استراتيجية العزم تفتح آفاقاً من الشراكة بين السعودية والإمارات

تعيد بناء نظام اقتصادي إقليمي... والتوقعات تتجاوز 46% من الناتج الإجمالي العربي

الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد خلال الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي - الإماراتي
الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد خلال الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي - الإماراتي
TT

استراتيجية العزم تفتح آفاقاً من الشراكة بين السعودية والإمارات

الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد خلال الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي - الإماراتي
الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد خلال الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي - الإماراتي

تشكل استراتيجية الشراكة السعودية - الإماراتية، التي أطلق عليها اسم «استراتيجية العزم»، وكشف عنها يوم أول من أمس محوراً لقوة اقتصادية عالمية، وذلك من خلال دمج الخبرات الثنائية واختصار المسافة والزمن في الاستفادة من القدرات الهائلة التي تمتلكها البلدين.
والاستراتيجية تستهدف خلق نموذج استثنائي للتكامل والتعاون بين البلدين عبر تنفيذ حزمة من المشروعات الاستراتيجية المشتركة. وتعتبر الشراكة بين الرياض وأبوظبي قاعدة جديدة لإعادة بناء نظام إقليمي يستعد رفع مستوى المنطقة الاقتصادي من خلال تماسك وتشارك أكبر اقتصادين عربيين، ويعطي دفعة جديدة للواقع الخليجي والعربي بالصعود إلى مستوى أعلى، وبخاصة أن القوى الاقتصادية العالمية تملك أعلى نسبة شراكة في المنطقة العربية والخليجية مع السعودية والإمارات.
ومن شأن مجلس التنسيق بين البلدين أن يكون النموذج الأمثل للتعاون الثنائي بين الدول وتعزيز التكامل بين مختلف القطاعات والمجالات، وإضافة لمكانة المنطقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً على الساحة الدولية.
ووضع الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي - الإماراتي برئاسة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، والشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي خريطة طريق لتحقيق تكامل سياسي واقتصادي وأمني بين البلدين للسنوات الخمس المقبلة.
واستعرض الاجتماع ما تم إنجازه على صعيد الاقتصاد والتنمية البشرية والتكامل السياسي والأمني العسكري، وإجراء مزيد من التشاور والتنسيق، ومناقشة تعزيز التعاون المشترك، وبحث تطورات الأحداث ومستجداتها في المنطقة.
وتسعى كل من السعودية والإمارات من خلال مجلس التنسيق إلى إبراز مكانة الدولتين في مجالات الاقتصاد والتنمية البشرية والتكامل السياسي والأمني العسكري، والوصول إلى آفاق أوسع، تعزز مكانة الدولتين التنافسية، وتبرز مكانتهما كقوة سياسية واقتصادية متنامية.
ووقع المجلس «استراتيجية العزم»، التي تضمنت 44 مشروعاً مشتركاً في معظم المجالات الاستراتيجية، حيث ينطلق المجلس من الروابط الدينية والتاريخية والاجتماعية والثقافية بين الدولتين، وحرصهما على توطيد علاقاتهما الأخوية، وتعزيز العلاقات المستدامة بين البلدين في المجالات كافة.
وأكد الجانبان أن اتفاقية إنشاء المجلس تنص على أن مهامه لا تخل بالتزامات المملكة والإمارات، ولا بالتعاون القائم بين دول مجلس التعاون الخليجي؛ إذ يشكل المجلس التنسيقي قوة تعزز منظومة مجلس التعاون، وتضيف لمكانة منطقة الخليج والعالم العربي السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وقال محمد التويجري، وزير الاقتصاد والتخطيط في السعودية، إن ما تحقق خلال الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي - الإماراتي هو حصاد عمل دؤوب من فرق العمل من الجانبين، تكلل بتوقيع 20 مذكرة تفاهم في مجالات حيوية، والذي كان جنياً لثمار جهد شارك فيه أكثر من 350 مسؤولاً حكومياً يمثلون أكثر من 100 جهة حكومية من البلدين.
وأشار الوزير إلى أن المجلس أنشأ ضمن اتفاقية بين السعودية والإمارات في مايو (أيار) 2016؛ بهدف وضع رؤية مشتركة تعمل على تعميق واستدامة العلاقات، وتعزيز المنظومة الاقتصادية المتكاملة بين البلدين، وإيجاد الحلول المبتكرة للاستغلال الأمثل للموارد والإمكانات القائمة، وبناء منظومة تعليمية فعّالة ومتكاملة قائمة على نقاط القوة التي تتميز بها كل من الدولتين، وتنسيق المبادرات المشتركة والتي ستنعكس نتائجها بشكل إيجابي على خلق فرص عمل ونمو في الناتج الإجمالي وزيادة الاستثمار بين البلدين. كما يعمل المجلس على تعزيز التعاون والتكامل بين البلدين في المجال السياسي والأمني والعسكري بما يعزز أمن ومكانة البلدين على كافة الصعد.
وأكد الوزير التويجري، أن المجلس سيقدم النموذج الأمثل «للتعاون الثنائي بين الأشقاء باعتباره امتداداً طبيعياً للتاريخ العميق بين البلدين الشقيقين، ومرحلة جديدة من التعاون الفاعل وغير المحدود الذي سينعكس بالأثر الإيجابي المستدام على البلدين والمنطقة والعالم».
ويضم الهيكل التنظيمي للمجلس، الذي يرأسه من الجانب السعودي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، كلاً من الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية، والأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان، وزير الثقافة، ووزراء التجارة والاستثمار، والخارجية، والطاقة والصناعة والثروة المعدنية، والمالية، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، وأحمد الخطيب، وياسر الرميان.
كما يندرج تحت المجلس لجنة تنفيذية لضمان التنفيذ الفعال لاستراتيجيات وفرص التعاون والشراكة بين البلدين ضمن المجلس ووضع آلية واضحة لقياس الأداء بما يكفل الاستدامة ونجاح المبادرات، ولتكثيف التعاون الثنائي في الموضوعات ذات الأولوية، ويرأسها من الجانب السعودي الوزير محمد التويجري، وزير الاقتصاد والتخطيط بالشراكة مع الوزير محمد بن عبد الله القرقاوي، الذي يرأس اللجنة من الجانب الإماراتي، والتي سيتم تحديد أعضائها وأعضاء اللجان الفرعية والفرق الفنية المتفرعة عنها من الطرفين في المرحلة المقبلة.
ويرى خبراء اقتصاديون في البلدين، أن اللجان التي جرى تشكيلها ستعمل على تحقيق المزيد من النمو في علاقات التعاون بين الإمارات والسعودية، وذلك من خلال الاستفادة من مقوماتهما التنموية الكبيرة باعتبارهما أكبر اقتصادين عربيين، وتوظيف إمكاناتهما التجارية والاستثمارية الضخمة بما يدفع عجلة التنمية المستدامة في كل منهما.

خبرات اقتصادية واسعة
ويتمتع البلدان بخبرات واسعة في مجالات التطوير الاقتصادي والتجارة والاستثمار؛ مما يشكل دعائم رئيسية لجعل لجان التعاون المشتركة بينها بمثابة منصات عمل لتطوير خطط واستراتيجيات ومبادرات تدعم مساعي البلدين في تحقيق التنمية والازدهار، وخصوصاً من خلال الاستثمار وإقامة المشروعات المشتركة في القطاعات ذات الأولوية، كالصناعة والإنشاء والتعمير وغيرها من القطاعات الأخرى، وذلك إلى جانب تنمية الشراكة بين القطاع الخاص في البلدين، وهو القطاع الذي يعد شريكاً أصيلاً في عملية التنمية الشاملة.
وعلى الصعيدين الاقتصادي والتجاري، أسهم تشكيل لجان التعاون الإماراتية السعودية في توثيق العلاقات بين البلدين وعلى نحو زاد من حجم التبادل التجاري بينهما بنسب كبيرة خلال الشهور الماضية، وباتت السعودية تستحوذ على المركز الرابع عالمياً بصفتها أهم شريك تجاري للإمارات.
ووفقاً لمعلومات وكالة الأنباء الإماراتية (وام)، واصلت السعودية تصدر المركز الأول خليجياً من حيث قيمة التجارة البينية مع الإمارات بحصة قيمتها 58 مليار درهم (15.7 مليار دولار) خلال عام 2017، مستحوذة بذلك على 46 في المائة من إجمالي تجارة الإمارات غير النفطية مع دول المجلس بحسب الإحصاءات الصادرة عن الهيئة الاتحادية للجمارك في الإمارات.
وكانت قيمة التبادل التجاري للسلع غير النفطية بين البلدين قد بلغت نحو 20 مليار درهم (5.4 مليار دولار) خلال عام 2016، مستحوذة على 43 في المائة من إجمالي تجارة الإمارات غير النفطية مع دول مجلس التعاون لدول الخليج، وعلى 27 في المائة من إجمالي تجارة الإمارات غير النفطية مع الدول العربية للعام نفسه.
وتعد السعودية ثاني أهم وجهة عالمية لإعادة التصدير من الإمارات، مستحوذة على 9 في المائة من إجمالي إعادة التصدير في البلاد خلال عام 2016، في حين حلت الأولى عربياً بنسبة 29 في المائة من إجمالي إعادة التصدير للدول العربية، وعلى صعيد دول مجلس التعاون فتستحوذ على ما نسبته 47 في المائة، أما في الاستيراد فإن 45 في المائة من الواردات الإماراتية من دول مجلس التعاون مصدرها السعودية.
وفي المقابل، فإن الإمارات تأتي في المرتبة السادسة عالمياً بصفتها أهم شريك تجاري للسعودية مستحوذة على ما نسبته 6.1 في المائة من إجمالي تجارة السعودية لعام 2016، وفي المرتبة الأولى عربياً وخليجيا بصفتها أهم شريك تجاري للسعودية مستحوذة على ما نسبته 56 في المائة من إجمالي تجارة السعودية مع دول مجلس التعاون لعام 2016.
وعلى صعيد الاستثمار، فإن السعودية تستحوذ على ما نسبته 4 في المائة من رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى الإمارات حتى نهاية 2015، وتأتي في المركز الأول عربياً مستحوذة على ما نسبته تقترب من 30 في المائة من رصيد الاستثمارات العربية المباشرة في الإمارات، وما نسبته 38 في المائة من رصيد الاستثمارات الخليجية في البلاد.
وتتوقع المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية أن نسبة ما يشكله الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لكل من السعودية والإمارات سيتجاوز 46 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للدول العربية لعامي 2017 و2018، مقارنة مع 41 في المائة بالمتوسط للفترة السابقة منذ 2000 – 2016. كما تستحوذ الدولتان على نحو 53 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية من السلع والخدمات مع نهاية عام 2017.
من جهته، قال سلطان المنصوري وزير الاقتصاد الإماراتي، إن مجلس التنسيق السعودي - الإماراتي واستراتيجية العزم المنبثقة عنه يفتحان آفاقاً جديدة للتعاون في مشروعات اقتصادية استراتيجية تدفع عجلة النمو في كلا البلدين.
وقال في تصريحات نقلتها «وام»، إن استراتيجية العزم أتاحت للطرفين الإماراتي والسعودي التعاون في قضايا غاية في الأهمية بما يتعلق بريادة الأعمال والسياحة والتراث الوطني والقطاع اللوجيستي والبنية التحتية. وأضاف: «حددنا من خلال التوقيع على مذكرة تفاهم في هذا الشأن كيفية تطوير المطارات والموانئ الموجودة في البلدين وتعزيز دورها في دعم الاقتصاد، بالإضافة إلى سبل تعزيز وسائل الربط الجوي بين البلدين من خلال سياسة الأجواء المفتوحة».
من جانبه، قال عبيد الطاير، وزير الدولة للشؤون المالية الإماراتي، إن توقيع مذكرة التفاهم مع الجانب السعودي ضمن أعمال الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي - الإماراتي يعتبر المنصة الأساسية لتنسيق المواقف والآراء المشتركة تجاه الموضوعات الخاصة بالاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، موضحاً أنه تم خلال هذه المذكرة تحديد كافة المحاور المؤثرة على الاقتصادات في البلدين وتوجيه المختصين للتعرف إلى طرق الاستفادة منها بصورة تعزز مسيرة النمو الاقتصادي وتكامله في الإمارات والسعودية.
وقالت عهود الرومي، وزيرة دولة للسعادة وجودة الحياة مدير عام مكتب رئاسة مجلس الوزراء في الإمارات، إن مجلس التنسيق السعودي - الإماراتي يمثل منصة جامعة للمسؤولين في البلدين يتشاركون من خلالها التجارب الناجحة والنماذج الريادية المتميزة، ويتبادلون الخبرات والمعارف حول أفضل الممارسات في مجالات التطوير الحكومي والخدمات، كما يعكس سعي البلدين إلى تعزيز جهود الجهات الحكومية لابتكار مناهج عمل وتطوير حلول وخدمات تواكب التغيرات العالمية وتستبق التحديات المستقبلية وتسهم في تحسين الأداء والارتقاء بالعمل الحكومي إلى مستويات تضمن تحقيق السعادة وجودة الحياة.
وتم على هامش الاجتماع الأول للمجلس التنسيقي السعودي - الإماراتي توقيع 20 مذكرة تفاهم بين البلدين ضمن المحاور ذات الأولوية، وذلك لإدخال مشروعات استراتيجية العزم حيز التنفيذ، وتمثل المشروعات مرحلة جديدة في التكامل السعودي - الإماراتي، وتضم مبادرة لتحسين تجربة المواطن للخدمات الحكومية في البلدين، وإطلاق برنامج الرفاه السكني، وإطلاق سياسة تمكين القطاع المصرفي، وإنشاء صندوق استثماري للاستثمار في المشروعات المتوسطة والصغيرة بالمشاركة مع القطاع الخاص، وغيرها من المشروعات.


مقالات ذات صلة

إردوغان وشهباز شريف يبحثان سبل إنهاء حرب إيران

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في مستهل لقائهما في أنطاليا جنوب تركيا الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان وشهباز شريف يبحثان سبل إنهاء حرب إيران

أكد إردوغان أن الطريق الوحيد للسلام هو الحوار، مشدداً على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام السفن التجارية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
الخليج سلطان عمان وأمير قطر (وكالة الأنباء العمانية)

سلطان عُمان وأمير قطر يؤكدان أهمية حماية الملاحة البحرية والدفع نحو الحلول الدبلوماسية

شدد سلطان عمان وأمير قطر على ضرورة إنهاء الصراعات عبر الوسائل الدبلوماسية، استناداً إلى مبادئ القانون الدولي، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة.

«الشرق الأوسط» (مسقط-الدوحة)
الاقتصاد صورة تظهر مؤشرات أسهم متراجعة (رويترز)

تراجع معظم بورصات الخليج مع إعلان ترمب فرض حصار على «هرمز»

تراجعت معظم أسواق الأسهم الرئيسية في منطقة الخليج، في التعاملات المبكرة يوم الاثنين، بعد إعلان واشنطن فرض حصار بحري على حركة الملاحة من وإلى الموانئ الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
آسيا سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز) p-circle

دعوات دولية للتهدئة وضمان المرور الآمن في مضيق هرمز

طالب وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) بعودة المرور الآمن وغير المقيد والمستمر للسفن في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
الخليج مشهد عام من مدينة الكويت (رويترز)

السعودية تدين اعتداءات استهدفت الكويت... وقطر تستأنف أنشطة الملاحة البحرية

بالتوازي مع انطلاق مسار مفاوضات بين قيادات أميركية وإيرانية رفيعة المستوى، السبت، في إسلام آباد، لم تسجِّل دول خليجية عدة أي تهديدات أو مخاطر تمس أجواءها.

إبراهيم القرشي (جدة)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.