وولف: صائغ الكلم الذي فتح بوابات جحيم الواقع

ترك خلفه 13 كتاباً و4 روايات ومئات المقالات

توم وولف
توم وولف
TT

وولف: صائغ الكلم الذي فتح بوابات جحيم الواقع

توم وولف
توم وولف

عندما أغمض توم وولف (1930 – 2018) عينيه للمرة الأخيرة الشهر الماضي كان يُسدل بغيابه ستاراً تأخَّر نزوله بعض الوقت على مرحلة استثنائيّة في الصحافة الأميركيّة المعاصرة غيّرت جذرياً أساليب الكتابة والتحقيقات الصحافية -حتى إنها سُميّت «الصحافة الجديدة»- ليفتح الباب على مصراعيه للجيل الجديد من تنانين صحافة الأخبار الكاذبة ودجالي «تويتر» وعصابات الظلام السيبري على «فيسبوك» وأخواته ليسرحوا ويمرحوا في حياكة سرديّاتهم البغيضة من مقاهي الطريق أو أقبية الأجهزة الغامضة أو حتى من غرف نومهم. وولف الذي كان بصحافته الجديدة تلك قد قلب عالم الكتابة الصحافية الأميركيّة رأساً على عقب، مُسقطاً في طريقه أصنام الكتابة التقليديّة مزاوجاً بين صياغة الحدث ولغة الأدب ليصبح نموذجاً للصحافي العابر للخطوط الآيديولوجيّة والباحث عن الحقيقة وراء الصورة، انتهى بإيقاظ زملاء المهنة في طابق الإعلام المرئي الذين اكتشفوا كم كانوا بُلَهَاء في بحثهم عن الخيال لإثارة الجماهير في الوقت الذي كان فيه الواقع بتفاصيله أوقع أثراً بما لا يقاس.
لم تكن صحافة وولف الجديدة أول «صحافة جديدة» تعرفها أميركا. لقد كانت صحافة تابلويد «البنس الواحد» في النصف الأول من القرن التاسع عشر صحافة جديدة وقتها، تلتها بعد نصف قرن صحافة التابلويد الصفراء التي سميّت بدورها «الصحافة الجديدة»، وكلتاهما كانت تعبيراً عن روح جيل القرّاء وتحولات الأزمنة الأميركيّة وقتها. صحافة وولف أيضاً كانت صوتاً ثوريّاً احتاج إليه جيل الشباب الأميركي الغاضب في ستينات وسبعينات القرن العشرين، الذي لم تعد ترقى إلى ذائقته تقارير صحافة الجيل القديم الجافة التي تُخفي أكثر مما تُظهر وتقول للناس ما يريدون سماعه فحسب، ملتزمة أفعال الماضي والمبني للمجهول كأنها مقدسات وعجولاً ذهبيّة.
وولف انتقل بالنص الصحافي إلى الفعل المضارع، ووقائع اللحظة القائمة، مستعيراً لغة صور النصوص الروائيّة ليغوص وراء الحدث، ولينقل بكلماته المشهد من إطار أعرض، مازجاً المشاعر بالحقائق، والألوان بالخلفيات المعتمة حتى كأنك وأنت تنوي أن تقرأ تقريراً صحافيّاً من حبر على ورق عن حدث ما، تنتهي كأنك شاهدت شريطاً ملوناً عالي الجودة عن ذات الحدث. لا الحدث بعد هذا الشريط الوولفي هو الحدث ولا الحقيقة هي الحقيقة، ولا يمكن بعده لرماديات الخبر التقليدي الثنائيّة الأبعاد أن تُرضي عيناً غرفت من أطايب الألوان وإيقاعات الصورة المجسمّة التي أودعها في كلماته. لقد منح وولف الخبر شرعيّة أن يُقرأ من أجل المتعة لا الواجب.
عداوته مع الرّمادي لم تبدأ بالصحافة، بل كانت قد وُلدت في أروقة أكاديميات الدراسات العليا. فهو بعد أن تشكلّ فضوله الصحافي إبان دراسته الجامعيّة الأولى في الأنثروبولوجيا والدراسات الأميركيّة على يد الدكتور مارشال فيشويك -الذي اشتهر بأنه كان يدفع بتلامذته لدراسة المجتمع الأميركي من خلال العمل مع عمال البناء، ونادلات المشارب، وجامعي القمامة ولاعبي كرة السلّة الشعبيّة لا في صفحات الكتب-، اصطدم في جامعة ييل العريقة بالتجريد والشكلانيّة وانعدام الخيال عند أساتذته في الدكتوراه الذين قسوا عليه حتى كاد يفشل في إحراز الشهادة. ويبدو أنه تنازل مكرهاً في ما بعد وأعاد النظر في بعض جوانب أطروحته لتناسب مزاج أساتذته، الذي كانت تغلب عليه في ما يبدو ميول يساريّة، لكن تجربته تلك أفقدته نهائياً الرغبة في امتهان العمل الأكاديمي وضخّمت في قرارة قلبه كراهيّة لا تفتر للمؤسسات الأدبيّة والفكريّة والصحافيّة جميعاً.
وُلد وولف في فرجينيا، واشتغل بعد تخرجه لدى صحف صغيرة وكبيرة في مدن مختلفة، لكنه قبٍل دونما تردد عرضاً من جريدة «نيويورك هيرالد» عام 1962 ليقضي في نيويورك كل ما بقي في جعبته من أيّام العمر، وليصبح كأنه مَعْلم من معالمها لا يحدث فيها شيء يستحق الكتابة عنه دون أن تجد وولف ببزته البيضاء الناصعة يسأل أحد أبطال الحدث عما شهده قبل أن ينتحي إلى ركن مع دفتر ملاحظاته يراقب ويدون ويسجّل الأشياء والأصوات والألوان والروائح ولا يتعب.
عندما كتب وولف بطريقته الجديدة أثار غضب المحررين والزملاء وحتى بعض القراء الذين لم يعتادوا على استعمال حواسهم جميعها عند قراءة التحقيقات الصحافية حتى وصفه الروائي الأميركي المعروف جيه. دي. سالينجر بـ«الأسلوب المسموم»، لكن محرر مجلّة «إيزكوير» التقط موهبة وولف من أول مقالة بعثها بها إليه الأخير بالبريد ودفع بها إلى النشر دون تردد. لكن موعده مع الشهرة تأخر إلى عام 1979 عندما نشر كتاب «الأشياء الصحيحة» وهو شبيه بتحقيق صحافي مطوّل عن حياة رواد الفضاء الأميركيين الذين مضى لأبعد من مجرد تسجيل مغامراتهم في السماء، باحثاً داخل أروقة حياتهم اليوميّة مع زوجاتهم وأولادهم وزمانهم. كان نصاً مذهلاً في قدرته على وصف المشاهد كما لو أنه شريط سينمائي لا تحقيق صحافي مكتوب، مما حفّز المخرج الشهير فيليب كوفمان على تحويله بالفعل إلى فيلم تجاري في السينما لقي نجاحاً رغم أن كوفمان نفسه قال إن النص فوق السينما وأقدر من الفيلم على رسم الصورة.
النجاح الكبير الذي لقيه «الأشياء الصحيحة» كان كدعوة شخصيّة لوولف للانتقال من بحر الصحافة إلى محيط الرواية الأرحب فدخله صحافيّاً له عيون تشارلز ديكنز وقلم إميل زولا ليكتب رائعته «شعلة غروريّات – 1987» التي كانت كبورتريه سجّل نفاق وتناقض وعنصريّة وجشع المدينة الأميركيّة، مستلهماً من أجواء تحقيقاته الصحافيّة السابقة في السبعينات وكتاباته عن جيل الهيبيز وراديكاليي 1968. وكما في «الأشياء الصحيحة» فقد تحوّلت شعلة غروريّاته إلى شريط سينمائي أصبح بالفعل حديث الساعة حينها.
صار وولف ظاهرة لافتة لا سيما أنه التزم بعد نيويورك ارتداء البزّات البيضاء كأرستقراطيٍّ من الجنوب –قيل إنه كان يحتفظ بأربعين منها في خزانة ملابسه- فاعتاد عليه مجتمع المدينة رجلاً آتياً من مكان بعيد يهبط إلى أرضنا في بذلته الخاصة، قد لا يعرف شيئاً لكنه يكاد يقتله الفضول ليعرف كل شيء. وما لبث أن تبعه آخرون ممن ثاروا على الكتابة الصحافية التقليديّة فأمسوا كتيار صحافة مختلفة انتشر في وقت كانت الصحف والمجلات ما زالت ذات تأثير. وقد جمع نماذج من هذه الكتابات في أنثولوجيا عنونها بـ«الصحافة الجديدة – 1973».
في مدرسة وولف، الصحافة هي «أن تراقب موضوعك عن كثب لوقت طويل حتى تتشربه قبل أن تبدأ الكتابة عنه» و«عندها فقط اكتب لتريهم لا لتقول لهم». وكان يرى أن ثلثي الكتابة الصحافية يجب أن تُستقى من مادة الواقع بينما يتبقى للموهبة والقدرة على التعبير المتفرّد الثلث الباقي. وهو في كتابته كما في حضوره الشخصي كان شديد الاعتناء بالتفاصيل، فكان يرتدي ثيابه الأنيقة ويجلس إلى المكتب ويمسك بالقلم ليفرض نفسه على الأوراق دون أن ينتظر أبداً وحياً أو إلهاماً أو مزاجاً ليأخذه إلى هناك. ويقول عنه من عرفوه عن قرب إنّه كان موهوباً كمحقق بوليسي في كيفيّة توجيهه الأسئلة واستخلاصه الحقائق من أفواه الناس.
أعمال وولف بمجموعها -13 كتاباً و4 روايات ومئات المقالات- كأنّها سجل متكامل وضعه أنثروبولوجي حاذق في صنعته للسياسة والثقافة الشعبيّة وإيقاعات الحياة في أميركا في النصف الثاني من القرن العشرين. وهناك أكثر من 150 اقتباساً من أعماله استعان بها قاموس أكسفورد للغة الإنجليزيّة كنماذج على استعمال الكلمات في معانٍ معينة. لقد كان صائغ كلمات يذيب الحروف ويصنع منها قلائد تخلب الألباب.
سياسياً، كان وولف في قلب اليمين الأميركي، ولذا فقد خاض مساجلات عدّة ضد أيقونات اليسار أمثال ليونارد برنستاين ونعوم تشومسكي، واصطدم بنقيضه في السياسة سيمور هيرش لكنّه قال علناً إنه «ربما قد لا يوافق على مضمون أعمال الصحافي اليساري المعروف لكنّه بالضرورة لا يختلف مطلقاً مع أسلوبه في الكتابة الصحافيّة العظيمة المعتمدة على التحقيق الميداني». لقد كان وولف صحافياً حقيقياً –لا يقبل النفاق والكذب والتلفيق- من طراز يبدو أنه انقرض اليوم لمصلحة صحافيين مرتزقة يكتبون هراء «ويكيبيديا» في خدمة المصالح المؤدلجة.
لكن وولف ليس بريئاً بالكليّة عن إطلاق هذه المخلوقات في فضاء الصحافة، إذ يعدّه بعض مؤرخي الثقافة الأميركيّة بمثابة أب روحي لتلفزيون الواقع استلهم منه القائمون على الشاشة الصغيرة شغف التفاصيل الماثلة واستبعاد الخيال لمصلحة الواقع الأكثر إثارة للفضول قبل أن ينتقلوا رويداً رويداً على يد الرأسماليّة المتأخرة ليستهدفوا صنع «الواقع» كما يجب أن يكون وفق أجندات مسمومة، وينتهوا اليوم إلى مجرّد تجار حقائق بديلة في خدمة سرديّات المهيمنين. إذا صحّ كلام هؤلاء المؤرخين، فإن الرجل ذا البزة البيضاء قد مضى بعد أن فتح علينا بوابات جحيم الواقع –حقيقياً كان أم ملتبساً-، وهي بوابات قد مسّتها النار، تحرقُ أيدي كل من يحاول إغلاقها، وهو حتى لن يكتب لنا ليعتذر عما فعل.



80 ألف عمرة بالإنابة… مبادرة سعودية تفتح أبواب المناسك للعاجزين في رمضان

مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)
مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)
TT

80 ألف عمرة بالإنابة… مبادرة سعودية تفتح أبواب المناسك للعاجزين في رمضان

مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)
مبادرة «عمرة هدية» تتيح العمرة بالإنابة عن غير القادرين (جمعية هدية الحاج والمعتمر)

مع حلول شهر رمضان، تتجه أنظار ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة طلباً لأجر العمرة في أكثر مواسم العام روحانيةً، غير أن الرغبة في أداء المناسك لا تتاح دائماً للجميع. فبين المرض والعجز وتقدّم العمر، تبقى أمنية العمرة مؤجلة لدى كثيرين، أو حاضرة في ذاكرة أبنائهم الراغبين في أدائها عن ذويهم الراحلين. هنا تحديداً برزت مبادرة «عمرة هدية» التابعة لجمعية «هدية الحاج والمعتمر»، التي نجحت خلال السنوات الماضية في تنفيذ أكثر من 80 ألف عمرة بالإنابة عن عاجزين ومتوفين، ضمن نموذج يجمع بين العمل الخيري والتنظيم الرقمي.

المبادرة، التي أطلقتها الجمعية عبر متجرها الإلكتروني، تقوم على استقبال طلبات أداء العمرة عن شخص عاجز صحياً أو متوفى، قبل أن تنتقل الطلبات إلى فريق مختص يتولى متابعة التنفيذ وفق إجراءات تنظيمية وشرعية دقيقة.

المهندس تركي الحتيرشي الرئيس التنفيذي لجمعية «هدية الحاج والمعتمر» (الشرق الأوسط)

وقال لـ«الشرق الأوسط» الرئيس التنفيذي للجمعية المهندس تركي الحتيرشي، إن المشروع صُمم لتيسير أداء العمرة بطريقة موثوقة ومنظمة، موضحاً أن منصة التنفيذ تعتمد 3 مراحل توثيقية تبدأ بتحديد نية العمرة وبيانات الشخص المراد أداء المناسك عنه، ثم متابعة الأداء ميدانياً أثناء المناسك، وصولاً إلى مرحلة التحقق بعد الانتهاء من السعي، للتأكد من إتمام العمرة كاملة وبنية صحيحة.

ويؤدي العمرة، حسب الحتيرشي، طلاب علم متخصصون في العلوم الشرعية من الجامعات السعودية، من بينها جامعة أم القرى والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ممن سبق لهم أداء الفريضة عن أنفسهم، في إطار يضمن الالتزام بالأحكام الشرعية والتنظيمية في جميع مراحل التنفيذ.

ولا تقتصر تجربة الجمعية على العمرة فحسب؛ إذ تشمل كذلك حج البدل، حيث جرى تنفيذ آلاف الحجج خلال المواسم الماضية بعد استكمال التصاريح النظامية، فيما تتولى الجمعية إصدار التصاريح الخاصة بالحاج المنفذ للمناسك، سواء أُديت عن متوفى أو عاجز.

وفي موازاة العمل الخيري، تعمل شركة «هدية الخير لخدمات الحجاج والمعتمرين» بوصفها الذراع الاستثمارية والتنفيذية للجمعية، بهدف تعزيز الاستدامة المالية للمبادرات.

علاء القباص الرئيس التنفيذي لشركة «هدية الخير» (الشرق الأوسط)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» الرئيس التنفيذي للشركة علاء القباص، أن تأسيسها جاء لدعم مشاريع الجمعية عبر تنويع مصادر الدخل، مشيراً إلى نشاطها في مجالات الاستثمار العقاري وإدارة الأصول، إلى جانب الاستثمار في الشركات الناشئة والابتكار وريادة الأعمال.

وأضاف القباص أن أعمال الشركة تمتد إلى قطاع التصنيع، بما يشمل تصنيع الغذاء والهدايا التذكارية، إضافة إلى التوريد والاستيراد والتصدير، خصوصاً في مجال هدايا الحجاج والمعتمرين، مع شراكات صناعية داخل المملكة وخارجها، من بينها مصانع في تركيا، فضلاً عن مصانع في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بهدف نقل منتجات تحمل هوية المكان إلى الأسواق العالمية.

وكشف القباص عن إطلاق الموقع الإلكتروني للشركة لعرض الهدايا والخدمات المرتبطة بالحج والعمرة، موضحاً أن الخدمات ذات الطابع الخيري، مثل العمرة أو الحج بالإنابة، تُنفذ بالتنسيق الكامل مع الجمعية، ويمكن استقبال طلباتها من داخل المملكة وخارجها وفق آلية شرعية وتنظيمية معتمدة.

ومع أن أداء العمرة متاح طوال العام، يؤكد القائمون على المبادرة أن شهر رمضان يظل الموسم الأعلى طلباً، في ظل سعي كثيرين إلى إهداء العمرة لذويهم، في تجربة تعكس تحول العمل الخيري المرتبط بالحج والعمرة نحو نماذج أكثر تنظيماً واستدامة، تجمع بين التقنية والأثر الإنساني في آن واحد.

Your Premium trial has ended


علماء يبتكرون طماطم برائحة «الفشار بالزبد»… خطوة لاستعادة نكهة مفقودة

 الفشار (بيكسلز)
الفشار (بيكسلز)
TT

علماء يبتكرون طماطم برائحة «الفشار بالزبد»… خطوة لاستعادة نكهة مفقودة

 الفشار (بيكسلز)
الفشار (بيكسلز)

في تطور علمي لافت، نجح باحثون في ابتكار أول نباتات طماطم في العالم تفوح منها رائحة «الفشار بالزبد»، عبر تعديل جينين رئيسيين في آنٍ واحد، في محاولة لمعالجة مشكلة كثيراً ما أزعجت المستهلكين والمنتجين على حدّ سواء: تراجع نكهة الطماطم في أثناء النقل والتخزين. وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وطوّر علماء صينيون الصنف الجديد باستخدام تقنية تحرير الجينات، مستهدفين تعزيز الخصائص العطرية للثمار دون المساس بإنتاجيتها أو صفاتها الزراعية الأساسية. وتُعد الطماطم من أكثر المحاصيل زراعةً واستهلاكاً عالمياً، وتحظى بمكانة خاصة في المطابخ المختلفة بفضل لونها الزاهي، وتعدد استخداماتها، وقيمتها الغذائية.

فقدان العبير بعد القطف

ويلعب العبير دوراً محورياً في الجاذبية الحسية للطماطم؛ إذ يؤثر مباشرةً في تفضيلات المستهلكين وقيمتها السوقية، غير أن الثمار تبدأ بفقدان رائحتها تدريجياً نتيجة تغيّرات أيضية تنطلق فور فصلها عن الساق؛ ما ينعكس تراجعاً ملحوظاً في النكهة خلال مراحل النقل والتخزين.

وفي هذا السياق، تمكن العلماء من إنتاج «طماطم فائقة العطر» عبر استخدام تقنية تحرير الجينوم «CRISPR/Cas9» لتعطيل جينين أساسيين مرتبطين بالمسار العطري في بعض أصناف الطماطم.

(الشرق الأوسط)

هندسة جينية دقيقة

عمد الباحثون أولاً إلى تعطيل جين يُعرف باسم «BADH2»، وهو اختصار لـ«بيتين ألدهيد ديهيدروجيناز 2»، في أحد أصناف الطماطم. وأظهرت التجارب أن إيقاف هذا الجين أدى إلى تراكم مركّب عضوي يُسمّى 2-أسيتيل-1-بيرولين (2-AP)، وهو المسؤول عن الرائحة الشهية الشبيهة بالفشار.

وبعد تحليل أشكال الجين، عثر الفريق على متغيرين هما «SlBADH1» و«SlBADH2»، وقاموا بتعطيل وظيفتيهما، وأظهرت السلالات الطافرة ارتفاعاً ملحوظاً في مستويات مركّب «2-AP»، ما عزّز الطابع العطري للثمار.

نكهة أفضل دون خسارة إنتاجية

بيّنت النتائج أن السلالات المعدّلة لم تختلف اختلافاً يُذكر عن النوع البري في الصفات الأساسية، بما في ذلك موعد الإزهار، وارتفاع النبات، ووزن الثمرة، ومحتوى السكريات (الغلوكوز والفركتوز والسكروز)، إضافةً إلى الأحماض العضوية مثل حمضي الستريك والماليك، وفيتامين C.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تحقق هدفاً طال انتظاره في قطاع تحسين المحاصيل، وتعزيز النكهة مع الحفاظ على الإنتاجية.

وقال بنغ تشنغ، وهو مؤلف مشارك في الدراسة، إن العمل الحالي يهدف إلى إدخال هذه السمة العطرية إلى الأصناف التجارية المتميزة، «بما قد يعزّز تعقيد النكهة، ويحسّن تفضيل المستهلكين وقيمتها السوقية»، مشيراً إلى أن الطموح هو تكرار تجربة النجاح التي حققتها أصناف الأرز العطري.

ويأمل العلماء أن تمهّد هذه الخطوة الطريق أمام جيل جديد من الخضراوات ذات جودة حسية أعلى، تعيد إلى موائد المستهلكين نكهاتٍ افتقدوها طويلاً.


نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
TT

نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)

وقع علماء على نوع نادر من النمل، موطنه اليابان، يتميَّز بكونه النوع الوحيد الذي يخلو من كلّ من فئتي العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

في العادة، تتكوَّن مستعمرات النمل من إناث قادرة على التكاثر تُعرف كذلك بالملكات، وعاملات غير قادرات على التكاثر، بالإضافة إلى ذكور تموت بعد التزاوج بمدّة وجيزة.

وثمة حالات شاذة عن هذا النمط معروفة، منها مستعمرات تتكوَّن من نمل طفيلي من دون عاملات، وبعضها لا يحتوي على ذكور.

وعلى امتداد أكثر من 4 عقود، اشتبه باحثون في أن النملة الطفيلية النادرة «تمنوثوراكس كينوموراي» لا تُنتج سوى الملكات، لكن لم يكن هناك دليل على ذلك حتى الآن.

الآن، قدَّمت دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت» أول دليل على وجود نوع من النمل يخلو من كلّ من العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

وسبق أن وثَّق علماء أنّ النملة الطفيلية «تمنوثوراكس كينوموراي» تخدع عاملات من نوع وثيق الصلة بها، «تمنوثوراكس ماكورا»، لحملهن على قتل ملكتهن الأم.

وجاء هذا بمثابة اكتشاف مفاجئ، ففي مستعمرات النمل يقضي النمل العامل حياته كلّها في رعاية الملكة، والبحث عن الطعام، والدفاع عن العشّ، وتربية صغار النمل.

ويُعدّ قتل النمل لملكته أمراً نادر الحدوث في الطبيعة، إذ تُشكّل الملكة عنصراً أساسياً لبقاء المستعمرة.

وتُظهر أحدث الدراسات أن نملة «تمنوثوراكس كينوموراي»، علاوة على قتلها للملكة المضيفة، تتكاثر لا جنسياً كذلك عن طريق إنتاج نسخ مستنسخة منها، وتخدع النمل العامل الناجي من المستعمرة المضيفة لحمله على تربية النسل.

وفي إطار البحث الأخير، جمع العلماء 6 مستعمرات تضمّ ملكات «تمنوثوراكس كينوموراي»، وتولّوا تربيتها في صناديق داخل المختبر.

وتمكّن الباحثون من تربية 43 ملكة من نوع «تمنوثوراكس كينوموراي» في المختبر، وكشف فحص النمل لاحقاً عدم وجود ذكور.

وتابعوا دراسة هذه الملكات في ظروف المختبر لمراقبة عملية وضع البيض بانتظام.

ووجد العلماء أنّ البيض يتطوَّر إلى ملكات جديدة من دون أن يُخصَّب من ذَكَر نمل.

بعد ذلك، حلَّلوا ملكات النمل تحت المجهر، ووجدوا أنّ أعضاء التزاوج لديها غير مستخدمة، ممّا يشير إلى أنّ النسل كلّه مستنسخ.

وبعد مراقبة مستعمرات ومجموعات متعدّدة من هذا النوع، أكد الباحثون أنّ هذا النوع يفتقر تماماً إلى فئتَي العاملات والذكور.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة بدورية «كارنت بيولوجي»: «تشير بياناتنا بالتالي إلى أنّ دورة حياة نملة (تمنوثوراكس كينوموراي) تتميَّز بمزيج فريد من التطفُّل من دون عاملات والتكاثُر العذري، أي القدرة على إنتاج إناث من بيض غير مخَّصب».

ويأمل الباحثون عبر دراسات لاحقة في فَهْم الظروف التي تُفضي إلى فقدان العاملات والذكور في هذا النوع من النمل.