ليبيا... مراكز القوى

البرلمان الجديد قد يغير قواعد اللعبة

ليبيا... مراكز القوى
TT

ليبيا... مراكز القوى

ليبيا... مراكز القوى

يقول الشيخ جميعي، وهو أحد قادة القبائل، قرب مدينة بنغازي، إن اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود حملة عسكرية ضد المتطرفين في ليبيا، يشبه الرجل الذي اضطر إلى قيادة سيارة، لكنه سيضطر أيضا إلى تركها قبل أن تصل إلى محطتها الأخيرة. ويضيف: «حرك حفتر المياه الراكدة، وتمكن من إيقاظ الكثير من القطاعات لتتنبه إلى خطر المتشددين في ليبيا، لكن هذا لا يعني أنه سيظل ممسكا بقيادة العملية إلى نهاية المطاف». ويأتي هذا وسط تراجع لنفوذ الإسلاميين في البرلمان المنتظر، مما يمكن أن يغير قواعد اللعبة في عموم البلاد. وتمكن حفتر، في وقت وجيز، من تشكيل قطاع مهم في المعادلة السياسية الليبية، لكن، ووفقا للشيخ جميعي، وكذا وفقا للدكتور موسى قريفة، الأستاذ في جامعة طرابلس، فإن المتغيرات الجارية في ليبيا الآن، خاصة بعد تلقي الإسلاميين ضربة كبيرة في انتخابات البرلمان، تجعل أبواب المستقبل مشرعة على كثير الاحتمالات. ويضيف قريفة: «ليبيا الآن فيها معادلة (البرلمان الجديد)، ومعادلة (عملية الكرامة)».

وفقا لروايات قادة عسكريين كانوا يعملون في الجيش الليبي السابق، تتحدد مراكز القوى الفاعلة على الأرض في ليبيا في خمسة قطاعات رئيسة، بعضها أخذ يتآكل ويتراجع وبعضها الآخر بدأ بالظهور على السطح. ومن مراكز القوى مجموعات الجهاديين الموالين لتنظيم القاعدة، وفي القلب من هذه المجموعات «أنصار الشريعة»، التي تضم تونسيين ومصريين وجزائريين وترفع الرايات السوداء، وصنفتها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.
ويهيمن على هذا القطاع، بشكل غير مباشر، قيادات كانت تتزعم «الجماعة الإسلامية المقاتلة» التي تأسست لأول مرة في أفغانستان منذ نحو ربع قرن، قبل أن تنتقل إلى ليبيا لمقاتلة القذافي في منتصف تسعينات القرن الماضي، وقبل أن تعود مرة أخرى لتشارك في اقتحام وكر القذافي بطرابلس في 2011. وهذا القطاع الذي يملك آليات وأسلحة عسكرية وصواريخ محمولة على الكتف ومدرب على حرب العصابات، يتركز وجوده، من الشرق إلى الغرب، في درنة ثم بنغازي إضافة إلى بعض الجيوب في العاصمة نفسها، وبعض النقاط قرب الحدود الجنوبية الغربية.
ويقول ضابط سابق في الاستخبارات الليبية: «توجد خيوط قوية بين هذا القطاع وجماعة الإخوان المسلمين وقادة من البرلمان السابق وقادة في الحكومة أيضا، من بينهم متهمون بقتل اللواء عبد الفتاح يونس الذي كان يقود (الثوار) ضد قوات القذافي في 2011. ومتهمون أيضا بتدبير تفجير القنصلية الأميركية في بنغازي في 2012». ويضيف أنه «معلوم أن عناصر وزعماء الكتائب والميليشيات في هذا القطاع، الذي يعد الأخطر، تتلقى رواتب شهرية ومكافآت ربع سنوية من خزانة الدولة»، لكن في حال جرى إقصاء نفوذ الإسلاميين عن البرلمان والحكومة والأموال، فإن المعادلة ستتغير.
والقطاع الثاني هم «مجموعات الدروع»، وهي تشكيلات شبه عسكرية تهيمن على القيادة فيها شخصيات من مدينة مصراتة التجارية والثرية، والواقعة على البحر المتوسط على بعد نحو مائتي كيلومتر إلى الشرق من طرابلس. ومنذ مقتل القذافي وتشكيل البرلمان والحكومة، تتحرك مجموعات الدروع هذه كأذرع ضاربة لصالح الشق الإخواني داخل منظومة الحكام الجدد، سواء السلطة التشريعية أو التنفيذية.
ويقول العقيد سعيد الذي عمل سنوات في الجيش الليبي السابق، إن عناصر الدروع وقادتها يحصلون على نصيب الأسد من مخصصات الدولة للدفاع والحماية. ولوحظ أن مصراتة لم تمثل في أي من التجمعات القبلية والجهوية التي انعقدت أخيرا في داخل البلاد وخارجها، ويخشى كثير من الأطراف الليبية أن تتحول مصراتة بما تملكه من هيمنة إخوانية وعتاد عسكري وخصوصية في العمل الداخلي والعلاقات الخارجية، إلى حجر عثرة أمام توحيد الليبيين في الفترة المقبلة.
أما القطاع الثالث الذي بدأ الظهور على الساحة الليبية، فهم قادة القبائل الكبرى التي عقدت ثلاثة مؤتمرات خلال الشهرين الأخيرين، اثنان في تونس ومصر، وواحد، وهو الأهم، في بلدة العزيزية الواقعة على بعد نحو خمسين كيلومترا جنوب غربي العاصمة طرابلس. وبدا أن مثل هذه التجمعات القبلية الرافضة لاستحواذ المتشددين الإسلاميين على مقدرات الليبيين، يصب في مصلحة حفتر، لكن، العقيد سعيد، يقول إن هذا غير دقيق، لأن القبائل التي ظلت منبوذة ومهمشة بسبب اتهامها بأنها كانت موالية لنظام القذافي، تؤيد «عملية الكرامة» من جانب، إلا أنها تنظر لشخصية حفتر بـ«عين الريبة»، و«تسعى للاستفادة مما حققه على أرض الواقع، من أجل الانتقال إلى مرحلة جديدة، ليس بالضرورة أن يكون حفتر موجودا على رأسها».
ويتمثل القطاع الرابع الفاعل في المعادلة في «الشارع الليبي» نفسه، أي الرأي العام الذي «أظهر العين الحمراء للإسلاميين في انتخابات البرلمان هذه الأيام». ويقول الدكتور قريفة: «نجاح الليبيين يتوقف على نبض الشارع والقضاء.. الشارع هنا يحكم، وتوجد ثقة بالقضاء بعد الحكم الأخير (المقصود به حكم المحكمة العليا بعدم صحة انتخاب البرلمان المنتهية ولايته للملياردير الإسلامي أحمد معيتيق رئيس حكومة). ويضيف الدكتور قريفة: «حتى الكتائب لا تخشى كتائب أخرى، ولكنها تخشى مواجهة الشارع. وهذه أعتقد أنها معادلة جيدة، لأن الشارع أصبح صوته مرتفعا جدا».
أما القطاع الخامس، فهو قطاع حفتر نفسه. فكيف بدأ؟ وما قوته؟ وإلى أين يمكن أن ينتهي؟ وهل يا ترى ستجبره الظروف والمتغيرات المتسارعة على الأرض، على ترك قيادة «عملية الكرامة» لشخصية أخرى يكون حولها توافق أكبر، أم أنه سينخرط هو نفسه في المقترحات ومنها تلك التي يقودها زعماء قبائل بإقامة مجلس قبلي يتبعه مجلس عسكري موحد، لحكم ليبيا.
لكن رغم كل شيء، ما زال حفتر يلهم قطاعات من الليبيين، خاصة الشباب، في مقاومة المتطرفين، منذ انطلاق عمليته الشهر قبل الماضي، ويبدو أنه مصمم على قيادة العملية حتى النهاية، بعد أن تمكن من تحقيق انتصارات على الأرض لم تكن متوقعة، وأدخل الرعب في قلوب قادة الكتائب والميليشيات، ليس في الشرق وحده، بل في الكثير من المناطق الأخرى، خاصة بعد انضمام مجموعات من جنوب غربي طرابلس إلى «عملية الكرامة»، ومعروف أنها تضم عناصر عملت لسنوات في الجيش الليبي و«كتائبه» وهي محترفة ومن النخبة ولديها آليات حديثة، وأجبرت طوال الأشهر الماضية قوات مصراتة على عدم الدخول إلى العاصمة.
أما في المكان الأخطر، وهو منطقة جنوب مدينة درنة، فكانت توجد ثلاث مزارع كبيرة لتربية الدواجن. وكان علم تنظيم القاعدة الأسود يرفرف على اثنتين من هذه المزارع، كما يرفرف على عشرات المنشآت التي احتلتها عناصر من تنظيم «أنصار الشريعة» المتطرف في مناطق الوديان الجنوبية للمدينة الواقعة على البحر المتوسط. أما المزرعة الثالثة، فتخص مواطنا مستقلا من درنة لا علاقة له بهذه التنظيمات الجهادية. ويقول حسين، وهو ليبي من أصل مصري، ويعمل في هذه المزرعة: «كنت أرى سيارات الدفع الرباعي وعليها رشاشات المدافع من عيار 14.5 تقف عادة أمام المزرعة الأولى وكذلك أمام المزرعة الثانية، وفي يوم من الأيام جرى نزع الأعلام مرة واحدة، وأصبح تردد السيارات المحملة بالمدافع نادرا، وتأتي بدلا منها سيارات عادية لنقل الدجاج إلى معسكرات الجهاديين في الوادي».
و«اليوم» الذي يقصده «حسين» هو منتصف مايو (أيار) الماضي، حين بدأ اللواء حفتر، شن عمليته ضد المتطرفين، عن طريق ما أصبح يعرف بـ«الجيش الوطني». ولا يتركز وجود الجهاديين من «أنصار الشريعة» وغيرها في مدينة درنة ذات الوديان والغابات الوعرة، فقط، بل توجد معسكرات لتنظيم «أنصار الشريعة»، في ثلاث مناطق حول بنغازي، التي تعد ثاني كبرى المدن الليبية ومهد الثورة المسلحة التي عضدها حلف الناتو بالقصف الجوي ضد قوات العقيد الراحل معمر القذافي في عام 2011.
ومع بداية عملية حفتر، وانضمام الكثير من تشكيلات الجيش إليه، ومع وجود زخم شعبي مؤيد للواء المتقاعد، أخذت المجموعات الجهادية في كل من درنة وبنغازي، تغير من تكتيكاتها لتتحاشى ضربات الطيران وهجمات صواريخ «عملية الكرامة». وبدأت «أنصار الشريعة» ومن معها من جماعات أخرى، تطوي أعلامها السوداء، وتبتعد عن الظهور العلني بالقرب من درنة، وتمضي وقتا طويلا داخل الوديان التي سبق أن تحصنت فيها عناصر «الجماعة الليبية المقاتلة» في عام 1995، وذلك حين دخلت في مواجهات مع قوات القذافي.
لماذا تعد درنة من المناطق التي يمكن أن يتحصن فيها الجهاديون لفترات طويلة؟ لأنه توجد فيها جبال ووديان وغابات ومناطق شجرية كثيفة، ولأن كتيبة «أنصار الشريعة» تمكنت من الوجود وجمع العتاد هناك طيلة نحو ثلاث سنوات من دون أي عراقيل، بالإضافة إلى تاريخ هذه المنطقة مع الجهاديين.. فهذه المنطقة الوعرة هي المكان نفسه الذي قاد منه عبد الحكيم بلحاج، مؤسس الجماعة الإسلامية المقتلة، حربه الجهادية ضد نظام القذافي بعد عودته من أفغانستان، واستمرت حرب الجماعة المقاتلة الشرسة نحو سنتين، أي في 1995 و1996 قام خلالهما جيش القذافي بحرق الوديان التي كان يتحصن فيها أتباع بلحاج، الذي أصبح بعد سقوط القذافي ومقتله في 2011 قياديا غامضا ومهما في ليبيا، وقائد معركة تحرير طرابلس.
ويقول أحد الضباط التابعين لـ«عملية الكرامة»: «لا أحد من جنود الجيش أو من أتباع حفتر يستطيع أن يمر من الطرق التي تعبر من درنة». وتوجد نقاط تفتيش على تلك الطرق يسيطر عيها جهاديون من «أنصار الشريعة» وغيرها، ويقومون بتفتيش السيارات بحثا عن أي منتسب إلى الجيش، حيث يجري إعدامه بالذبح على الفور. ويضيف الضابط: «خلال اليومين الماضيين، جرى استهداف سيارة لعائلة فجرى قتل الزوجة وإصابة الزوج عند مدخل درنة». وتمر حركة السير بين المدن الشرقية، من درنة، لكن هذا فقط عبر الطريق الساحلي الدولي «الذي لا يستخدمه رجال الجيش أبدا»، كما أن معارضي «أنصار الشريعة»، «لا يستخدمون الطريق الدولي المار بدرنة، ولكنهم يستخدمون الطريق الجنوبي الذي يلتف من طبرق حتى بنغازي».
ومن العناصر الخطرة في درنة، وفقا للمصادر العسكرية، المعتقل السابق في غوانتانامو المعروف باسم «جومة»، الذي عاد بعد إفراج الولايات المتحدة عنه لينخرط مع ثورة «فبراير 2011». ويقول سكان درنة إنه فلسطيني الأصل، وكان يعيش هناك منعزلا عن سكان المدينة منذ عدة عقود، وفي الوقت الحالي له أنصار يقيمون معه في غابات درنة بينهم مصريون وتونسيون وجزائريون، وهم مسلحون بأسلحة خفيفة ومتوسطة ولديهم قاذفات صاروخية يمكن أن تستهدف الطائرات المنخفضة. كما يمتلكون نحو ألف سيارة على الأقل من سيارات الدفع الرباعي المجهزة. وهم يشبهون «داعش» في تحركاتهم وعملهم ومحاكماتهم وقرارات التصفية الجسدية لخصومهم.
وفي درنة، توجد حاليا جماعات أخرى غير «أنصار الشريعة». وتوجد جماعات تقودها عناصر غير ليبية، من بينها مجموعة يقودها جزائريان من أتباع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. كما توجد مجموعات مزروعة بواسطة أجهزة استخباراتية تعمل وسط تلك المجموعات لأهداف معنية لكنها غير معروفة. كما توجد أيضا بعض الجماعات السلفية المعروفة في درنة وبنغازي، التي لم تحسم أمرها بعد في الانضمام إلى حفتر أو إلى جبهة «أنصار الشريعة»، لأن «كلا الطرفين يحاول أن يحصل على دعم وموالاة هذه الجماعة السلفية التي تعد من الجماعات الدعوية غير العنيفة ولديها الكثير من الأنصار في بنغازي ودرنة».
ومما أسهم في تأييد عملية حفتر خاصة من القطاعات الشبابية، ظهور أمراء الحرب ممن أثروا سريعا، بسبب الفوضى الأمنية وحاجة الإسلاميين في الحكومة والبرلمان إلى الحماية. ومن القصص المتداولة في سهرات درنة، قيام رجل صنعته «تغيير زيوت السيارات» في ورشة بالمدينة، بتشكيل كتيبة عسكرية لحماية قادة الإسلام السياسي في العاصمة، حيث أصبح من مليونيرات المدينة خلال شهور قليلة، ويلقب هذا الرجل باسم «بوكا»، وآخر العمليات التي قامت بها كتيبته المشاركة في تأمين البرلمان بطرابلس حين انطلقت «عملية الكرامة» الشهر قبل الماضي.
ومع انطلاق عملية حفتر، نزع قادة تنظيم «أنصار الشريعة»، ومن معهم من جماعات وكتائب وميليشيات جهادية، الأعلام السوداء، تجنبا للقصف. ويمتلك هؤلاء الجهاديون ما يشبه المشروعات الاقتصادية المهمة بالنسبة لهم اقتصاديا وأمنيا، فبالإضافة إلى المئات من مزارع الدواجن، خاصة ناحية درنة، توجد أيضا مزارع الخضراوات وتربية الأغنام في الهلال الجنوبي لبنغازي.. وتمكنت هذه التنظيمات من شراء واستئجار مزارع كثيرة في السنوات الماضية، وتحولت في الوقت الحالي إلى أماكن للاختباء، وإدارة حروب شوارع انطلاقا منها.
كل هذه الاحتياطات اتخذتها التنظيمات الجهادية في درنة وبنغازي حتى قبل أن تتمكن القوات الأميركية من اختطاف واعتقال القيادي في التنظيم، أحمد أبو ختالة، الشهر الماضي. فبعد نحو شهر من عملية حفتر، كان تنظيم «أنصار الشريعة» في بنغازي قد تخلى عن اثنين من معسكراته الرئيسة، وبينما كان معسكره الثالث الموجود ناحية منطقة قار يونس يتعرض للقصف من حفتر، تمكن المعسكران الآخران من تفكيك نفسيهما سريعا، والفرار بسيارات الدفع الرباعي وبعض الآليات العسكرية والمعدات الحربية من أسلحة وعتاد، والاختباء بها داخل المزارع المنتشرة في مناطق تشكل ما يشبه الهلال حول بنغازي من ناحية الجنوب إلى الشمال الغربي، وهذه المناطق هي: «القوارشة» و«الهواري» و«سيدي فرج».
ويقول الضابط عليوة حبون، من جيش حفتر ويعمل على مشارف بنغازي: «عناصر (أنصار الشريعة) تفرقوا داخل المزارع: إما بشرائها وإما باستئجارها وإما بالاستيلاء عليها. هم يضربون ويختفون مثل الأشباح. ويساعدهم في ذلك كتيبتا (17 فبراير) و(راف الله السحاتي)، والجميع ما زالوا يتقاضون رواتب من الدولة. ورواتب قادة هذه الكتائب من الصفين الأول والثاني، مرتفعة جدا، وهم من أصحاب الفكر المتشدد الذين يقومون بهدم القبور والأضرحة أيضا. وسبق لأحد قادة هذه الكتائب إصدار أوامر بإطلاق النار على مواطنين كانوا يحتجون على قيام الكتيبة بهدم أحد الأضرحة، مما تسبب في مقتل نحو ثلاثين مواطنا».
لكن، لماذا اختار حفتر منطقة الأبيار على مشارف بنغازي لتكون مقرا لعملياته العسكرية؟ هذا لأنها تقع في وسط منطقة تجمع لقوات «الجيش الوطني» من المرج وقرب مطار بنينة. والمطار الأخير ظل لأسابيع عرضة للكر والفر، لأن المسلحين من «أنصار الشريعة»، الموجودين في المزارع القريبة من بنغازي، يهجمون عليه أثناء الليل، لكن هذه الهجمات تراجعت في الفترة الأخيرة، حيث رصدت قوات حفتر، وفقا للمصادر، صعوبة لدى المتشددين في الوصول إلى مخازن الأسلحة التابعة لهم حول بنغازي.. «نرصدهم، وإذا تحركوا نضربهم».
ويقول العقيد علي، الذي يعمل في قوات حفتر: «بعد ضرب معسكرات (أنصار الشريعة) في بنغازي، أصبح عناصرها ينتشرون في المزارع الموجودة في هذه المناطق.. وهي مناطق منتشرة حول بنغازي وليس داخل المدينة، وهذه العناصر الإرهابية تنشط ليلا.. أي بداية من الساعة 12. في العادة، حتى الرابعة أو الخامسة فجرا. هم متشددون ومتزمتون ومندفعون في القتال ولا يرتدون للخلف. في الليل، ينصبون البوابات على مداخل عدد من تلك الضواحي ومخارجها، وهذا دفع حفتر إلى مخاطبة السكان بترك منازلهم حتى يمكن معرفة المزارع التي يختبئ فيها (أنصار الشريعة) تمهيدا لضربهم».
وفي الوقت الحالي، بدأ أمراء الحرب عقد التحالفات واستئجار المزارع الجديدة وتخزين الأسلحة استعدادا لحرب طويلة، لكن خسارة الإسلاميين غالبية مقاعد البرلمان، سيسهم في رفع الغطاء السياسي والقانوني عن هذه الجماعات، خاصة أن المجالس القبلية التي ما زالت تتأرجح في تأييد حفتر من عدمه حتى الآن، تسعى لسحب أبنائها من الكتائب والميليشيات الموالية للإسلاميين، ويجري التفكير في ضم هؤلاء إلى «مجلس عسكري عام» تابع للقبائل، كما هو مقترح حاليا، أو الوصول لصيغة يجري بها إلحاق هذه العناصر في جيش «عملية الكرامة». ويقول الشيخ جميعي إن «غالبية الشبان الموجودين في كتائب وميليشيات الإسلاميين، يعملون مقابل الحصول على رواتب شهرية من الدولة، بإيعاز من الحكام الإسلاميين، وفي حال تغير هذا الأمر، وتدخل البرلمان الجديد (ذو الأغلبية المدنية) لمنع هذه الفوضى وحجب الأموال عن أمراء الحرب، فإن الكتائب والميليشيات ستتقلص في مجموعات صغيرة من المطاردين يسهل القضاء عليهم، فيما عدا (مشكلة قوات مصراتة، بطبيعة الحال)، لكن هذا يتطلب إيجاد كيان قوي لوزارة الدفاع بـ(جيش وطني)، وإذا كانت شخصية حفتر غير مرضية للبعض فأعتقد أنه يمكن شكره من وراء الستار وتصعيد قيادي آخر لقيادة الجيش بحيث يكون جيشا تابعا للدولة».

* محطات ليبية
* في المنطقة الشرقية من العاصمة طرابلس يتمركز «درع ليبيا» أو ما يسمى «الدروع»، وغالبية قادته من مصراتة، بما في ذلك درع المنطقة الوسطى. ويعضد هذه الدروع مجموعة ما يسمى غرفة ثوار ليبيا. وتعد «الدروع» الأقرب إلى تيارين أساسيين هما جماعة الإخوان وجماعة أنصار الشريعة. وحين بدأ حفتر عملية الكرامة، عارضتها تلك الجماعات ودعت لمقاتلة حفتر وقالت إنه «يقود انقلابا على الشرعية».
- توجد جماعات جهادية منها أنصار الشريعة في جنوب درنة، وهي مدينة تقع إلى الشرق من مدينة بنغازي ومن مدينة البيضاء. وتوجد في الطرق المؤدية لدرنة جماعات متشددة تقوم بنصب البوابات واصطياد معارضها كما يفعل تنظيم داعش في العراق وسوريا. وإذا كنت متجها إلى بنغازي من طريق طبرق، فعليك أن تتجنب الدخول من الطريق الساحلي، ويجب عليك، عند نقطة التميمي، أن تسلك الطريق الصحراوي المار بنقاط المخيلي والخروبة والمرج.
- مدينة سرت، والمعروفة بأنها مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي الذي لقي حتفه فيها في خريف 2011، تحولت إلى معقل للمتشددين من ليبيا ودول الجوار. ويسيطر على المدينة جماعات جهادية من الجزائر وتونس ومصر ومالي والنيجر وغيرها.
- في المنطقة الغربية لطرابلس توجد كتيبة «القعقاع والصواعق» وأغلب قادتها من منطقة الزنتان، وتكونت أساسا على أنقاض اللواء 32 المعزز الذي كان يقوده خميس القذافي نجل القذافي. وما زال جانب كبير مما تبقى من هذا اللواء بحالته وقوته، حيث كان أكثر الألوية شراسة في مواجهة الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، وفيه عدة آلاف من المقاتلين الأقوياء والمدربين تدريبا عاليا.
- واحدة من مناطق المزارع التي يختبئ فيها الجهاديون في بنغازي، خاصة من جماعة «أنصار الشريعة»، تقع في «سيدي فرج» أي إلى الجنوب من منطقة الهواري والقوارشة، وإلى الغرب قليلا من مطار بنينة، وهي منطقة مفتوحة وغنية بالمزارع حتى منطقة قار يونس غرب بنغازي مرورا بامتداد منطقة الهواري. وتقف قار يونس على مشارف الطريق المؤدية من بنغازي إلى إجدابيا، وهي طريق حيوية ويقوم المسلحون أحيانا بنصب أكمنة في هذه المنطقة. ويوجد بديل لمن يريد التوجه من مطار بنينة ومنطقة جنوب بنغازي إلى إجدابيا عن طريق فرعي يؤدي إلى بلدة قمينس ومنها إلى إجدابيا.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.