نيكاراغوا أمام خياري الإصلاحات... أو المجهول

ما تبقى من تجربة دانييل أورتيغا «الثورية» أمام الامتحان الأصعب

نيكاراغوا أمام خياري الإصلاحات... أو المجهول
TT

نيكاراغوا أمام خياري الإصلاحات... أو المجهول

نيكاراغوا أمام خياري الإصلاحات... أو المجهول

ثمّة بلدان تبدو محكومة بقَدَر الطغاة. يتعاقبون عليها فصولاً من القهر والعذاب. يأكلون من لحم أبنائها، ويطردون الأحلام من أهدابهم كلّما أطلّت مواسم التغيير والآمال. نيكاراغوا من هذه البلدان، التي ما إن تطوي مأساة حتى تبدأ بالاستعداد لمواجهة أخرى. تهدر فيها الفرص والطاقات، وتحرق الوعود المؤجلة باستمرار.
خلال زيارتي الأولى إلى نيكاراغوا بعد انتصار «الثورة الساندينية» عاينت بلداً من أجمل بلدان القارة الأميركية، وشاهدت كيف كانت عائلة الطاغية أناستاسيو سوموزا تمارس الحكم بوحشية لا نظير لها، وتتصرّف كما لو أنها تملك البلد بأكمله، لا رقيب أو حسيب. على فظائعها مطمئنة إلى دعم الولايات المتحدة التي كانت يومها تعتبر أميركا اللاتينية بأسرها «حديقتها الخلفية»، لها فيها الربط والحلّ.
كان مستحيلاً ألا تتفجر ثورة في كل شبر من تلك الأرض المعذّبة. كانت مسألة وقت، إلى أن قامت مجموعة من الشبان الجامعيين والمزارعين بتأسيس «الجبهة الساندينية للتحرير الوطني» عام 1961، مستلهمة نضال الجنرال أوغوستو ساندينو، الذي تمكّن على رأس مجموعة من الثوّار من طرد القوات الأميركية التي كانت تحتل نيكاراغوا عام 1934. لكن واشنطن كانت قد عمدت قبل سحب قواتها إلى تشكيل قوة عسكرية عالية الدربة هي «الحرس الوطني»، وعيّنت قائداً لها الجنرال سوموزا، الذي كان اغتيال ساندينو أولى العمليات التي نفذها بعدما تسلّم مهامه.
طويلة ومكلفة كانت حرب العصابات التي شنتها «الجبهة الساندينية» من الأرياف في نيكاراغوا، ضد نظام الطاغية السابق أناستاسيو سوموزا. وفي نهاية المطاف، اضطر سوموزا للهرب من العاصمة صيف عام 1979، ليدخلها ثوار «الجبهة»، وعلى رأسهم «الكوماندانتي» دانييل أورتيغا، الذي كان سوموزا قد أفرج عنه قبل سنوات، في أعقاب اعتقاله إثر محاولة للسطو على أحد المصارف مع مجموعة من الثوار. ومن ثم، جرت مقايضة أورتيغا وعدد من رفاقه مقابل إفراج «الجبهة الساندينية» عن مسؤولين كبار احتجزتهم، بعدما اقتحمت إحدى مجموعاتها المسلحة منزل حاكم البنك المركزي، الذي كان يستضيف السفير الأميركي وشقيق سوموزا.
ترأس أورتيغا «حكومة الإعمار الوطني» التي تشكلت في نيكاراغوا بعد سقوط سوموزا، وتولّى شقيقه أومبرتو قيادة القوات المسلحة حتى إجراء الانتخابات الأولى عام 1984. في هذه الانتخابات فاز دانييل أورتيغا ليصبح أول رئيس للجمهورية، ويعلن قيام نظام اشتراكي ماركسي – لينيني، كان يتلقّى الدعم الفني والعسكري من كوبا، ومساعدات مالية سخيّة من ليبيا التي منحته «وسام القذافي الدولي لحقوق الإنسان»!.
إلا أن سياسات الاقتصاد الموجه التي انتهجها أورتيغا، وعملية الحصار الخانق الذي فرضته عليه واشنطن كالذي كان مفروضاً على كوبا، أدّت إلى أزمة اجتماعية ومعيشية خطيرة، تصاعدت معها الضغوط الإقليمية والدولية عليه، إلى أن أُجبر على الدعوة إلى إجراء انتخابات عام 1990. في هذه الانتخابات فازت قوى المعارضة بقيادة رفيقته السابقة في «الجبهة» فيوليتا تشامورو، التي كانت قد انشقت عنه مع نائبه سيرجيو راميريث، الكاتب المعروف الذي فاز بجائزة ثرفانتيس العام الماضي.
- أورتيغا: المنعطف الكبير
تلك الهزيمة في الانتخابات كانت المنعطف الذي بدأت عنده مرحلة التحوّل الشخصي والسياسي الأعمق والأغرب عند أورتيغا، ومعها رحلة الابتعاد عن الجذور والانتماءات الآيديولوجية الأولى.
إذ راح الزعيم الثوري ينأى عن دائرة التأثير الكوبي، وينسج علاقات مع مراكز النفوذ المالي والاقتصادي والحركات الدينية المحافظة. كذلك قرر الاستعاضة عن نشيد «الجبهة الساندينية» بسيمفونية بيتهوفن التاسعة. ثم عاد ليفوز في الانتخابات الرئاسية عام 2006، ويعيّن رفيقته آنذاك وزوجته حالياً، روزاريو موريّو نائباً له، بعدما كان معظم رفاق دربه قد انشقّوا عنه أو انضموا إلى المعارضة.
وعندما فاز مجدداً في انتخابات عام 2011، كان أورتيغا قد رسّخ أسس نظام حكم ديكتاتوري يمسك فيه بمقاليد القرار السياسي والعسكري والمالي، ملغياً هامش المناورة وقنوات الحوار مع الخصوم والمعارضة، ومصرّاً على قمع الاحتجاجات أيا كانت مصادرها أو دوافعها.
أخذ يتجاهل كل الانتقادات التي تستهدف أسلوب حكمه التوتاليتاري، والقمع الذي تمارسه أجهزة الأمن التابعة له مباشرة في حق المعارضين، والثروة الطائلة التي جمعتها أسرته، والفساد المستشري حوله، والتهم التي وجهتها ضده مؤسسات دولية بالتعامل مع المنظمات الإجرامية لتهريب المخدرات، مثل «كارتل» بابلو أسكوبار الكولومبي، لتمويل حزبه وأعوانه. ورغم التحذيرات والنصائح التي وجهتها لأورتيغا جهات إقليمية ودولية عدة، إزاء تدهور الأوضاع المعيشية والاجتماعية، وارتفاع مستوى الفقر ومنسوب الاستياء الشعبي، فإنه ترشّح للانتخابات مرة أخرى عام 2016، وفاز بنسبة 75 في المائة من الأصوات، ما أثار موجة عارمة من الاحتجاجات أخمدها بيد من حديد بسرعة قياسية.
- مفتاح ما يجري اليوم
هذه الوقائع التاريخية التي تعاقبت منذ سنوات في مسرى دانييل أورتيغا السياسي والشخصي، هي المفتاح الوحيد لقراءة ما يحصل اليوم في نيكاراغوا، ويهدد بإغراقها مجددا في حمام آخر من الدم والدمار.
يوم 18 أبريل (نيسان) الماضي، أصدر أورتيغا مرسوماً رئاسياً بتعديل نظام الضمان الاجتماعي؛ بحيث يخدم مصالح أصحاب العمل، ويحرم الطبقات الفقيرة والفلاحين والطلاب من تعويضات مالية وخدمات أساسية باهظة التكاليف في القطاع الخاص. تلك كانت الشرارة التي أشعلت النار في هشيم الأوضاع المتأزمة من سنوات، فانطلقت مظاهرات حاشدة في معظم أنحاء البلاد، يتقدمها الطلاب والفلاحون مطالبين بإلغاء المرسوم الذي لم يناقش في البرلمان، وباستقالة أورتيغا، والدعوة إلى إجراء انتخابات حرة بمراقبة دولية.
لم يستطع أورتيغا أن يتحمّل مشهد المظاهرات الحاشدة التي تطالبه بالاستقالة في كل أنحاء البلاد، والتي عادت به سنوات إلى الوراء، عندما كان يتزعّم الاحتجاجات ضد نظام سوموزا، فأمر قواته بقمعها من غير رحمة. وأدى القمع الدامي إلى سقوط أكثر من 80 قتيلاً خلال الأيام الثلاثة الأولى، معظمهم من الشباب الذين أصيبوا بطلقات نارية في رؤوسهم أو صدورهم.
الشهود الذين عاينوا عمليات القمع أصيبوا بالهلع إزاء تلك المشاهد التي استحضرت عهد سوموزا، بينما سارعت الكنيسة الكاثوليكية النافذة في نيكاراغوا إلى مطالبة أورتيغا «بسحب قواته فوراً من الشوارع، ووقف أعمال القتل والاعتقال العشوائي» كشرط أوّلي لبدء الحوار مع القطاعات المحتجة.
- تفاوض تحت الضغط
وبعد ثلاثة أسابيع من المماطلة والتسويف والمراهنة على تراجع حدة الاحتجاجات التي لم تهدأ، أعلن أورتيغا أنه مستعد «للتفاوض من أجل التوصل إلى مخرج من الأزمة السياسية» التي بدأت تضرب الاقتصاد الضعيف. إذ قدّر البنك المركزي أن الخسائر التي نجمت عن الاضطرابات بلغت 350 مليون دولار، وأن ودائع بمقدار 300 مليون دولار قد سُحبت من المصارف في الأسابيع الثلاثة الماضية. هذا، وكان الفلاحون والمنظمات الطلابية قد قطعوا معظم الطرقات الريفية المؤدية إلى العاصمة التي ما زالت شبه معزولة عن بقية المناطق. وطالبت الكنيسة أورتيغا بالإسراع في الإقدام على خطوات إصلاحية توسّع إطار الحريات والديمقراطية.
أما رئيس اتحاد المنتجين والمزارعين، فهو يرى أن المفاوضات لا بد أن تؤدي إلى «تنحّي أورتيغا أو استقالته، وتشكيل حكومة جديدة تعيد النظام والاستقرار، وتدعو إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة». وهدّد، في حال فشل المفاوضات، بشل الحركة الإنتاجية في البلاد، والدعوة إلى «إضراب عام مفتوح إلى أن تسقط الحكومة».
في المقابل، توقّف المراقبون باستغراب عند التصريحات الأخيرة التي صدرت عن أورتيغا، عندما قال إن حكومته تسعى إلى الحوار والسلام، مشيراً إلى المجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي أخيراً، وذهب ضحيتها عشرات القتلى من الفلسطينيين في غزة. إلا أنه لم يتطرّق إلى عشرات القتلى الذين سقطوا في نيكاراغوا برصاص قوات الأمن والقناصة، والجماعات شبه العسكرية الموالية له في الأسابيع الأخيرة، بل سقط أمس فقط أكثر من 100 قتيل.
- الغالبية مع رحيله
وفق استطلاع للرأي نُشر أخيراً، أفاد الاستطلاع بأن 70 في المائة من المواطنين يؤيدون رحيل أورتيغا، نصفهم من «الساندينيين» الذين يعتبرون أنه قد خان مبادئ الثورة، وأنه يدفع بالبلاد نحو وضع مشابه لوضع فنزويلا.
ومن جانب آخر، يحذّر مراقبون دبلوماسيون في العاصمة ماناغوا، من أن الجنوح الديكتاتوري في مسار أورتيغا، وسيطرته الكاملة على أجهزة الأمن والقوات المسلحة، من العوامل التي قد تدفعه إلى تصعيد القمع، إذا ما شعر بأن استمراره في الحكم بات مهدداً، ومن ثم، يفتح أبواب الأزمة على مصاريعها وأسوأ احتمالاتها.
واللافت أن أورتيغا يتنقّل منذ بضع سنوات في سيارة فاخرة مصفّحة، بعكس ماضيه الثوري، عندما رافقه كاتب هذه السطور في إحدى جولاته الانتخابية بالمناطق الريفية على صهوة حصان، ويصافح مؤيديه من غير حراسة.
كل المراقبين الذين يتابعون عن كثب تطورات الأزمة في نيكاراغوا، يجدون صعوبة في تحديد التوقعات بشأن الخطوات التي يمكن أن يُقدم عليها أورتيغا، الذي تنقّل بسهولة وبراعة - ونجاح حتى الآن - في كل السيناريوهات السياسية الممكنة. ثمّة من يرجّح نزوعه إلى استخدام مزيد من العنف لقمع الاحتجاجات، مراهناً على تراجع حدتها مع مرور الوقت، والإنهاك الطبيعي للمشاركين فيها. ولقد تعرّضت مظاهرة سلمية حاشدة لأمهات الذين سقطوا في احتجاجات الأسابيع الماضية، كانت تجوب الوسط التجاري في العاصمة يوم الأربعاء المنصرم، إلى قمع وحشي على يد أجهزة الأمن ورصاص القناصة، بينما كان الرئيس يعلن من مقر قيادة القوات المسلحة: «نيكاراغوا لنا جميعاً، وفيها سيبقى جميعنا»، في رد مباشر على المطالبين برحيله. إلا أن آخرين يرون أنه إذا ما أحسن قراءة الأحداث، وأصاب في تقدير تفاعلاتها - انطلاقاً من تجربته الخاصة - سيخلص حتماً إلى أن أيامه ستكون معدودة، ما لم يسارع إلى تقديم تنازلات وإجراء إصلاحات جذرية في نظامه.
- عنصر الشباب
صحيح أن السواد الأعظم من الذين يخرجون إلى الساحات في المظاهرات الحاشدة ويسقطون برصاص قوات الأمن، هم من الشباب الذين لم يعرفوا عن «الثورة الساندينية» سوى القليل مما سمعوا أو قرأوا عنها. غير أن الثورة هي في الحامض النووي للنيكاراغويين الذين يعرفون أنها قامت قبل أي شيء لأسباب أخلاقية، ضد طاغية أمعن لسنوات طويلة في قتل الشباب المعارضين الذين كانت أجسادهم تُرمى في حفرٍ مكشوفة عند أرباض العاصمة، حيث كانت الأمهات يتهافتن كل صباح بحثاً عن المفقودين من أولادهن.
بعض الشعارات التي يرفعها المتظاهرون العُزل اليوم في وجه قوات الأمن، تكفي لإعطاء فكرة عن تصميم «أحفاد» الثورة، على إسقاط الذي قادها وأصبح اليوم أكبر خائنيها.
أحد الذين سقطوا في اليوم الأول من الاحتجاجات كان قد كتب على قميصه «أخذوا منّا كل شيء، بما في ذلك الخوف»... بينما كانت شابة حامل تتقدم إحدى المظاهرات في ماناغوا، وعلى بطنها الجملة التالية: «... فلتستسلم أمّك؛ لأن أمي لن تستسلم».
- أضواء على نيكاراغوا... وبطلها القومي ساندينو
> تقع نيكاراغوا في أميركا الوسطى، بوسط البرزخ الذي يفصل بين المحيط الهادي والبحر الكاريبي. وتمتّد على مساحة 130 ألف كيلومتر مربع فوق أرض بركانية استوائية المناخ، تهطل عليها الأمطار الغزيرة بانتظام كل ظهيرة، لتروي حقول البنّ الذي يشكّل عماد الاقتصاد (65 في المائة من الصادرات)، وتغذّي بحيرة كوثيبولكا... أكبر خزّان للمياه العذبة في عموم أميركا الوسطى.
لا يختلف تاريخ نيكاراغوا كثيراً عن تاريخ شقيقاتها في الأميركتين الجنوبية والوسطى، من حيث حقبة الاستعمار الإسباني، وحروب التحرير الوطنية، والنفوذ الواسع للولايات المتحدة في شؤونها السياسية والاقتصادية. إذ نزل فيها المستعمرون الإسبان مطالع القرن السادس عشر الميلادي، وأتبعوها مباشرة بالإدارة المركزية للإمبراطورية حتى أواسط القرن التاسع عشر، لتغدو بعد ذلك إحدى المقاطعات الملحقة بالإمبراطورية المكسيكية الأولى، بموجب مقايضة بين المكسيك وإسبانيا.
بعد هزيمة المكسيك في حربها ضد الولايات المتحدة، نالت نيكاراغوا استقلالها عام 1838، ودخلت في دوّامة طويلة من الاضطرابات السياسية والعنف الأهلي بين المحافظين والليبراليين. ومهّدت هذه الدوّامة لتمدّد نفوذ واشنطن الذي استمرّ حتى ظهور البطل القومي أوغوستو ساندينو، الذي تمكّن بعد حرب عصابات طويلة، من طرد القوات الأميركية نهائياً عام 1933، ليترك بصماته على كل الأحداث التي تعاقبت على نيكاراغوا إلى اليوم.
- ساندينو... البطل التاريخي
وُلد أوغوستو سيزار ساندينو في بلدة نيكينومو عام 1895، وكان ابناً غير شرعي لأحد مزارعي البن الأثرياء وخادمة كانت تعمل في منزله. هجرته أمه وهو بعد في التاسعة، فذهب ليعيش في كنف جدته، ثم عاد إلى مزرعة والده، حيث اضطر للعمل في حقول البن مقابل قوته ومسكنه. ولقد جاء في سيرته أن الحادثة التي غيّرت مجرى حياته - لشدة تأثيرها فيه - كانت عندما شاهد جثة قائد القوات المتمردة على النظام الذي كانت تدعمه واشنطن، ممددة على عربة يجرّها ثوران، ويواكبها عدد من المزارعين الحفاة، في الطريق إلى دفنه في مسقط رأسه.
عام 1921 اضطر ساندينو للهرب من نيكاراغوا بعد إطلاقه النار على أحد وجهاء بلدته، كان قد عيّره بوالدته. وراح من ثم يتنقّل من هندوراس إلى غواتيمالا والمكسيك، حيث عمل في حقول النفط ومزارع الموز وقصب السكّر. وفي المكسيك - بالذات - نضجت أفكاره السياسية المناهضة للإمبريالية، وعاد إلى نيكاراغوا عام 1926 بعدما سقط الحكم القضائي عنه بالتقادم، وانضمّ إلى القوى المعارضة للتدخل الأميركي، وبدأ نضاله المسلح مع مجموعة من رفاقه، زّودتهم بالبنادق بعض المومسات في ميناء بلدة كابيثاس.
وبينما كانت أعداد الثوار التابعين لحركته تزداد، كان عدد قوات «المارينز» (مشاة البحرية) الأميركية في نيكاراغوا قد وصل إلى خمسة آلاف، يؤازرهم 460 من الضباط والخبراء العسكريين المشاركين مباشرة في المعارك ضد القوات المتمردة.
في عام 1928، أبرم الليبراليون الذين كانوا يدعمون القوات المتمردة ضد الحكومة المحافظة، صفقة مع الأميركيين، تسلّموا الحكم بموجبها مقابل سحب تأييدهم للثوار. لكن ساندينو رفض الصفقة وانسحب إلى معقله والقاعدة الرئيسية لقواته، وقال جملته الشهيرة: «إنا لا أُباع ولا أستسلم. الحرية لبلادي أو الموت». وتقاطر التأييد عليه من الأرياف والمناطق الفقيرة، حتى بلغ عدد المقاتلين بإمرته ستة آلاف خلال أقل من ثلاثة أشهر، بسبب الغضب الذي كان يجتاح المناطق التي تحتلها قوات «المارينز» نتيجة لأعمال التنكيل والاغتصاب في حق المواطنين. ولذا اضطر الأميركيون إلى استخدام الطيران لقصف المناطق السكنية، في المدن التي كان ثوار ساندينو يحاصرون «المارينز» فيها.
وفي حين كانت قوات «المارينز» تتأهب للانسحاب من نيكاراغوا، بفعل الهزائم المتلاحقة اللاحقة بها، كان الرئيس تيودور روزفلت يحاول إنهاض أميركا من الأزمة المالية الكبرى، فأعلن سياسة «حسن الجوار»، وقرّر سحب القوات الأميركية من منطقة الكاريبي، بما فيها نيكاراغوا. وبعد انسحاب القوات الأميركية عرض ساندينو السلم على رئيس الجمهورية والانصراف إلى الإعمار، فتجاوب الرئيس مع الطلب، وأعلنت نهاية الحرب في 2 فبراير (شباط) 1922.
في تلك الفترة كان على رأس القوات المسلحة في نيكاراغوا الجنرال أناستاسيو سوموزا، العميل الأول لواشنطن، الذي كان يخطط منذ أسابيع لاغتيال ساندينو. ويوم 2 فبراير 1934، بينما كان ساندينو يغادر مع بعض معاونيه منزل رئيس الجمهورية (والد زوجة سوموزا) ألقت القبض عليه ثلّة من العسكريين، واقتاده أفرادها خارج العاصمة، حيث أعدم رمياً بالرصاص أمام حفرة كانت معدّة سلفاً لدفنه.
غير أن موت ساندينو لم ينهِ إرثه؛ بل صار عنواناً للوطنية، وحملت اسمه الجبهة الثورية التي أسقطت بعد عقود ديكتاتورية عائلة سوموزا.


مقالات ذات صلة

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة،

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)

فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

تُواجِه فرنسا، مع اندلاع حرب إيران، حزمةً معقّدةً من التداعيات الداخلية، تمتدّ من الأمن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مروراً بالمعارك الانتخابية والخطاب

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.