مصير قاتم ينتظر الأفغان المرحّلين من أوروبا

تهديدات {طالبان} و«داعش» وانهيار الاقتصاد عوامل تحث الشباب على الهجرة

شابان أفغانيان يتجولان في حديقة حيوانات مهجورة في جلال آباد بعد ترحيلهما من أوروبا (واشنطن بوست)
شابان أفغانيان يتجولان في حديقة حيوانات مهجورة في جلال آباد بعد ترحيلهما من أوروبا (واشنطن بوست)
TT

مصير قاتم ينتظر الأفغان المرحّلين من أوروبا

شابان أفغانيان يتجولان في حديقة حيوانات مهجورة في جلال آباد بعد ترحيلهما من أوروبا (واشنطن بوست)
شابان أفغانيان يتجولان في حديقة حيوانات مهجورة في جلال آباد بعد ترحيلهما من أوروبا (واشنطن بوست)

تذوَّق حياد سبحاني خلال السنوات الثلاث التي قضاها في بروكسل الحياة الغربية: شقة وحياة اجتماعية، ووظيفة في أحد المقاهي. كما منحته هذه الفترة أيضاً الأمل بعد أن غادر بلاده التي مزقتها الصراعات إلى الأبد، تماماً كما فعل كثير من المواطنين الأفغان قبله.
واليوم، عاد سبحاني من حيث بدأ، فهو واحد من آلاف الرعايا الأفغان الذين رحَّلَتهم أوروبا إلى بلادهم خلال الثلاثين شهراً الماضية بعد رفض طلبات اللجوء السياسي الخاصة بهم. فقد سبحاني وظيفته، ويعيش الآن في غرفة مستأجرة في هذه المدينة الواقعة على حدود البلاد الشرقية، وهو يعيش في حالة من التخبط والغموض. يقول سبحاني البالغ من العمر 25 عاماً: «لقد عملتُ بجدّ في بلجيكا. وكنت أدفع الضرائب عن عملي. وتعلمت اللغة الفرنسية. وكان لي أصدقاء وكثير من الخصوصية». ولكن بعد وقت قصير من رفض طلبه للجوء السياسي، تم ترحليه بواسطة طائرة مدنية متجهة إلى كابل، وقال: «عندما غادرت مبنى المطار، رأيت التراب والأوساخ. كما رأيت مستقبلي القاتم يتكشف أمام عيني».
عبر ثلاثة عقود من الحرب والاضطرابات الشديدة التي انتهت بحكم حركة طالبان المتطرفة للبلاد عام 2001، قبلت كثير من البلدان الأخرى الملايين من المواطنين الأفغان على أراضيها. وأغلبهم كان يعبر الحدود إلى باكستان أو إيران بكل بساطة كلاجئين. وتمكن مئات الآلاف منهم من الوصول إلى الغرب، وأقاموا لأنفسهم حياة جديدة في مجتمعات اللاجئين والمهاجرين.
ولكن خلال العامين الماضيين، شددت بلدان أوروبا الغربية من الأمن على حدودها، ورفضت المزيد من طلبات اللجوء، وسرّعت من عمليات الترحيل. وحتى مع استمرار العمليات المشتركة بين القوات الأفغانية وقوات حلف شمال الأطلسي في مكافحة التمرد المسلح داخل أفغانستان، تقول الحكومات الغربية إن أفغانستان ليست خطيرة للدرجة التي تدفع المواطنين الأفغان إلى طلب الملاذ الآمن في خارج البلاد.
بيد أن هذا لا يعني بالضرورة أن أفغانستان على استعداد لتلقي المهاجرين الشباب وأكثرهم طموحاً في الحياة، مع تصدُّرها قائمة أكثر بلدان العالم فقراً. وعلى غرار سبحاني، كان العائدون من الخارج قد بلغوا سن الرشد في حقبة ما بعد طالبان، تلك التي أوهمتهم بآفاق التغيير والحرية، ولكن في ظل القليل من الإمكانات الملموسة لتحقيق مستقبل أفضل للبلاد. ولقد دفعهم هذا الإحباط إلى خارج البلاد، بقدر ما دفعتهم الحرب.
أما الآن، فقد عادوا إلى بلادهم في مواجهة آفاق العمل القاتمة، مع بطالة بلغت 40 في المائة، وعودة لاجئي الحرب من باكستان وإيران، ودخول ما يقارب 400 ألف مواطن جديد إلى سوق العمل المحلية في كل عام. وقد ترى فيهم العائلات أعباء غير متوقعة، خصوصاً أن الكثير منهم يدينون للأقارب بآلاف الدولارات اقترضوها لأجل السفر إلى الغرب.
ورغم أن القليل منهم قد يكونون على قائمة استهداف طالبان، فإن مجتمعاتهم المحلية أبعد ما تكون عن مجتمعات آمنة، إذ يسيطر المتمردون أو يتمتعون بنفوذ كبير على ما يقرب من 40 في المائة من الأراضي الأفغانية، ويشنون الهجمات المتكررة على المدن والقرى.
وفي حين أن القانون الدولي يحظر على الحكومات إرسال المهاجرين واللاجئين إلى المناطق التي قد تتعرض حياتهم فيها للخطر، إلا أن ذلك لا يحول دون ترحيلهم.
والتساؤل الذي يثيره المهاجرون، والذي تحاول الحكومات الأوروبية الإجابة عنه، هو كيفية اتخاذ القرار بشأن الأشخاص الفارين من الدول الفقيرة والمتناحرة، الذين يستحقون فرصة منصفة في حياة آمنة وذات جدوى. وبعبارة أخرى: كيف يرسم خط واضح يفصل بين الخطر واليأس؟
لم يكن الغزو أو هجمات المتمردين أو الاضطهاد الديني هو الذي دفع بعشرات الآلاف من الأفغان للفرار من البلاد والتوجه غرباً خلال السنوات القليلة الماضية. إنما هم غادروا البلاد خلال فترة الحكم الديمقراطي، بدعم من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، في حين كانت الحكومة الأفغانية تحض اللاجئين منذ فترة طويلة على العودة إلى ديارهم.
أغلبهم كانوا من الشباب غير المتزوجين، مثل سبحاني وثلاثة من أصدقائه. بعضهم جاء من المناطق الريفية التي شكلت حركة طالبان فيها التهديد الأمني المستمر، والمزيد منهم يرجع بأصوله إلى المدن التي لم تشهد ذلك التهديد. ولكن عندما انسحبت القوات الغربية من البلاد في عام 2014، أسفر ذلك عن انهيار اقتصاد الحرب القائم على وجود الأجانب.
ومع انتشار أخبار بأن اللاجئين من سوريا كانوا يصلون إلى أوروبا ويُسمح لهم بالبقاء هناك، قرر كثير من المواطنين الأفغان تجشم المشاقّ ذاتها، والانضمام إلى أكبر نزوح عالمي من الأراضي المضطربة منذ الحرب العالمية الثانية. وكثيراً ما كانت العائلات تحض ذويها على المغادرة والرحيل، وسافروا آلاف الأميال عبر تركيا وأوروبا الشرقية، وكثير منهم لا يحمل أوراق سفر ثبوتية تحدد هويتهم أو خططاً واضحة لتأمين اللجوء السياسي في الغرب المتعاطف.
وفي عام 2015، وصل أكثر من 200 ألف مواطن أفغاني إلى أوروبا الغربية، وتقدم 80 في المائة منهم بطلبات الحصول على اللجوء السياسي وحصلوا بسببها على حق الإقامة المؤقتة في الدول الغربية الثرية، لا سيما ألمانيا. وكان الناس متعاونين، وكان السكن ودروس اللغة مجانية. ومع مرور الوقت، سمح المهاجرون لأنفسهم بالاعتقاد بأنهم سوف يحصلون في نهاية المطاف على الوضعية القانونية الكاملة.
غير أن التوجهات في أوروبا تغيرت مع زيادة تدفق المهاجرين، الأمر الذي حوّل التعاطف إلى القلق واشتعال الحركات المناوئة لوجود المهاجرين في البلاد. وسببت الفظائع السورية صدمات قوية للعالم أجمع، ولكن محنة الأفغان لم تكن واضحة تماماً. وقال أحد رفاق سبحاني الذين عادوا إلى وطنهم إنه تعرض للتهديد من جانب حركة طالبان لعمله مع الجيش الأميركي، ولكن لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك.
وفي ألمانيا، اعتمد المسؤولون سياسة أكثر تشدداً، إذ أعلن وزير الداخلية توماس دي ميزير في أواخر عام 2015 عن رفض أغلب طلبات اللجوء السياسي التي تقدم بها الرعايا الأفغان، وقال إن أغلبهم من سكان العاصمة كابل من أبناء الطبقة المتوسطة من الذين ينبغي عليهم البقاء في بلادهم والمساعدة في بناء وطنهم.
وتلقى كثير من طالبي اللجوء الأفغان في أوروبا إخطارات الرفض. وكان من حيثيات الرفض أنهم ليسوا لاجئين فارين من تهديد أمني، ولكنهم من المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون البحث عن حياة أكثر راحة وأماناً.
ونددت جماعات حقوق الإنسان بالسياسات الصارمة الجديدة، وطالبت بأن تتوقف الدول الأوروبية عن إعادة كافة طالبي اللجوء الأفغان إلى بلادهم.
وفي مايو (أيار) الماضي، وبعد انفجار شاحنة مفخخة في العاصمة كابل ومقتل 150 شخصاً، وافقت الحكومة الألمانية على ترحيل أصحاب السجلات الجنائية فقط أو غيرهم من مثيري المشكلات الأمنية.
واليوم، أصبحت الظروف أكثر سوءاً. وشنَّت حركة طالبان وتنظيم «داعش» الإرهابي المزيد من الهجمات الإرهابية في كابل وغيرها من المدن الأفغانية، وظلت الإصابات بين المدنيين تقترب من المستويات القياسية. وتسيطر حركة طالبان الآن على مساحات من الأراضي أكثر من أي وقت مضى. ولكن بموجب اتفاقية أبرمت الخريف الماضي مع الجهات الأوروبية المانحة، لا بد أن تقبل أفغانستان كل مواطن يُرفض طلب لجوئه لأوروبا.
ويقول حافظ أحمد ميكائيل، المتحدث الرسمي باسم وزارة شؤون اللاجئين والعائدين الأفغان التي تعارض الاتفاقية بشدة: «لدينا مشكلات أمنية في البلاد. ولدينا مشكلات اقتصادية. ولدينا 1.6 لاجئ عائدين من باكستان وإيران. ولقد وقّعنا على الاتفاقية ونتعاون مع مختلف الأطراف، ولكننا طلبنا مراراً وتكراراً أن تراجع أوروبا سياساتها حيال أفغانستان».
* خدمة صحيفة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.