فلاسفة مقاهٍ وصعاليك حالمون كتبوا أسطورة 1968

50 عاماً على {ثورة} الطلاب الفرنسيين التي غيَّرت شرق أوروبا لاحقاً

جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968
جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968
TT

فلاسفة مقاهٍ وصعاليك حالمون كتبوا أسطورة 1968

جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968
جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968

بينما كان العالم يترنح من ثقل صراعات الحرب الباردة انسل الفرنسيون بأناقتهم المعهودة ليصادروا العام 1968 من الآخرين، فضمّوه إلى تاريخهم أيقونة تكاد تداني في ألقها مجموعة أيقوناتهم الموروثة الأثمن: الثورة الفرنسيّة 1789 وكميونة باريس 1871 ومعركة تحرير باريس 1944 خلال الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن أحداث ليلة 11 - 12 مايو (أيار) من ذلك العام في باريس، عندما حاصرت قوات الأمن الفرنسيّة الطلّاب المتظاهرين في مربع حول بوليفار سانت ميشيل ليتصدى لها هؤلاء ببناء متاريس على حدود منطقة أعلنوها محررة، قد انتهت سريعاً، وأن العمال المُضربين تضامناً مع الطلاب قد توصلوا إلى اتفاق مع السلطة خلال ثلاثة أسابيع من ليلة المتاريس تلك، إلا أن المشاهد المصورّة التي وثّقت تلك المرحلة صارت كما سجلّ ذاكرة للعالم أجمع، تستدعي كلما عُرضت مشاعر متناقضة لجيل كامل عبر الكوكب استيقظ ذات صيف ليجد نفسه في مواجهة خاسرة مع هيكليات السلطة جميعاً: جيل الآباء، والطغم اليمينية الحاكمة، والثقافات الذكورية والعنصريات المتجذرة. لكن الحقيقة أن ليلة المتاريس الباريسيّة تلك لم تكن واقعاً سوى رمز اختصر عقداً كاملاً من الصراعات المحلية بين القلة وبين الأكثرية في المجتمعات الرأسمالية عبر الغرب وفي أميركا اللاتينية أيضاً، حتى عُرف عند المؤرخين بـ«العقد الأحمر».
أحداث 1968 وجدت طريقها سريعاً إلى عشرات الكتب والدراسات والمذكرات، لا سيّما أن أغلبية المنخرطين في المواجهات داخل فرنسا - وبريطانيا كذلك - كانوا طلاباً نخبويين أو فلاسفة مقاهٍ أو صعاليك حالمين، وهؤلاء كتبوا أسطورة 1968 من وجهة نظرهم المتعالية، فصارت سرديتهم عن لحظة تكوين ذهبيّة كانوا أبطالها المزعومين. لكن أغلب تلك المصادر تجاهل الغليان الموازي في ألمانيا المقسّمة حينذاك وفي شرقي أوروبا عموماً، ربما باستثناء الإضاءة المكثفة على أحداث «ربيع براغ»، بوصفها فرصة لإدانة الاتحاد السوفياتي العدو الكامل للغرب. فهناك عبر الحدود في الشمال الشرقي لفرنسا يَعتبر الألمان بدورهم عام 1968 وكأنه لحظة قطع استثنائيّة في تاريخهم المعاصر، وبداية روح جديدة سرت في الجسد المقطّع حتى بثت فيه الحياة بعد ربع قرن تقريباً أخذت صورها الأكثر رمزية لحظة سقوط الجدار الفاصل بين شطري برلين، وتوحيد الألمانيتين الشرقية والغربية.
في أجواء 1968 أشعل طلاب برلين الغربية مظاهرات عاصفة استمرت لوقت أطول بكثير من أحداث مايو الفرنسية، وربما أعمق منها تأثيراً في طرائق العيش وثقافة المجتمع الألماني بعامة، وأفرزت تجارب يسار متطرف انخرطت في نضالات عنيفة عالمية الطابع أحياناً. كما أنها وبغير تجارب دول أوروبا الغربية الأخرى، لم تشهد تضامناً فاعلاً من قبل الطبقة العاملة الألمانية أو المنظمات السياسية اليسارية التي تجنبت التورط في أي إضرابات أو احتلال مصانع، أو حتى المشاركة في مظاهرات الطلاب الفوضويين.
السلطات على الجانب الألماني الشرقي كانت تهنئ نفسها بوجود الجدار العازل (أنشأته عام 1961)، الذي كان يُفترض به أن يمنع انتقال عدوى تمرد الطلاب تلك من برلين الغربية. كما أن الطلبة الألمان الشرقيين رغم بعض التجارب المغردة ضد النسق الستاليني الصارم في الحكم كانوا يفتقدون بالفعل إلى قضية للتحرك، فهم نظرياً في الجانب الذي انتصر على الفاشية والنازية، وهو ذات الجانب الذي يتصدى للإمبرياليّة العالمية، ويدعم نضالات الشعوب، ويمنح المرأة حقوقاً لم تكن تنالها من قبل. كما ولا يمكن الادعاء حينها بوجود فجوة فكرية بين الأجيال، تتسبب في صراع أو قطيعة.
ومع ذلك فإن نوعاً مختلفاً من العقلية الثورية كان بالفعل في طور التكوّن بين الشبيبة الألمانية الشرقية تأثراً بربيع براغ 1968 أكثر من تأثره بالمتاريس الباريسيّة. فقد راقب الجميع الدبابات السوفياتية وهي تحتل العاصمة التشيكوسلوفاكية خلال ساعات، لتسحق محاولة التصحيح داخل السلطة الشيوعية في البلاد. لكن المواجهة في ألمانيا الشرقية هنا لم تكن ساحتها الجامعات والشوارع، بل كانت في ملعب الثقافة. فالشعراء والموسيقيون والأدباء والفنانون صاروا طليعة مواجهة غير معلنة ضد السلطات في فضاء البحث عن تمثيلات نقيضة للحقيقة، بديلاً عن تلك التي يسمح بها النموذج الرسمي للواقعية الاشتراكيّة الذي أرسى قواعده الأدبيّة - بدعم من الاتحاد السوفياتي - المفكر الهنغاري المعروف جورج لوكاش.
إحدى نوافذ التمرد كانت تَذوّق ما سماه بعضهم بـ«الثمرات المحرمة» للمدارس الأدبية والفنية الحديثة التي ما لبثت تتوالد في أوروبا الغربيّة، وكان على رأسها المدرسة السوريالية في الفن وأعمال الروائي اليهودي الألماني فرانز كافكا. أصابت أعمال الأخير وتراً حساساً في قلب الشباب الأوروبي الشرقي عامة الذي قرأ بشغف معالجته للصّراعات الداخلية للفرد داخل المجتمعات الصناعية المعاصرة، ووصفه لحال التغريب الذي ينتهي إليه الجميع فيها، وهجومه اللاذع على كل سلطة بيروقراطية جامدة عديمة المشاعر، إضافة إلى التوتر الدائم بين جيلي الآباء والأبناء. وتبدو المصادر التاريخية من تلك الفترة حافلة بالإشارات إلى كافكاويات شكلت جزءاً من ثقافة المتعلمين والمثقفين في أنحاء شرق أوروبا، لاسيّما ألمانيا الشرقيّة، وكانت تتداول بين الحانقين على النظام الاشتراكي وكأنها بيانات ثوريّة.
كان لوكاش واضحاً في معاداته للسورياليّة وكافكا معاً. وكانت اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعي السوفياتي الحاكم وقتها قد توصلت إلى قناعة بأن كتابات كافكا تحديداً كانت المشترك الوحيد تقريباً بين الشباب المعارضين للحكومات الاشتراكية فوجهت بمنعها، وعقدت مؤتمراً لممثلين رسميين من دول الكتلة الاشتراكيّة - في ليبليسي قرب براغ عام 1963 - بغرض التداول في طرائق لمحاربة التأثير السيئ لأعماله على الشبيبة الاشتراكية، لكن الوفد الألماني الشرقي قلل من قيمة كتاباته، واعتبرها غير ذات تأثير على جيل الكتاب الألمان الجدد، فبقيت أعماله قيد التداول وأعيد طبعها غير مرّة. لقد تسبب هؤلاء الموظفون المثقفون البيروقراطيون بعنجهيتهم تلك وتعاليهم عن الاستماع للخبراء المختصين بالأدب الكافكاوي بفتح البوابات أمام تيار كافكا الجارف، لينتشر كما جرثومة معدية بين جيل الشباب الأوروبي الشرقي خلال «العقد الأحمر».
1968 كان العام الذي انتصر فيه كافكا على لوكاش نهائياً، رغم أن أعمال عنف رئيسية لم تندلع في أوروبا الشرقيّة وقتها ضد السلطات باستثناء العشرات الذين قضوا في أحداث ربيع براغ. كان عتاة المتمردين شرق القارة يعرفون بـ«الكافكاويين»، وكثير منهم اختار الحياة الهبيّة كاحتجاج سلبي ضد السلطات، وانخرط في حوار ندّي مع جيل الآباء حول تجربة الوجود الإنساني بعامة في مجتمع كانت سلطته الحاكمة تريد تواصلاً باتجاه واحد مع مواطنيها. هذا الجيل هو صانع المناخ الذي سمح بذلك السقوط المدوي لجدار برلين العازل دون مقاومة تذكر.
الذّكرى الخمسون لتراكم الأحداث التاريخيّة في العام 1968 ربما تمنح المؤرخين اليوم قراءة أهدأ وأكثر توازناً للتحولات التي عصفت بجيل الستينات في أوروبا والأميركيتين، بدلاً من النصوص المنفعلة والصور الرومانسية التي غلبت على الكتابات الأولى المتسرعة. قراءة مثل تلك قد تنتهي بصورة لفرانز كافكا كأيقونة للمرحلة التاريخية الساطعة بدلاً من صور الطلاب الفرنسيين وراء متاريس باريس وهم يلقون بحجارة الأرصفة على رجال الأمن، وتلك مسألة قد تعيد الاعتبار للشعوب الأخرى غير الفرنسيين، التي ترى أنها بدورها تستحق حصة وازنة من 1968، وإن كانت ستتسبب لجورج لوكاش بموجة غضب عاصف لو طال به العمر.



أحمد أمين: لا أهتم بالحسابات التجارية لتقديم أجزاء درامية جديدة

أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)
أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)
TT

أحمد أمين: لا أهتم بالحسابات التجارية لتقديم أجزاء درامية جديدة

أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)
أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)

تحدث الفنان المصري أحمد أمين عن أسباب تقديمه الجزء الثاني من مسلسل «النص» خلال موسم دراما رمضان الحالي، بدلاً من تقديم «الصفارة 2». وأكد، خلال حواره مع «الشرق الأوسط»، استمتاعه برحلته الفنية مع «النص». كما تحدث عن أبرز ملامح الجزء الثاني، وكواليس اختياره كتاب «مذكرات نشّال» لتحويله عملاً درامياً. إلى جانب ذلك، كشف أمين عن رأيه في الأعمال الإذاعية ودراما السير الذاتية، فضلاً عن مشروعاته السينمائية والمسرحية الجديدة.

وعن سبب تقديمه «النص 2» هذا العام، رغم المطالبات على وسائل التواصل الاجتماعي بتقديم جزء ثانٍ من «الصفارة»، قال أحمد أمين: «أحب (الصفارة) كثيراً، لكن تقديم جزء ثانٍ دائماً يعتمد على وجود قصة أقوى من الموسم الأول. فمن الضروري أن يتطور الفنان من عمل إلى آخر. ولا أزال أفكر في فكرة جديدة لـ(الصفارة)؛ لأن الجزء الأول كان يقوم على لعبة تتضمن سؤالاً: ماذا لو غيّرت جزءاً من حياتك؟ وكيف سيكون مصيرك في المستقبل؟ لذلك أحتاج إلى رسالة وحبكة درامية لا تقل جودة عن الأولى، بل تتفوق عليها».

وأضاف أمين أن «قصة مسلسل (النص)، الذي يشارك في بطولته نخبة من الفنانين، كانت مبنية منذ البداية على جزأين. وكان الجزء الأول بعنوان (ملحمة الصعاليك)، وهدفه تقديم شخصيات (النص) وفريقه، بينما يأتي الجزء الآخر استكمالاً لهذه الملحمة».

ورغم استمتاعه برحلة «النص»، كشف أحمد أمين عن أن الشخصية أرهقته في التقمص واختيار الملابس وغيرها من التفاصيل، موضحاً: «كل شخصية تحتاج إلى تحضير ومذاكرة وبروفات كثيرة، لكن تقديم عمل تدور أحداثه في زمن قديم يتطلب مجهوداً أكبر من فريق الديكور والملابس والإكسسوارات. فلا يمكن لأي شخصية استخدام أشياء من الزمن الحالي، وهنا يبرز الدور المهم لفريق البحث والتدقيق التاريخي».

أحمد أمين (صفحته على فيسبوك)

وعن كواليس اختياره كتاب «مذكرات نشّال» لتحويله عملاً فنياً تشويقياً كوميدياً، قال أحمد أمين: «أسرتني شخصية (النص) منذ قراءتي للمذكرات، وقد عملنا على معالجتها درامياً لمدة 3 سنوات، مستفيدين من هذه المذكرات التي تضمنت مواقف يومية في الشارع المصري خلال تلك الفترة، وصولاً إلى معالجة درامية متماسكة أسهمت في تشكيل شخصيات مسلسل (النص) حالياً».

وأوضح أمين أن «الكتاب لم يكن رواية بالمعنى التقليدي، بل كان تجميعاً لمواقف أو يوميات نشّال في تلك الحقبة المميزة من تاريخ مصر. لذلك كانت القصة هي البطل الرئيسي، وكان بناء نسيج درامي محكم هو الأولوية الأولى في العمل».

وعن أبرز أحداث «النص 2»، قال أمين إن «شخصيات الجزء الأول كانت لا تزال في مرحلة البحث ومحاولة فهم العالم، وكانت طموحاتها بسيطة. أما في الجزء الثاني، فتجد هذه الشخصيات نفسها مضطرة إلى تحمّل اختياراتها ونتائجها». وأضاف: «حرص صُنّاع العمل على الاقتراب أكثر من فكرة كيف يمكن للإنسان العادي أن يصبح جزءاً من لحظة تاريخية أكبر منه؛ فالبطل أصبح لديه أسرة يسعى لحمايتها، لكن الأحداث التي تدور في زمن الحرب العالمية الثانية تدفعه هو وفريقه إلى الانخراط في سلسلة من مهام الجاسوسية».

وعن إمكانية تقديم «النص 3» في موسم رمضان 2027، قال أحمد أمين: «أتمنى أن يحقق الجزء الثاني النجاح وأن ينال إعجاب الجمهور، لكن ما يحكمنا دائماً هو جودة القصة، وليس الحسابات التجارية. فالقرار يجب أن يأتي من داخل صُنّاع العمل وبشكل صادق».

وكان أمين قد قدم سابقاً برامج عدّة، منها «البلاتوه»، و«الفاميليا». وأشار إلى أن فكرة تقديم برامج مشابهة خلال الفترة المقبلة «تظل متاحة في أي وقت، لكن المحرك الأساسي دائماً هو الفكرة الجيدة التي تقدم شيئاً جديداً يمتع الجمهور».

وعن علاقته بالإذاعة، وما إذا كان التعبير الصوتي يختلف عن الأداء أمام الكاميرا، وأيهما أصعب، قال أحمد أمين: «للإذاعة مكانة خاصة وجمهور مميز. فالتمثيل هو التمثيل في النهاية، لكن الأدوات تختلف بين التلفزيون والإذاعة، في حين يظل الهدف واحداً، وهو إشراك الجمهور في الأحداث وجعلهم يعيشون القصة بطريقة ممتعة».

الملصق الترويجي لمسلسل «النص» (الشركة المنتجة)

وعن رأيه في دراما «السير الذاتية»، بعد أن قدّم دور الطبيب المعالج وزوج السيدة أم كلثوم في فيلم «الست»، الذي عُرض قبل أشهر في دور السينما وحصد عن دوره إشادات نقدية وجماهيرية واسعة، قال أحمد أمين: «لن أقول عن أعمال السيرة الذاتية أكثر مما قاله أساتذتنا من الفنانين؛ فهي ممتعة ومليئة بالتفاصيل الواقعية، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على قدر من المخاطرة. فصناعة الدراما قد تضطر أحياناً إلى تغيير بعض الوقائع، وقد لا يوفق صناع العمل دائماً في ذلك، لأنهم يحاولون إرضاء نوعين من الجمهور: محبي الشخصية الحقيقية التي تُقدَّم، ومحبي العمل الفني بشكل مطلق».

وعما إذا كانت هناك شخصية يطمح إلى تقديم سيرتها الذاتية فنياً، قال أحمد أمين: «لا توجد في ذهني شخصية محددة، لكنني أحب أن أقدم شخصية يعرف الناس عنها مجرد عنوان، ولا يعرفون حقيقتها الإنسانية».

وعن ظهوره «ضيف شرف» في بعض الأعمال الفنية، وما إذا كان يُعدّ ذلك إضافة إلى رصيده الفني أم مجرد مجاملة لصُنّاع العمل وزملاء المهنة، أكد أحمد أمين أنه يستمتع بهذه الفكرة، موضحاً: «غالباً ما تكون مشاركة ضيف الشرف مغامرة قصيرة وظهوراً خاصاً، وأتمنى أن يكون كل ظهور قدمته قد أضاف شيئاً إلى العمل».

وأشار أمين إلى أن انشغاله بالدراما التلفزيونية ربما أبعده إلى حد ما عن السينما والمسرح، لافتاً إلى أنه يعمل حالياً على التحضير لمشروعات سينمائية عدّة يأمل أن ترى النور خلال العام الحالي. كما أكد أنه أطلق مشروعاً «شبه مسرحي»، يتمثل في جولة لعروض «ستاند أب كوميدي»، كان قد بدأها العام الماضي ويواصلها هذا العام، وهي تجربة شخصية وإنسانية يروي خلالها قصته منذ ما قبل تخرجه في الجامعة وحتى اتجاهه إلى التمثيل.


رصد ولادة نادرة لنجم مغناطيسي

تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
TT

رصد ولادة نادرة لنجم مغناطيسي

تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)

رصد علماء الفلك، وللمرة الأولى ولادة نجم مغناطيسي أو كما يعرف علمياً بالنجم النيوتروني الدوار ذي المغناطيسية الفائقة، مؤكدين أنه مصدر الطاقة وراء بعض ألمع النجوم المتفجرة في الكون.

ويؤكد هذا الاكتشاف نظرية طرحها فيزيائي من جامعة كاليفورنيا الأميركية في بيركلي قبل 16 عاماً، ويؤسس لظاهرة جديدة في النجوم المتفجرة: المستعرات العظمى التي تتميز بـ«تذبذب» في منحنى ضوئها، وهو ما يُعزى إلى افتراضات نظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين.

ووفق الورقة البحثية التي نُشرت اليوم (الأربعاء) في دورية «نيتشر» العلمية الشهيرة، لطالما حيّرت المستعرات العظمى فائقة اللمعان علماء الفلك منذ اكتشافها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إذ كان يُعتقد أنها ناتجة عن انفجار نجوم ضخمة جداً، ربما تعادل كتلتها 25 ضعف كتلة شمسنا، لكنها ظلت ساطعة لفترة أطول بكثير مما هو متوقع عند انهيار النواة الحديدية للنجم وانفصال طبقاته الخارجية.

كان دان كاسن، عالم الفيزياء الفلكية النظرية وأستاذ الفيزياء الحالي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أول مَن اقترح في عام 2010، أن النجم المغناطيسي هو مصدر التوهج طويل الأمد. ووفقاً لهذه النظرية، فعندما ينهار نجم ضخم في نهاية عمره، فإنه يسحق جزءاً كبيراً من كتلته متحولاً لنجم نيوتروني شديد الكثافة - وهو مصير قريب جداً من الانهيار إلى ثقب أسود.

وتفيد النظرية بأنه إذا كان للنجم مجال مغناطيسي قوي، فإنه سيتضخم أثناء تكوين النجم المغناطيسي، مما ينتج عنه مجال أقوى من 100 إلى ألف مرة مقارنة بمجال النجوم النيوترونية الدوارة العادية – أو ما يسمى «النجوم النابضة».

ووفق الدراسة، يبلغ قطر النجوم النابضة وأشباهها الأكبر حجماً ذات المغناطيسية العالية، أو ما يُعرف بالنجوم المغناطيسية، نحو 10 أميال فقط، ويمكنها الدوران في فترات شبابها أكثر من ألف مرة في الثانية.

ومع دوران النجم المغناطيسي، يُسرع المجال المغناطيسي له الجسيمات المشحونة التي تصطدم بحطام المستعر الأعظم، مما يزيد من سطوعه.

وأكد جوزيف فرح، طالب الدراسات العليا في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، العلاقة بين النجوم المغناطيسية والمستعرات العظمى فائقة اللمعان بعد تحليل بيانات مستعر أعظم من عام 2024 أُطلق عليه اسم «SN 2024afav»، في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نيتشر» أيضاً.

قال أليكس فيليبينكو، أستاذ علم الفلك المتميز بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والمؤلف المشارك في الورقة البحثية، وأحد المشرفين على فرح: «الأمر المثير حقاً هو أن هذا دليل قاطع على تكوّن نجم مغناطيسي نتيجة انهيار نواة مستعر أعظم فائق اللمعان».

وأضاف: «يرتكز هذا النموذج على أن كل ما نحتاجه هو طاقة النجم المغناطيسي الكامنة في أعماق المستعر الأعظم، إذ يتم امتصاص جزء كبير منها، وهذا ما يفسر سبب سطوعه الفائق».

اكتشاف بعيد

بعد اكتشاف المستعر الأعظم «SN 2024afav» في ديسمبر (كانون الأول) 2024، قام مرصد لاس كومبريس - وهو شبكة تضم 27 تلسكوباً حول العالم - بتتبعه وقياس سطوعه لأكثر من 200 يوم.

كما استخدم علماء الفلك بيانات رصدية لتقدير فترة دوران النجم النيوتروني - 4.2 مللي ثانية - ومجاله المغناطيسي، الذي يُعادل نحو 300 تريليون ضعف المجال المغناطيسي للأرض. وكلاهما من السمات المميزة للنجم المغناطيسي.

ويتوقع فرح العثور على عشرات أخرى من هذه المستعرات العظمى مع استعداد مرصد «فيرا سي روبين» لبدء تشغيله وعمل أشمل مسح للسماء الليلية حتى الآن.

وقال فرح: «هذا أكثر شيءٍ مثيرٍ حظيتُ بشرف المشاركة فيه. هذا هو العلم الذي حلمتُ به منذ صغري. إنه الكون يُخبرنا بصوتٍ عالٍ ومباشر أننا لا نفهمه تماماً بعد، ويُحفّزنا على تفسير ألغازه».


وفاة أم شابة بعد وصف مضادات حيوية غير مناسبة

صورة للضحية من (فيسبوك)
صورة للضحية من (فيسبوك)
TT

وفاة أم شابة بعد وصف مضادات حيوية غير مناسبة

صورة للضحية من (فيسبوك)
صورة للضحية من (فيسبوك)

خلص تحقيق قضائي في بريطانيا إلى أن الإهمال الطبي كان عاملاً مساهماً في وفاة أم شابة في لندن بعد إصابتها بتسمم الدم (الإنتان)، إثر تلقيها مضادات حيوية غير مناسبة لعلاج عدوى أصيبت بها عقب إجراء طبي بسيط. وفقاً لصحيفة «ستاندرد».

وتوفيت أليشا روتشستر (33 عاماً)، وهي موظفة صندوق في أحد البنوك، وتقيم في منطقة كرويدون جنوب لندن، بعد نحو أسبوعين من خضوعها لإجراء روتيني لإزالة خُراج من تحت إبطها الأيسر.

ووفق ما استمعت إليه محكمة التحقيق، بدأت حالة روتشستر الصحية بالتدهور بعد أيام قليلة من العملية، إذ شعرت بتوعك، وظهرت علامات عدوى في الجرح. وخلال الأيام التالية سعت مراراً للحصول على المساعدة الطبية، حيث راجعت طبيباً عاماً، وقسم الطوارئ أكثر من مرة، إلا أن المضادات الحيوية التي وُصفت لها لم تكن فعالة ضد البكتيريا المسببة للعدوى.

وقالت مساعدة الطبيب الشرعي، سيان ريفز، إن العاملين في مستشفيات إبسوم وسانت هيليير الجامعية لم يلتزموا بالإرشادات الطبية المعتمدة فيما يتعلق بوصف المضادات الحيوية، كما لم تتم استشارة قسم الأحياء الدقيقة قبل اختيار العلاج المناسب.

وفي 13 أغسطس (آب) 2023 توجهت روتشستر إلى موعد طبي طارئ خارج ساعات العمل، حيث وُصف لها مضاد حيوي من عائلة البنسلين. وفي اليوم نفسه قصدت أيضاً قسم الطوارئ في مستشفى كرويدون الجامعي، حيث شُخِّصت حالتها على أنها عدوى في الجرح، وأُعيدت إلى منزلها، مع توصية بمواصلة العلاج.

لكن حالتها استمرت في التدهور، ما دفعها في مساء 14 أغسطس إلى التوجه إلى قسم الطوارئ في مستشفى سانت هيليير، حيث تلقت جرعة من مضاد حيوي عبر الوريد قبل أن يُسمح لها بالعودة إلى المنزل على أن تعود في اليوم التالي.

وأظهر التحقيق أن المضادات الحيوية التي وُصفت لها في تلك المرحلة لم تكن متوافقة مع الإرشادات المعتمدة في المستشفى، كما لم تكن فعالة ضد نوع البكتيريا المرجح تسببه بالعدوى.

وفي 16 أغسطس تلقت علاجاً يتوافق مع الإرشادات الطبية، إلا أن حالتها كانت قد تدهورت بشكل كبير. وبحلول 17 أغسطس نُقلت إلى وحدة العناية المركزة بعد إصابتها بصدمة إنتانية حادة مصحوبة بفشل في عدة أعضاء حيوية. ورغم إدخالها على جهاز التنفس الصناعي، وتلقيها علاجاً مكثفاً بالمضادات الحيوية، استمرت حالتها في التدهور إلى أن تعرضت لتوقف في القلب في الساعات الأولى من صباح 19 أغسطس، ولم يتمكن الأطباء من إنعاشها.

وخلص التحقيق إلى أنه كان ينبغي وصف المضاد الحيوي المناسب لها في 15 أغسطس، ولو حدث ذلك في ذلك الوقت فمن المرجح أنها كانت ستنجو. وتركت روتشستر خلفها ابنها كزافييه، الذي يبلغ اليوم ثماني سنوات.

وقالت والدتها، لورنا، إن ابنتها كانت «محبة، وحنونة، ومليئة بالتعاطف»، مضيفةً أنها كانت أماً مخلصة، وكان حبها لابنها واضحاً في كل لحظة يقضيانها معاً.

وقد باشرت العائلة إجراءات قانونية على خلفية الحادثة.

من جهته، قال الدكتور ريتشارد جينينغز، المدير الطبي لمجموعة مستشفيات سانت جورج وإبسوم وسانت هيليير الجامعية، إن المستشفى يقر بوقوع تقصير في علاج المريضة.

وأضاف: «ندرك أننا أخفقنا في حق السيدة روتشستر بعدم إعطائها المضادات الحيوية الصحيحة، وكانت لذلك عواقب مأساوية. نعتذر بصدق لعائلتها».