قصة شغف والتزام

قصة شغف والتزام

الاثنين - 7 شهر رمضان 1439 هـ - 21 مايو 2018 مـ رقم العدد [ 14419]
مي شدياق
عند اختياري مهنة الصحافة لم أكن على علم ما تخبئه لي الأيام من صعاب ومشّقات. كنت أعلم أنني اخترت مهنة البحث عن المتاعب، لكني لم أكن أعلم أن المتاعب ستلاحقني. لم أكن أعلم أنني سأدفع غالياً من دمي ثمن الإصرار على قول الحقيقة ونقلها إلى الناس بأمانة وصدق. كنت أؤمن بوقع الكلمة وقدرتها على تحرير الفكر وبناء إنسان ومجتمعٍ أفضل.
مؤهلاتي المدرسية كانت ترشحني لخوض مجال العلوم أو الرياضيات، لكن شغفي بحرية التعبير وتوقي للدفاع عن قضايا الوطن والمواطن قاداني إلى كلية الإعلام. اصطدم قراري هذا برفض وتعجب من عائلتي ومحيطي لكن جاذبية صاحبة الجلالة كانت أقوى فحملت قلمي وأوراقي وانطلقت لخوض غمار السلطة الرابعة، يحدوني الإيمان بالنظام الديمقراطي وفي أساسه حرية الرأي والقول والمحاسبة الشعبية.
كان لبنان في تلك الفترة يعاني من الاحتلال السوري ومحط التجاذبات والتدخلات الخارجية من كل صوب. كان اللبنانيون منقسمين يعانون التهجير والقتل والدمار. كانت أياماً صعبة لدخول معترك الإعلام. في هذه الظروف لا تقتصر مهمة الإعلامي على نقل الأحداث فقط إنما يصبح رسولاً للقضية التي يؤمن بها بكل ما للكلمة من معنى.
في زمن السلم تنقسم الآراء، وعلى الإعلامي أن يلزم الحياد في عرضه للقضايا. أما في حالة الحرب فهناك معتدٍ ومحتل وهناك مظلوم. قد تكون المواقف من قضايا الاقتصاد أو التربية أو البيئة أو غيرها محلّ مفاضلة سياسية. أما استقلال وسيادة الوطن وحرية وكرامة مواطنيه فلا تحتمل أي نسبيّة أو مساومة.
واجب الصحافي في هذه المسائل الدفاع عن الحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس. لا مكان للحياد بين الظالم والمظلوم، بين الطاغية والضحية وموقع الإعلامي إلى جانب الضحية في مواجهة كل معتد.
هذه القناعة طبعت مسيرتي الإعلامية منذ بدأت كمذيعة أخبار في إذاعة صوت لبنان، وصولاً إلى عملي كمراسلة ومذيعة أخبار ومحاورة في المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBCI). ناضلت بصوتي وكلماتي من أجل حرية الشعب اللبناني. لم أتلكأ يوماً عن التحدث باسم الشعب اللبناني بكل شفافية وصدق، رغم التهديدات التي كانت تنهال علي من كل حدب وصوب في زمن الاستبداد. كان للتهديد مفعول عكسي، فقد زاد إصراري على قول الحقيقة كما هي، وارتفع صوتي عالياً في وجه الطاغية.
التزامي بلبنان مزدهر، حرّ، مستقل كلّفني فقداني لرجلٍ ويد عام 2005. بعيداً من ترهيبي، شكلّت محاولة إسكاتي حافزاً لي للاستمرار فعدت إلى الشاشة، بعد عشرة أشهر من العلاج وعشرات العمليات الجراحية ببرنامج سياسي حواري بعنوان «بكل جرأة»، حيث دافعت عن القضايا التي أؤمن بها.
ثمة من يعتبر أن الإعلامي يجب أن يلزم الحياد وألا يعبر عن أفكاره السياسية بداعي المصداقية؛ من جهتي أعتبر أن المصداقية والشفافية لا تتعارضان مع القناعة الخاصة للإعلامي ودفاعه عن القضايا التي يؤمن بها، طالما أنه من موقعه كمحاور يفسح المجال لكل الآراء بالتعبير عن نفسها وهذا ما التزمته في عملي.
مسيرتي على طريق الحرية كانت شائكة، لكنها تركت بصمة في الدفاع عن حرية التعبير استحققت لأجلها الكثير من الجوائز التقديرية، أبرزها جائزة «UNESCO Guillermo Canno لحرية الصحافة العالمية» و«الجائزة الفرنكوفونية لحرية التعبير»، بالإضافة إلى جائزة «Courage in Journalism» من المنظمة العالمية للمرأة الإعلامية (IWMF).
إن ثمن الكلمة الحرّة غالٍ، بوجود طغاة لا يقبلون الرأي الآخر. من هنا لا بد من تحصين الإعلاميين وضمان بيئة آمنة تمكنهم من نقل المعلومات والآراء توظيفها في خدمة مجتمعاتهم. وأدعو المجتمع الدولي إلى العمل بجدّ مع الدول المعنية على صيانة حرية الصحافة التي هي من المرتكزات الرئيسية لبناء مجتمعات ديمقراطية.
الإعلامي مكلف من مجتمعه بمهمة وطنية، هي الدفاع عن قضاياه ومصالحه. هذا هو التزامه الأول والأخير وعنوان النجاح المثابرة أياً تكن الصعوبات. والصرخة يجب أن ترتفع عالياً بوجه كل من يريد انتزاع حقّنا في الحرية وكل من يريد قولبة أفكارنا: ولدنا أحراراً ونموت أحراراً.
*إعلامية لبنانية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة