فدار «بيربيري» لم تفوت الفرصة لاستعراض عضلاتها في هذا المجال، وأسهب مصممها كريستوفر بايلي في الغرف من ألوان الفنان البريطاني ديفيد هوكني وتجسيدها في قطع بتفصيل بريطاني لا يعلى عليه، سواء في تشكيلته النسائية أو الرجالية. وإذا كانت المرأة تفهم لغة الألوان بسهولة ولا تخاف منها، فإن المصمم نجح في أن يطمئن الرجل هنا، لأنه لن يرى فيها تعارضا مع أناقته. فهي مرسومة بألوان هادئة وراقية في الوقت ذاته، زادتها القطع ذات التصميم الكلاسيكي والتفصيل البريطاني التقليدي هيبة، إن صح القول.
ولم يخف المصمم إعجابه بديفيد هوكني الذي سبق أن استلهم من لوحاته في عام 2005، لكنه في هذه المرة استلهم من أسلوبه الشخصي في ارتداء أزيائه وتنسيقها مع إكسسواراته. «لقد قابلت ديفيد هوكني بالصدفة في (جيرمين ستريت).. كان يرتدي بدلة من الكتان بلون بيج مع لمسات خفيفة من الأخضر.. أعجبت بشكل كبير بالأسلوب الذي نسق به ألوانه مع بعضها بعضا، وبطريقة تضعك في حيرة لأنك لا تعرف إلى أي مدى تعمد المزج بين كل تلك الألوان». هذا ما اعترف به كريستوفر بايلي بعد عرضه، وهذا ما جعله يطلق على تشكيلته لربيع وصيف 2014 عنوان «كتاب ورسامون» احتفالا برجل يتمتع بالكثير من الجوانب الفنية والفكرية. راجل واثق بنفسه ولا يهتم سوى بإرضاء نفسه وتغذية أسلوبه. فهذه الأزياء، سواء كانت للمرأة أو للرجل، ليست موجهة لأشخاص عاديين، بل هي خاصة بأشخاص يتمتعون بالثقة كما تربطهم خيوط قوية بالفن ولغة العصر.



كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.


خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.