ليبيا... مراكز القوى

البرلمان الجديد قد يغير قواعد اللعبة

ليبيا... مراكز القوى
TT

ليبيا... مراكز القوى

ليبيا... مراكز القوى

يقول الشيخ جميعي، وهو أحد قادة القبائل، قرب مدينة بنغازي، إن اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود حملة عسكرية ضد المتطرفين في ليبيا، يشبه الرجل الذي اضطر إلى قيادة سيارة، لكنه سيضطر أيضا إلى تركها قبل أن تصل إلى محطتها الأخيرة. ويضيف: «حرك حفتر المياه الراكدة، وتمكن من إيقاظ الكثير من القطاعات لتتنبه إلى خطر المتشددين في ليبيا، لكن هذا لا يعني أنه سيظل ممسكا بقيادة العملية إلى نهاية المطاف». ويأتي هذا وسط تراجع لنفوذ الإسلاميين في البرلمان المنتظر، مما يمكن أن يغير قواعد اللعبة في عموم البلاد. وتمكن حفتر، في وقت وجيز، من تشكيل قطاع مهم في المعادلة السياسية الليبية، لكن، ووفقا للشيخ جميعي، وكذا وفقا للدكتور موسى قريفة، الأستاذ في جامعة طرابلس، فإن المتغيرات الجارية في ليبيا الآن، خاصة بعد تلقي الإسلاميين ضربة كبيرة في انتخابات البرلمان، تجعل أبواب المستقبل مشرعة على كثير الاحتمالات. ويضيف قريفة: «ليبيا الآن فيها معادلة (البرلمان الجديد)، ومعادلة (عملية الكرامة)».

وفقا لروايات قادة عسكريين كانوا يعملون في الجيش الليبي السابق، تتحدد مراكز القوى الفاعلة على الأرض في ليبيا في خمسة قطاعات رئيسة، بعضها أخذ يتآكل ويتراجع وبعضها الآخر بدأ بالظهور على السطح. ومن مراكز القوى مجموعات الجهاديين الموالين لتنظيم القاعدة، وفي القلب من هذه المجموعات «أنصار الشريعة»، التي تضم تونسيين ومصريين وجزائريين وترفع الرايات السوداء، وصنفتها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.
ويهيمن على هذا القطاع، بشكل غير مباشر، قيادات كانت تتزعم «الجماعة الإسلامية المقاتلة» التي تأسست لأول مرة في أفغانستان منذ نحو ربع قرن، قبل أن تنتقل إلى ليبيا لمقاتلة القذافي في منتصف تسعينات القرن الماضي، وقبل أن تعود مرة أخرى لتشارك في اقتحام وكر القذافي بطرابلس في 2011. وهذا القطاع الذي يملك آليات وأسلحة عسكرية وصواريخ محمولة على الكتف ومدرب على حرب العصابات، يتركز وجوده، من الشرق إلى الغرب، في درنة ثم بنغازي إضافة إلى بعض الجيوب في العاصمة نفسها، وبعض النقاط قرب الحدود الجنوبية الغربية.
ويقول ضابط سابق في الاستخبارات الليبية: «توجد خيوط قوية بين هذا القطاع وجماعة الإخوان المسلمين وقادة من البرلمان السابق وقادة في الحكومة أيضا، من بينهم متهمون بقتل اللواء عبد الفتاح يونس الذي كان يقود (الثوار) ضد قوات القذافي في 2011. ومتهمون أيضا بتدبير تفجير القنصلية الأميركية في بنغازي في 2012». ويضيف أنه «معلوم أن عناصر وزعماء الكتائب والميليشيات في هذا القطاع، الذي يعد الأخطر، تتلقى رواتب شهرية ومكافآت ربع سنوية من خزانة الدولة»، لكن في حال جرى إقصاء نفوذ الإسلاميين عن البرلمان والحكومة والأموال، فإن المعادلة ستتغير.
والقطاع الثاني هم «مجموعات الدروع»، وهي تشكيلات شبه عسكرية تهيمن على القيادة فيها شخصيات من مدينة مصراتة التجارية والثرية، والواقعة على البحر المتوسط على بعد نحو مائتي كيلومتر إلى الشرق من طرابلس. ومنذ مقتل القذافي وتشكيل البرلمان والحكومة، تتحرك مجموعات الدروع هذه كأذرع ضاربة لصالح الشق الإخواني داخل منظومة الحكام الجدد، سواء السلطة التشريعية أو التنفيذية.
ويقول العقيد سعيد الذي عمل سنوات في الجيش الليبي السابق، إن عناصر الدروع وقادتها يحصلون على نصيب الأسد من مخصصات الدولة للدفاع والحماية. ولوحظ أن مصراتة لم تمثل في أي من التجمعات القبلية والجهوية التي انعقدت أخيرا في داخل البلاد وخارجها، ويخشى كثير من الأطراف الليبية أن تتحول مصراتة بما تملكه من هيمنة إخوانية وعتاد عسكري وخصوصية في العمل الداخلي والعلاقات الخارجية، إلى حجر عثرة أمام توحيد الليبيين في الفترة المقبلة.
أما القطاع الثالث الذي بدأ الظهور على الساحة الليبية، فهم قادة القبائل الكبرى التي عقدت ثلاثة مؤتمرات خلال الشهرين الأخيرين، اثنان في تونس ومصر، وواحد، وهو الأهم، في بلدة العزيزية الواقعة على بعد نحو خمسين كيلومترا جنوب غربي العاصمة طرابلس. وبدا أن مثل هذه التجمعات القبلية الرافضة لاستحواذ المتشددين الإسلاميين على مقدرات الليبيين، يصب في مصلحة حفتر، لكن، العقيد سعيد، يقول إن هذا غير دقيق، لأن القبائل التي ظلت منبوذة ومهمشة بسبب اتهامها بأنها كانت موالية لنظام القذافي، تؤيد «عملية الكرامة» من جانب، إلا أنها تنظر لشخصية حفتر بـ«عين الريبة»، و«تسعى للاستفادة مما حققه على أرض الواقع، من أجل الانتقال إلى مرحلة جديدة، ليس بالضرورة أن يكون حفتر موجودا على رأسها».
ويتمثل القطاع الرابع الفاعل في المعادلة في «الشارع الليبي» نفسه، أي الرأي العام الذي «أظهر العين الحمراء للإسلاميين في انتخابات البرلمان هذه الأيام». ويقول الدكتور قريفة: «نجاح الليبيين يتوقف على نبض الشارع والقضاء.. الشارع هنا يحكم، وتوجد ثقة بالقضاء بعد الحكم الأخير (المقصود به حكم المحكمة العليا بعدم صحة انتخاب البرلمان المنتهية ولايته للملياردير الإسلامي أحمد معيتيق رئيس حكومة). ويضيف الدكتور قريفة: «حتى الكتائب لا تخشى كتائب أخرى، ولكنها تخشى مواجهة الشارع. وهذه أعتقد أنها معادلة جيدة، لأن الشارع أصبح صوته مرتفعا جدا».
أما القطاع الخامس، فهو قطاع حفتر نفسه. فكيف بدأ؟ وما قوته؟ وإلى أين يمكن أن ينتهي؟ وهل يا ترى ستجبره الظروف والمتغيرات المتسارعة على الأرض، على ترك قيادة «عملية الكرامة» لشخصية أخرى يكون حولها توافق أكبر، أم أنه سينخرط هو نفسه في المقترحات ومنها تلك التي يقودها زعماء قبائل بإقامة مجلس قبلي يتبعه مجلس عسكري موحد، لحكم ليبيا.
لكن رغم كل شيء، ما زال حفتر يلهم قطاعات من الليبيين، خاصة الشباب، في مقاومة المتطرفين، منذ انطلاق عمليته الشهر قبل الماضي، ويبدو أنه مصمم على قيادة العملية حتى النهاية، بعد أن تمكن من تحقيق انتصارات على الأرض لم تكن متوقعة، وأدخل الرعب في قلوب قادة الكتائب والميليشيات، ليس في الشرق وحده، بل في الكثير من المناطق الأخرى، خاصة بعد انضمام مجموعات من جنوب غربي طرابلس إلى «عملية الكرامة»، ومعروف أنها تضم عناصر عملت لسنوات في الجيش الليبي و«كتائبه» وهي محترفة ومن النخبة ولديها آليات حديثة، وأجبرت طوال الأشهر الماضية قوات مصراتة على عدم الدخول إلى العاصمة.
أما في المكان الأخطر، وهو منطقة جنوب مدينة درنة، فكانت توجد ثلاث مزارع كبيرة لتربية الدواجن. وكان علم تنظيم القاعدة الأسود يرفرف على اثنتين من هذه المزارع، كما يرفرف على عشرات المنشآت التي احتلتها عناصر من تنظيم «أنصار الشريعة» المتطرف في مناطق الوديان الجنوبية للمدينة الواقعة على البحر المتوسط. أما المزرعة الثالثة، فتخص مواطنا مستقلا من درنة لا علاقة له بهذه التنظيمات الجهادية. ويقول حسين، وهو ليبي من أصل مصري، ويعمل في هذه المزرعة: «كنت أرى سيارات الدفع الرباعي وعليها رشاشات المدافع من عيار 14.5 تقف عادة أمام المزرعة الأولى وكذلك أمام المزرعة الثانية، وفي يوم من الأيام جرى نزع الأعلام مرة واحدة، وأصبح تردد السيارات المحملة بالمدافع نادرا، وتأتي بدلا منها سيارات عادية لنقل الدجاج إلى معسكرات الجهاديين في الوادي».
و«اليوم» الذي يقصده «حسين» هو منتصف مايو (أيار) الماضي، حين بدأ اللواء حفتر، شن عمليته ضد المتطرفين، عن طريق ما أصبح يعرف بـ«الجيش الوطني». ولا يتركز وجود الجهاديين من «أنصار الشريعة» وغيرها في مدينة درنة ذات الوديان والغابات الوعرة، فقط، بل توجد معسكرات لتنظيم «أنصار الشريعة»، في ثلاث مناطق حول بنغازي، التي تعد ثاني كبرى المدن الليبية ومهد الثورة المسلحة التي عضدها حلف الناتو بالقصف الجوي ضد قوات العقيد الراحل معمر القذافي في عام 2011.
ومع بداية عملية حفتر، وانضمام الكثير من تشكيلات الجيش إليه، ومع وجود زخم شعبي مؤيد للواء المتقاعد، أخذت المجموعات الجهادية في كل من درنة وبنغازي، تغير من تكتيكاتها لتتحاشى ضربات الطيران وهجمات صواريخ «عملية الكرامة». وبدأت «أنصار الشريعة» ومن معها من جماعات أخرى، تطوي أعلامها السوداء، وتبتعد عن الظهور العلني بالقرب من درنة، وتمضي وقتا طويلا داخل الوديان التي سبق أن تحصنت فيها عناصر «الجماعة الليبية المقاتلة» في عام 1995، وذلك حين دخلت في مواجهات مع قوات القذافي.
لماذا تعد درنة من المناطق التي يمكن أن يتحصن فيها الجهاديون لفترات طويلة؟ لأنه توجد فيها جبال ووديان وغابات ومناطق شجرية كثيفة، ولأن كتيبة «أنصار الشريعة» تمكنت من الوجود وجمع العتاد هناك طيلة نحو ثلاث سنوات من دون أي عراقيل، بالإضافة إلى تاريخ هذه المنطقة مع الجهاديين.. فهذه المنطقة الوعرة هي المكان نفسه الذي قاد منه عبد الحكيم بلحاج، مؤسس الجماعة الإسلامية المقتلة، حربه الجهادية ضد نظام القذافي بعد عودته من أفغانستان، واستمرت حرب الجماعة المقاتلة الشرسة نحو سنتين، أي في 1995 و1996 قام خلالهما جيش القذافي بحرق الوديان التي كان يتحصن فيها أتباع بلحاج، الذي أصبح بعد سقوط القذافي ومقتله في 2011 قياديا غامضا ومهما في ليبيا، وقائد معركة تحرير طرابلس.
ويقول أحد الضباط التابعين لـ«عملية الكرامة»: «لا أحد من جنود الجيش أو من أتباع حفتر يستطيع أن يمر من الطرق التي تعبر من درنة». وتوجد نقاط تفتيش على تلك الطرق يسيطر عيها جهاديون من «أنصار الشريعة» وغيرها، ويقومون بتفتيش السيارات بحثا عن أي منتسب إلى الجيش، حيث يجري إعدامه بالذبح على الفور. ويضيف الضابط: «خلال اليومين الماضيين، جرى استهداف سيارة لعائلة فجرى قتل الزوجة وإصابة الزوج عند مدخل درنة». وتمر حركة السير بين المدن الشرقية، من درنة، لكن هذا فقط عبر الطريق الساحلي الدولي «الذي لا يستخدمه رجال الجيش أبدا»، كما أن معارضي «أنصار الشريعة»، «لا يستخدمون الطريق الدولي المار بدرنة، ولكنهم يستخدمون الطريق الجنوبي الذي يلتف من طبرق حتى بنغازي».
ومن العناصر الخطرة في درنة، وفقا للمصادر العسكرية، المعتقل السابق في غوانتانامو المعروف باسم «جومة»، الذي عاد بعد إفراج الولايات المتحدة عنه لينخرط مع ثورة «فبراير 2011». ويقول سكان درنة إنه فلسطيني الأصل، وكان يعيش هناك منعزلا عن سكان المدينة منذ عدة عقود، وفي الوقت الحالي له أنصار يقيمون معه في غابات درنة بينهم مصريون وتونسيون وجزائريون، وهم مسلحون بأسلحة خفيفة ومتوسطة ولديهم قاذفات صاروخية يمكن أن تستهدف الطائرات المنخفضة. كما يمتلكون نحو ألف سيارة على الأقل من سيارات الدفع الرباعي المجهزة. وهم يشبهون «داعش» في تحركاتهم وعملهم ومحاكماتهم وقرارات التصفية الجسدية لخصومهم.
وفي درنة، توجد حاليا جماعات أخرى غير «أنصار الشريعة». وتوجد جماعات تقودها عناصر غير ليبية، من بينها مجموعة يقودها جزائريان من أتباع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. كما توجد مجموعات مزروعة بواسطة أجهزة استخباراتية تعمل وسط تلك المجموعات لأهداف معنية لكنها غير معروفة. كما توجد أيضا بعض الجماعات السلفية المعروفة في درنة وبنغازي، التي لم تحسم أمرها بعد في الانضمام إلى حفتر أو إلى جبهة «أنصار الشريعة»، لأن «كلا الطرفين يحاول أن يحصل على دعم وموالاة هذه الجماعة السلفية التي تعد من الجماعات الدعوية غير العنيفة ولديها الكثير من الأنصار في بنغازي ودرنة».
ومما أسهم في تأييد عملية حفتر خاصة من القطاعات الشبابية، ظهور أمراء الحرب ممن أثروا سريعا، بسبب الفوضى الأمنية وحاجة الإسلاميين في الحكومة والبرلمان إلى الحماية. ومن القصص المتداولة في سهرات درنة، قيام رجل صنعته «تغيير زيوت السيارات» في ورشة بالمدينة، بتشكيل كتيبة عسكرية لحماية قادة الإسلام السياسي في العاصمة، حيث أصبح من مليونيرات المدينة خلال شهور قليلة، ويلقب هذا الرجل باسم «بوكا»، وآخر العمليات التي قامت بها كتيبته المشاركة في تأمين البرلمان بطرابلس حين انطلقت «عملية الكرامة» الشهر قبل الماضي.
ومع انطلاق عملية حفتر، نزع قادة تنظيم «أنصار الشريعة»، ومن معهم من جماعات وكتائب وميليشيات جهادية، الأعلام السوداء، تجنبا للقصف. ويمتلك هؤلاء الجهاديون ما يشبه المشروعات الاقتصادية المهمة بالنسبة لهم اقتصاديا وأمنيا، فبالإضافة إلى المئات من مزارع الدواجن، خاصة ناحية درنة، توجد أيضا مزارع الخضراوات وتربية الأغنام في الهلال الجنوبي لبنغازي.. وتمكنت هذه التنظيمات من شراء واستئجار مزارع كثيرة في السنوات الماضية، وتحولت في الوقت الحالي إلى أماكن للاختباء، وإدارة حروب شوارع انطلاقا منها.
كل هذه الاحتياطات اتخذتها التنظيمات الجهادية في درنة وبنغازي حتى قبل أن تتمكن القوات الأميركية من اختطاف واعتقال القيادي في التنظيم، أحمد أبو ختالة، الشهر الماضي. فبعد نحو شهر من عملية حفتر، كان تنظيم «أنصار الشريعة» في بنغازي قد تخلى عن اثنين من معسكراته الرئيسة، وبينما كان معسكره الثالث الموجود ناحية منطقة قار يونس يتعرض للقصف من حفتر، تمكن المعسكران الآخران من تفكيك نفسيهما سريعا، والفرار بسيارات الدفع الرباعي وبعض الآليات العسكرية والمعدات الحربية من أسلحة وعتاد، والاختباء بها داخل المزارع المنتشرة في مناطق تشكل ما يشبه الهلال حول بنغازي من ناحية الجنوب إلى الشمال الغربي، وهذه المناطق هي: «القوارشة» و«الهواري» و«سيدي فرج».
ويقول الضابط عليوة حبون، من جيش حفتر ويعمل على مشارف بنغازي: «عناصر (أنصار الشريعة) تفرقوا داخل المزارع: إما بشرائها وإما باستئجارها وإما بالاستيلاء عليها. هم يضربون ويختفون مثل الأشباح. ويساعدهم في ذلك كتيبتا (17 فبراير) و(راف الله السحاتي)، والجميع ما زالوا يتقاضون رواتب من الدولة. ورواتب قادة هذه الكتائب من الصفين الأول والثاني، مرتفعة جدا، وهم من أصحاب الفكر المتشدد الذين يقومون بهدم القبور والأضرحة أيضا. وسبق لأحد قادة هذه الكتائب إصدار أوامر بإطلاق النار على مواطنين كانوا يحتجون على قيام الكتيبة بهدم أحد الأضرحة، مما تسبب في مقتل نحو ثلاثين مواطنا».
لكن، لماذا اختار حفتر منطقة الأبيار على مشارف بنغازي لتكون مقرا لعملياته العسكرية؟ هذا لأنها تقع في وسط منطقة تجمع لقوات «الجيش الوطني» من المرج وقرب مطار بنينة. والمطار الأخير ظل لأسابيع عرضة للكر والفر، لأن المسلحين من «أنصار الشريعة»، الموجودين في المزارع القريبة من بنغازي، يهجمون عليه أثناء الليل، لكن هذه الهجمات تراجعت في الفترة الأخيرة، حيث رصدت قوات حفتر، وفقا للمصادر، صعوبة لدى المتشددين في الوصول إلى مخازن الأسلحة التابعة لهم حول بنغازي.. «نرصدهم، وإذا تحركوا نضربهم».
ويقول العقيد علي، الذي يعمل في قوات حفتر: «بعد ضرب معسكرات (أنصار الشريعة) في بنغازي، أصبح عناصرها ينتشرون في المزارع الموجودة في هذه المناطق.. وهي مناطق منتشرة حول بنغازي وليس داخل المدينة، وهذه العناصر الإرهابية تنشط ليلا.. أي بداية من الساعة 12. في العادة، حتى الرابعة أو الخامسة فجرا. هم متشددون ومتزمتون ومندفعون في القتال ولا يرتدون للخلف. في الليل، ينصبون البوابات على مداخل عدد من تلك الضواحي ومخارجها، وهذا دفع حفتر إلى مخاطبة السكان بترك منازلهم حتى يمكن معرفة المزارع التي يختبئ فيها (أنصار الشريعة) تمهيدا لضربهم».
وفي الوقت الحالي، بدأ أمراء الحرب عقد التحالفات واستئجار المزارع الجديدة وتخزين الأسلحة استعدادا لحرب طويلة، لكن خسارة الإسلاميين غالبية مقاعد البرلمان، سيسهم في رفع الغطاء السياسي والقانوني عن هذه الجماعات، خاصة أن المجالس القبلية التي ما زالت تتأرجح في تأييد حفتر من عدمه حتى الآن، تسعى لسحب أبنائها من الكتائب والميليشيات الموالية للإسلاميين، ويجري التفكير في ضم هؤلاء إلى «مجلس عسكري عام» تابع للقبائل، كما هو مقترح حاليا، أو الوصول لصيغة يجري بها إلحاق هذه العناصر في جيش «عملية الكرامة». ويقول الشيخ جميعي إن «غالبية الشبان الموجودين في كتائب وميليشيات الإسلاميين، يعملون مقابل الحصول على رواتب شهرية من الدولة، بإيعاز من الحكام الإسلاميين، وفي حال تغير هذا الأمر، وتدخل البرلمان الجديد (ذو الأغلبية المدنية) لمنع هذه الفوضى وحجب الأموال عن أمراء الحرب، فإن الكتائب والميليشيات ستتقلص في مجموعات صغيرة من المطاردين يسهل القضاء عليهم، فيما عدا (مشكلة قوات مصراتة، بطبيعة الحال)، لكن هذا يتطلب إيجاد كيان قوي لوزارة الدفاع بـ(جيش وطني)، وإذا كانت شخصية حفتر غير مرضية للبعض فأعتقد أنه يمكن شكره من وراء الستار وتصعيد قيادي آخر لقيادة الجيش بحيث يكون جيشا تابعا للدولة».

* محطات ليبية
* في المنطقة الشرقية من العاصمة طرابلس يتمركز «درع ليبيا» أو ما يسمى «الدروع»، وغالبية قادته من مصراتة، بما في ذلك درع المنطقة الوسطى. ويعضد هذه الدروع مجموعة ما يسمى غرفة ثوار ليبيا. وتعد «الدروع» الأقرب إلى تيارين أساسيين هما جماعة الإخوان وجماعة أنصار الشريعة. وحين بدأ حفتر عملية الكرامة، عارضتها تلك الجماعات ودعت لمقاتلة حفتر وقالت إنه «يقود انقلابا على الشرعية».
- توجد جماعات جهادية منها أنصار الشريعة في جنوب درنة، وهي مدينة تقع إلى الشرق من مدينة بنغازي ومن مدينة البيضاء. وتوجد في الطرق المؤدية لدرنة جماعات متشددة تقوم بنصب البوابات واصطياد معارضها كما يفعل تنظيم داعش في العراق وسوريا. وإذا كنت متجها إلى بنغازي من طريق طبرق، فعليك أن تتجنب الدخول من الطريق الساحلي، ويجب عليك، عند نقطة التميمي، أن تسلك الطريق الصحراوي المار بنقاط المخيلي والخروبة والمرج.
- مدينة سرت، والمعروفة بأنها مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي الذي لقي حتفه فيها في خريف 2011، تحولت إلى معقل للمتشددين من ليبيا ودول الجوار. ويسيطر على المدينة جماعات جهادية من الجزائر وتونس ومصر ومالي والنيجر وغيرها.
- في المنطقة الغربية لطرابلس توجد كتيبة «القعقاع والصواعق» وأغلب قادتها من منطقة الزنتان، وتكونت أساسا على أنقاض اللواء 32 المعزز الذي كان يقوده خميس القذافي نجل القذافي. وما زال جانب كبير مما تبقى من هذا اللواء بحالته وقوته، حيث كان أكثر الألوية شراسة في مواجهة الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، وفيه عدة آلاف من المقاتلين الأقوياء والمدربين تدريبا عاليا.
- واحدة من مناطق المزارع التي يختبئ فيها الجهاديون في بنغازي، خاصة من جماعة «أنصار الشريعة»، تقع في «سيدي فرج» أي إلى الجنوب من منطقة الهواري والقوارشة، وإلى الغرب قليلا من مطار بنينة، وهي منطقة مفتوحة وغنية بالمزارع حتى منطقة قار يونس غرب بنغازي مرورا بامتداد منطقة الهواري. وتقف قار يونس على مشارف الطريق المؤدية من بنغازي إلى إجدابيا، وهي طريق حيوية ويقوم المسلحون أحيانا بنصب أكمنة في هذه المنطقة. ويوجد بديل لمن يريد التوجه من مطار بنينة ومنطقة جنوب بنغازي إلى إجدابيا عن طريق فرعي يؤدي إلى بلدة قمينس ومنها إلى إجدابيا.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.