برلين تسعى للحد من تداعيات انسحاب واشنطن

وزراء خارجية الدول الأوروبية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا يجتمعون بنظيرهم الإيراني محمد جواد ظريف بعد أيام

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تلقي خطابا خلال مؤتمر لقادة الحزب المسيحي الديمقراطي في برلين أمس (أ.ف.ب)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تلقي خطابا خلال مؤتمر لقادة الحزب المسيحي الديمقراطي في برلين أمس (أ.ف.ب)
TT

برلين تسعى للحد من تداعيات انسحاب واشنطن

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تلقي خطابا خلال مؤتمر لقادة الحزب المسيحي الديمقراطي في برلين أمس (أ.ف.ب)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تلقي خطابا خلال مؤتمر لقادة الحزب المسيحي الديمقراطي في برلين أمس (أ.ف.ب)

دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أمس، إلى عدم التشكيك في الاتفاق النووي مع إيران فيما أعربت عن أسفها جراء قرار ترمب الانسحاب من الاتفاق إلا أنها أقرت بوجود قلق ناجم عن برنامج إيران للصواريخ الباليستية ونفوذها في سوريا والعراق.
وأكدت برلين التزامها بالاتفاق النووي الإيراني «بشكل كامل» رغم انسحاب واشنطن منه. وقالت ميركل إنه «لا يجب أبدا التشكيك بالاتفاق»، مضيفة أن أوروبا ستواجه مسؤولية متزايدة لكي تضمن بقاء الأمن وتعمل على حلول سياسية في منطقة الشرق الأوسط.
وتعهدت ميركل بقيام برلين وباريس ولندن «بكل ما يلزم» لضمان بقاء إيران في الاتفاق النووي وقالت: «هذه أمور تتجاوز الاتفاق (النووي) علينا الحديث عنها».
وستناقش ألمانيا «الضمانات» التي يمكن تقديمها للشركات الأوروبية العاملة في إيران مع فرنسا وبريطانيا. ويعتبر بقاء الشركات الأوروبية في إيران أساسيا لإبقاء إيران ملتزمة بدورها بالاتفاق رغم خروج الولايات المتحدة منه. وسيعقد وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث اجتماع الاثنين المقبل مع نظيرهم الإيراني محمد جواد ظريف.
ووصف الرئيس الألماني فرانك - فالتر شتاينماير، قرار ترمب بأنه «انتكاسة خطيرة» بالنسبة لدبلوماسية السلام.
من جهته، دعا وزير الخارجية الألماني هيكو ماس إلى تجنب «تصعيد لا يمكن ضبطه» في الأيام المقبلة في الشرق الأوسط. وقال إن على إيران أن «تتصرف بحكمة» وأن تبقى ملتزمة بالاتفاق النووي.
وبدأت الحكومة الألمانية بدراسة آثار العقوبات الأميركية المحتملة على الشركات الألمانية، التي هددت واشنطن بفرضها على الشركات الأوروبية العاملة في إيران. وقال وزير المالية أولاف شولتز إنه سيجري اتصالات مع نظرائه في واشنطن لمحاولة إيجاد حلول لتخفيف الآثار السلبية على الصناعات الألمانية.
وحاولت الحكومة الألمانية طمأنة الشركات الألمانية الكبرى العاملة هناك، وقال المتحدث باسم الحكومة باسمها إن الحكومة بدأت بدراسة آثار العقوبات المحتملة على الشركات الألمانية العاملة في إيران. ومن أكبر الشركات الألمانية العاملة هناك شركتا دايملر وسيمنز.
من جهته، قال رئيس السياسات الدولية في حزب ميركل نوربرت رويتغن إنه سيكون من الصعب الالتزام بالاتفاق دون الولايات المتحدة، نظرا إلى أن الشركات الأوروبية التي تواصل تعاملاتها التجارية مع الجانب الإيراني قد تتعرض لعقوبات أميركية قاسية.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المسؤول الألماني قوله إن أي جهة «تستثمر في إيران ستواجه عقوبات قاسية من قبل الولايات المتحدة، ولا يمكن تعويض ثمن ذلك». وحذر: «لذلك فإن الشركات المتأثرة ستتراجع على الأرجح سريعا عن استثماراتها أو تنسحب من البلد تماما».
ورفضت جمعية الصناعيين الألمان الدعوات الأميركية بالانسحاب من السوق الإيرانية، ودعت في بيان الاتحاد الأوروبي إلى حماية الشركات الأوروبية العاملة هناك. ووصفت العقوبات التي قالت واشنطن إنها ستفرضها على الشركات العاملة في إيران في غضون 3 إلى 6 أشهر إن لم توقف أعمالها هناك، بأنها عقوبات «غير قانونية». وأضاف البيان أن الشركات الألمانية يجب أن تبقى قادرة على العمل في إيران ما دام الاتفاق الدولي قائما.
وضمت جمعية المصارف الألمانية صوتها إلى جمعية الصناعيين ودعت إلى حمايتها من العقوبات الأميركية المحتملة. وجاء هذا رغم أن معظم المصارف الألمانية كانت ما زالت ترفض تمرير تحويلات ومعاملات مع إيران خوفا من تعرضها لعقوبات.
وكان السفير الأميركي الجديد في برلين ريتشارد غرينفيل قد تسببت بجدل كبير في ألمانيا بين الصناعيين والسياسيين كذلك، عندما دعا في تغريدة على «تويتر» الشركات الألمانية إلى الانسحاب فورا من إيران بعد دقائق من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي.
وتسلم غرينفيل أوراق اعتماده من الرئيس الألماني قبل ساعات، بعد 15 شهرا من فراغ منصبه في برلين. ويعد غرينفيل من المقربين من ترمب الذي يشاطره أفكاره حول إيران وملفات كثيرة أخرى. وكان تحدث بخطاب شبيه قبل يوم من تسلمه مهامه، في مقابلة أدلى بها لقناة «فوكس نيوز»، داعيا الشركات الألمانية إلى وقف العمل في طهران.
وتعد ألمانيا من أكبر الشركاء التجاريين الأوروبيين لإيران، وحجم الصادرات الألمانية إلى هناك يتزايد كل عام منذ عام 2015. وبحسب أرقام غرفة التجارة بلغ حج التجارة مع إيران العام الماضي 3 مليارات ونصف المليار تقريبا.
من جهة ثانية، رد وولفغاغ إيشنغر، رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، على غرينفل في تغريدة على «تويتر» وجهها له ينصحه فيها بأن يفسر سياسات بلاده من دون إعطاء أوامر وكتب: «لا تقل للدولة المضيفة أبدا ما عليها القيام به إذا لم تكن تريد أن تقع في متاعب، الألمان يحبون الاستماع ولكنهم سيشعرون بالإهانة».
كما نقلت الصحف الألمانية ردودا عن سياسيين ألمان من مختلف الأحزاب رفضوا «اللهجة» التي استخدمها السفير الأميركي ووصفوها بأنها لهجة «تهديد».
ورغم الانتقادات السياسية والاقتصادية الحادة لقرار ترمب في ألمانيا، وأفراد الصحف الألمانية لمساحات كبيرة خصصتها للحديث عن الاتفاق النووي الإيراني والمخاوف من إيقاف العمل به، فقد نشرت صحف مؤثرة مقالات تنتقد الموقف الألماني.
صحيفة «بيلد» الشعبية الأكثر انتشارا في البلاد، كتبت مقالا تحت عنوان: «لماذا إلغاء الاتفاق النووي خبر سار للعالم؟». ومن ضمن المقال تصف الصحيفة النظام الإيراني بأنه يمتلك أمرين: النفط والإرهاب. وتضيف بأنه نظام «لا يلتزم بأي معايير أو اتفاقات». ووصفت الاتفاق النووي بأنه سمح لإيران بالحصول على المليارات من الأموال وأنه كان «أكبر برنامج لتمويل الإرهاب والعالم وأكثرهم غموضا».
ونشرت صحيفة «تاغس شبيغل» مقالا عنوانه «على ميركل أن تكشف كيف ستوقف إيران». ويعتبر المقال أن الخطاب في ألمانيا فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني «أحادي الجانب»، ويقول إن ميركل توافق ترمب في كثير من ملاحظاته على الاتفاق النووي وهو ما أبلغته به عندما التقته في واشنطن. وتحدث المقال عن النقاط التي تشعر ميركل بالقلق منها في الاتفاق النووي، وهي عدم تطرقه لبرنامج الصواريخ الباليستية التي يمكن لإيران أن تطورها لتصبح قادرة يوما على أن تطال أوروبا. ونقطة ثانية تشاطر ميركل قلق ترمب فيها هي المدة الزمنية التي يلزم الاتفاق فيها إيران بوقف تخصيبها النووي (حتى عام 2030)، وبأن ميركل تريد إلغاء المدة الزمنية. ونقطة ثالث تتعلق بتدخل إيران في الصراعات في منطقة الشرق الأوسط.
وأضافت الصحيفة أن «ترمب وميركل ليسا على مفترق طرق بل العكس، وهما يختلفان فقط في الأسلوب»، تدعو الصحيفة ميركل أو وزير خارجيتها إلى شرح هذا الموقف «غير المعروف» بوضوح.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended