برنامج «من الصفر»... حكايات وخفايا ومشاوير نجاح سعودية

مفيد النويصر: أفضل أن أباعد بين حلقات رجال الأعمال فلا أريد أن أترك انطباعاً بأن النجاح مرتبط بالمال

الأميرة لولوة الفيصل
الأميرة لولوة الفيصل
TT

برنامج «من الصفر»... حكايات وخفايا ومشاوير نجاح سعودية

الأميرة لولوة الفيصل
الأميرة لولوة الفيصل

رغم الكم الهائل من البرامج التلفزيونية التي تعرضها شاشات التلفزيون العربية خلال شهر رمضان، فإن المحتوى الهادف قليل جداً، حيث يتغلب الترفيه على ما عداه من الموضوعات. لكن هناك دائماً من يكسر القالب ويغرد منفرداً ليعطي جمهور التلفزيون جرعة من المحتوى الجيد والمؤثر. برنامج «من الصفر» الذي يرأس تحريره الصحافي والروائي ورئيس قطاع الديجيتال في محطة «إم بي سي»، مفيد النويصر استمر في تقديم رسالته بتقديم قصص نجاح لشخصيات ناجحة ومؤثرة في المجتمع السعودي. وفي موسمه الثالث نجح في التربع على عرش أكثر البرامج مشاهدة خلال شهر رمضان في السعودية. يحسب للنويصر الاختيارات المتميزة في الشخصيات التي يقدمها البرنامج، كما يحسب له أيضاً أن ضيوفه فتحوا خزائن الذكريات في برنامجه من دون تحفظ، وهكذا قدموا للمشاهد قصص نجاح وكفاح ملهمة لا تنقصها المشاعر واللحظات الخاصة التي قد تدمع عيونهم خلال روايتها.
«الشرق الأوسط» حاورت النويصر حول برنامجه وأهم ضيوفه وسير الناجحين التي يقدمها للجمهور، ولم يبخل المقدم الشاب علينا بالمعلومات وبالتفاصيل المختلفة، بل لوّن بحماسته مسيرة برنامجه التي انطلقت أيضاً من الصفر.
أبدأ حواري مع النويصر وفي ذهني الكثير من الأسئلة أطلقها بسؤال محدد: ما الذي شدك لفكرة النجاح والإنجاز لتكون موضوعاً لمقالات صحافية في البداية ثم تحولت لمدونة وأخيراً لبرنامج تلفزيوني؟ يقول: «البداية كانت مع المقالات التي كنت أكتبها كل أسبوع، وكنت أتناول فيها قصصاً لأشخاص عاديين نجحوا في مجالهم، قد يكون صاحب مجموعة من الورشات الصناعية صادفته في إحدى المدن على سبيل المثال». هل هي شخصيات لأناس تعرفهم وتقابلت معهم في وقت من الأوقات؟ أطرح سؤالي الثاني ويأتيني الرد بسرعة؛ فالنويصر يحمل الكثير من المعلومات والتفاصيل التي تتدفق سريعاً لتعطينا صورة مفصلة عن طريقته في العمل. يقول: «أنا عندي شغف لمعرفة قصص الناس وحياتهم، وفي أي مجلس أتواجد به دائماً أبحث عن تفاصيل الشخصيات التي أقابلها». يشير إلى أن المقالات التي كان يكتبها في صحيفة «شمس» في البداية ثم صحيفة «مكة» كانت تمثل تحدياً من حيث عدد الكلمات المطلوبة: «كانت عملية صعبة أن أختصر كل تجربة في 300 كلمة هي حجم المقال، وقد تنقص بسبب أو آخر، كيف أذكر تفاصيل حياة شخص في تلك الكلمات القليلة؟».
المدونة فتحت المجال أكثر أمام النويصر لكتابة سير الأشخاص الملهمين: «المدونة أعطتني فرصة للتوسع في القصص واستخدام الصور»، وهو ما استرعى انتباه شركة «غوغل» التي طلبت منه التوسع في هذا النوع من الكتابة عارضة أن تقدم حملات دعم مقابل ذلك.

من الصحافة للفيديو
مشوار شخصيات النويصر تعدى مرحلة الصفر وبدأ في النمو ليدخل مجال الفيديو من خلال «يوتيوب» وحققت حلقتان قام بإعدادهما وأشرف على إنتاجهما في 2014 انتشاراً كبيراً على مستوى العالم العربي أدى إلى إنتاج برنامج تلفزيوني نجح في الاستمرار للموسم الثالث ويستعد للمزيد.
حول الموسم الأول من البرنامج يعلق النويصر: «الموسم الأول بالنسبة لنا كان بمثابة بطاقة التعريف مع الجمهور، عملنا لسنة كاملة وقبل شهر رمضان بأيام قليلة انهار كل شيء واضطررنا إلى أن نعيد العمل من جديد في كل الحلقات خلال الشهر، وهو ما كان يمثل ضغطاً نفسياً شديداً علينا؛ فنحن في سباق مع الوقت. الضغط تسبب لي في مشكلات صحية، لكن في كل مرة ومع مشاهدة الردود الإيجابية من الجمهور أنسى ذلك وأشعر كمن فاز بكأس العالم وبعد نصف ساعة من الحلقة أبدأ في تحليل الحلقة والتواصل مع فريق التصوير والمخرج لمناقشة لقطة لم تظهر كما يجب». أعلق قائلة: «لم تكن تلتقط أنفاسك قبل البداية مرة أخرى؟» ويجيبني: «طوال حياتي وحتى في تدرجي الوظيفي عودت نفسي ألا أفرح بشيء لوقت طويل، لكن أفرح بما أقدمه في يومه».
في البرنامج الذي يصر النويصر على صفته الوثائقية، يكتفي بالتواجد خارج إطار الكاميرا، لا يظهر سوى في المقدمة وفي بعض الفواصل، لكن في كل الحالات يترك الضيف ليواجه الجمهور مباشرة من دون تدخل منه: «(من الصفر) برنامج وثائقي، فيه الضيف هو البطل الوحيد»، يعلق النويصر ويستطرد: «هو الشخص الحقيقي الذي يستحق أن يتوج وأن يحصل على اهتمام الجمهور في كل ثانية يتحدث فيها ويروي أكبر قدر من القصص. الساعة التلفزيونية ما بين 48 - 52 دقيقة، خمسون دقيقة يجب أن تخصص للضيف للحديث. عندما استضفنا وزير الصحة السابق وسفير المملكة السابق في ألمانيا،د. أسامة شبكشي، كانت أمامنا قصة حياة غنية جداً، الجانب المهني فيها فقط امتد لنصف قرن، إذا أردت عرض قصة شخص على حلقتين بمدة 100 دقيقة، مع المؤثرات مع الموسيقى مع الفواصل والمقدمة والخاتمة، هذا كله يجعلني أخصص للضيف كل كادر من التصوير له وليس لي هو الذي يحكي لا أريد أن أكون جشعاً وطماعاً لأظل أمام الكاميرا. أنا لست البطل هنا».
حلقة الدكتور أسامة شبكشي أثارت الكثير من النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي ما بين منتقد (بسبب مرض الدكتور الشبكشي الواضح) ومعجب، ولكن النويصر يرد بالقول بأن الدكتور الشبكشي وافق على تصوير الحلقات، وكان ذهنه حاضراً، وإنه اختار الحديث عن تفاصيل دقيقة وخاصة جداً من حياته.
هنا أسأله حول الصراحة التي يتحدث بها الضيوف وإدلائهم بتفاصيل لم تعرف من قبل: «في حلقة الأميرة لولوة الفيصل تحدثت عن الحياة مع والدها الملك فيصل ووالدتها الملكة عفت، تحدثت عن زواجهما وصعوبة التواصل بينهما في البداية بسبب اللغة حيث كانت الملكة عفت تتحدث التركية فقط، لكن حسب ما تذكر الأميرة لولوة استعان الزوجان ب«ياور» الملك فيصل وكان تركياً، للترجمة بينهما وسرعان ما تعلما لغة الآخر. أذكر له تلك الحلقة المتفردة وأسأله: «كيف تقنع الضيوف بالحديث عن تفاصيل لم يذكروها من قبل مثل الأميرة لولوة الفيصل والدكتورة خولة الكريع أو الدكتورة هيفاء جمل الليل التي تحدثت عن حادث وفاة ابنتها الوحيدة للتلفزيون؟ يشير إلى أن خبرته في العمل الصحافي لـ23 عاماً كانت أحد العوامل التي ساعدته في إقناع الضيوف بالحديث وأيضاً حبه لكتابة السير الذاتية.

اختيار الضيوف
في الحلقات التي عرضت حتى الآن بأن التنوع في اختيار الضيوف، حيث كان هناك أمراء مثل الأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن، والأميرة لولوة الفيصل، وشخصيات أكاديمية مثل الدكتورة هيفاء جمل الليل، ورجال أعمال وشباب ناجحون. ما يلفت النظر هو قلة عدد النساء من الضيوف، وكان من الطبيعي أن أسأله عن سبب ذلك: «هل تعتقد أنك تعطي للنساء حقهن بالنسبة لاختيارهن ضيوفاً؟ يشير إلى البرنامج يعمل حسب نظام محدد، ويستطرد: «عندي (كوتا) محددة؛ فمن اللازم أن أستضيف شباباً فريدين في إنجازاتهم مثل الشاب عبد الله العثمان شاب سعودي (33 عاما) الذي أسس شركة مبيعاتها بحدود 400 مليون في السنة، وجاءت أكبر شركة في الاستثمارات من سنغافورة وماليزيا لتشتري منه حصة في الشركة بمليار ريال سعودي. أيضاً أحرص على ألا يكون الضيف من الشخصيات التي يتكرر استضافتها على الشاشة كثيراً». بالنسبة للفئات الأخرى، يقول: «مهم جداً أن أستضيف سيدات ورجالاً في مرحلة ما فوق الـ45 عاماً، وشخصيات قيادية في المجتمع، وأيضاً لا بد أن أستضيف القامات المهمة في المملكة، ولا أنسى أيضاً الشخصيات الراحلة التي حفرت اسمها في تاريخ البلد مثل الراحل الدكتور محمد عبده يماني وزير الإعلام السابق، وغازي القصيبي وزير الصحة السابق، والأديب والسفير السابق ووزير التعليم الراحل محمد الرشيد».
يحرص النويصر أيضاً على أن تكون اختيارات الضيوف جاذبة لجميع الشرائح من المشاهدين «حتى لا يكون البرامج لفئة واحدة فقط ويسقط في باقي الفئات، إذا اقتصرنا على شريحة واحدة لن يكون العمر الزمني للبرنامج طويلاً، قد يستمر عاماً أو ثنين وينتهي».
حسب «الكوتا» التي يعمل بها البرنامج يستضيف النويصر أعداداً محددة من كل فئة: «يجب أن نستضيف أربعة من الشخصيات المتفردة (يطلق عليها «القامات»)، ومن السيدات خمساً، ومن الشباب خمساً. هناك أيضا فئة المسؤولين في الدولة وفئة رجال الأعمال: «شخصياً، أفضل أن أباعد بين حلقات رجال الأعمال فلا أريد أن أترك انطباعاً بأن النجاح مرتبط بالمال؛ فالنقود ليست هي النجاح، تغيير الواقع هو النجاح. على سبيل المثال الشخص الذي كان وراء تطوير نظام (أبشر) للمعاملات الحكومية في السعودي، عملت معه حلقة، هو رجل مبرمج عظيم اشتغل على برنامجه وكافح لإقراره. بالنسبة لي هذا الشخص غيّر واقع السعوديين».
بدأ برنامج «من الصفر» برواية قصص العصاميين والمكافحين، واستمر على ذلك في الموسمين الأول والثاني، ثم تغير مفهوم الموسم الثالث، فما الذي يعبر عنه «من الصفر» هذا الموسم بعد أن تخطى تقديم قصص الكفاح؟» يقول: «يرمز لبداية قصة من الصفر من الصفر، بداية شيء معين، قد يكون موهبة وقد يكون مشروعاً، على سبيل المثال الشاعر بدر بن عبد المحسن، البرنامج دار حول بداية موهبته الشعرية، من الذي علمه؟ لم يواصل تعليمه من أجل الشعر، كافح من أجل الشعر، خلق مدرسة حداثية في الشعر العامي لم يسبقه لها أحد، وصار إمبراطور الشعر ليس لكونه أميراً، بل لأنه كافح من أجل الشعر. في حلقة الأميرة لولوة الفيصل، كانت مسيرة التعليم في المملكة هي البداية، التعليم في حد ذاته هو الصفر، هناك الكثير في تلك المسيرة لم يعلن، فعلى سبيل المثال في عام 1985 اجتمع مجلس جامعة الملك سعود لتقرير وقف كلية التمريض نتيجة لضغوطات من العوائل بسبب عمل بناتهن في المستشفيات وقلة الإقبال على الدراسة بها. ولتفادي ذلك تصرفت الأميرة لولوة الفيصل بطريقتها، فقدمت أوراقها للدراسة بكلية التمريض وسجلت ودرست الفصل الأول لتضمن استمرار عمل الكلية، ثم تركتها بعد الفصل الأول».



‏تجربة فنية مبتكرة تعيد قراءة «المدينة المنوّرة» عبر الذاكرة والضوء والعمارة

لوحات مغربل شاهد حي على إيقاع الحياة المدينية وتحكي للأجيال قصص مآذنها وحاراتها (وزارة الثقافة)
لوحات مغربل شاهد حي على إيقاع الحياة المدينية وتحكي للأجيال قصص مآذنها وحاراتها (وزارة الثقافة)
TT

‏تجربة فنية مبتكرة تعيد قراءة «المدينة المنوّرة» عبر الذاكرة والضوء والعمارة

لوحات مغربل شاهد حي على إيقاع الحياة المدينية وتحكي للأجيال قصص مآذنها وحاراتها (وزارة الثقافة)
لوحات مغربل شاهد حي على إيقاع الحياة المدينية وتحكي للأجيال قصص مآذنها وحاراتها (وزارة الثقافة)

لم تكن ريشة الدكتور فؤاد مغربل يوماً مجرد أداة لتلوين الفراغ، بل كانت بوصلةً ترصد التحولات الحضارية والاجتماعية في ملامح المدينة المنورة، فوثق بريشته وعبر لوحاته على مدار 6 عقود تحولات المدينة التي ولد ونشأ في كنفها حتى أصبحت من حيث يدري أو لا يدري لؤلؤة أعماله.

وبين أزقة «المناخة» العتيقة، وخلف جدران البيوت المزدانة بـ«الرواشين»، استلَّ مغربل خيوط الضوء واللون ليصوغ منها سجلاً بصرياً يوثق هوية المدينة قبل أن تمتد إليها يد الحداثة العمرانية.

متأرجحاً خلال ذلك بين دقة التشخيص وعمق التجريد، واحتفظ الفنان والتربوي، بروح المكان في لوحاته، التي بقيت شاهداً حياً على إيقاع الحياة المدينية، محولاً ذاكرته الشخصية إرثاً تشكيلياً يحفظ للمدينة عبقها، ويحكي للأجيال الجديدة قصص مآذنها وأبوابها الخشبية التي باتت اليوم جزءاً من التاريخ.

وللفنان والتربوي السعودي الدكتور فؤاد مغربل، مكانة رفيعة في تاريخ الفن التشكيلي المعاصر في السعودية، وتمتد تجربته العريضة لعقود عدة، وكانت طيبة الطيبة حيث نشأ، الملهم الأول لمخيلته البصرية التي دعمها بمسيرة أكاديمية متميزة.

متأرجحاً بين دقة التشخيص وعمق التجريد احتفظ الفنان مغربل بروح المكان في لوحاته (حساب الفنان على إكس)

وتتمحور معظم أعمال المبدع السعودي حول البيئة الحجازية، وتحديداً الحارة المدينية القديمة، وتميزت تجربته بتوثيق هوية المكان وتفاصيله الإنسانية التي انعكست على جماليات العمارة، واستنطق في أعماله الأبواب الخشبية العتيقة، والمآذن، والأزقة الضيقة لإحدى أقدس بقاع الأرض.

‏وعلى مدى أكثر من 6 عقود، وثّق الدكتور فؤاد مغربل تحوّلات المدينة المنوّرة عبر أعمال تتنقّل بين التشخيص والتجريد، مستلهماً من الذاكرة التجربة المعيشة، ولم تتوقف مساهمة الفنان عند براويز لوحاته الفنية، بل شارك في دعم الحركة الفنية السعودية التي يُعدّ واحداً من روادها، وشارك في تأسيس «جماعة فناني المدينة المنورة التشكيلية»، ونقل تجربته الفنية ووعيه بالمكان المديني من خلال مشاركاته المتعددة في عشرات المعارض المحلية والدولية.

اتسعت تجربة مغربل الفنّية واتّخذت مسالك متعدّدة فلامست موضوعات شتّى وتجلَّت في صيغ تشكيلية متنوِّعة (معهد مسك)

المدينة... حيث البيئة والنشأة

وُلد فؤاد مغربل في المدينة المنوَّرة، وتخرَّج في قسم النقش والزخرفة في المدرسة الصناعية، فكان ذلك من أسباب تعلًّقه الشديد بالفنّ، وحصل على شهادة الدكتوراه في التربية الفنّية في لندن، وتولَّى مناصب عدَّة، منها إدارة جمعية الثقافة والفنون بالمدينة المنوَّرة، ولعقود وثَّق تحوّلات المدينة عبر أعمال تتنقَّل بين التشخيص والتجريد.

وانطلقت الممارسة الفنّية للفنان مغربل من ارتباطه بمسقط رأسه حيث نشأ، مستلهماً إبداعه من عمارتها ونسيجها الاجتماعي والتاريخي، في حين تركز أعماله على أحياء المدينة القديمة وما تحمله من أبعاد ثقافية وروحانية.

للفنان فؤاد مغربل مكانة رفيعة في تاريخ الفن التشكيلي المعاصر في السعودية (معهد مسك)

يؤمن مغربل أن مصدر الإلهام لكل فنان تشكيلي هو بيئته، مؤكداً في حديث ضمن مشاركته في معرض نظمته «مسك»، اهتمامه بالتراث وبكل تفاصيله، وأن السعودية تتميز بتنوع تراثها، حيث تنفرد كل منطقة فيها بطابعها الخاص، وأن المحلية تقود إلى العالمية، من خلال تسليط الضوء بأدوات الفن على ما تنطوي عليه المجتمعات المحلية من تراث وعادات وتقاليد وقيم.

واتسعت تجربة مغربل الفنّية واتّخذت مسالك متعدّدة، فلامست موضوعات شتّى وتجلَّت في صيغ تشكيلية متنوِّعة، ولكن بقي للمدينة المنورة، الحضور الأرسخ في أعماله، التي يقاوم من خلالها سلطة النسيان والاندثار، وبقيت العمارة بمثابة الحارس الأخير لروح المكان وذاكرته. ومن خلال الأعمال واللوحات التي أنجزها تمكن من استعادة ملامح المدينة المنورة، عبر مساجدها وعمارتها التاريخية وأزقتها، التي انطوت في ذاكرة الزمن، إلى جانب ما احتوته من حرف وتقاليد اجتماعية شكَّلت إيقاع الحياة اليومية في جنباتها.

على مدى أكثر من 6 عقود وثّق مغربل تحوّلات المدينة المنوّرة عبر أعمال تتنقّل بين التشخيص والتجريد (معهد مسك)
كانت المدينة المنورة حيث نشأ مغربل الملهم الأول لمخيلته البصرية التي دعمها بمسيرة أكاديمية متميزة (حساب الفنان على إكس)

ومن واقع معايشة للتحوُّلات العمرانية الكبرى التي شهدتها المدينة، استدعى مغربل قدراته على التخيل وإدارة الذاكرة، إلى الواجهة، واستحضر الأحياء التاريخية، الساحة والمناخة وزقاق السلطان، وأعاد تقديم هذه الفضاءات على هيئة تكوينات متعدِّدة الطبقات، وتنتظم ضمن مساحات حيَّة من الخطّ واللون والضوء.

وخلص مغربل إلى أن السعودية تملك تاريخاً حضارياً مميزاً في العمارة، وأن مناطق السعودية لم يتم التطرق إلى كامل ما تضمه وتستوعبه من تراث وتاريخ حضاري، وأن العمارة هي شاهد فني وحضاري باقٍ، يحتفظ بما بقي من تراث الماضي، ويعكس من جهة أخرى، تنوع مناطق السعودية التي جسد سكانها مستوى ذائقتهم وتراثهم وذاكرتهم الإنسانية في أشكال وأنماط العمارة القائمة أو المندثرة.


كيف نتجنب الإجهاد الحراري في الصيف القائظ؟

معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو ظروف مكان عملهم (أ.ب)
معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو ظروف مكان عملهم (أ.ب)
TT

كيف نتجنب الإجهاد الحراري في الصيف القائظ؟

معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو ظروف مكان عملهم (أ.ب)
معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو ظروف مكان عملهم (أ.ب)

تشكل درجات الحرارة المرتفعة، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الرطوبة، مخاطر على الأطفال وكبار السن ومن يعانون من حالات صحية معينة. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أنه حتى بعض الشباب الأصحاء لا يستطيعون تحمل ساعات من التعرض للحرارة والرطوبة العالية. كما يُفاقم تغير المناخ من مخاطر موجات الحر والإصابة بالإجهاد الحراري.

وعلى الرغم من أن الحر الشديد قد يكون خطيراً، لكن خبراء الصحة يؤكدون وجود طرق للحد من هذا الخطر. ويستعرض تقرير نشر، الثلاثاء، على منصة «ساينس إكس»، نقلاً عن وكالة «أسوشييتد برس»، بعض النصائح للحفاظ على سلامتنا من الإجهاد الحراري في أثناء موجات الحر القائظ.

ويُعدّ مؤشر درجة حرارة الكرة الأرضية الرطبة (WBGT) المقياس الأكثر دقة، إذ يشمل درجة الحرارة والرطوبة والغطاء السحابي والرياح معاً. أما مؤشر الحرارة، الذي يقيس درجة الحرارة والرطوبة، فهو أقل تفصيلاً، لكن يسهل العثور عليه في تطبيقات الطقس.

ويوضح كلا المؤشرين سبب كون ملعب كرة قدم مظلل في يوم تصل فيه درجة الحرارة إلى 32 درجة مئوية أقل خطورة من حديقة مكشوفة في يوم تصل فيه درجة الحرارة إلى 27 درجة مئوية مع ارتفاع مستويات الرطوبة. وقد يؤدي التعرض لساعات طويلة لدرجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية إلى الإصابة بالإجهاد الحراري.

يقول بهارات فينكات، مدير مختبر الحرارة بجامعة كاليفورنيا الأميركية في لوس أنجليس، إن أعراض الإجهاد الحراري تختلف من شخص لآخر. وتشمل العلامات المبكرة للإجهاد الحراري: التعرق الشديد، وتشنجات العضلات، والصداع. ويشدد فينكات على أنه يجب عليك في مثل هذه الحالات التوقف عما تفعله والتخفيف من حرارة جسمك، مثلاً برشّ نفسك بالماء البارد أو البحث عن مكان مكيف.

ومع تفاقم الإجهاد الحراري، قد تظهر أعراض جديدة للإجهاد الحراري، منها تسارع ضربات القلب والدوار. ثم تأتي ضربة الشمس، التي قد تشمل التشوش الذهني، وتلعثم الكلام، والإغماء. وقالت آشلي وارد، مديرة مركز ابتكار سياسات الحرارة في جامعة ديوك الأميركية، إنه في هذه الحالة يجب الاتصال بأرقام الطوارئ فوراً. وأضافت أن درجات الحرارة الليلية قد تكون جزءاً خطيراً بشكل خاص من موجة الحر.

وتتابع: «عندما لا تنخفض درجات الحرارة الليلية عن 24 درجة مئوية، تبدأ بملاحظة نتائج غير عادية فيما يتعلق بالأمراض المرتبطة بالحرارة وضربات الشمس، وحتى الوفيات».

وقالت آشلي: «إذا لم يكن بإمكانك تبريد المنزل بأكمله، فقم بتخصيص ركن بارد والنوم فيه، ليُصبح جسمك مُستعداً ليومٍ جديد».

وتُساعد مُبردات الهواء التبخيرية في الأجواء الجافة الحارة، لكنها تزيد الرطوبة وتُصعّب عملية التبريد. في الأماكن الرطبة، يكفي استخدام المروحة. ويشير فينكات إلى أن المناطق المظللة قد تكون بعيدة جداً عن العمال بحيث لا يمكنهم أخذ فترات راحة دون خسارة أجورهم. ويوضح: «معظم العمال لا يملكون في الواقع أي سيطرة على وقتهم أو مكان عملهم».

وفي ظل هذه الظروف، من المهم إيجاد طرق للحفاظ على رطوبة الجسم وخفض درجة حرارته. يقول فينكات: يمكنك فعل ذلك بشرب كثير من السوائل، أو ترطيب الملابس، أو وضع الماء البارد أو قطعة قماش باردة على يديك وقدميك وإبطيك ورقبتك. ويمكن أن تساعد المروحة اليدوية المحمولة أو سترة التبريد أيضاً.


«الجولة الأخيرة» يوثق معارك أسطورتي تنس أميركيتين مع الحياة بعد اعتزالهما

تناول الفيلم جانباً مختلفاً من حياة اللاعبتين السابقتين (نتفليكس)
تناول الفيلم جانباً مختلفاً من حياة اللاعبتين السابقتين (نتفليكس)
TT

«الجولة الأخيرة» يوثق معارك أسطورتي تنس أميركيتين مع الحياة بعد اعتزالهما

تناول الفيلم جانباً مختلفاً من حياة اللاعبتين السابقتين (نتفليكس)
تناول الفيلم جانباً مختلفاً من حياة اللاعبتين السابقتين (نتفليكس)

في كثير من الأحيان تبدو الرياضة كأنها عالم لا يعترف إلا بالفائز. فالألقاب تُسجل، والأرقام تُحفظ، والبطولات تتحول إلى تاريخ، بينما تتوارى الحكايات الإنسانية خلف بريق الإنجازات.

لكن الفيلم الوثائقي الأميركي «كريس ومارتينا... الجولة الأخيرة» ينظر إلى الوجه الآخر من المجد الرياضي، فالمباراة الأهم ليست تلك التي تُلعب أمام آلاف المتفرجين، بل التي يخوضها الإنسان أمام الزمن، والمرض، والذاكرة.

الفيلم، الذي شهد عرضه العالمي الأول في النسخة الماضية من مهرجان «تريبيكا السينمائي» بنيويورك، وانطلق عرضه أخيراً على منصة «نتفليكس»، لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية لأسطورتي التنس كريس إيفرت، ومارتينا نافراتيلوفا، بل يصوغ رحلة إنسانية تتجاوز حدود الرياضة، لتصبح تأملاً في معنى المنافسة، والصداقة، والثمن الذي يدفعه الإنسان في سبيل الوصول إلى القمة.

ينتقل الوثائقي من أرشيف المباريات إلى واقع أكثر هدوءاً، وأشد تأثيراً، حيث تخوض البطلتان معركتيهما مع مرض السرطان، وفي هذه اللحظة تتغير طبيعة العلاقة بينهما بالكامل، فلم يعد هناك خصمان يفصل بينهما خط الملعب، وإنما صديقتان تتبادلان الدعم، والخبرة، والأمل في مواجهة تحدٍ لا يعترف بالإنجازات الرياضية، في مفارقة تمنح الفيلم قوة استثنائية، لأن الخصومة التي صنعت المجد تتحول مع مرور الزمن إلى مصدر للتعاطف، والمساندة.

كشف العمل عن جوانب إنسانية مشتركة بينهما (نتفليكس)

يفتح الفيلم نافذة على الظروف المختلفة التي صنعت شخصية كل منهما، فبينما نشأت كريس إيفرت داخل المجتمع الأميركي، جاءت مارتينا نافراتيلوفا من تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، حاملة معها تجربة مختلفة تماماً في النظر إلى الحرية، والطموح، والحياة.

ورغم هذا التباين، جمعتهما لغة واحدة هي الإصرار على التفوق، قبل أن تجمعهما لاحقاً تجربة إنسانية أكثر عمقاً من أي بطولة.

ويعتمد الفيلم على مقابلات جديدة، ولقطات أرشيفية لم تُعرض من قبل، تمنح المشاهد فرصة لاكتشاف ما كان يجري خلف الصورة التي رسمتها وسائل الإعلام لعقود، ليكشف حجم الضغوط النفسية، والعزلة التي عاشتها اللاعبتان في سبيل الحفاظ على القمة، ويُظهر أن النجاح، مهما بدا مبهراً، يحمل دائماً تكلفة خفية لا يراها الجمهور.

مخرجة الفيلم ريبيكا جيتليتز أكدت لـ«الشرق الأوسط» في مقابلة عبر «زووم» أن فكرة الفيلم لم تبدأ من الرغبة في توثيق مسيرة اثنتين من أعظم لاعبات التنس في التاريخ فقط، وإنما من شعورها بأن إصابة كريس إيفرت ومارتينا نافراتيلوفا بالسرطان في الوقت نفسه كشفت عن جانب جديد في حياتهما يستحق أن يُروى بعيداً عن البطولات، والأرقام.

ولفتت إلى أن نقطة التحول الحقيقية جاءت بعد مقال نشر في صحيفة «واشنطن بوست»، كشف لها أن العلاقة بين اللاعبتين تتجاوز المنافسة الرياضية إلى تجربة إنسانية أكثر عمقاً، ومع بدء التصوير اكتشف فريق العمل أن المرض جرد البطلتين من كثير من الحواجز التي اعتادتا الاختباء خلفها، وهو ما منح الفيلم قدراً غير مسبوق من الصدق، والعفوية.

وأوضحت أن «التحدي الأكبر خلال التصوير تمثل في الوصول إلى هذه الحالة من الصراحة»، مشيرة إلى أن البطلتين اعتادتا طوال عقود على الإجابات المحسوبة أمام وسائل الإعلام، ولذلك كان من الضروري كسر هذا الحاجز للوصول إلى مشاعرهما الحقيقية، ليصبح الجانب الإنساني في النهاية أهم عناصر الفيلم.

الملصق الترويجي للفيلم (نتفليكس)

وأضافت أنها لم تكن تتوقع أن تسمح كريس إيفرت لفريق العمل بمرافقتها في أكثر مراحل حياتها خصوصية، خصوصاً بعد اكتشاف عودة السرطان خلال أحد الأيام الأولى للتصوير، وهو المشهد الذي وثقته الكاميرا في اللحظة نفسها معتبرة أن شجاعة إيفرت في السماح بتصوير رحلة العلاج الكيميائي غيرت مسار الفيلم بالكامل، حتى إن فريق العمل اضطر إلى إعادة تصوير عدد من المقابلات، لأن التجربة القاسية جعلتها تنظر إلى الحياة بعين مختلفة.

وأكدت أن اهتمامها الدائم ينصب على الشخصيات التي تصل إلى قمة النجاح، لأنها ترى أن الجمهور لا يعرف حقيقة الثمن الذي يدفعه الأبطال مقابل البقاء على القمة، موضحة أن «الناس يشاهدون الإنجازات، لكنهم لا يرون حجم التضحيات، أو الوحدة، أو الضغوط النفسية التي يعيشها الرياضيون، وهو ما سعت إلى كشفه في الفيلم».

وأشارت إلى أن العمل لا يمكن اعتباره مجرد فيلم عن التنس، فالعلاقة بين كريس ومارتينا شهدت منافسة، وصداقة، ورحلة مرض تمثل 3 مسارات متشابكة، لا يكتمل أي منها دون الآخر، مؤكدة أن «الفيلم حاول تقديم هذه الرحلة بوصفها قصة واحدة متكاملة تكشف تعقيد العلاقة التي جمعتهما على مدار عقود».

وعن اختيار المباريات التي تضمنها الفيلم من أصل 80 مواجهة جمعت البطلتين، قالت إن المهمة لم تكن سهلة، لكن فريق العمل ركز على المباريات التي شكلت محطات مفصلية في تاريخ المنافسة بينهما، مثل نهائي بطولة «ويمبلدون» عام 1978 التي مثلت نقطة تحول في مسيرة مارتينا نافراتيلوفا، ونهائي بطولة أميركا المفتوحة عام 1984 لما تضمنته المباراة من صراع إنساني مؤثر، إضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة عام 1985 التي أعادت كريس إيفرت إلى قلب المنافسة.

وأكدت أن مواجهة السرطان غيرت نظرة اللاعبتين إلى نفسيهما، وإلى الحياة، موضحة أن «المرض دفعهما إلى مراجعة اختياراتهما، وأخطائهما، وأجبرهما على إعادة تقييم الكثير من الأمور التي اعتقدتا يوماً أنها مسلّمات، وهو ما منح الفيلم بعداً إنسانياً يتجاوز كونه وثائقياً رياضياً»، على حد تعبيرها.