الأردن تبرئ أبو قتادة من قضية «الإصلاح والتحدي» وترجئ «الألفية» إلى شهر سبتمبر

لندن: جرى ترحيله لأجل غير مسمى.. ولن نسمح له بدخول بريطانيا أبدا

أبو قتادة خلف القضبان في محكمة أمن الدولة الأردنية أمس (أ.ف.ب)
أبو قتادة خلف القضبان في محكمة أمن الدولة الأردنية أمس (أ.ف.ب)
TT

الأردن تبرئ أبو قتادة من قضية «الإصلاح والتحدي» وترجئ «الألفية» إلى شهر سبتمبر

أبو قتادة خلف القضبان في محكمة أمن الدولة الأردنية أمس (أ.ف.ب)
أبو قتادة خلف القضبان في محكمة أمن الدولة الأردنية أمس (أ.ف.ب)

قضت محكمة أمن الدولة الأردنية أمس ببراءة القيادي في التيار السلفي الجهادي عمر عثمان الملقب بـ«أبو قتادة»، في قضية الإصلاح والتحدي، كون الأدلة تنحصر في إفادة متهم ضد متهم، ولم يؤيد بأي دلائل أو قرائن أخرى.
وقضت المحكمة في جلسة علنية ترأسها القاضي أحمد القطارنة وعضوية القاضيين سالم القلاب وبلال البخيت، بتبرئة أبو قتادة من تهمة التآمر لتنفيذ «هجمات إرهابية» في العام 1998 عرفت بـ«الإصلاح والتحدي». وسمحت هيئة المحكمة على غير عادتها للصحافيين والإعلاميين بإدخال كاميرات الفيديو والتصوير، الأمر الذي تم فيه نقل وقائع المحكمة بالصوت والصورة.
وعند النطق بالحكم، ضجت القاعة بالتصفيق من قبل أقارب «أبو قتادة»، وعانقوا بعضهم بعضا فرحا بقرار البراءة، فيما دمع «أبو قتادة» بعد النطق بالحكم الذي همس في أذن أحد المحامين بأنها براءة ناقصة كون المحكمة أجلت النطق بالقضية الثانية.
وقال وكيل الدفاع عن (أبو قتادة) المحامي غازي الذنيبات بأنه لن يفرج عن «أبو قتادة» كونه يُحاكم في قضية أخرى تُعرف بـ«تفجيرات الألفية» التي أجلت المحكمة النظر فيها. وأضاف «أنني سعيد ومرتاح لهذا القرار وأننا سننتظر السابع من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل قرار المحكمة في القضية الثانية ما يعرف بقضية الألفية التي أجلت المحكمة النظر فيها.
وحسب المحامي الذنيبات استندت المحكمة في حكم البراءة على عدم وجود بينة تدعم الإفادات ضد «أبو قتادة»، كما استندت على قرار لدائرة المطبوعات والنشر التي أجازت فيه كتاب ألفه أبو قتادة وعثر على نسخ منه في منازل متهمين بالقضية، حيث يمكن لأي شخص اقتناء الكتاب كونه مُجازا. وحبس أبو قتادة أنفاسه، قبل أن ينطق رئيس المحكمة بالحكم ببراءته، فيما أبدى صدمته هو وعائلته من تأجيل الحكم بقضية «الألفية» التي بدأت محاكمته فيهما بالتزامن في ديسمبر (كانون الأول).
ودخل أبو قتادة قاعة المحكمة قرابة الساعة العاشرة والربع بابتسامة خاطفة ملوحا بيده إلى وسائل الإعلام، سرعان ما تحولت إلى حالة من الترقب عند تلاوة القرار، حيث أخرج منديله الورقي من جيب بزة السجن بنية اللون مرتين ليمسح عرق جبينه قبل النطق بحكم البراءة.
وأرجأ القاضي القطارنة النطق بقضية «الألفية» لما قال: إنه للتدقيق في بينات وأدلة القضية، إلى جانب العطلة القضائية السنوية للقضاة التي تبدأ في الأول من يوليو (تموز) حتى الثلاثين من سبتمبر. ويأتي صدور الحكم بالبراءة بعد الإفراج عن منظر التيار السلفي عصام البرقاوي أبو محمد المقدسي بعشرة أيام، حيث أفرجت عنه السلطات الأردنية بعد انقضاء حكمه في قضية متعلقة بدعم حركة طالبان الأفغانية في 16 يونيو (حزيران).
وخيّمت حالة من الصدمة على أفراد عائلة أبو قتادة فور الإعلان عن تأجيل الحكم في قضية الألفية، وهو ما عبر عنه أبو قتادة نفسه لحظة الإعلان، قبل أن تطلب السلطات الأردنية من وسائل الإعلام مغادرة القاعة. وقال إبراهيم شقيق أبو قتادة في للصحافيين من أمام المحكمة: «ضيعوا فرحتنا مفروض يصوم معنا رمضان لأنه ما في قضايا هكذا مجرد مسرحية... أعطانا براءة في واحدة وأجل الأخرى كنا نتوقع براءة في القضيتين اليوم». وأعادت السلطات الأردنية محاكمة أبو قتادة بعد تسليم الحكومة البريطانية له في السابع من يوليو 2013 إلى الأردن بموجب اتفاقية تعاون قانوني، تقضي بإعادة محاكمة أبو قتادة وعدم أخذ الاعترافات منه تحت التعذيب واحتساب المدة التي تم توقيف أبو قتادة في السجن ببريطانيا في أي حكم تصدره المحكمة الأردنية. وكانت المحكمة أسقطت الأحكام الصادرة عنها بحق أبو قتادة كونها صدرت غيابيا وبدأت السير في محاكمة أبو قتادة في مطلع شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي للنظر في قضيتي الإصلاح والتحدي التي جرت أحداثها عام 1997. حيث مثل أمام المحكمة وقتها 28 متهما من تنظيم التيار السلفي الجهادي من بينهم أبو قتادة بتهم القيام بأعمال إرهابية استهدفت مبنى دائرة المخابرات وبعض المراكز الأمنية في منطقة صويلح بعمان والمدرسة الأميركية بعمان وتفجيرات الألفية التي جرت عام 1999.
وتراجعت محكمة أمن الدولة عن تشكيلتها السابقة التي كانت تضم قضاة عسكريين ومدنيين، فيما تم تشكيل هيئة جديدة مكونة من قضاة مدنيين بالكامل مع أن قرارها الصادر بهذا الخصوص أكد أنه لا يوجد في الدستور الأردني ما يمنع من محاكمة مدني أمام قاض عسكري.
يذكر أن مدعي عام محكمة أمن الدولة كان قد وجه لعمر محمود عثمان «أبو قتادة» تهمة المؤامرة بقصد القيام بأعمال إرهابية، في قضيتين تتعلقان بالتحضير لاعتداءات كان حكم بهما غيابيا عام 1998 وعام 2000.
وحكم على «أبو قتادة» بالإعدام في الأردن عام 1999. بتهمة التآمر لتنفيذ هجمات إرهابية من بينها هجوم على المدرسة الأميركية في عمان، لكن تم تخفيف الحكم إلى السجن مدى الحياة مع الأشغال الشاقة. وفي عام 2000 حكم عليه بالسجن 15 عاما، للتخطيط لتنفيذ هجمات إرهابية ضد سياح في أثناء احتفالات الألفية في الأردن. وخضع أبو قتادة للتحقيق من قبل مدعي عام أمن الدولة العقيد فواز العتوم، فور وصوله الأردن في يوليو الماضي ونفى «أبو قتادة»، حينها، معرفته أو علاقته بأي من المتهمين أو المحكومين في قضية تفجيرات الألفية، أو في قضية الإصلاح والتحدي، باستثناء منظر التيار السلفي الجهادي (عصام البرقاوي الملقب بأبو محمد المقدسي)، والذي أكد أنه يعرفه من خلال مؤلفاته، وما يكتب عنه في وسائل الإعلام، بصفته منظرا للتيار السلفي الجهادي.
على صعيد متصل هنأ القيادي في التيار السلفي الجهادي، محمد الشلبي، المعروف بـ«أبو سياف»، أمس، أبو قتادة بمناسبة تبرئته من قضية الإصلاح والتحدي. وقال أبو سياف في رسالة وزعت على وسائل إعلام محلية: «نبارك للأمة الإسلامية عامة والتيار السلفي الجهادي خاصة براءة الشيخ الأمام أبو قتادة الفلسطيني من التهم الموجهة له في قضية الإصلاح والتحدي». وأضاف: «نستبشر خروجه من الأسر قريبا».
ويعد أبو قتادة أحد أهم مراجع التيار السلفي الجهادي في الأردن، وأقام في بريطانيا منذ عام 1993 بعد طلبه اللجوء السياسي فيها إلى أن سلمته لندن إلى عمان في يوليو الماضي. في غضون ذلك قال متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون للصحافيين أمس بأن أبو قتادة: «هو رجل عدته المحاكم البريطانية يمثل خطرا على الأمن القومي ولن يعود». وأضاف: «لن يسمح له بدخول المملكة المتحدة أبدا. جرى ترحيله لأجل غير مسمى». واستغل أبو قتادة بعض جلسات المحاكمة لإبداء دعمه لأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة في خلافه مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي سيطر على أراض في العراق وسوريا هذا الشهر. يذكر أن أبو قتادة كان أقام في الكويت وبعد حرب الخليج الأولى التي كان يعارضها طرد منها إلى الأردن، ومن هناك سافر إلى باكستان ووصل إلى بريطانيا في 1993 بجواز سفر إماراتي مزوّر، وطلب اللجوء السياسي بدعوى الاضطهاد الديني، ليمنح اللجوء في العام التالي. وتحوّل أبو قتادة لأكثر الرجال المطلوبين بعد فراره من منزله في أكتون غرب لندن في أعقاب وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. وفي العام ذاته قبضت الشرطة البريطانية عليه أول مرة في منزل ثقافي في شمال لندن واحتجزته في سجن بلمارش، ثم أخلت سبيله عنه بكفالة مع فرض قيود صارمة على تنقلاته. وكان أبو قتادة، إحدى الشخصيات الإسلامية المتشددة التي أثارت اهتمام الإعلام البريطاني لسنوات طويلة إلى جانب أبو حمزة المصري، الذي بترت يده، وفقد إحدى عينيه، السجين حاليا في الولايات المتحدة وعمر بكري السوري الأصل، مؤسس حركة «مهاجرون»، المعتقل حاليا في لبنان.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.