تحليل: سلاح أميركي جديد استخدم في قصف صالة رياضية ومدرسة بإيران

الاحتمالات تمتد من العيب التقني إلى الخلل الاستخباري

صورة نشرها التلفزيون الإيراني تظهر اللحظات الأولى لإصابة صاروخ في مدينة لامرد جنوب محافظة فارس 28 فبراير الماضي
صورة نشرها التلفزيون الإيراني تظهر اللحظات الأولى لإصابة صاروخ في مدينة لامرد جنوب محافظة فارس 28 فبراير الماضي
TT

تحليل: سلاح أميركي جديد استخدم في قصف صالة رياضية ومدرسة بإيران

صورة نشرها التلفزيون الإيراني تظهر اللحظات الأولى لإصابة صاروخ في مدينة لامرد جنوب محافظة فارس 28 فبراير الماضي
صورة نشرها التلفزيون الإيراني تظهر اللحظات الأولى لإصابة صاروخ في مدينة لامرد جنوب محافظة فارس 28 فبراير الماضي

في أول أيام الحرب مع إيران، استُخدم سلاح يحمل سمات صاروخ باليستي أميركي الصنع جرى تطويره حديثاً في هجوم استهدف صالة رياضية ومدرسة ابتدائية مجاورة لموقع تابع لـ«الحرس الثوري» في جنوب إيران، وفقاً لخبراء أسلحة وتحليل بصري أجرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وقال مسؤولون محليون نقلت عنهم وسائل الإعلام الإيرانية إن هذه الضربة وغيرها من الضربات القريبة في مدينة لامرد أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 21 شخصاً.

وقع هجوم 28 فبراير (شباط) في اليوم نفسه الذي أصاب فيه صاروخ كروز أميركي من طراز «توماهوك» مدرسة في مدينة ميناب، على بُعد عدة مئات من الأميال، مما أسفر عن مقتل 175 شخصاً. لكن في حالة لامرد، كان الأمر يتعلق بسلاح لم يُختبر من قبل في القتال.

تحقّقت صحيفة «نيويورك تايمز» من مقاطع فيديو لضربتَين في لامرد، بالإضافة إلى لقطات لما بعد الهجمات. ووجد مراسلو الصحيفة وخبراء الذخائر أن خصائص السلاح والانفجارات والأضرار تتوافق مع صاروخ باليستي قصير المدى يُسمى «صاروخ الضربة الدقيقة»، وهو مصمم لينفجر فوق هدفه مباشرة ويطلق كريات صغيرة من «التنغستن» إلى الخارج.

صورة من فيديو بثته وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» يظهر لحظة إصابة الصاروخ (نيويورك تايمز)

وتُظهر مقاطع الفيديو التي توثّق إحدى الضربات، في منطقة سكنية تبعد نحو 900 قدم عن الصالة الرياضية والمدرسة، السلاح في أثناء طيرانه، مع صورة ظلية مميزة تتطابق مع الصاروخ «بي آر إس إم»، وينفجر الصاروخ في كرة نارية كبيرة في الهواء.

ويُظهر مقطع فيديو آخر، تم تصويره من كاميرا مراقبة تقع مباشرة مقابل الصالة الرياضية، الضربة التي استهدفت الصالة والمدرسة المجاورة. ورغم أن الفيديو لا يلتقط صورة للصاروخ القادم، فإنه يُظهر بوضوح انفجاراً فوق المبنى مباشرة.

وتُظهر صور ما بعد الهجوم أن كلا الموقعين كان مليئاً بالثقوب التي يبدو أنها ناتجة عن شظايا الصاروخ.

ويوجد مجمع لـ«الحرس الثوري» مباشرة إلى جانب الصالة الرياضية. ومن غير المعروف ما إذا كان قد تعرّض للقصف في الهجوم.

وأكمل صاروخ «بي آر إس إم» اختبارات النموذج الأولي العام الماضي فقط، وفقاً لبيان صحافي صادر عن الجيش الأميركي. وفي الأول من مارس (آذار)، نشرت القيادة المركزية الأميركية مقطع فيديو لإطلاق هذا الصاروخ خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من الحرب. وبعد أيام، قال قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، إن هذا الصاروخ استُخدم في القتال للمرة الأولى. وقد روّج الجيش لظهوره الأول.

ونظراً إلى حداثة هذا السلاح، يصعب تقييم ما إذا كانت الضربات التي نُفّذت به في لامرد متعمدة، أو ناتجة عن عيب في التصميم أو عيب في التصنيع، أو كانت نتيجة اختيار غير صحيح للهدف.

وليس من الواضح ما إذا كانت المدرسة أو الصالة الرياضية مرتبطة بمجمع «الحرس الثوري»، أو كيف يمكن أن تكون كذلك، لكن وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية الأرشيفية، فقد تم عزلها بجدار عن المجمع منذ ما لا يقل عن 15 عاماً.

صورة نشرها التلفزيون الإيراني تظهر اللحظات الأولى لإصابة صاروخ في مدينة لامرد جنوب محافظة فارس 28 فبراير الماضي

ووفقاً لممثل إيران لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، كانت الصالة الرياضية، وقت وقوع الضربات، تُستخدم من قبل فريق كرة طائرة نسائي. وتُظهر الصور ومقاطع الفيديو المنشورة على حساب في وسائل التواصل الاجتماعي مرتبط بالمدرسة أن المبنى كان يُستخدم بانتظام من قبل الأطفال. كما جرى تحديد الصالة الرياضية علناً لسنوات على أنها منشأة ذات استخدام مدني على منصات الخرائط الرقمية المتاحة، بما في ذلك خرائط «غوغل» وخرائط «أبل» و«ويكيمابيا»، وفقاً لمراجعة أجرتها صحيفة «التايمز».

وتُظهر الصور الملتقطة من الأرض ومن الأقمار الاصطناعية في أعقاب الهجوم الصالة الرياضية وعليها علامات احتراق وسقف منهار جزئياً. كما تُظهر لقطات من داخل المدرسة نوافذ محطمة وأضراراً ناجمة عن الحريق وبقع دم.

والغرض من صاروخ «الضربة الدقيقة» هو قتل قوات العدو وتدمير المركبات غير المصفحة، ويمكنه الطيران لمسافة تزيد على ضعف المسافة التي يقطعها أي صاروخ آخر في ترسانة الجيش الأميركي.

وأكد مسؤول أميركي تحدث إلى صحيفة «التايمز» أن الصاروخ المستخدم في ضربة لامرد كان من هذا الطراز. ولم يكن المسؤول مخولاً بالتعليق علناً على الهجوم، وتحدّث بشرط عدم الكشف عن هويته.

كما قدّم خبراء آخرون استشارتهم إلى صحيفة « التايمز» تقييماً لهذا السلاح.

وقال خبير منع انتشار الأسلحة النووية في كلية ميدلبري، جيفري لويس، بعد مراجعة مقاطع الفيديو والصور الخاصة بالحادث: «على الرغم من أننا كنا نعلم أن صاروخ الضربة الدقيقة قد أُطلق، فإن هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها الجزء الفعال من النظام».

وقد أيّد فريدريك غراس، وهو خبير آخر في الذخائر، ملاحظة لويس. وقال إن مقطع الفيديو الذي يُظهر انفجاراً جوياً كان واضحاً جداً، و«إن نمط الأضرار الناتجة عن الشظايا لافت، ويتطابق مع المعلومات التقنية القليلة المتاحة عن صاروخ الضربة الدقيقة».

وقال المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية، النقيب تيم هوكينز، في بيان لصحيفة «التايمز» يوم السبت: «نحن على علم بهذه التقارير ونقوم بالتحقيق فيها. القوات الأميركية لا تستهدف المدنيين بشكل عشوائي، على عكس النظام الإيراني».

رسم غرافيكي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» لتحديد موقع الإصابة

قال لويس إن الصاروخ الذي شُوهد في الفيديو يشبه أيضاً سلاحاً أميركياً آخر يُطلق من الأرض، وهو صاروخ موجّه يُسمى «النظام الصاروخي الموجّه المتعدد الإطلاق واسع المدى»، لكن نظراً إلى أن مدى تلك الذخيرة يبلغ 93 ميلاً فقط، مقابل 400 ميل لصاروخ «الضربة الدقيقة»، فكان لا بد أن يكون قد أُطلق من داخل إيران، وهو أمر مستبعد للغاية.

بالإضافة إلى الصالة الرياضية والمدرسة والمنطقة السكنية المجاورة، ربما تم استهداف موقع ثالث في الهجوم. فقد تحققت صحيفة «التايمز» من مقطع فيديو يظهر عمود دخان آخر يتصاعد بالقرب من الضربات الأخرى في الوقت نفسه. وذكرت تقارير محلية على «تلغرام» وفي وسائل الإعلام أن مركزاً ثقافياً قد تعرض للقصف، لكن لم يتسن التحقق من ذلك بشكل مستقل.

وأفادت «بي بي سي»، في وقت سابق، بأن الصواريخ المستخدمة في لامرد ربما كانت من طراز صاروخ الضربة الدقيقة.

صورة نشرها التلفزيون الإيراني من صالة رياضية بعد إخماد حريق ناجم عن إصابة صاروخ في مدينة لامرد جنوب محافظة فارس 28 فبراير الماضي

ويتم تنفيذ الضربات على إيران من قِبل تحالف مشترك بين إسرائيل والولايات المتحدة، لكن كبار المسؤولين العسكريين الأميركيين أوضحوا أن الولايات المتحدة كانت تعمل في الأيام الأولى من الصراع في الجزء الجنوبي من البلاد، حيث تقع لامرد.

وقُتل ما لا يقل عن 21 شخصاً في الغارات، وفقاً لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا). ورغم عدم التحقق من هذا الرقم بشكل مستقل، تُظهر الصور ومقاطع الفيديو التي نشرتها وسائل الإعلام المحلية على الإنترنت مشاهد من جنازة جماعية في اليوم التالي، الأول من مارس. وقال إيرواني، ممثل إيران لدى الأمم المتحدة، إن 100 شخص آخرين أُصيبوا بجروح.

وكان بعض الضحايا من لاعبات كرة طائرة كن يتدربن داخل الصالة عندما سقط الصاروخ، وفقاً لإيرواني.

ونشرت وكالة أنباء «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أسماء 21 شخصاً قالت إنهم لقوا حتفهم. وكتبت الصحافية المقيمة في إيران، نِغين باقري، عن اثنتين من الضحايا: هيلما أحمدي زاده، تلميذة في الصف الرابع تبلغ من العمر 10 سنوات، وإلهام زائري، تلميذة في الصف الخامس، وكانت كلتاهما في تدريب الكرة الطائرة عندما سقط الصاروخ. وأفادت صحيفة «خبر جنوب» الإيرانية بوفاة مدرب رياضي عُرف باسم محمود نجفي.

صورة نشرها التلفزيون الإيراني تظهر عمال الإطفاء وهم يخمدون نيراناً ناجمة عن إصابة صاروخ في مدينة لامرد جنوب محافظة فارس 28 فبراير الماضي

وصاروخ «الضربة الدقيقة» هو صاروخ باليستي قصير المدى صُمّم ليحل محل نظام الصواريخ التكتيكية للجيش في ترسانة الجيش الأميركي وقوات مشاة البحرية. وقد طوّرته شركة «لوكهيد مارتن» في كامدن بولاية أركنساس، وهو قادر على ضرب أهداف على مدى يبلغ نحو 400 ميل. لكن التفاصيل الإضافية حول السلاح، بما في ذلك دقته المتوقعة وكمية المتفجرات التي يحملها، لا تزال مجهولة للجمهور.

وفي الحروب السابقة، نشر «البنتاغون» في بعض الأحيان أسلحة قيد التطوير مثل صاروخ «الضربة الدقيقة» في مناطق الحرب النشطة فيما يسميه الجيش «التقييم القتالي»، ما دام القادة يقبلون عن علم بالمخاطر المصاحبة لاستخدام ذخيرة قبل أن تخضع لمزيد من الاختبارات.

* خدمة «نيويورك تايمز»

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

شؤون إقليمية عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

أعلنت الخارجية الأميركية، أن واشنطن طردت عضوين من الوفد الإيراني الذي شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا بعد تجاهلهما أمرا بمغادرة البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بأميركا

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية طائرة «إي - 2 دي هوك آي» تهبط على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

حرب إيران... يوميات آلاف البحارة على متن «جورج واشنطن»

ينطلق إنذار الطوارئ عبر مكبرات الصوت، فيهرع ديمون دينارد وبحارة آخرون إلى مواقعهم على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

اجتمع كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي في كامب ديفيد لبحث الخطوات المقبلة، فيما صعّد ترمب لهجته تجاه طهران ملوّحاً باستمرار العمليات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
أوروبا أرشيفية لمقاتلة من طراز «إف - 16» تابعة لسلاح الجو الأميركي (أ.ف.ب)

الادعاء البرتغالي يحقق في قانونية استخدام أميركا قاعدة لاجيس في حرب إيران

قال ممثلو ادعاء برتغاليون، اليوم السبت، إنهم فتحوا تحقيقاً في مدى ​قانونية سماح حكومة يمين الوسط للولايات المتحدة باستخدام قاعدة لاجيس الجوية.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
TT

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، أن الولايات المتحدة «طردت" عضوين من الوفد الإيراني الذي شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا بعد تجاهلهما أمرا بمغادرة البلاد.

وقال مسؤول أميركي، إن «عضوين إضافيين من الوفد الإيراني تبين أنهما لا يزالان موجودين في نيويورك بعد فترة طويلة من انتهاء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. الآن تم طردهما من الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن وزير الخارجية ماركو روبيو «جاد في ما يقول».

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، ذكرت وسائل إعلام أميركية أن الخارجية كانت قد طلبت من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووفده مغادرة البلاد الاثنين، ولجأت إلى طرد العضوين المذكورين بعد أن علمت من البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة بأنهما لا يزالان في البلاد الجمعة.

ووفقا لموقع «أكسيوس»، غادر أحد عضوي الوفد ليل الجمعة، بينما غادر الثاني صباح السبت.

وكان مسؤولون أميركيون وإيرانيون قد التقوا في نيويورك الأسبوع الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد رفض مقترحا من طهران لإعادة فتح مضيق هرمز في سبعة أيام، لكنه صرح لوسائل إعلام أميركية بأنه يتوقع استئناف المحادثات خلال الأيام المقبلة.

في المقابل، أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) بأنه لا توجد محادثات مباشرة أخرى مقررة بين طهران وواشنطن.


ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
TT

ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)

في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية لإيران وتتعثر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، تكثّف إدارة الرئيس دونالد ترمب مشاوراتها بشأن المرحلة المقبلة، وسط مؤشرات على تصاعد فرص الخيار العسكري.

وفي ظل هذه الأجواء، طلب الرئيس ترمب من كبار مسؤولي إدارته دراسة فرص العودة إلى «العمليات الكبرى»، ملوّحاً باستمرار الأعمال القتالية إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق مع واشنطن.

ونقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن كبار المسؤولين عقدوا اجتماعاً سرياً في كامب ديفيد استمر ساعات، لبحث الخطوات المقبلة في الحرب مع إيران، تحسباً لمرحلة جديدة من المواجهة. وأوضح الموقع الإخباري أن نائب الرئيس جي دي فانس ترأس الاجتماع الذي شارك فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.

وقال أحد المسؤولين للموقع إن «بعض الأمور قد حُسم في هذا الاجتماع، والبعض الآخر نوقش بعمق».


إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
TT

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بالولايات المتحدة، وإسرائيل، أو المشاركة في أعمال احتجاجية. وأعلنت طهران يوم السبت تفكيك أربع شبكات، واعتقال 31 شخصاً في محافظة كرمان، بالتزامن مع إعلان القضاء تنفيذ حكم إعدام بحق رجل اعتُقل على خلفية احتجاجات يناير (كانون الثاني). وفي موازاة ذلك، واصل الريال الإيراني تراجعه ليسجل مستوى قياسياً جديداً، مع تجاوز سعر اليورو ثلاثة ملايين ريال في السوق المفتوحة.

تفكيك 4 شبكات واعتقال 31 شخصاً

أعلنت وزارة الأمن الإيرانية تفكيك أربع شبكات منظمة، واعتقال 31 شخصاً في مدينة سيرجان بمحافظة كرمان جنوب شرقي البلاد، متهمة أفرادها بالارتباط بجهات «أميركية - صهيونية» والتخطيط لأعمال تستهدف الأمن، والممتلكات العامة، والخاصة.

وقالت الوزارة إن العملية استندت إلى بلاغات من المواطنين، ومعلومات استخباراتية، وإن التحقيقات كشفت، وفق روايتها، عن خطط لإثارة اضطرابات، وتنفيذ أعمال تخريبية في الشوارع. وأضافت أن المجموعات كانت تستعد لتصنيع كميات كبيرة من زجاجات «المولوتوف»، وأدوات تستهدف كاميرات المراقبة في المدينة، وفق ما ذكرت وكالة «تسنيم».

واتهمت الوزارة المعتقلين بالمشاركة في أعمال عنف وتخريب خلال الاضطرابات التي شهدتها البلاد في يناير، بينها إحراق مبنى المحافظة، وإلحاق أضرار بالبنوك، والمؤسسات الحكومية، والممتلكات العامة، والخاصة، فضلاً عن مهاجمة مركز للشرطة في محاولة، بحسب الرواية الرسمية، للاستيلاء على أسلحة.

ولم تقدم السلطات الإيرانية تفاصيل مستقلة عن هوية المعتقلين، أو الإجراءات القضائية بحقهم، فيما تأتي الاعتقالات في سياق أمني مشدد منذ الاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 على خلفية الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتسع لتشمل مطالب سياسية.

إعدام مشارك في احتجاجات يناير

شهدت ⁠إيران عدداً كبيراً من عمليات إعدام المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات الشعبية (أرشيفية)

وفي تطور منفصل، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية تنفيذ حكم الإعدام بحق سياوش جمشيدي خير آبادي، الذي اعتُقل خلال احتجاجات يناير، بعد إدانته بإطلاق النار على الشرطة، وارتكاب جرائم مرتبطة بالأمن القومي.

وقالت السلطة القضائية إن جمشيدي أطلق ثلاث رصاصات على الأقل باتجاه أفراد الشرطة في الثامن من يناير، وإنه اعتُقل بعد يومين في مدينة شهركرد، وكان بحوزته مسدس. كما اتهمته بالتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص لتنظيم أنشطة وصفتها بأنها «مناهضة للأمن»، والسعي للحصول على أموال مقابل تنفيذ «مهمة».

وتقول السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر بسبب الصعوبات الاقتصادية تحولت إلى مظاهرات واسعة طالبت بإنهاء حكم المؤسسة الدينية. كما اتهمت جماعات مسلحة وعناصر مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل بالمشاركة في الاحتجاجات، وبعض أعمال العنف.

ويأتي إعلان الإعدام وسط انتقادات دولية متزايدة لأحكام الإعدام المرتبطة بالاحتجاجات. وأفادت تقارير بأن عشرات الدول أعربت في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع عن قلقها من تنفيذ أحكام إعدام بحق محتجين، ودعت إلى وقفها.

الريال يتجاوز حاجز 3 ملايين لليورو

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في طهران يوم 17 أغسطس 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي واصل الريال الإيراني هبوطه الحاد في السوق المفتوحة، متجاوزاً للمرة الأولى حاجز ثلاثة ملايين ريال مقابل اليورو.

وبلغ سعر اليورو نحو 3.015 مليون ريال في تعاملات يوم السبت، وفق بيانات سوق الصرف المفتوحة، في وقت اقترب فيه الدولار من 2.7 مليون ريال. وكانت قيمة الدولار قد ارتفعت بأكثر من 8 في المائة خلال أقل من أسبوع، وفق بيانات منشورة عن السوق.

ويأتي هذا الانخفاض في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات، والقيود المفروضة على صادرات النفط، وتكاليف الحرب. وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن أسعار المستهلكين ارتفعت في سبتمبر (أيلول) بنسبة 89.8 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بينما بلغ متوسط التضخم خلال الأشهر الـ12 السابقة 73.6 في المائة.

ويؤدي تراجع العملة إلى زيادة كلفة السلع المستوردة، والمواد الخام، والأدوية، والآلات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع المحلية، ويزيد تآكل القوة الشرائية للأسر، والشركات.

الحرب تضاعف الضغوط الاقتصادية

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتبدو تداعيات انهيار الريال أكثر وضوحاً في أسعار المواد الغذائية، التي يقول سكان في طهران إنها شهدت ارتفاعات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة.

ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تضاعف سعر رغيف الخبز من نحو 250 ألف ريال إلى 500 ألف ريال، فيما صعد سعر كيلوغرام الأرز من 3.5 مليون ريال إلى نحو 5.5 مليون ريال. وأصبح شراء اللحوم أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد متزايد من الأسر.

ويضاف إلى ذلك تراجع قيمة الدخول الحقيقية، مع ارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق قدرة كثير من الأسر على مواكبتها، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد العوامل الرئيسة التي تزيد الضغط الاجتماعي في البلاد.

وتتزامن الأزمة النقدية مع استمرار الضغوط الخارجية على إيران. فبعد إغلاق طهران مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية بهدف زيادة الضغط الاقتصادي، بينما تراجعت تجارة النفط الإيرانية بصورة حادة.

كما فرضت واشنطن عقوبات إضافية على جهات تقول إنها تدعم إيران، من بينها بنوك، وشركات طيران، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية، ومصادر الدخل.

وبذلك تواجه إيران ضغوطاً متزامنة على ثلاثة مستويات: أمني وسياسي بفعل استمرار الملاحقات المرتبطة بالاحتجاجات، واقتصادي نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار، وخارجي نتيجة الحرب، والعقوبات، والقيود على صادرات النفط. وتزيد هذه العوامل مجتمعة من صعوبة احتواء التداعيات الاجتماعية للأزمة في الداخل.