وثائق ما بعد كامب ديفيد 1-3: كارتر طلب مساعدة زعماء عرب لإنجاح مفاوضات السادات ـ بيغن

«الشرق الأوسط» تنشر مراسلات ما بعد «كامب ديفيد»

الملك حسين خلال اجتماع سابق بالرئيس كارتر (غيتي)
الملك حسين خلال اجتماع سابق بالرئيس كارتر (غيتي)
TT

وثائق ما بعد كامب ديفيد 1-3: كارتر طلب مساعدة زعماء عرب لإنجاح مفاوضات السادات ـ بيغن

الملك حسين خلال اجتماع سابق بالرئيس كارتر (غيتي)
الملك حسين خلال اجتماع سابق بالرئيس كارتر (غيتي)

كشفت وزارة الخارجية الأميركية، أمس، عن الجزء الثاني من المذكرات المتبادلة بين الإدارة الأميركية من جانب، والقادة العرب وإسرائيل من جانب أخر، في ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، وذلك خلال الفترة من أغسطس (آب) 1977 إلى ديسمبر (كانون الأول) 1980.

وتضمنت المذكرات العديد من الملاحظات والخطابات المكتوبة بخط اليد من السفير الأميركي لدى تل أبيب صموئيل لميس، والخطابات المتبادلة بين الزعماء الثلاثة الأميركي والإسرائيلي والمصري، بعد انتهاء قمة «كامب ديفيد» في الولايات المتحدة، التي استمرت من 5 - 17 سبتمبر (أيلول) 1978، كما تضمنت الوثائق الصعوبات والضغوط التي واجهها الزعماء الثلاثة بعد انتهاء المفاوضات وحتى التوصل لاتفاقية السلام مع مصر. وذكرت الخارجية الأميركية أنها وجدت هذه الخطابات والملاحظات الجديدة في أثناء البحث عن أجزاء للمراسلات التي تمت بين الإدارة الأميركية والرؤساء العرب وإسرائيل في عهد الرئيس رونالد ريغان. وكانت الخارجية الأميركية قد نشرت الجزء الأول من تلك الوثائق عام 2014 وتضمنت بعض ما جاء خلال أيام المفاوضات بـ«كامب ديفيد» التي استمرت 13 يوماً.

وتضمنت الوثائق الجديدة خطاباً مُرسلاً من الرئيس الأميركي جيمي كارتر، عقب عودته إلى واشنطن بعد انتهاء قمة كامب ديفيد، إلى الملك حسين ملك الأردن، يدعوه فيه إلى دعم وتأييد مفاوضات كامب ديفيد بين السادات وبيغن. وجاء في الخطاب الذي تم إرساله بتاريخ 19 سبتمبر 1978: «لقد أثبتت مصر وإسرائيل أنهما تريدان السلام. إنّ فشل جهودنا بسبب عدم وجود دعم من القادة المعتدلين والمسؤولين في الدول العربية سيؤدي بالتأكيد إلى تعزيز العناصر غير المسؤولة والراديكالية وسيعطي فرصة لزيادة النفوذ السوفياتي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. إنني أعتبر أن العمل المستقبلي على هذه الاتفاقية سيكون حاسماً لتحقيق السلام في منطقتك المضطربة، وهو أمر حيوي للحفاظ على الاستقرار بين الشعوب والدول، وللحفاظ على علاقات للولايات المتحدة مع الحكومات المعنية. أحتاج إلى دعمك الشخصي القوي».

وفِي نفس الْيَوْمَ، 19 سبتمبر، أرسل الرئيس كارتر خطاباً آخر إلى الرئيس السوري حافظ الأسد جاء فيه: «وثيقة الإطار العام التي وقّعتها مصر وإسرائيل تتناول على وجه التحديد المبادئ التي تنطبق على جميع جبهات الصراع. ويظل قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 بجميع أجزائه الأساس المتفق عليه لتسوية النزاع العربي - الإسرائيلي. ويجب أن يكون هناك حل عادل لمشكلة اللاجئين يأخذ في الاعتبار قرارات الأمم المتحدة المناسبة».

وقال كارتر: «إنني أعلم بالتزامكم العميق ليس فقط بحقوق سوريا والأمة العربية، ولكن أيضاً باهتمامكم بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، التي أدركتها إسرائيل الآن لأول مرة. على الرغم من أن اتفاقيات كامب ديفيد لا تجيب عن جميع الأسئلة المتعلقة بالفلسطينيين، فإنها توفر أساساً لحل المشكلة الفلسطينية من جميع جوانبها. وبموجب شروط الاتفاق الذي وقّعته إسرائيل يمكن التوصل إلى حل شامل على مرحلتين. أولاً، سيتم إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة، وسحب عدد كبير من القوات الإسرائيلية، وسيتم إعادة نشر القوات المتبقية في عدد قليل من المواقع المحددة لتزويد إسرائيل بالأمن من الهجمات الخارجية، وسيتم التعامل مع الأمن الداخلي للفلسطينيين من قبل قوة شرطة فلسطينية قوية. مع نهاية الاحتلال العسكري، وسيتم إنشاء سلطة فلسطينية ذاتية الحكم يتم انتخابها بحرية. بعد التوقيع على هذا الإطار وخلال المفاوضات لإنشاء السلطة الحاكمة، لن يتم إنشاء مستوطنات إسرائيلية جديدة. وسيتم تقرير قضية المستوطنات الإسرائيلية المستقبلية والاتفاق عليها بين الأطراف المتفاوضة».

وأوضح كارتر في خطابه للرئيس حافظ الأسد أن المرحلة الثانية من المفاوضات ستكون حول الوضع النهائي للضفة الغربية وغزة، وحول السلام بين إسرائيل والأردن، مع مشاركة الفلسطينيين في تلك المفاوضات. وقال إن تلك المفاوضات ينبغي أن تستند إلى مبادئ القرار 242، بما في ذلك انسحاب القوات الإسرائيلية. ويجب أن تسمح نتائج هذه المفاوضات للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بأن يقرروا مصيرهم بأنفسهم. وقال: «أعلم أن هناك العديد من القضايا التي لم نتمكن من حلها في كامب ديفيد. لكنني أريد أن أؤكد لك التزامي الشخصي العميق بمواصلة المشاركة في البحث عن سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. آمل أن تشاركني وجهة نظري. وسيقوم وزير الخارجية فانس بزيارتكم في دمشق في 23 سبتمبر».

كما تشير الوثائق إلى أنه في 25 سبتمبر 1978، أرسل الرئيس كارتر خطاباً خاصاً إلى الرئيس السادات جاء فيه: «يجب أن نسرع في ترجمة الوثائق الإطارية التي تم التوصل إليها إلى عملية تفاوضية يمكن أن تحل بسرعة القضايا المتبقية في سيناء، بينما تبدأ أيضاً في تنفيذ المراحل الأولى من الاتفاق على الضفة الغربية وغزة. سيناقش السفير إيلتس معكم وجهات نظري حول الكيفية التي يمكن بها حل بعض القضايا المثيرة للجدل في سيناء. يمكنك أن تطمئن بأنني ما زلت على استعداد لتقديم دعمي الكامل للإنجاز الناجح لمعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية. ولهذا السبب، أود أن أؤكد اعتقادي القوي بأن المحادثات حول سيناء يجب أن تبدأ دون تأخير بعد موافقة الكنيست مباشرة على اتفاقيات كامب ديفيد. قد يكون من المرغوب أن يجتمع الجنرال الجمسي (وزير الدفاع المصري)، مع الوزير فايتسمان في واشنطن ليبحثا معاً ترتيبات أمن سيناء».

وقال كارتر للسادات: «أشاركك الاهتمام بضرورة البدء السريع في المحادثات للسماح للفلسطينيين بتشكيل حكومتهم، وتنفيذ التزامات الضفة الغربية وغزة. وكما هو منصوص عليه في اتفاقية الإطار، يمكن للفلسطينيين المشاركة في المحادثات كمستشارين للوفدين المصري والأردني منذ البداية. وسأكون ممتناً لو أرسلت إليَّ أسماء الفلسطينيين الذين ستدرجهم في وفدكم، وكذلك في ما يتعلق بالفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة الذين ينبغي إشراكهم في مناقشات ترتيبات الحكم الذاتي. أخيراً، نريد أن نتحرك بسرعة للعمل على استقرار الوضع في لبنان. سوف يكون السفير إيلتس مستعداً لنقل وجهات نظرك إليَّ شخصياً حول هذه القضية ذات الأهمية الحيوية».

وتضمنت الوثائق أيضاً خطاباً من السفارة الأميركية بتل أبيب إلى وزارة الخارجية في واشنطن تحت عنوان «تجميد الاستيطان» يذكر فيه السفير الأميركي في إسرائيل أنه اجتمع مع موشيه ديان منتصف يوم 26 سبتمبر لمناقشة مسألة تجميد المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية وغزة، وطلب منه شرح الموقف الإسرائيلي في هذا الصدد. وجاء في الخطاب على لسان السفير الأميركي بتل أبيب: «قال ديان إنه تحدث إلى مناحم بيغن صباح اليوم بشأن مسألة تجميد الاستيطان، وتمت صياغة خطاب بهذا الأمر إلى الرئيس الإسرائيلي لكن لم يتم توقيعه بعد، وسيتم إرساله اليوم أو غدا بعد عودة الرئيس من الولايات المتحدة.

ووفقاً لملاحظات باراك أهاروني المستشار القانوني لمناحم بيغن فإن بيغن أراد التفكير في الصياغة التي سيقدم بها الخطاب للرئيس والتي تحدد مدة تجميد الاستيطان. وقال ديان إنه في اليوم التالي أرسل بيغن رسالته إلى الرئيس عبر باراك, وتضمنت تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة أشهر خلال مفاوضات معاهدة السلام مع مصر. ويعني ذلك أن بيغن سيلزم نفسه أمام الرئيس بتجميد الاستيطان في الضفة وغزة لمدة 3 أشهر فقط. وهو عكس ما تم الاتفاق عليه في كامب ديفيد».

ويشير الخطاب إلى أن نقطة الخلاف في هذا الأمر كانت تتعلق بمدة تجميد المستوطنات وهل كانت مرتبطة بمفاوضات سيناء مع مصر أم لا. ويقول السفير الأميركي في خطابه: «قال ديان إنه من الناحية العملية، لم يكن هناك أي فرق فيما إذا كان التجميد مرتبطاً بمفاوضات سيناء أو الضفة الغربية - غزة. وإن المحادثات الأخيرة يجب ألا تدوم أكثر من 3 أشهر. وشدد على أن بيغن لم يُبدِ أي التزام بتجميد المستوطنات لفترة انتقالية مدتها 5 سنوات».

وكانت قناعة الرئيس الأميركي القوية بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن قد وافق في كامب ديفيد على اللغة الأميركية بشأن تجميد الاستيطان وهي أنها لا ترتبط بمدة مفاوضات سيناء (3 أشهر)، وعلى هذا الأساس، نقل الرئيس الأميركي موقف الحكومة الإسرائيلية إلى السادات في أثناء المفاوضات بكامب ديفيد، وعليه وافق السادات على توقيع الاتفاقيات. وهذا ترك الرئيس الأميركي في وضع حرج للغاية، وذكر السفير الأميركي أن هذا التفسير الإسرائيلي المغلوط سيسبب مشكلات حقيقية في واشنطن. وقال إن موشيه ديان أدرك مدى سوء هذا في واشنطن.

وتشير الوثيفة إلى أن الإسرائيليين ندموا على سوء التفاهم، لكن رسالة بيغن إلى الرئيس الإسرائيلي ستُلزم الحكومة الإسرائيلية بتجميد الاستيطان لمدة 3 أشهر فقط من مفاوضات سيناء. وستظهر بعد ذلك مسألة تمديد تجميد الاستيطان. وكانت الحجة لدى الإسرائيليين بأن التجميد كان مرتبطاً بسيناء هي أن المفاوضات مع مصر كانت يجب ألا تستمر مدة تزيد على 3 أشهر.

في يوم 27 سبتمبر أرسلت الخارجية الأميركية خطاباً إلى سفارتها في تل أبيب يتضمن رسالة شفهية من الرئيس كارتر إلى السفير الأميركي حتى يبلغها إلى بيغن لوضع حل لمسألة تجميد المستوطنات في الضفة الغربية وغزة. وجاء نص الرسالة كالتالي: «كما أشرت لك من قبل، فإن فهمي للاتفاق الذي توصلنا إليه في كامب ديفيد في ما يتعلق بمسألة المستوطنات في الضفة الغربية وغزة هو على النحو التالي: بعد التوقيع على هذا الإطار وخلال المفاوضات، لن يتم إنشاء مستوطنات إسرائيلية جديدة في هذه المنطقة. سيتم تقرير قضية المستوطنات الإسرائيلية المستقبلية والاتفاق عليها بين الأطراف المتفاوضة. ومن الواضح أن المفاوضات المشار إليها كانت تلك المتعلقة بإنشاء الحكم الذاتي في الضفة الغربية وغزة لأن الفقرة التي ناقشناها في وقت متأخر من مساء السبت (16 سبتمبر) كانت في ذلك الجزء من الوثيقة. لم يكن لها علاقة بمفاوضات سيناء. لا أستطيع أن أفسر موافقتك على فرض وقف اختياري لمدة خمس سنوات. أود أن أكرر وجهة نظر حكومتي بأن المستوطنات يمكن أن تصبح عقبة خطيرة أمام السلام. يمكن لبناء المستوطنات الجديدة خلال المفاوضات أن يكون لها عواقب وخيمة على نجاح تنفيذ الاتفاقات».

وتشير الوثائق إلى أن الرئيس كارتر عبّر عن قلقه الشديد بشأن مسألة المستوطنات خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن في يوم 28 سبتمبر 1978. وقال كارتر: «أشعر بالقلق إزاء سوء فهمنا. لم يكن هناك أي فكر في ربط الضفة الغربية ومستوطنات غزة بمفاوضات سيناء. كما لم يكن هناك أي نقاش حول الوقف الاختياري لمدة خمس سنوات. آمل أن نحصل على بعض التفاهمات المقبولة لدى الطرفين».

وأضافت الوثيقة أن الملك حسين أدرك أنه لن يصل أبداً إلى مستوى الأهمية التي لدى إسرائيل عند الولايات المتحدة، وأنه لا يمكن أبداً أن يلجأ إلى السوفيات، وهو ما وضعه في مأزق كبير.

وأضافت الوثيقة أن الملك حسين قام بجولة خليجية حتى يعرف موقف القادة العرب من مفاوضات كامب ديفيد حتى يحدد موقفه منها. حينها أدرك أن القطريين قلقون بشأن ضغوط يمكن أن تأتي من العراق. كما أخبرته الكويت بأن العراقيين قلقون بشأن ما سيحدث لو تم إسقاط شاه إيران.

وتقول الوثيقة إنه بشكل عام، كان الملك حسين يرى العراقيين على أنهم أكثر ميلاً إلى الاعتدال. وفي عُمان، وجد حسين أن السلطان يتمتع بوضع أفضل بكثير من ذي قبل، حيث عيّن قابوس قادة جدد وتلقى تعهدات جديدة بالولاء. وفي كل مكان بالخليج ذهب إليه الملك حسين وجد غضبه من السادات يتجدد، ليس لأن السادات وضع مصر أولاً، بل من تكتيكاته وأساليبه. وتقول الوثيقة إن الملك حسين خطط بعد ذلك لكتابة رسالة إلى الرئيس كارتر يشرح فيها موقفه الكامل بشأن عملية السلام واتفاقات كامب ديفيد. وكان يخطط لزيارة الولايات المتحدة بعد فترة وجيزة من بداية العام إلا أنه كان يشعر أكثر من أي وقت مضى بأن توقيت الزيارة سيكون سيئاً للغاية وأنها أصبحت متأخرة بالفعل.

- وثائق الخارجية الأميركية لمرحلة ما بعد محادثات كامب ديفيد





* وثائق ما بعد كامب ديفيد 2-3: قلق مصري من عزلة عربية
* وثائق ما بعد  كامب ديفيد 3-3: بيغن رغب في انضمام الأردن للسلام... والملك حسين شعر بالحيرة 



«التغلغل الإسرائيلي» في «القرن الأفريقي» يعمق التقارب المصري - التركي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان بالقاهرة خلال عام 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان بالقاهرة خلال عام 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

«التغلغل الإسرائيلي» في «القرن الأفريقي» يعمق التقارب المصري - التركي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان بالقاهرة خلال عام 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان بالقاهرة خلال عام 2024 (الرئاسة المصرية)

تعددت الاتصالات الدبلوماسية بين مصر وتركيا منذ إعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم «أرض الصومال» دولة مستقلة الشهر الماضي، وأفرزت مواقف متماثلة تجاه رفض التحرك الإسرائيلي، ما يعزز التقارب بين البلدين في مواجهة أخطار تتعلق بالتمدد الإسرائيلي وتأثيراته السلبية على مصالح البلدين، حسب مراقبين.

ولدى إسرائيل اتفاقيات عسكرية واستخباراتية مع إثيوبيا تعود إلى تسعينات القرن الماضي، ويبقى الخطر الأكبر الذي تخشى منه مصر وتركيا، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يرتبط بإيجاد موطأ قدم لها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، وهو ما من شأنه إحداث إرباك للأمن في المنطقة.

وتناولت محادثة هاتفية بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان، الاثنين، تطورات الأوضاع في السودان، ومستجدات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، وجدد الوزيران رفضهما التام للاعتراف الإسرائيلي بما يسمى «أرض الصومال»، وعدّا الخطوة انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كما أنها تقوض أسس السلم والأمن الإقليمي والدولي، وفق بيان رسمي صادر عن الخارجية المصرية.

وتشاركت القاهرة وأنقرة في مواقف جماعية رافضة للاعتراف الإسرائيلي بـ«الإقليم الانفصالي»، إلى جانب المواقف الثنائية التي جاءت سريعة بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف بالإقليم في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فيما تناولت الاتصالات الأخيرة التجهيز لزيارة من المتوقع أن يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة خلال الربع الأول من هذا العام.

زخم إيجابي

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، أن مصر وتركيا تدعمان وحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، وترفضان أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بالسيادة الصومالية، أو تقويض أسس الاستقرار، وتؤكدان «أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان وصولاً إلى وقف شامل لإطلاق النار، والتشديد على ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «العلاقات المصرية - التركية تشهد خلال الفترة الأخيرة زخماً إيجابياً وتطوراً ملحوظاً يعكسان الإرادة السياسية لدى البلدين لتعزيز مسارات التعاون الثنائي، والبناء على ما تحقق من خطوات مهمة، إلى جانب الحرص على استمرار التنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان أثناء المشاركة في قمة العشرين العام الماضي (الخارجية المصرية)

وفي فبراير (شباط) 2024، أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، زيارة هي الأولى له إلى القاهرة منذ 2012، قبل أن يعاود نظيره المصري زيارة أنقرة في سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، التي شهدت تأسيس ما يُعرف بـ«مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى»، لينطلق مسار جديد للعلاقات بين البلدين، شهد تقارباً ملموساً ولافتاً في الأشهر الأخيرة، وصل إلى مرحلة استدعاء القلق الإسرائيلي.

وفي حين برز مشهد حضور رئيسَي البلدين في توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في مدينة شرم الشيخ المصرية، بوصفهما وسيطين خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، شهد عام 2025 ثلاث زيارات قام بها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، إلى العاصمة التركية أنقرة.

رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية الأسبق التابع للجيش المصري، اللواء علاء عز الدين، أكد أن إسرائيل منذ نشأتها ولديها أهداف تتعلق بالسيطرة على المجالات الحيوية المؤثرة بالنسبة للدول الإقليمية الفاعلة في المنطقة، وهو أمر عززه الاعتراف الأخير بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، وأن تطور الإمكانات العسكرية والاقتصادية لكل من مصر وتركيا يجعل هناك قدرة على مجابهة الأطماع الإسرائيلية.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التقدم العسكري التركي في مجالات التصنيع العسكري، خصوصاً «المُسيرات»، إلى جانب تطوير البنية التحتية للجيش المصري، يخلقان فرصاً كثيرة للتعاون المشترك، بما يهدف إلى حصار تحركات إسرائيل دبلوماسياً واقتصادياً، وتعزيز القدرات الأمنية للدول الهشة التي تسعى إسرائيل إلى جعلها قاعدة تهديد دون أن يصل الأمر إلى المواجهة العسكرية المباشرة.

واستأنف البلدان مناورات «بحر الصداقة» المشتركة العام الماضي بعد انقطاع 13 عاماً، كما وقّع البلدان اتفاقية لإنتاج الطائرة المُسيّرة من نوع «تورخا» محلياً في مصر، نهاية أغسطس (آب) الماضي، وتضمنت الاتفاقيات أيضاً «إنتاج المركبات الأرضية غير المأهولة بين شركة (هافيلسان) التركية ومصنع (قادر) المصري التابع لوزارة الإنتاج الحربي».

وأكد الخبير في الشأن الأفريقي، رامي زهدي، أن التقارب المصري بين تركيا ومصر يهدف إلى تحجيم توظيف إسرائيل لاعترافها بإقليم «أرض الصومال» كورقة ضغط في ملفات أخرى مع البلدين، كما أن خطوتها الأخيرة تمهد لتعاون عسكري مع «صوماليلاند»، مشيراً إلى أن تلك الحركات تعزز التغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي، وهي خطط لديها أبعاد تاريخية ضمن «مشروع إسرائيل الكبرى» من منابع النيل وحتى الفرات.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن وجود ميناء «إيلات» على ساحل البحر الأحمر يجعل هناك عدة أطماع إسرائيلية تجاه الدول المطلة لدعم مشروعاتها التوسعية، لافتاً «إلى أن علاقات إسرائيل مع دول القرن الأفريقي بينها ما يدخل في أطر التعاون الاقتصادي وتقديم الخدمات والاستشارات في مجالات المياه والصناعة والاستثمار، وبينها ما هو استخباراتي يعززه وجود ما يقرب من 10 قواعد عسكرية لدول صديقة لها في المنطقة، بينها أميركا وبريطانيا».

تعزيز التعاون مع الصومال

وفي المقابل عززت مصر من تعاونها مع دول القرن الأفريقي مؤخراً، ولدى القاهرة اتفاقية تعاون أمني مع الصومال جرى التوقيع عليها في أغسطس من عام 2024، كما تشارك مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر الماضي.

كما أن تركيا تسير أيضاً على طريق مزيد من التقارب مع مقديشو، واستقبلت الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بعد أيام من الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال»، نهاية ديسمبر الماضي، وقدمت له دعماً سياسياً، كما أعلنت مؤخراً بدء التنقيب عن الغاز في المناطق البحرية الصومالية لتعزيز التعاون في مجال الطاقة.

مصر وتركيا على طريق التقارب في مواجهة التغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي (الرئاسة المصرية)

ويرى المحلل السياسي المتخصص في الشؤون التركية، محمود علوش، «أن هناك انسجاماً مصرياً - تركياً تجاه أزمات الصومال والسودان، ولديهما تصورات قريبة بشأن حل الأزمات الداخلية لهذه الدول، والحفاظ على وحدتها، وتقويض الوصول إلى نتائج تؤدي إلى تفتيتها، بما لا يسمح بتدخل أطراف خارجية تُحدث إرباكاً للمشهد الأمني في الإقليم».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الأطماع الإسرائيلية ومساعي تقسيم المنطقة وفقاً لما يخدم المصالح الإسرائيلية يتطلب شراكات بين السعودية ومصر وتركيا، خصوصاً وأن هذه المشاريع تستهدف محاصرة الدول الثلاث عبر تقسيم سوريا واليمن والسودان.

تباينات قائمة

لكن في الوقت ذاته، فإن علوش لفت إلى أن التقارب المصري التركي في خلفيته تباينات أخرى في ملفات مثل ليبيا، إلا أنه شدّد على أن الوقت الحالي يقتضي مزيداً من التعاون والتنسيق في مجابهة خطر مشترك يهددهما.

وهو ما اتفق معه أيضاً رئيس «مركز السلام للدراسات الاستراتيجية»، أكرم حسام، مشيراً إلى أن الأهداف المستقبلية لمصر تجاه مستقبل الصومال تختلف عن تركيا، وأن القاهرة ترى في إثيوبيا مهدداً رئيسياً في القرن الأفريقي نتيجة الخلاف القائم بشأن «سد النهضة»، في حين أن تركيا تسعى إلى مجابهة إسرائيل عبر تقديم أشكال الدعم كافة إلى مقديشو لمقابلة خطر آخر تمثله إسرائيل عليها من جهة سوريا، وخلق بيئة تمهد لتقسيم البلاد.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «قاعدة المحور المصري - التركي ليس مرجحاً أن تتحول إلى مساحات حركة أكبر في كثير من الملفات الإقليمية الأخرى، في إطار (تحالف استراتيجي)، لها صفة الديمومة، لكنها تبقى بمثابة تقارب في ملفات مختلفة آنية بينها الصومال والسودان وغزة، وذلك لمنع الانفراد الإسرائيلي بتحديد مصير المنطقة».


«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل ممارسات القوات الإماراتية بحق سجناء مطار الريان

سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)
سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل ممارسات القوات الإماراتية بحق سجناء مطار الريان

سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)
سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)

في إحدى أكثر شهادات السجون قسوة التي خرجت من حضرموت، تروي قصة علي حسن باقطيان فصلاً معتماً من تاريخ الاعتقالات السرية التي شهدها مطار الريان في المكلا، حين كان تحت إدارة القوات الإماراتية، شهادة تمتد لأكثر من 100 يوم من الاعتقال، تكشف منظومة ممنهجة من التعذيب الجسدي والنفسي، وتعرّي كيف تحوّل المطار المدني إلى فضاء مغلق لانتهاكات لا تخضع لأي قانون أو رقابة، قال عنها معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني: «إن هذه السجون لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة». مبيناً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)

باقطيان، وهو ناشط مدني ومدير مؤسسة تنموية معروفة في المكلا، يقول في حديثه لـ «الشرق الأوسط» إن قصته بدأت عقب تفجيرات شهدتها المدينة في رمضان 2016، في وقت كانت مؤسسته تنفذ مشروعاً مجتمعياً بعنوان «عزة وطن» يهدف إلى تأهيل النقاط الأمنية، وبناء حاضنة شعبية للنخبة الحضرمية، بما في ذلك إفطار عناصر الأمن.

ومع تصاعد التوتر الأمني، تحولت الشائعات إلى مصدر اتهام، وبدأت حملة اعتقالات طالت موظفي المؤسسة دون استدعاءات رسمية؛ إذ وصلت الأطقم العسكرية إلى منازلهم مباشرة.

علي باقطيان ناشط مدني ومدير مؤسسة تنموية معروفة في المكلا (الشرق الأوسط)

يؤكد باقطيان أنه بادر بالتواصل مع قيادة المنطقة كون برنامج (عزة وطن) تحت إشرافهم، معتقداً أنه «يتعامل مع دولة»، لكن ما واجهه كان بداية مسار مختلف تماماً، ففي سجن الاستخبارات، جرى تعصيب عينيه، وتقييد يديه فور وصوله، قبل أن يُرمى في حجز ضيق مع آخرين في أجواء شديدة الحرارة.

ورغم أن التحقيقات الأولى لم تُثبت عليه شيئاً كما يؤكد، فقد أبلغه المحقق لاحقاً بوضوح بقوله: «أمورك طيبة، لكن الجماعة يبغونك بالذات»، في إشارة مباشرة إلى المحققين الإماراتيين.

وفي 29 رمضان 2016، نُقل مع آخرين إلى معتقل مطار الريان، هناك، التقى لأول مرة ضابطاً إماراتياً عُرف باسم «أبو أحمد»، قال له: علي، معك القائد. ثم واجهه بعرض صريح: «غداً عيد... إما أن تقول إن فلان وفلان متورطان في التفجيرات وتعيّد عند أهلك، وإما أن تُحبس».

غرف مظلمة وانتهاكات عديدة تعرض لها العديد من السجناء في حضرموت (الشرق الأوسط)

ويضيف باقطيان أن الأسماء التي طُلب منه اتهامها تنتمي إلى توجهات سياسية متباينة، من «الإصلاح» إلى السلفيين، وبعضهم بلا انتماء سياسي يعملون في منظمات المجتمع المدني. وكان رده حاسماً: «لا يمكن أن أتهم ناساً بلا دليل... إذا كان لديكم معلومات فاقبضوا عليهم». وهو الرد الذي أودى به في السجن لأكثر من 100 يوم.

ومنذ تلك اللحظة، دخل علي باقطيان مرحلة التعذيب المنهجي، حيث يصف سجن الريان بأنه مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار، البعض منها غير معزولة، تتحول إلى أفران نهاراً وصناديق تجميد ليلاً: «كنا ننام متلاصقين على الأرض، الضوء شغال 24 ساعة، والعيون مغطاة حتى داخل الحجز»، يقول باقطيان.

ينام المساجين متلاصقين على الأرض الضوء شغال 24 ساعة والعيون مغطاة حتى داخل الحجز بشكل دائم (الشرق الأوسط)

الجنود، بحسب حديثه، كانوا ملثمين، ويُنادون بأسماء مستعارة، أبرزها «أبو صالح» و«ميحد» لكثرة تشغيله أغاني ميحد حمد، و«الأرجنتيني» – الذي لُقب بذلك لارتدائه قميص منتخب الأرجنتين – و«الدكتور»، وهو الاسم الذي كان مجرد تداوله بين السجناء كفيلاً بإثارة الرعب، بوصفه المسؤول المباشر عن التعذيب.

في أول تحقيق داخل الريان، يقول إن المحقق شغّل المكيف لدقائق وهو مقيد، ثم بدأ بسيل من الاتهامات: «عليك خمس تهم: قاعدي، داعشي، حوثي، نظام سابق، إصلاحي». ردّ باقطيان كان ساخراً من التناقض: «قاعدي وداعشي وحوثي مع بعض؟».

لم يقتصر التعذيب على الضرب، يتحدث باقطيان عن إهانات يومية، سبّ وشتم، إجبار المعتقلين على التبول داخل الحاويات، والاعتداء عليهم عند إخراجهم للحمامات. «إذا اكتشفوا أنك فتحت عينك، الضرب مباشر»، يقول. ويضيف أن بعض الجنود كانوا يبررون ذلك بوضوح: «إذا لم نعذبكم لن نستلم رواتبنا».

ويكشف السجين السابق عن ممارسات أشد قسوة، بينها التعري الكامل، التهديد بالاغتصاب، إدخال أدوات في أجساد بعض السجناء، واستخدام أكياس القمامة لخنق المعتقلين. «كانوا يتعمدون الإذلال النفسي»، يقول، موضحاً أن وزنه انخفض بشكل حاد خلال أسبوع واحد، ليس بسبب قلة الطعام، بل بسبب الضغط النفسي المتواصل. «الأكل كان جيداً... علشان يعذبوك أكثر».

يحرص السجانون على استخدام أسماء مستعارة لعدم كشف هوياتهم الحقيقية خوفاً من المساءلة لاحقاً (الشرق الأوسط)

في أحد الأيام، أُخرج وهو صائم، عُرّي بالكامل تقريباً، وأُجبر على الوقوف في البرد، وسط ضحك بعض جنود النخبة الحضارم، في مشهد ترك فيه جرحاً نفسياً عميقاً، لا يقل أثراً عن الضرب، على حد تعبيره.

ويشير باقطيان إلى أن كبار السن لم يُستثنوا، بل أُطلق عليهم أسماء حيوانات، بينما وُضع أطفال في سن الرابعة عشرة داخل العنابر نفسها، أما «الدكتور»، فكان - بحسب وصفه - يمر أحياناً فقط «لزرع الخوف»، مكتفياً بحضوره.

وبعد أكثر من 3 أشهر، جاء الإفراج الأول فجراً: «قالوا لي: مبروك إفراج»، يروي، قبل أن يُنقل إلى منزله الساعة الثانية فجراً، لكن حتى الإفراج لم يخلُ من الابتزاز، إذ عُرض عليه العمل مع الإماراتيين مقابل الدعم، وإعادة الاعتبار وتعويض مؤسسته، وهو ما رفضه لاحقاً، ليُعاد اعتقاله مرة أخرى.

يقول علي: سألني المحقق عن نظرتي إلى الإمارات، فأجبته بأنني، حتى وقت قريب، كنت أراها نموذجاً للحداثة والمدنية، وصورة مشرقة لدولة متقدمة في المنطقة، لكنني قلت له إن تلك الصورة انهارت بالكامل منذ اللحظة التي دخلت فيها هذا المكان، وحين سألني عن السبب، أجبته بأن حضارة الدول لا تُقاس بتاريخها أو مظاهرها، بل بمدى احترامها لحقوق الإنسان وصون كرامته.

أكد علي باقطيان، إلى جانب 3 آخرين ممن احتُجزوا في سجن الريان، أن المحققين الإماراتيين كانوا، خلال جلسات التحقيق، يلحّون على السجناء لتقديم أي معلومات يمكن ربطها بالمملكة العربية السعودية. ويقول باقطيان في هذا السياق: «كانوا يبحثون عن قضايا تخص السعوديين، وشعرنا بوضوح أن هناك تعمّداً للتنقيب عن أي شيء يمكن أن يُستخدم لإدانة المملكة، حتى لو كان بلا أساس حقيقي».

التعذيب شمل الضرب والإهانات اليومية السبّ والشتم وإجبار المعتقلين على التبول داخل الحاويات (الشرق الأوسط)

يختم باقطيان شهادته بسؤال يتجاوز تجربته الفردية: كيف جرى كل ذلك تحت لافتة «مكافحة الإرهاب»؟ ولماذا – كما يقول – «أُفرج عن متورطين حقيقيين بينهم عناصر في (القاعدة)، بينما عُذّب ناشطون مدنيون»؟ اليوم، ومع خروج القوات الإماراتية من حضرموت، يؤكد أن الألم لم ينتهِ، وأن العدالة الحقيقية لا تبدأ بخروج السجون السرية، بل بمحاسبة من حوّل مطار الريان إلى رمز للرعب، وترك خلفه مئات الضحايا وأسئلة بلا إجابة.

يقول باقطيان إنه يشعر بالارتياح، لكنه لا يرى في ذلك عدالة، العدالة، في نظره، تبدأ بالمحاسبة، وبكشف حقيقة ما جرى في مطار الريان، حين تحوّل من بوابة مدنية على بحر العرب إلى رمز لواحد من أسوأ فصول التعذيب في تاريخ اليمن الحديث، تحت إدارة قوات من الإمارات العربية المتحدة، وفي مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، حيث ما زال الضحايا بانتظار إنصاف لم يأتِ بعد.

حاويات حديدية يوضع فيها السجناء ما يسبب لهم حرارة شديدة في فصل الصيف والعكس تماماً في الشتاء (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني أن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة». مبيناً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وشدد الإرياني على أن «هذه الممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية وخارج أي رقابة قانونية أو إدارية، الدولة لم تفوّض أي طرف خارجي أو محلي بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

لافتاً إلى أنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الإعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية، كما تشكّل خرقاً للقانون الدولي والإنساني».


عدن تتنفس الصعداء... إخلاء المعسكرات وتحسّن كبير في الخدمات

منذ سبعينات القرن الماضي وسكان عدن يطالبون بإخراج المعسكرات من وسط الأحياء (إعلام حكومي)
منذ سبعينات القرن الماضي وسكان عدن يطالبون بإخراج المعسكرات من وسط الأحياء (إعلام حكومي)
TT

عدن تتنفس الصعداء... إخلاء المعسكرات وتحسّن كبير في الخدمات

منذ سبعينات القرن الماضي وسكان عدن يطالبون بإخراج المعسكرات من وسط الأحياء (إعلام حكومي)
منذ سبعينات القرن الماضي وسكان عدن يطالبون بإخراج المعسكرات من وسط الأحياء (إعلام حكومي)

بدأت مدينة عدن تتنفس الصعداء مع التحسن الواضح في إمدادات الكهرباء والمياه، وبدء عملية إخراج القوات العسكرية من المدينة المعلنة عاصمة مؤقتة لليمن، ضمن خطة يُشرف عليها تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، وتهدف إلى تعزيز الأمن وترسيخ الطابع المدني، بعد سنوات من الصراعات التي كلفتها الكثير وأثرت على مكانتها ودورها الاقتصادي المهم.

لم يكن مساء الاثنين يوماً عادياً لسكان عدن الذين عانوا من الصراعات منذ سبعينات القرن الماضي، وكانوا يطالبون بإخراج المعسكرات من الأحياء السكنية، حيث تجمعت حشود منهم بالقرب من معسكر ومخازن الأسلحة في جبل حديد، لمشاهدة أرتال من قوات «ألوية العمالقة» وهي تغادر المكان وتسلمه إلى قوات «حماية أمن المنشآت».

وحدات من شرطة المنشآت تسلّمت المواقع التي انسحبت منها القوات العسكرية (إعلام حكومي)

العملية أتت في إطار الخطة التي يشرف عليها اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، والتي تنص على بقاء القوات الأمنية النظامية فقط داخل المدينة، والممثلة بقوات الشرطة، وأمن الطرق (النجدة)، وقوات الطوارئ، وأمن المنشآت وحراستها، إلى جانب الوحدات الأمنية ذات الاختصاص، بما يضمن حفظ الأمن العام وحماية المرافق الحيوية.

تحسين الوضع الأمني

ووفق المصادر الرسمية اليمنية فإن عملية إعادة تموضع القوات العسكرية خارج مدينة عدن تأتي في سياق الجهود المشتركة للسلطة المحلية في عدن، وبدعم من التحالف، وبهدف تقليل المظاهر العسكرية داخل الأحياء السكنية، وتحسين الوضع الأمني، وتعزيز الطمأنينة العامة، والحفاظ على الطابع المدني لهذه المدينة.

قبل ذلك بساعات كان وزير الدولة محافظ محافظة عدن عبد الرحمن شيخ، يجتمع مع نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر، وقائد الشرطة العسكرية اللواء محمد الشاعري، ومساعد وزير الدفاع اللواء الركن محمد باتيس، وينبه إلى أهمية الشروع في تنفيذ إجراءات إعادة تموضع القوات العسكرية خارج العاصمة المؤقتة.

وحسب المحافظ فإن إعادة التموضع للقوات ستتم وفق خطة مدروسة وبالتنسيق الكامل مع وزارة الدفاع، وهيئة الأركان العامة، والجهات العسكرية ذات الصلة، والالتزام بالجدول الزمني المحدد، وبما يراعي الجوانب الأمنية والتنظيمية ويخدم المصلحة العامة للمدينة وسكانها.

وفي خطوة تعزّز من هذا التوجه وتنفيذ مضامين الخطة التي أُقرت سابقاً، أصدر عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي قراراً بتغيير اسم «قوات الحزام الأمني» والوحدات التابعة لها إلى «قوات الأمن الوطني»، كما تم إحلال شعار رسمي جديد محل الشعار القديم لتلك الوحدات.

القوات لحظة مغادرتها معسكر جبل حديد في قلب عدن (إعلام حكومي)

الكهرباء والمياه

وبالتوازي مع إجراءات ترتيب الأوضاع الأمنية والعسكرية في عدن، أكد اللواء فلاح الشهراني، في حسابه على منصة «إكس»، تحسن إمدادات الكهرباء لسكان المدينة، مع وصول ساعات الإضاءة إلى 14 ساعة في اليوم، بعد أن كانت لا تزيد على 8 ساعات. وأكد أن العمل مستمر «لغدٍ أجمل».

مصادر عاملة في قطاع الكهرباء ذكرت أن العمل متواصل لمضاعفة القدرة التوليدية من خلال تزويد تلك المحطات بالوقود ووقف التلاعب بكمياته، بالتزامن مع تحسين أداء شبكة المياه، حيث يعاني نصف سكان عدن صعوبات في الحصول على مياه الشرب النقية بسبب تقادم الخزانات المركزية، وينتظر الانتهاء من تسليم الخزانات الجديدة خلال فترة زمنية قصيرة.

من جهتها، أشادت قيادة «قوات درع الوطن» بعمق الشراكة الاستراتيجية والالتزام الأخوي من الأشقاء، مثمّنة النجاحات الملموسة التي تحققت في قطاع الطاقة بالعاصمة المؤقتة عدن بقيادة اللواء فلاح الشهراني، ووصول ساعات العمل إلى هذا المستوى، ووصفت ذلك بأنه انعكاس لكفاءة الإدارة الميدانية وحرص السعودية على تقديم حلول مستدامة تلامس حياة المواطن اليمني بشكل مباشر.

وفي تعليق لها على ما تشهده المدينة، أثنت قيادة «قوات درع الوطن» على تلك الجهود، وجددت الشكر والتقدير إلى السعودية قيادة وحكومة على دعمها اللامحدود «الذي يثبت دائماً أنها الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية في المنطقة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended