يبدو أن الهند والصين لا تعبآن بالتهديدات الأميركية بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وتعدان العدة لدعم علني لإيران.
وفي تحد واضح للولايات المتحدة، وجهت الدعوة الرسمية إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني لحضور قمة منظمة شنغهاي للتعاون، والمقرر انعقادها في يونيو (حزيران) المقبل في الصين. ومن بين الحاضرين الكبار لهذه القمة هناك الرئيس الصيني، ورئيس الوزراء الهندي، والرئيس الروسي، من بين أعضاء آخرين في المنظمة. ومن المعلوم أن الرئيس الإيراني يمكن أن يجتمع بشكل مستقل مع زعماء كل من الصين، والهند، وروسيا خلال تلك الزيارة.
وقالت وزارة الخارجية الهندية إن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قد أطلع وزير الخارجية الهندية سوشما سواراج بشأن المناقشات التي أجرتها إيران مع الأطراف الأخرى المعنية في خطة العمل الشاملة المشتركة، وذلك في أعقاب القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي.
وقال ظريف للصحافيين إن زيارة العمل إلى نيودلهي تهدف إلى مواصلة التشاور مع الشركاء السياسيين والاقتصاديين الهنود في مجالات الطاقة والتعاون في مجال النقل. وأضاف وزير الخارجية الإيراني أن الوفد الاقتصادي المرافق له قد عقد مباحثات مع نظرائهم في الهند بشأن المشروعات المتبادلة. موضحا أنها «ركزت مباحثاتنا أيضا على إيجاد آليات مشتركة من شأنها خدمة مصالح البلدين في ظل الأوضاع الراهنة وتوافر الأرضية المناسبة لإقامة التعاون السياسي والتجاري الوثيق».
ولقد وجهت الصين الدعوة للرئيس الإيراني لحضور قمة مناوئة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في إشارة أخرى إلى نوايا بكين لتعزيز العلاقات بين البلدين في أعقاب القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.
ومن غير المستغرب، وفقا لذلك، أن تكون بكين هي العاصمة الأجنبية الأولى التي زارها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، تليها روسيا، وأوروبا، ثم الهند.
وقال خبير الشؤون الصينية في جامعة جواهر لال نهرو الهندية، سريكانث كوندابالي، إنه في حين أن أنصار الاتفاق قد سارعوا لإنقاذ طهران، فمن المرجح لقمة منظمة شنغهاي للتعاون أن تصدر بيانا حول الأوضاع في الدولة الشرق أوسطية في محاولة لممارسة المزيد من الضغوط الدبلوماسية على الولايات المتحدة الأميركية.
وأضاف كوندابالي معلقا على الأمر: «تساور روسيا والصين مخاوف معتبرة بشأن التطورات الأخيرة. ومن شأن الهند أن تشاطرهما القلق أيضاً... وتواجه كل من الصين والهند مشاكل كبيرة تتعلق بالطاقة نظرا لأن إيران من أكبر موردي النفط إلى البلدين».
ولقد أعربت وزيرة الخارجية الهندية سوشما سواراج عن تأييدها الفعلي لإيران وأعلنت أن الموقف الهندي في هذا الصدد يتسم بالاستقلال عن مواقف أي دولة أخرى: «لا تؤيد الهند إلا العقوبات الصادرة عن الأمم المتحدة وليست العقوبات الأحادية الصادرة عن دولة من الدول. ونيودلهي لا تُخضع سياساتها الخارجية لضغوط أي دولة أخرى»، على نحو ما أفادت به في أحد المؤتمرات الصحافية.
وقال أحد محللي السياسة الخارجية البارزين: «يتعين على نيودلهي التعامل مع الوضع الراهن بمنتهى البراعة. ففي حين أن الولايات المتحدة هي الشريك الاستراتيجية المهم، فإن أمام الهند أيضا فرصة سانحة للبعث برسالة واضحة إلى واشنطن تفيد بأن المصالح الخاصة تحمل قدرا خاصا من الأولوية والأهمية، وأن نيودلهي لن تتبع أحد المعسكرات دون الآخر على غير هدى من جانبها. وعلى الرغم من جميع التحديات والاضطرابات المرجح أن يسفر عنها قرار الرئيس الأميركي، فإن ذلك يوفر فرصة ذهبية كذلك لإعادة صياغة الخطاب ضمن محيط جنوب آسيا».
وأفادت المصادر المطلعة في وزارة الخارجية الهندية بأن نيودلهي قد أوعزت إلى إيران بأن واردات النفط مستمرة ولسوف تعمل الهند على تسريع العمل في تطوير واستثمارات ميناء تشابهار الإيراني.
وتعتبر الهند ثاني أكبر مستورد للنفط الإيراني في آسيا، وهي تتطلع إلى إيران لقاء تخفيض أسعار الواردات النفطية، وظلت تعمل على تطوير وتحديث ميناء تشابهار في إيران، ومن المتوقع أن يقلل تكاليف نقل الواردات النفطية من إيران إلى الهند بمقدار الثلث.
والقدر الأكبر من الصادرات النفطية الإيرانية يذهب إلى الصين، بقيمة تبلغ نحو 11 مليار دولار على أساس سنوي بالأسعار الحالية. واعتبارا من الآن، تعتبر الهند هي ثاني أكبر مستورد للنفط الإيراني بعد الصين. وتسدد نيودلهي القيمة إلى طهران باليورو. وحقيقة أن القوى الأوروبية الكبرى - مثل فرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة - قد أعادت التأكيد على التزامها بتأييد خطة العمل الشاملة المشتركة التي تعني أن تجارة الطاقة بين طهران ونيودلهي لن تشهد تأثيراً يُذكر، على المدى القصير بأقل تقدير.
وقال إيه. كيه. شارما، مدير التمويل في شركة النفط الهندية، وهي أكبر شركة نفطية في البلاد: «لن يكون هناك تأثير فوري، ولكن علينا الانتظار ومراقبة كيفية استجابة الدول الأخرى لذلك ولا سيما الكتلة الأوروبية».
من جهتها، قالت الصحافية الهندية غيتا موهان: «بالنسبة إلى الهند، يتمثل التحدي في المحافظة على مصالحها في إيران ومنطقة غرب آسيا الواسعة. ولقد استفادت نيودلهي من توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث سنحت الفرصة للهند لتعزيز علاقاتها مع أصحاب المصالح الكبار في المنطقة
كما تعمل الهند، إلى جانب إيران وأفغانستان، على تطوير ميناء تشابهار الإيراني الاستراتيجي الواقع في الساحل الجنوبي الشرقي من إيران، والذي سوف يتيح الوصول إلى أفغانستان بهدف التغلب على باكستان والصين في المنافسة الإقليمية الاستراتيجية المحتدمة.
وتشعر الهند بالقلق من أن يسفر ارتفاع الزخم بشأن دبلوماسية الميناء الإيراني لأن تمد طهران يدها إلى منافسي الهند الكبار مثل باكستان والصين، الأمر الذي يهدد بانهيار الخطط الهندية بأسرها.
ولقد حذر مسؤول بالسفارة الإيرانية في نيودلهي في وقت سابق من أن طهران لن تتردد في إشراك الصين في مشروع ميناء تشابهار إذا فشلت الهند في الوفاء بالتزاماتها المالية حياله. ولقد دعت إيران باكستان بالفعل لأن تكون جزءا من عملية تطوير ميناء تشابهار، وهي الدعوة التي أثارت القلق والتوتر لدى نيودلهي. ومما يضاف إلى ذلك، إن انسحبت الهند من هذا المشروع، يمكن لطهران إقامة علاقات اقتصادية أعمق مع إسلام أباد؛ ولقد أشار الطرفان بالفعل إلى الرغبة الكامنة في تعزيز العلاقات التجارية الثنائية. وقد تحاول طهران المساهمة في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وهو مشروع الربط الإقليمي الذي تعارضه الهند بشدة. وفي الوقت ذاته، تتطلع الهند إلى توثيق العلاقات الثنائية مع أفغانستان وإيران بهدف احتواء باكستان، كما تتحدى الهند أيضا النفوذ الصيني المتصاعد على الطريق المؤدي إلى آسيا الوسطى.
ويقول بانكاج جها أستاذ الدراسات الدفاعية والاستراتيجية في جامعة جينداي العالمية ومدير الأبحاث الأسبق في المجلس الهندي للشؤون العالمية: «إن موقف الخارجية الهندية بأن نيودلهي سوف تحدد موقفها من إيران بصورة مستقلة يعكس مدى الأهمية التي توليها الهند لعلاقاتها مع إيران».
وقال أحد الدبلوماسيين الإيرانيين في الهند إن مشروع ميناء تشابهار الذي تبلغ تكاليفه 20 مليار دولار، واتفاقية الممر الدولي بين الشمال والجنوب بين إيران والهند وروسيا، يمكن حمايتها من العقوبات الأميركية إذا ما أسرعت الهند من تمويل هذه المشروعات.
في الأثناء ذاتها، تضخ الصين مليارات الدولارات إلى إيران، وهي مستمرة في تمويل مشروعات البنية التحتية الإيرانية خلال فترة العقوبات الدولية الأولى ضدها.
وذكر أحد الدبلوماسيين الهنود، الذي لم يرغب في الإفصاح عن هويته: «تحتاج الهند إلى تأسيس الذات وعدم فقدان المصداقية مع إيران لأجل مصالحها الجيوسياسية في المنطقة. وكانت البنوك الصينية هي المصدر الرئيسي والوحيد للمقادير الهائلة من رؤوس الأموال التي تحتاج إليها إيران لتمويل مشاريع البنية التحتية الحيوية في البلاد، ولتطوير اقتصادها البالغة قيمته نحو 430 مليار دولار. ولقد تضاعفت التجارة بين الصين وإيران منذ عام 2006، ووصلت إلى 28 مليار دولار. وهذه من الإشارات التحذيرية بالنسبة إلى الهند، حيث استخدمت الصين بالفعل أموالها في شق طريقها صوب الدول المجاورة للهند مثل سريلانكا، ونيبال، وبنغلاديش، ميانمار، وجزر المالديف، من بين بلدان أخرى. وهذا هو الوقت المناسب الذي يتعين على الهند فيه مجابهة الصين. وهذا نمط واضح من أنماط السياسة في الحكومة الهندية الحالية».
الهند تراهن على عقوبات واشنطن للحصول على نفط إيراني رخيص
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يلتقي وزير الخارجية الهندية سوشما سواراج في نيودلهي أول من أمس (أ.ف.ب)
الهند تراهن على عقوبات واشنطن للحصول على نفط إيراني رخيص
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يلتقي وزير الخارجية الهندية سوشما سواراج في نيودلهي أول من أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة







