السيسي: الإرهاب أصبح أداة لتمزيق الدول وتدمير الشعوب وتشويه الدين

أعلن في قمة الاتحاد الأفريقي إنشاء الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية لإعداد الأطر للقارة السمراء

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته أمس أمام زعماء القارة في القمة الأفريقية بغينيا الاستوائية (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته أمس أمام زعماء القارة في القمة الأفريقية بغينيا الاستوائية (إ.ب.أ)
TT

السيسي: الإرهاب أصبح أداة لتمزيق الدول وتدمير الشعوب وتشويه الدين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته أمس أمام زعماء القارة في القمة الأفريقية بغينيا الاستوائية (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته أمس أمام زعماء القارة في القمة الأفريقية بغينيا الاستوائية (إ.ب.أ)

انطلقت في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية أمس أعمال قمة الاتحاد الأفريقي الثالثة والعشرين تحت شعار «الزراعة والأمن الغذائي في أفريقيا». وشهدت القمة مشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، للمرة الأولى منذ توليه مهام منصبه مطلع شهر يونيو (حزيران) الحالي، وذلك عقب إلغاء تعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، والتي استمرت لمدة عام كامل. وقال السيسي في كلمته «أثق أن القادة الأفارقة باتوا يدركون أن 30 يونيو كانت ثورة شعبية مكتملة الأركان».
وعلق مجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز) الماضي مشاركة مصر في جميع أنشطة الاتحاد لحين «استعادة النظام الدستوري»، بعد يومين من إعلان الجيش عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. وقرر مجلس السلم والأمن الأفريقي الأسبوع الماضي عودة مصر إلى ممارسة جميع أنشطتها في الاتحاد الأفريقي، بعد أن أقر مراقبوه بنزاهة الانتخابات الرئاسية التي شهدتها مصر أخيرا.
وشهدت الجلسة الافتتاحية للقمة ترحيبا كبيرا بالرئيس السيسي من جانب المشاركين. وقالت نكوسازانا زوما، رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي، في كلمتها «نرحب برئيس مصر وبعودة مصر إلى أسرة الاتحاد الأفريقي». فيما قال رئيس غينيا الاستوائية أوبيانج أنجينا، الذي تستضيف بلاده القمة، إنه «يرحب بشكل خاص بالرئيس السيسي بعد أن جرى تطبيع الوضع في مصر، وبعد إجراء انتخابات عادلة وديمقراطية ونزيهة».
من جانبه، أكد السيسي، في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية، أن شعب مصر، رغم أنه قد تألم عندما توقفت ممارسة أنشطتها في الاتحاد الأفريقي، فإن مصر لم تتوقف مطلقا عن انشغالها بهموم ومصالح قارتها الأفريقية، منوها بأن بلاده لا يمكن أن تنفصل عن وجودها وواقعها الأفريقي، وأضاف «أثق أن القادة الأفارقة باتوا يدركون أن 30 يونيو كانت ثورة شعبية مكتملة الأركان».
وقال السيسي إن «ثورتي الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011، والثلاثين من يونيو 2013، كانتا من أجل أهداف تمثل تطلعات مشتركة لشعوبنا نحو التنمية والديمقراطية والعدالة والكرامة الإنسانية، وهي القيم التي عبر عنها دستور مصر الذي جرى إقراره في بداية العام الحالي». وأضاف أن «الديمقراطية طريق نسير عليه جميعا، وهو طريق لا يخلو من عواقب وتحديات حقق بعضنا تقدما أكثر من بعضنا الآخر في مواجهتها، لكن أحدا لا يستطيع الادعاء بأنه بلغ حد الكمال».
وتابع السيسي أن «مصر؛ وإن غابت لبعض الوقت عن المشاركة في أنشطة الاتحاد الأفريقي، فإنها لن تتوقف يوما عن الانشغال بهموم وقضايا قارتها، ولم تبخل يوما بعقول أبنائها أو بقوة سواعدهم لبناء الأطر والقدرات الأفريقية، إلا أنه لا يخفى عليكم أن شعب بلادي قد تألم حينما رأى الاتحاد الأفريقي يتخذ موقفا مغايرا لإرادته حينما رأى إخوته الأفارقة لا يبادلونه التضامن والمساندة والتأييد».
وأكد السيسي أن «أفريقيا تواجه خطرا متزايدا يتمثل في التهديدات الأمنية العابرة للحدود، مثل الإرهاب»، مضيفا «نؤكد إدانتنا لكل أشكال الإرهاب، مشددين على أنه لا مجال لتبريره أو التسامح معه». ورأى أن «الإرهاب أصبح أداة لتمزيق الدول وتدمير الشعوب وتشويه الدين»، مشددا على أن «هذا الخطر المشترك يملي علينا تعزيز التعاون في ما بيننا لمواجهته بحسم، حفاظا على أمن وسلامة مواطنينا وجهود التنمية الاقتصادية في دولنا».
وأوضح الرئيس المصري أن «ثورة 30 يونيو تضافرت فيها جهود جميع المصريين بحق لتجنيب البلاد حربا أهلية والحيلولة دون انجرافها نحو مصير مجهول، انساقت إليه للأسف بعض دول المنطقة وتدفع شعوبها اليوم الثمن فادحا على مرأى ومسمع من الجميع، وفي مقدمتهم دول القارة الأفريقية التي يجاور بعضها هذه الدول ويشارك شعوبها في مأساتها».
وعبر السيسي عن تقديره للحضور البارز للاتحاد الأفريقي من خلال بعثة متابعة الانتخابات الرئاسية التابعة له. وتعهد بأن تواصل مصر بذل أقصى الجهد بالتعاون مع الأشقاء الأفارقة للعمل على تسوية النزاعات، ودعم كل مجالات التنمية بما فيها إعادة الإعمار في المناطق الأفريقية المتضررة من النزاعات، معلنا إنشاء «الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في أفريقيا»، والتي ستبدأ عملها أول يوليو المقبل لإعداد وتأهيل الأطر الأفريقية ودعم مبادرات جديدة لتنفيذ مشروعات تنموية رائدة في القارة. ولفت الرئيس المصري إلى حجم التحديات الجسيمة التي تواجهها القارة الأفريقية في مجال السلم والأمن، مؤكدا أن «الأمر يملي على الجميع تكثيف الجهود وحشد الإمكانيات الذاتية لتفعيل مبدأ الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية». كما أكد أن مصر ستواصل جهودها لبناء القدرات الأفريقية في مجالات الدبلوماسية الوقائية ومنع وإدارة وتسوية النزاعات وإعادة الإعمار والتنمية بما يحول دون انزلاق الدول الخارجة من النزاعات إليها مجددا، وتطوير الآليات الملائمة للتعامل مع كل هذه المسائل، فضلا عن تعزيز مساهمة مصر في بعثات حفظ وبناء السلام في مختلف ربوع القارة، مدينا كل أشكال الإرهاب في القاهرة، قائلا «لا مجال لتبريره أو التسامح معه بعد أن أصبح أداة لتمزيق الدول وتدمير الشعوب وتشويه الدين».
وفي ختام كلمته، أعرب السيسي عن اعتزازه بالدعم الأفريقي لنضال الشعب الفلسطيني للحصول على حقه المشروع في تأسيس دولته المستقلة وعاصمتها القدس، مؤكدا أن الشعوب الأفريقية كابدت معاناة آلام الاستعمار والتمييز العنصري وتدرك أنه لا سبيل لكسر الإرادة الإنسانية.
وعلى هامش القمة أجرى الرئيس المصري مباحثات مع عدد من رؤساء الوفود المشاركة في القمة، أبرزهم رئيس موريتانيا الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي محمد ولد عبد العزيز، ورئيس جنوب السودان سلفا كير، ورئيس جامبيا يحيى جامع، والنائب الأول لرئيس السودان بكري حسن صالح. وقال المتحدث باسم رئاسة الجمهورية السفير إيهاب بدوي إن الرئيس السيسي أعرب عن شكره وتقديره لما جرى من جهود من أجل عودة مصر للاتحاد الأفريقي. ومن المقرر أن يعقد السيسي لقاء ثنائيا مع هايلي ماريام دسالين، رئيس وزراء إثيوبيا، على هامش القمة، يتناول فيه أزمة «سد النهضة» الإثيوبي والنزاع بين البلدين حول مياه نهر النيل.
من جهته، دعا الاتحاد الأفريقي إلى التعبئة في مواجهة تقدم الجماعات الجهادية في قلب القارة. وأعرب رؤساء الدول والوزراء صراحة، منذ الأعمال التمهيدية للقمة التي تنتهي اليوم الجمعة، عن مخاوفهم المتزايدة إزاء انتشار المجموعات الجهادية التي تتبنى عقيدة مستوحاة من تنظيم القاعدة، وتقدمها في أفريقيا.
وشدد الرئيس الحالي للاتحاد رئيس موريتانيا محمد ولد عبد العزيز، أمام المجلس، على «خطورة التهديدات الجديدة المتمثلة في الإرهاب واللصوصية وكل أنشطة التهريب غير الشرعية»، داعيا إلى اعتماد «استراتيجية شاملة للاتحاد». وتقضي هذه الاستراتيجية بحسب عبد العزيز بتعبئة موارد مالية «متناسبة» من قبل الدول وبتنسيق أفضل للآليات الإقليمية.
وقال الرئيس التشادي إدريس ديبي إيتنو إن «أفريقيا تواجه أخيرا عدوا من نوع جديد، مخيفا أكثر ولا وجه له، وأعني الإرهاب المستشري حاليا في نيجيريا والصومال والذي كاد يفكك مالي». ولفت ديبي إلى ضرورة أن «تضمن (الدول) بأنفسها أمنها الفردي والجماعي، ولا تعتمد على الغربيين بشكل كامل».
من جهتها، أكدت رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي سعي الاتحاد للقضاء على الفقر والأمية بالقارة وزيادة الإنتاجية الزراعية، مؤكدة أن الاتحاد يهدف إلى تحقيق التنمية ويضع وثيقة تمثل أحلام الشعوب الأفريقية، ويعمل على تنفيذها من خلال التشاور والعمل على استخدام كل الآليات للقيام بهذا الأمر.
وأشارت زوما إلى أنه «عندما قرر الاتحاد الأفريقي تبني جدول أعمال تنموية كنا نهدف إلى القضاء على الفقر والأمية وأن ندفع التعاون بين الدول الأفريقية والأقاليم الأفريقية»، مشددة على أن «أفريقيا تلعب دورا رئيسا في مجال الزراعة، وصادرات دول القارة معظمها من المنتجات الزراعية». وأوضحت أنه «من أجل تحقيق هذه التنمية التي نتطلع إليها كان يجب أن نستثمر بشكل أكبر في مجال الزارعة وأن نزيد من الإنتاجية»، مشيرة إلى أن «كثيرا من الدول قد قامت بالفعل بزيادة استثماراتها في مجال الزراعة، ومن الممكن أن يروا نتائج هذا الأمر والتطورات والتنمية التي حدثت في بلادهم نتيجة لذلك، وكذلك التأثير الإيجابي الذي أحدثوه في مجال القضاء على الفقر، لكن هناك مجموعة من السياسات والبرامج والمبادرات التي يجب أن تجرى على المستويات الإقليمية والمستويات الوطنية من أجل تنفيذ مطالب دولنا».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.