جون سيمبسون لـ «الشرق الأوسط» : كلما غطيت الحروب كرهتها أكثر

مسيرة 52 عاماً من توثيق النزاعات ولقاء الزعماء عبر شاشة «بي بي سي»

أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)
أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)
TT

جون سيمبسون لـ «الشرق الأوسط» : كلما غطيت الحروب كرهتها أكثر

أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)
أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)

قادتني النادلة في مقهى فندق «اللاندمارك» بحي «مارليبون» اللندني إلى طاولته المعتادة في الزاوية. سبعيني إنجليزي أنيق. فاجأني جهاز «ماك بوك» على الطاولة أمامه. كان يطالع مقالاً ما. استقبلني بابتسامة. بعد التحية، تقمص دور المحاور تلقائياً وبكل عفوية متناسياً أنني أنا من جئت أطرح الأسئلة عليه. ثم تنبه وقال، أفضّل إدارة المقابلات فقصص الناس وتوثيق الحقائق شغفي.
بالنسبة لجون سيمبسون، الصحافة ليست مهنة، بل هي تلبية نداء. فعندما كان في سن الـ15، قرأ رواية «1984» لجورج أورويل، واتخذ قراراً بأن يكون دوما في معسكر الذكريات، يكتب الحقيقة والتاريخ في السجلات العامة.
منذ انطلاقته، ارتبط اسمه بهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». مسيرة 52 عاماً عاش خلالها مغامرات في أكثر من 120 دولة، وطل على الشاشة لتغطية 47 حربا. كادت أن تباغته المنية 10 مرات، ومات أحد أفراد طاقمه أمام عينيه في تفجير بالعراق. كلما تقدم بالسن، كره الحرب أكثر. إلا أنه يرفض أن تحكمه تجاربه المفجعة وتأسر ذكرياته.
روى لي حادثة تسلله متخفيا وراء شادور إلى أفغانستان، وأطلعني على تفاصيل اكتشافه لمجزرة صبرا وشاتيلا. وعندما استرجع محاولة زائفة لإعدامه في ضواحي بيروت، شعرت بأنني كنت هناك. سألته عن لقاءاته وحواراته مع قادة العالم فتغزل بمانديلا، وأشاد بالملك حسين، وهجا الخميني، وشخّص القذافي بالجنون.
لا يمكن اختصار مسيرة المراسل الدبلوماسي وصحافي القضايا الشائكة بأرقام وأحجيات، إلا أن حوارا معه سمح لي بنافذة إلى صحافة أهمها أنسنة السياسة. وفيما يلي نص الحوار:

> غطّيت عشرات الحروب، وأصبحت من أهم المراسلين الحربيين بريطانيا وعالميا. هل كان هذا هدفك؟
- لا أعتبر نفسي مراسلا حربيا. أنا مراسل دبلوماسي، ويحدث أن أضل طريقي إلى الحروب. عملت مع «بي بي سي» 52 سنة، غطّيت خلالها 47 حربا. أرى نفسي شخصا يهتم بالسياسة كثيراً. والحروب أبغض أشكال السياسة، ولهذا أغطيها. لا يحبذ كثيرون من الصحافيين تغطيتها، ولكنني لا أمانع ذلك. أنا ومارتن بيل (مراسل حربي بريطاني) وآخرون، قبلنا بالتكليفات. مهمّتي تغطية أي حدث كان، من حرب إلى ثورة.
> المراسلة الحربية البريطانية الراحلة كلير هولينغوورث لم تكن تصطحب معها في حقيبة ظهرها إلى الحروب، إلا جوارب وفرشاة أسنان. فماذا تأخذ معك؟
- كلير أكثر ترتيبا مني. كمّية الأمتعة التي أحزمها كثيرة. أحرص دائماً على أخذ مشغل للموسيقى وكتاب ضخم. فالمراسل لا يعرف ما ينتظره، قد يُعتقل أو يتوقّف، وإن لم يكن لديك كتاب تقرأه، سيكون الأمر مروعا. غالباً ما أنسى فرشاة أسناني وحتى الجوارب، ولكن من المستحيل أن أنسى الموسيقى أو الكتاب.
> في كتابك الأخير «اخترنا الحديث عن الحرب والنزاع» تُصنّف الحروب إلى حروب قذرة، وحروب بالوصاية، وغيرها. برأيك، هل تغيّر مفهوم الحرب اليوم؟
- في زمن كلير هولينغوورث ومارثا غيلهورن (مراسلة حربية نشطت في القرن العشرين)، كان النّزاع بين القوى الكبرى. والأمر لا يزال ملموسا في سوريا وغيرها، حيث تتنازع القوى الكبرى وتقوم بتمويل الجهات المتنازعة وتسليحها لدعم آيديولوجية ما أو فكر ديني أو أجندة سياسية معينة في أراض ليست لها. أعتقد أنّ مفهوم الحروب المباشرة بين القوى قد تلاشى، وآخر مثال حي على ذلك، كان هجوم الرئيس العراقي الرّاحل صدام حسين على إيران في عام 1980.
> أطلقت حلقة خاصة في برنامج «بانوراما» في «بي بي سي» عام 2016. وقدمت توقعاتك تجاه أميركا منعزلة بقيادة الرئيس دونالد ترمب. ما تقييمك للمشهد اليوم علما بأن مؤتمر ميونيخ الأمني مطلع العام الجاري، أستنتج أنّ الدبلوماسية قد ماتت؟
- أعتقد أنّ هذا الاستنتاج عن الدبلوماسية خاطئ. فهي كل ما نملك، إنّها حبل الإنقاذ الذي يجنّبنا الكوارث. في بعض الأحيان قد تصمت أصوات الدبلوماسية، ولكنّها لا تختفي. بعد تغطيتي لـ47 حرباً على مدار 52 سنة، باتت الحروب تثير غضبي. وزاد هذا الغضب مع تقدّمي بالسن، كما زادت كراهيتي للحروب. لم يكن هذا الغضب بهذه الحدة في سنوات عملي السابقة.
> كم من مرة واجهت الموت؟
- قمت بتوثيقها. في عام 2016، أُدخلت إلى المستشفى بسبب فشل كلوي، وكنت محظوظا أنني تعافيت. أمضيت أياما على سرير المرض، ومن غرفتي في المستشفى فكرت بعدد المرات التي كادت تودي بحياتي. الفشل الكلوي كان المرة العاشرة. الموت فعلا لمسني. لم تكن الرصاصة التي طارت من هنا وهناك، بل الطلقة التي اخترقت حائطا بجانبي. ولم يكن رصاصا حيا فقط، بل قنابل وسكاكين واعتداء جسديا من قبل جماعات إما في آيرلندا الشمالية أو في إيران، وثلاث مرات في لبنان، وغيرها. أعي تماما شعور رؤية المنية بعيوني، صراحة، الشعور ليس بدرجة الإرباك والخوف التي يتوقعها المرء.
> إذن هل تعتبر خسارة أحد أفراد طاقمك أكثر فجعة؟
- بالتأكيد، وبشدة. عندما قتل مترجمي الشاب في عام 2003 خلال غزو العراق، لم أعد أرى أي سبب لاستمرار حياتي، بعدما خسر هو حياته. كان واقفا على مقربة مني، وقتها اخترقت شظايا القنبلة جسده السفلي باترة قدميه ومنهية حياته، بينما اخترقت شظية قدمي لكنّها لم تود بحياتي. ما حصل لم يكن عادلا.
> هل تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)؟
- لا. لا أعتقد ذلك. لدي أصدقاء عانوا منه، لذا أعرف أنّه مرض حقيقي، ولا أنكره، لكنّه لم يصبني. لا أنكر أنّني مررت بتجارب صعبة، وكان لها تأثير علي بالتأكيد، لكن، لا أؤمن بالسماح لها باستنزافي. تعود بي أحيانا مواقف معينة مررت بها، ولكنّها ليست مؤذية بل هي ذكريات. من أقوى التجارب التي أتذكّرها بتفاصيلها إلى اليوم، هي عندما خضعت إلى إعدام زائف في ضواحي بيروت خلال الحرب الأهلية في ثمانينات القرن الماضي. كنت متأكدا حينها أنّ المسدس كان فارغا، ولكنّها كانت تجربة أشعرتني بالموت. أجبروني وقتها على الركوع، بينما وجه شاب المسدس إلى عنقي. أتذكر التجربة بتفاصيلها. تركز نظري على الأرض الرملية التي تناثرت فوقها أعقاب السجائر. المنظر الكئيب هذا كان آخر مشهد ستراه عيناي. وفي لحظتها، ضغط على الزناد وبالفعل كان المسدس فارغا. ضحك جميع من كانوا حولي فشعرت بالغضب. لا أخفي أنّ تلك الذكريات حفرت في ذهني لكنّها لا تتحكم بي ولا تحكمني، وهذا هو المهم.
> هل تفضل أن يقابلك أحد، أو أن تُجري أنت الحوار؟
- أفضل أن أقابل وأطرح الأسئلة، لا أحب الإجابة أنا.
> هل يعود السبب لأنّك تفضل سماع القصص عوضا عن رواية تجاربك؟
- نعم. لا أحب الحديث كثيراً. وعندما أجلس بحضرة أشخاص يسهبون في الحديث، أترك لهم مجال السرد وأستمع إليهم.
> من مقولاتك: «الصحافة ليست مهنة بل هي تلبية نداء». لماذا إذن أصبحت صحافيا؟
- الصحافة ليست منظمة كفاية لتكون مهنة. اخترت أن أصبح صحافيا لأسباب نبيلة، مع أنني أرى السخرية في وضع مصطلحي «صحافة» و«نبل» في جملة واحدة. عندما كنت في سن الـ15 قرأت «1984» لجورج أورويل وكان كتابا رائعا. أخذني مبدأ أنّه بإمكاننا أن نمحو الحقيقة عن طريق إتلاف الوثائق والجرائد والذكريات. لذا تأكدت أنني، من خلال أي طريق أسلكه، سأكون دوما في معسكر الذكريات، وليس مع الذين يحاولون منعها. الأهم هو توثيق الحقائق والأحداث في سجل العامة، وإفادة الناس بالحقائق كما هي. المثال على ذلك يقبع في الصين، حيث حاولت حكومة بكين على مدار العقود أن تنكر المجزرة التي وقعت في ميدان تيانانمن. كنت هناك حينها، ورأيت المذبحة بأم عيني. ولذا، كلما التقيت سياسيا صينيا سألته عن المذبحة، حتى لو شكل السؤال بعض الحرج أو المضايقة له. لا يجب أن نسمح لأنفسنا بنسيان الحقيقة.
> في كتابك الأخير، تذكر أن نيلسون مانديلا كان أطيب شخص قابلته. حدثنا عن تلك المقابلة.
- نيلسون مانديلا أعظم شخص قابلته، قد يكون رأيي مبتذلا، ولكنّها الحقيقة. عظمته أتت من تواضعه وإنسانيته. كان طبيعيا، وفتح لي المجال لأطرح عليه كل ما يخطر على بالي من دون أن يهان. سألته عن الفساد في جنوب أفريقيا. موضوع حساس لكنّه تطرق إليه بوضوح. كان صريحا وصادقا متقبلا أن بعض وزرائه في ذلك الحين كانوا فاسدين. في معظم الأحيان، لا نرى هذه السمات في الحكام.
> من من الآخرين الذين قابلتهم رسخوا في ذاكرتك؟
- قابلت الكثير من الناس خلال السنين. بعضهم كان مذهلا، وآخرون لا. بالنسبة لي، تهمني علاقة الشخص مع الحقيقة. هذه العلاقة هي التي تفرّق ما بين الشخصية الجادة والسياسي المهتم فقط بالدفاع عن نفسه. خلال فترتها في رئاسة الوزراء ببريطانيا، كنت أقابل الراحلة مارغريت ثاتشر كثيرا. كانت شخصية صعبة للحوار. وكانت حادة الذكاء ومطلعة جدا. ومعها لم يكن هناك حيز للخطأ، لأنّها كانت تُصحّح لك. لم أحبها كثيرا كإنسانة، ولكنّني كنت معجبا بها. قابلت الكثير من القادة العرب على مدار السنوات منهم بشار الأسد.
> ما كان رأيك ببشار الأسد؟
- قابلته عام 2006، أي قبل الحرب بسنوات. في تلك الفترة بدأ لي طبيب عيون من شمال لندن أكثر من كونه رئيسا سوريا. طرحت عليه العديد من الأسئلة الصعبة، وأجاب عليها كلّها. كان فريق عملي والمنتج تحديداً، قلقين جداً من جرأة الأسئلة خصوصا عندما سألته عن الرجل الأول في سوريا الذي يدير البلاد إن كان هو أو شقيقه أو عمه. لو قابلت بشار الأسد اليوم سيكون الحوار مختلفا وسأسأله عن الاختراقات الشنيعة التي ارتكبها بقوانين الحرب، وسلسلة من أسوأ أمثلة الاعتداءات على المواطنين في التاريخ الحديث. يحمل بشار عبء ذنب ذلك.
> من قابلت أيضا من القادة العرب؟
- قابلت الراحل معمر القذافي عدة مرات، وفي كلّ مرّة كنت أعتقد بأنه على الأرجح مجنون. وحتى اليوم، لا أستطيع أن أفهم كيف استطاع الاستمرار كل تلك السنين. كانت آراؤه غريبة وعشوائية إلى حد الجنون. قابلت أيضا الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. كان حاد الذكاء. المقابلة كانت جميلة فعلا، وبعدما انتهينا راودني شعور بالارتياح والسعادة لأنّ فرصة مقابلته تسنت لي، وقلما يترك سياسي مثل هذا الشعور داخل الصحافي. لن أنسى مقابلتي مع العاهل الأردني الملك عبد الله التي كانت رائعة. لقاءاتي المفضلة على الإطلاق ولأسباب كثيرة كانت مع الملك الراحل حسين بن طلال. كان رجلا ساحرا، وورث أبناؤه هذه الصفة عنه. تشمل القائمة أيضا الكثير من رؤساء وزراء لبنان الذين يتغيرون دائما. كما كان لدي اهتمام خاص بإيران. وللأسف اليوم، فإن خدمة «بي بي سي» الفارسية أرعبت حكومة طهران، وباتت تمنع أي صحافي منها السفر إلى هناك. لكنّني أتمنّى العودة حتى في إجازة، حيث انغمست بالحضارة وتعلمت اللغة الفارسية وقابلت الخميني.
> ما رأيك بالخميني؟
- الخميني عالق في الماضي. كل ما يهمه أحداث ولت، منها الشاه ووالده والدور الذي لعبه الغرب في إيران في ذلك الزمان. وهمه الآخر كان محاربة صدام حسين، وبعيدا عن ذلك كانت حياته فارغة. كان دوماً على مسافة مع من يحاوره، يرفض أي نوع من العلاقات. بعدها خلفه رفسنجاني، كان لديه حس فكاهة وكان أكثر وعيا بالحقائق العالمية، ومقابلته كانت أكثر إمتاعا.
> ماذا عن رؤساء الولايات المتحدة؟
- لم أكن معنيا كثيرا بتغطية الشأن الأميركي، فلدى «بي بي سي» مكتب ضخم وكادر كبير هناك، لذا لم تستدعني الحاجة للسفر إلى هناك. ولكنّني قابلت الكثير من الرؤساء منهم بيل كلينتون وجورج بوش الأب. والتقيت أوباما ورغم أنّه كان ذكيا جدا، إلا أنّه لم يكن من «الوزن الثقيل». شعرت أنّه حاول جاهدا كسب ودّي. كنت من القليلين الذين لم يتحمسوا كثيرا في بداية رئاسته. هو رجل نزيه بلا شك، لكنّه ليس رئيسا جيدا برأيي.
> عادة ما تضحي «بي بي سي» بأن تكون هي الأولى في نشر الخبر في سبيل التأكد من مصداقيته وقلما تحقق الهيئة سبقا صحافيا. ما رأيك بذلك؟
- الهيئة لا تحب نشر قصص يُحصّلها مراسل واحد لديها، وهي تشعر بنوع من الارتياح عندما ينقل الخبر من قبل جريدة أو منبر آخر. مثال على ذلك مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982. كنت أنا وزميلي في «بي بي سي» أول من اكتشفها. واستطعنا إذاعة مقاطع وصور لعشرات الجثث المرمية. لم تكن «بي بي سي» سعيدة بالانفراد بخبر المذبحة، ولكن «رويترز» سرعان ما نشرت الخبر أيضا. أؤمن برسالة الهيئة وإلحاحها على نشر أخبار دقيقة دائما، لكن حذرها الشديد يغضبني أحيانا. فعلى سبيل المثال، خلال إحدى مهماتي الأخيرة في العراق، وثّقت حالات عيوب خلقية عند أطفال في بلدة صغيرة. وأكّد الأطباء عليها، وكان الوصول إلى تلك البلدة تحديا كبيراً، فقد كانت تشهد غزوا من مقاتلي تنظيم داعش حينذاك. ولكنّنا استطعنا الوصول والتقاط الكثير من الصور للأطفال، وأثبتنا أنّ تلك العيوب الخلقية قد يكون سببها أسلحة استخدمها الجيش الأميركي قبل انسحابه من هناك. وكانت «بي بي سي» قلقة جدا من التقرير، لكنّنا نشرناه أخيرا.
> سيرتك مليئة بالمخاطر. منها في أفغانستان. حدثنا عنها.
- خضت مخاطر جنونية عدة في أفغانستان، بعضها لم أخطط له ولكنّه حدث. في عام 1989 عندما كانت القوات الروسية تنسحب من هناك، وتم تهريبي أنا ومصوري إلى كابل من قبل إحدى الجماعات المسلحة، لم نكن نعي مدى خطورة ذلك. وقد أُفشي أمرنا إلى الشرطة السرية وعلقنا في اشتباك مسلح. استطعنا الهروب ولكن حاوطتنا جثث عناصر الشرطة الذين هجموا على المنزل الذي كنا نختبئ به. وبعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، طوّقت طالبان أفغانستان كليا، وهدّدت بقتل أي صحافي يتسلل إلى البلاد. لكنّني لا أحب أن يملي علي شخص القوانين ولا أن يمنعني من فعل شيء، لذا بحثت عن طريقة لدخول أفغانستان. وبالفعل تعرفت على جماعة من مهربي البضائع من باكستان إلى أفغانستان، وقبلوا تهريبي بشرط واحد، وهو ارتداء الشادور الأفغاني، فقبلت.
> ما كان شعورك عندما ارتديت الشادور؟
- كان مروعا. الشادور انتزع مني قوتي وشعرت بنفسي مستكينة. واستغربت من سرعة تأثيرها على تصرفاتي، أصبحت أتلقّى الأوامر وأُطيعها، الأمر الذي تتعرض له النساء الأفغانيات.
> هل تشعر بأنّه يجب عليك أن تحارب داخل «بي بي سي» لتُرسل لتغطية الأحداث؟
- هذا صحيح معظم الأحيان. ففي مؤسسة ضخمة مثل «بي بي سي» لدى المرء الكثير من المنافسين، فهي بيئة تنافسية. وكان علي دائماً، أن أبذل جهدي، وأتّبع طرقا متعددة من التنمر للجوء إلى علاقاتي، الأمر الذي قلل من شعبيتي بين زملائي. أمر مؤسف، لكن هنالك أمور أكثر أهمية من الشعبية.
> كنت أول مراسل لدى «بي بي سي» توظف خدمة «الأونلاين» لنقل الأخبار. صحيح؟
- نعم. ولكن كنت سباقا في أمر يشعرني بفخر أكبر. كنت أول مراسل في العالم يخرج ببث مباشر وحي من وسط القتال، وكان هذا في أفغانستان عام 2001.
> نرى أنك تواكب التطور التكنولوجي ولديك حساب موثق ونشط على «تويتر» وأكثر من 50 ألف متابع. لماذا؟
- يجب على المرء مواكبة التغيرات. زميلي في «بي بي سي» لا يزال يعتمد على الآلة الكاتبة إلى اليوم. لكنّني أرى ضرورة التماشي مع الموجة، وعدم فعل ذلك يعرضك للنسيان. أحب «تويتر» ولكنّني لست جيدا على «فيسبوك». التكنولوجيا مهمة جداً خصوصاً في مجال صناعة التلفزيون، وعلي المواكبة. فعندما يصبح المرء في سني من السهل أن يتوقّف عن ذلك، ولكنّني أدفع نفسي للمواصلة دائما.
> ما هي أهم نصيحة توجهها للصحافيين الشباب؟
- نعيش اليوم في عالم متغير، فقد قلّت شعبية أخبار الجرائد والتلفزيون والراديو. لم يعد يطلب الناس الأخبار والمعرفة بل يفضلون البقاء في قاعاتهم لسماع صدى آرائهم عوضا عن التعرف على الآراء المختلفة. على الصحافيين الشباب بالذات، محاربة هذه الظاهرة. الصحافة ستموت إن اخترنا كتابة وبث ونقل الأخبار التي ترضي الناس. التحدث أصعب اليوم لأنّ الصحافة المؤسساتية في انحدار. ونحن بأمس الحاجة للدم الشّاب في المرحلة المقبلة. الصحافة ليست مهنة مربحة ماديا، ولن تُغني من يمتهنها. ولا بدّ على من اختارها أن يبقى صادقا لصوته وألا يصبح صوتا لأحد آخر.
> ما مشروعك المقبل؟
- قرّرت خوض عالم الخيال وأعمل حاليا على كتابة رواية عن روسيا. لكنّ عملي التلفزيوني هو الأولوية. سافرت قبل 25 سنة إلى البرازيل وعلى أطراف الأمازون عثرت على قبيلة نائية ليست على صلة بالعالم الخارجي. أريد العودة إلى هناك قريبا لأرى ما حدث لأهالي القبيلة، وآمل أنّهم لا يزالون على حالهم، ولا يرتدون قمصان «مانشستر يونايتد».

 



«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.