ليبيا... مراكز القوى

البرلمان الجديد قد يغير قواعد اللعبة

ليبيا... مراكز القوى
TT

ليبيا... مراكز القوى

ليبيا... مراكز القوى

يقول الشيخ جميعي، وهو أحد قادة القبائل، قرب مدينة بنغازي، إن اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود حملة عسكرية ضد المتطرفين في ليبيا، يشبه الرجل الذي اضطر إلى قيادة سيارة، لكنه سيضطر أيضا إلى تركها قبل أن تصل إلى محطتها الأخيرة. ويضيف: «حرك حفتر المياه الراكدة، وتمكن من إيقاظ الكثير من القطاعات لتتنبه إلى خطر المتشددين في ليبيا، لكن هذا لا يعني أنه سيظل ممسكا بقيادة العملية إلى نهاية المطاف». ويأتي هذا وسط تراجع لنفوذ الإسلاميين في البرلمان المنتظر، مما يمكن أن يغير قواعد اللعبة في عموم البلاد. وتمكن حفتر، في وقت وجيز، من تشكيل قطاع مهم في المعادلة السياسية الليبية، لكن، ووفقا للشيخ جميعي، وكذا وفقا للدكتور موسى قريفة، الأستاذ في جامعة طرابلس، فإن المتغيرات الجارية في ليبيا الآن، خاصة بعد تلقي الإسلاميين ضربة كبيرة في انتخابات البرلمان، تجعل أبواب المستقبل مشرعة على كثير الاحتمالات. ويضيف قريفة: «ليبيا الآن فيها معادلة (البرلمان الجديد)، ومعادلة (عملية الكرامة)».

وفقا لروايات قادة عسكريين كانوا يعملون في الجيش الليبي السابق، تتحدد مراكز القوى الفاعلة على الأرض في ليبيا في خمسة قطاعات رئيسة، بعضها أخذ يتآكل ويتراجع وبعضها الآخر بدأ بالظهور على السطح. ومن مراكز القوى مجموعات الجهاديين الموالين لتنظيم القاعدة، وفي القلب من هذه المجموعات «أنصار الشريعة»، التي تضم تونسيين ومصريين وجزائريين وترفع الرايات السوداء، وصنفتها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.
ويهيمن على هذا القطاع، بشكل غير مباشر، قيادات كانت تتزعم «الجماعة الإسلامية المقاتلة» التي تأسست لأول مرة في أفغانستان منذ نحو ربع قرن، قبل أن تنتقل إلى ليبيا لمقاتلة القذافي في منتصف تسعينات القرن الماضي، وقبل أن تعود مرة أخرى لتشارك في اقتحام وكر القذافي بطرابلس في 2011. وهذا القطاع الذي يملك آليات وأسلحة عسكرية وصواريخ محمولة على الكتف ومدرب على حرب العصابات، يتركز وجوده، من الشرق إلى الغرب، في درنة ثم بنغازي إضافة إلى بعض الجيوب في العاصمة نفسها، وبعض النقاط قرب الحدود الجنوبية الغربية.
ويقول ضابط سابق في الاستخبارات الليبية: «توجد خيوط قوية بين هذا القطاع وجماعة الإخوان المسلمين وقادة من البرلمان السابق وقادة في الحكومة أيضا، من بينهم متهمون بقتل اللواء عبد الفتاح يونس الذي كان يقود (الثوار) ضد قوات القذافي في 2011. ومتهمون أيضا بتدبير تفجير القنصلية الأميركية في بنغازي في 2012». ويضيف أنه «معلوم أن عناصر وزعماء الكتائب والميليشيات في هذا القطاع، الذي يعد الأخطر، تتلقى رواتب شهرية ومكافآت ربع سنوية من خزانة الدولة»، لكن في حال جرى إقصاء نفوذ الإسلاميين عن البرلمان والحكومة والأموال، فإن المعادلة ستتغير.
والقطاع الثاني هم «مجموعات الدروع»، وهي تشكيلات شبه عسكرية تهيمن على القيادة فيها شخصيات من مدينة مصراتة التجارية والثرية، والواقعة على البحر المتوسط على بعد نحو مائتي كيلومتر إلى الشرق من طرابلس. ومنذ مقتل القذافي وتشكيل البرلمان والحكومة، تتحرك مجموعات الدروع هذه كأذرع ضاربة لصالح الشق الإخواني داخل منظومة الحكام الجدد، سواء السلطة التشريعية أو التنفيذية.
ويقول العقيد سعيد الذي عمل سنوات في الجيش الليبي السابق، إن عناصر الدروع وقادتها يحصلون على نصيب الأسد من مخصصات الدولة للدفاع والحماية. ولوحظ أن مصراتة لم تمثل في أي من التجمعات القبلية والجهوية التي انعقدت أخيرا في داخل البلاد وخارجها، ويخشى كثير من الأطراف الليبية أن تتحول مصراتة بما تملكه من هيمنة إخوانية وعتاد عسكري وخصوصية في العمل الداخلي والعلاقات الخارجية، إلى حجر عثرة أمام توحيد الليبيين في الفترة المقبلة.
أما القطاع الثالث الذي بدأ الظهور على الساحة الليبية، فهم قادة القبائل الكبرى التي عقدت ثلاثة مؤتمرات خلال الشهرين الأخيرين، اثنان في تونس ومصر، وواحد، وهو الأهم، في بلدة العزيزية الواقعة على بعد نحو خمسين كيلومترا جنوب غربي العاصمة طرابلس. وبدا أن مثل هذه التجمعات القبلية الرافضة لاستحواذ المتشددين الإسلاميين على مقدرات الليبيين، يصب في مصلحة حفتر، لكن، العقيد سعيد، يقول إن هذا غير دقيق، لأن القبائل التي ظلت منبوذة ومهمشة بسبب اتهامها بأنها كانت موالية لنظام القذافي، تؤيد «عملية الكرامة» من جانب، إلا أنها تنظر لشخصية حفتر بـ«عين الريبة»، و«تسعى للاستفادة مما حققه على أرض الواقع، من أجل الانتقال إلى مرحلة جديدة، ليس بالضرورة أن يكون حفتر موجودا على رأسها».
ويتمثل القطاع الرابع الفاعل في المعادلة في «الشارع الليبي» نفسه، أي الرأي العام الذي «أظهر العين الحمراء للإسلاميين في انتخابات البرلمان هذه الأيام». ويقول الدكتور قريفة: «نجاح الليبيين يتوقف على نبض الشارع والقضاء.. الشارع هنا يحكم، وتوجد ثقة بالقضاء بعد الحكم الأخير (المقصود به حكم المحكمة العليا بعدم صحة انتخاب البرلمان المنتهية ولايته للملياردير الإسلامي أحمد معيتيق رئيس حكومة). ويضيف الدكتور قريفة: «حتى الكتائب لا تخشى كتائب أخرى، ولكنها تخشى مواجهة الشارع. وهذه أعتقد أنها معادلة جيدة، لأن الشارع أصبح صوته مرتفعا جدا».
أما القطاع الخامس، فهو قطاع حفتر نفسه. فكيف بدأ؟ وما قوته؟ وإلى أين يمكن أن ينتهي؟ وهل يا ترى ستجبره الظروف والمتغيرات المتسارعة على الأرض، على ترك قيادة «عملية الكرامة» لشخصية أخرى يكون حولها توافق أكبر، أم أنه سينخرط هو نفسه في المقترحات ومنها تلك التي يقودها زعماء قبائل بإقامة مجلس قبلي يتبعه مجلس عسكري موحد، لحكم ليبيا.
لكن رغم كل شيء، ما زال حفتر يلهم قطاعات من الليبيين، خاصة الشباب، في مقاومة المتطرفين، منذ انطلاق عمليته الشهر قبل الماضي، ويبدو أنه مصمم على قيادة العملية حتى النهاية، بعد أن تمكن من تحقيق انتصارات على الأرض لم تكن متوقعة، وأدخل الرعب في قلوب قادة الكتائب والميليشيات، ليس في الشرق وحده، بل في الكثير من المناطق الأخرى، خاصة بعد انضمام مجموعات من جنوب غربي طرابلس إلى «عملية الكرامة»، ومعروف أنها تضم عناصر عملت لسنوات في الجيش الليبي و«كتائبه» وهي محترفة ومن النخبة ولديها آليات حديثة، وأجبرت طوال الأشهر الماضية قوات مصراتة على عدم الدخول إلى العاصمة.
أما في المكان الأخطر، وهو منطقة جنوب مدينة درنة، فكانت توجد ثلاث مزارع كبيرة لتربية الدواجن. وكان علم تنظيم القاعدة الأسود يرفرف على اثنتين من هذه المزارع، كما يرفرف على عشرات المنشآت التي احتلتها عناصر من تنظيم «أنصار الشريعة» المتطرف في مناطق الوديان الجنوبية للمدينة الواقعة على البحر المتوسط. أما المزرعة الثالثة، فتخص مواطنا مستقلا من درنة لا علاقة له بهذه التنظيمات الجهادية. ويقول حسين، وهو ليبي من أصل مصري، ويعمل في هذه المزرعة: «كنت أرى سيارات الدفع الرباعي وعليها رشاشات المدافع من عيار 14.5 تقف عادة أمام المزرعة الأولى وكذلك أمام المزرعة الثانية، وفي يوم من الأيام جرى نزع الأعلام مرة واحدة، وأصبح تردد السيارات المحملة بالمدافع نادرا، وتأتي بدلا منها سيارات عادية لنقل الدجاج إلى معسكرات الجهاديين في الوادي».
و«اليوم» الذي يقصده «حسين» هو منتصف مايو (أيار) الماضي، حين بدأ اللواء حفتر، شن عمليته ضد المتطرفين، عن طريق ما أصبح يعرف بـ«الجيش الوطني». ولا يتركز وجود الجهاديين من «أنصار الشريعة» وغيرها في مدينة درنة ذات الوديان والغابات الوعرة، فقط، بل توجد معسكرات لتنظيم «أنصار الشريعة»، في ثلاث مناطق حول بنغازي، التي تعد ثاني كبرى المدن الليبية ومهد الثورة المسلحة التي عضدها حلف الناتو بالقصف الجوي ضد قوات العقيد الراحل معمر القذافي في عام 2011.
ومع بداية عملية حفتر، وانضمام الكثير من تشكيلات الجيش إليه، ومع وجود زخم شعبي مؤيد للواء المتقاعد، أخذت المجموعات الجهادية في كل من درنة وبنغازي، تغير من تكتيكاتها لتتحاشى ضربات الطيران وهجمات صواريخ «عملية الكرامة». وبدأت «أنصار الشريعة» ومن معها من جماعات أخرى، تطوي أعلامها السوداء، وتبتعد عن الظهور العلني بالقرب من درنة، وتمضي وقتا طويلا داخل الوديان التي سبق أن تحصنت فيها عناصر «الجماعة الليبية المقاتلة» في عام 1995، وذلك حين دخلت في مواجهات مع قوات القذافي.
لماذا تعد درنة من المناطق التي يمكن أن يتحصن فيها الجهاديون لفترات طويلة؟ لأنه توجد فيها جبال ووديان وغابات ومناطق شجرية كثيفة، ولأن كتيبة «أنصار الشريعة» تمكنت من الوجود وجمع العتاد هناك طيلة نحو ثلاث سنوات من دون أي عراقيل، بالإضافة إلى تاريخ هذه المنطقة مع الجهاديين.. فهذه المنطقة الوعرة هي المكان نفسه الذي قاد منه عبد الحكيم بلحاج، مؤسس الجماعة الإسلامية المقتلة، حربه الجهادية ضد نظام القذافي بعد عودته من أفغانستان، واستمرت حرب الجماعة المقاتلة الشرسة نحو سنتين، أي في 1995 و1996 قام خلالهما جيش القذافي بحرق الوديان التي كان يتحصن فيها أتباع بلحاج، الذي أصبح بعد سقوط القذافي ومقتله في 2011 قياديا غامضا ومهما في ليبيا، وقائد معركة تحرير طرابلس.
ويقول أحد الضباط التابعين لـ«عملية الكرامة»: «لا أحد من جنود الجيش أو من أتباع حفتر يستطيع أن يمر من الطرق التي تعبر من درنة». وتوجد نقاط تفتيش على تلك الطرق يسيطر عيها جهاديون من «أنصار الشريعة» وغيرها، ويقومون بتفتيش السيارات بحثا عن أي منتسب إلى الجيش، حيث يجري إعدامه بالذبح على الفور. ويضيف الضابط: «خلال اليومين الماضيين، جرى استهداف سيارة لعائلة فجرى قتل الزوجة وإصابة الزوج عند مدخل درنة». وتمر حركة السير بين المدن الشرقية، من درنة، لكن هذا فقط عبر الطريق الساحلي الدولي «الذي لا يستخدمه رجال الجيش أبدا»، كما أن معارضي «أنصار الشريعة»، «لا يستخدمون الطريق الدولي المار بدرنة، ولكنهم يستخدمون الطريق الجنوبي الذي يلتف من طبرق حتى بنغازي».
ومن العناصر الخطرة في درنة، وفقا للمصادر العسكرية، المعتقل السابق في غوانتانامو المعروف باسم «جومة»، الذي عاد بعد إفراج الولايات المتحدة عنه لينخرط مع ثورة «فبراير 2011». ويقول سكان درنة إنه فلسطيني الأصل، وكان يعيش هناك منعزلا عن سكان المدينة منذ عدة عقود، وفي الوقت الحالي له أنصار يقيمون معه في غابات درنة بينهم مصريون وتونسيون وجزائريون، وهم مسلحون بأسلحة خفيفة ومتوسطة ولديهم قاذفات صاروخية يمكن أن تستهدف الطائرات المنخفضة. كما يمتلكون نحو ألف سيارة على الأقل من سيارات الدفع الرباعي المجهزة. وهم يشبهون «داعش» في تحركاتهم وعملهم ومحاكماتهم وقرارات التصفية الجسدية لخصومهم.
وفي درنة، توجد حاليا جماعات أخرى غير «أنصار الشريعة». وتوجد جماعات تقودها عناصر غير ليبية، من بينها مجموعة يقودها جزائريان من أتباع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. كما توجد مجموعات مزروعة بواسطة أجهزة استخباراتية تعمل وسط تلك المجموعات لأهداف معنية لكنها غير معروفة. كما توجد أيضا بعض الجماعات السلفية المعروفة في درنة وبنغازي، التي لم تحسم أمرها بعد في الانضمام إلى حفتر أو إلى جبهة «أنصار الشريعة»، لأن «كلا الطرفين يحاول أن يحصل على دعم وموالاة هذه الجماعة السلفية التي تعد من الجماعات الدعوية غير العنيفة ولديها الكثير من الأنصار في بنغازي ودرنة».
ومما أسهم في تأييد عملية حفتر خاصة من القطاعات الشبابية، ظهور أمراء الحرب ممن أثروا سريعا، بسبب الفوضى الأمنية وحاجة الإسلاميين في الحكومة والبرلمان إلى الحماية. ومن القصص المتداولة في سهرات درنة، قيام رجل صنعته «تغيير زيوت السيارات» في ورشة بالمدينة، بتشكيل كتيبة عسكرية لحماية قادة الإسلام السياسي في العاصمة، حيث أصبح من مليونيرات المدينة خلال شهور قليلة، ويلقب هذا الرجل باسم «بوكا»، وآخر العمليات التي قامت بها كتيبته المشاركة في تأمين البرلمان بطرابلس حين انطلقت «عملية الكرامة» الشهر قبل الماضي.
ومع انطلاق عملية حفتر، نزع قادة تنظيم «أنصار الشريعة»، ومن معهم من جماعات وكتائب وميليشيات جهادية، الأعلام السوداء، تجنبا للقصف. ويمتلك هؤلاء الجهاديون ما يشبه المشروعات الاقتصادية المهمة بالنسبة لهم اقتصاديا وأمنيا، فبالإضافة إلى المئات من مزارع الدواجن، خاصة ناحية درنة، توجد أيضا مزارع الخضراوات وتربية الأغنام في الهلال الجنوبي لبنغازي.. وتمكنت هذه التنظيمات من شراء واستئجار مزارع كثيرة في السنوات الماضية، وتحولت في الوقت الحالي إلى أماكن للاختباء، وإدارة حروب شوارع انطلاقا منها.
كل هذه الاحتياطات اتخذتها التنظيمات الجهادية في درنة وبنغازي حتى قبل أن تتمكن القوات الأميركية من اختطاف واعتقال القيادي في التنظيم، أحمد أبو ختالة، الشهر الماضي. فبعد نحو شهر من عملية حفتر، كان تنظيم «أنصار الشريعة» في بنغازي قد تخلى عن اثنين من معسكراته الرئيسة، وبينما كان معسكره الثالث الموجود ناحية منطقة قار يونس يتعرض للقصف من حفتر، تمكن المعسكران الآخران من تفكيك نفسيهما سريعا، والفرار بسيارات الدفع الرباعي وبعض الآليات العسكرية والمعدات الحربية من أسلحة وعتاد، والاختباء بها داخل المزارع المنتشرة في مناطق تشكل ما يشبه الهلال حول بنغازي من ناحية الجنوب إلى الشمال الغربي، وهذه المناطق هي: «القوارشة» و«الهواري» و«سيدي فرج».
ويقول الضابط عليوة حبون، من جيش حفتر ويعمل على مشارف بنغازي: «عناصر (أنصار الشريعة) تفرقوا داخل المزارع: إما بشرائها وإما باستئجارها وإما بالاستيلاء عليها. هم يضربون ويختفون مثل الأشباح. ويساعدهم في ذلك كتيبتا (17 فبراير) و(راف الله السحاتي)، والجميع ما زالوا يتقاضون رواتب من الدولة. ورواتب قادة هذه الكتائب من الصفين الأول والثاني، مرتفعة جدا، وهم من أصحاب الفكر المتشدد الذين يقومون بهدم القبور والأضرحة أيضا. وسبق لأحد قادة هذه الكتائب إصدار أوامر بإطلاق النار على مواطنين كانوا يحتجون على قيام الكتيبة بهدم أحد الأضرحة، مما تسبب في مقتل نحو ثلاثين مواطنا».
لكن، لماذا اختار حفتر منطقة الأبيار على مشارف بنغازي لتكون مقرا لعملياته العسكرية؟ هذا لأنها تقع في وسط منطقة تجمع لقوات «الجيش الوطني» من المرج وقرب مطار بنينة. والمطار الأخير ظل لأسابيع عرضة للكر والفر، لأن المسلحين من «أنصار الشريعة»، الموجودين في المزارع القريبة من بنغازي، يهجمون عليه أثناء الليل، لكن هذه الهجمات تراجعت في الفترة الأخيرة، حيث رصدت قوات حفتر، وفقا للمصادر، صعوبة لدى المتشددين في الوصول إلى مخازن الأسلحة التابعة لهم حول بنغازي.. «نرصدهم، وإذا تحركوا نضربهم».
ويقول العقيد علي، الذي يعمل في قوات حفتر: «بعد ضرب معسكرات (أنصار الشريعة) في بنغازي، أصبح عناصرها ينتشرون في المزارع الموجودة في هذه المناطق.. وهي مناطق منتشرة حول بنغازي وليس داخل المدينة، وهذه العناصر الإرهابية تنشط ليلا.. أي بداية من الساعة 12. في العادة، حتى الرابعة أو الخامسة فجرا. هم متشددون ومتزمتون ومندفعون في القتال ولا يرتدون للخلف. في الليل، ينصبون البوابات على مداخل عدد من تلك الضواحي ومخارجها، وهذا دفع حفتر إلى مخاطبة السكان بترك منازلهم حتى يمكن معرفة المزارع التي يختبئ فيها (أنصار الشريعة) تمهيدا لضربهم».
وفي الوقت الحالي، بدأ أمراء الحرب عقد التحالفات واستئجار المزارع الجديدة وتخزين الأسلحة استعدادا لحرب طويلة، لكن خسارة الإسلاميين غالبية مقاعد البرلمان، سيسهم في رفع الغطاء السياسي والقانوني عن هذه الجماعات، خاصة أن المجالس القبلية التي ما زالت تتأرجح في تأييد حفتر من عدمه حتى الآن، تسعى لسحب أبنائها من الكتائب والميليشيات الموالية للإسلاميين، ويجري التفكير في ضم هؤلاء إلى «مجلس عسكري عام» تابع للقبائل، كما هو مقترح حاليا، أو الوصول لصيغة يجري بها إلحاق هذه العناصر في جيش «عملية الكرامة». ويقول الشيخ جميعي إن «غالبية الشبان الموجودين في كتائب وميليشيات الإسلاميين، يعملون مقابل الحصول على رواتب شهرية من الدولة، بإيعاز من الحكام الإسلاميين، وفي حال تغير هذا الأمر، وتدخل البرلمان الجديد (ذو الأغلبية المدنية) لمنع هذه الفوضى وحجب الأموال عن أمراء الحرب، فإن الكتائب والميليشيات ستتقلص في مجموعات صغيرة من المطاردين يسهل القضاء عليهم، فيما عدا (مشكلة قوات مصراتة، بطبيعة الحال)، لكن هذا يتطلب إيجاد كيان قوي لوزارة الدفاع بـ(جيش وطني)، وإذا كانت شخصية حفتر غير مرضية للبعض فأعتقد أنه يمكن شكره من وراء الستار وتصعيد قيادي آخر لقيادة الجيش بحيث يكون جيشا تابعا للدولة».

* محطات ليبية
* في المنطقة الشرقية من العاصمة طرابلس يتمركز «درع ليبيا» أو ما يسمى «الدروع»، وغالبية قادته من مصراتة، بما في ذلك درع المنطقة الوسطى. ويعضد هذه الدروع مجموعة ما يسمى غرفة ثوار ليبيا. وتعد «الدروع» الأقرب إلى تيارين أساسيين هما جماعة الإخوان وجماعة أنصار الشريعة. وحين بدأ حفتر عملية الكرامة، عارضتها تلك الجماعات ودعت لمقاتلة حفتر وقالت إنه «يقود انقلابا على الشرعية».
- توجد جماعات جهادية منها أنصار الشريعة في جنوب درنة، وهي مدينة تقع إلى الشرق من مدينة بنغازي ومن مدينة البيضاء. وتوجد في الطرق المؤدية لدرنة جماعات متشددة تقوم بنصب البوابات واصطياد معارضها كما يفعل تنظيم داعش في العراق وسوريا. وإذا كنت متجها إلى بنغازي من طريق طبرق، فعليك أن تتجنب الدخول من الطريق الساحلي، ويجب عليك، عند نقطة التميمي، أن تسلك الطريق الصحراوي المار بنقاط المخيلي والخروبة والمرج.
- مدينة سرت، والمعروفة بأنها مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي الذي لقي حتفه فيها في خريف 2011، تحولت إلى معقل للمتشددين من ليبيا ودول الجوار. ويسيطر على المدينة جماعات جهادية من الجزائر وتونس ومصر ومالي والنيجر وغيرها.
- في المنطقة الغربية لطرابلس توجد كتيبة «القعقاع والصواعق» وأغلب قادتها من منطقة الزنتان، وتكونت أساسا على أنقاض اللواء 32 المعزز الذي كان يقوده خميس القذافي نجل القذافي. وما زال جانب كبير مما تبقى من هذا اللواء بحالته وقوته، حيث كان أكثر الألوية شراسة في مواجهة الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، وفيه عدة آلاف من المقاتلين الأقوياء والمدربين تدريبا عاليا.
- واحدة من مناطق المزارع التي يختبئ فيها الجهاديون في بنغازي، خاصة من جماعة «أنصار الشريعة»، تقع في «سيدي فرج» أي إلى الجنوب من منطقة الهواري والقوارشة، وإلى الغرب قليلا من مطار بنينة، وهي منطقة مفتوحة وغنية بالمزارع حتى منطقة قار يونس غرب بنغازي مرورا بامتداد منطقة الهواري. وتقف قار يونس على مشارف الطريق المؤدية من بنغازي إلى إجدابيا، وهي طريق حيوية ويقوم المسلحون أحيانا بنصب أكمنة في هذه المنطقة. ويوجد بديل لمن يريد التوجه من مطار بنينة ومنطقة جنوب بنغازي إلى إجدابيا عن طريق فرعي يؤدي إلى بلدة قمينس ومنها إلى إجدابيا.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.