وفاة السياسي اليساري المصري خالد محيي الدين

{الشرق الأوسط} تنشر أسرار أول لقاء له مع حسني مبارك

خالد محيي الدين ورفعت السعيد مع الرئيس الأسبق حسني مبارك («الشرق الأوسط»)
خالد محيي الدين ورفعت السعيد مع الرئيس الأسبق حسني مبارك («الشرق الأوسط»)
TT

وفاة السياسي اليساري المصري خالد محيي الدين

خالد محيي الدين ورفعت السعيد مع الرئيس الأسبق حسني مبارك («الشرق الأوسط»)
خالد محيي الدين ورفعت السعيد مع الرئيس الأسبق حسني مبارك («الشرق الأوسط»)

توفي السياسي المصري المخضرم خالد محيي الدين، في القاهرة، أمس، عن عمر 95 عاما. وتنشر «الشرق الأوسط» أسرار أول لقاء له مع حسني مبارك، وتفاصيل أخرى من كواليس الحياة السياسية المصرية، لم يكشف عنها النقاب من قبل.
وقال سيد عبد العال رئيس حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (اليساري) الذي أسسه محيي الدين عام 1977. لـ«الشرق الأوسط»، إنه فارق الحياة متأثرا بنزلة شعبية حادة، في مستشفى المعادي العسكري في جنوب العاصمة، وإنه يعد آخر «الضباط الأحرار» الذين قاموا بثورة 1952 مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وإعلان الجمهورية في مصر.
وارتبطت حياة محيي الدين الطويلة، منذ تخرجه في الكلية الحربية عام 1940. بمحطات فارقة في التاريخ المصري، فبالإضافة إلى كونه أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، كانت له أزمة شهيرة مع هؤلاء الضابط وعلى رأسهم عبد الناصر نفسه وذلك حين دعا إلى عودة الجيش إلى ثكناته وترك أمور الحكم، في عام 1954.
ومنها كذلك انتفاضة الخبز في عام 1977 في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، حيث اتهم السادات اليساريين بإشعال الغضب الشعبي، بسبب زيادة الأسعار، وأطلق على تلك الأحداث «انتفاضة الحرامية».
وعرف محيي الدين في بعض أوساط العسكريين المصريين، منذ وقت مبكر، بـ«الصاغ (الضابط) الأحمر»، نظرا لتبنيه الأفكار الاشتراكية، رغم انتمائه إلى أسرة ثرية تشتهر بزراعة الموالح في محافظة القليوبية بشمال القاهرة. وينتمي كذلك لأسرة سياسية، منها ابن عمه، زكريا محيي الدين، مؤسس جهاز المخابرات العامة المصرية، والاقتصادي الدولي المعروف محمود محيي الدين، الذي كان وزيرا في مصر حتى عام 2011.
ورغم اللقاءات والتفاهمات، إلا أن محيي الدين ظل مصدر قلق للسلطة في عهد الرئيس الأسبق مبارك. وشارك حزبه في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011. وفي 2013 منحه الرئيس المؤقت عدلي منصور قلادة النيل، وهو أرفع وسام مصري. لكنه كان قد تخلى عن رئاسة الحزب وعن رئاسة مجلسه الاستشاري بسبب التقدم في السن.
وتعد قلادة النيل ثاني أرفع وسام يحصل عليه محيي الدين، بعد حصوله في عام 1970 على جائزة لينين للسلام. وترك محيي الدين دروسا عملية للعمل السياسي، خاصة في سنوات عضويته في البرلمان عن دائرة كفر شكر بالقليوبية، منها، كما كان يوصي نواب المعارضة، ألا توجه الانتقادات إلى خصمك في شخصه، ولكن ركز على برنامجه المعلن، وادرسه، وفنده، وابتعد عن أي جانب يتعلق بالمسائل الشخصية. كما ترك تاريخا لمرحلة مهمة في مصر توضح ملابسات ثورة 1952 وتداعياتها من خلال كتابه «الآن أتحدث».
وأسفر خلافه مع معظم ضباط مجلس قيادة الثورة، الذي كان يتكون من 14 عضوا، عن استقالته من مجلس القيادة، والذي تم حله بانتخاب عبد الناصر رئيسا للبلاد في 1956. وابتعد محيي الدين إلى سويسرا التي أقام فيها لبعض الوقت. وفي عام 1957 فاز بعضوية مجلس الأمة (البرلمان)، وأسس صحيفة المساء. وتولى في عام 1964 رئاسة مجلس إدارة ورئاسة تحرير «دار أخبار اليوم». وفي مطلع الستينات ترأس لجنة برلمانية لحل مشكلة تهجير السكان من مواقع بناء السد العالي في جنوب البلاد.
وحين عادت الحياة الحزبية، في 1976. من جديد، كانت هناك مشكلة بين اليسار والسادات تتعلق بمبادئ سياسية أساسية، منها الصلح مع إسرائيل، ومنها البرنامج الاقتصادي الرأسمالي، وكانت هذه سياسات مرفوضة من الجبهة التي كان يقودها محيي الدين، من خلال حزب التجمع وصحيفة الأهالي الأسبوعية التي تصدر عن الحزب. واتخذ السادات إجراءات عقابية قاسية ضد الحزب والصحيفة في أواخر عهده.
وكان محيي الدين شخصية معروفة على الصعيد الدولي، لمشاركته في تأسيس مجلس السلام العالمي، وتوليه رئاسة منطقة الشرق الأوسط فيه، وكذلك رئاسة اللجنة المصرية للسلام ونزع السلاح. وكان رجال السادات وبعض رجال مبارك، المنفتحون على الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، يتهمونه بالانحياز للمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي.
حين جاء مبارك للحكم في عام 1981، كان يدرك أن اليسار قادر على تحريك الشارع، كما حدث في انتفاضة الخبز عام 1977، وأن إطلاق السادات للتيار الإسلامي (جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية) ضد اليساريين لم يكن ذا جدوى كبيرة.
وقد استقبل مبارك كلاً من محيي الدين، ورفيقه الدكتور رفعت السعيد الذي توفي قبل عدة شهور. وفي تلك الجلسة، حدث توافق «جنتلمان (غير مكتوب)» بين اليسار ومبارك؛ أعطى لليسار حرية العمل، بشرط الابتعاد عن تناول أمور، منها ما يخص الجيش، وما يخص زوجة الرئيس الراحل أنور السادات.
وفي تسجيل سابق أجرته «الشرق الأوسط» مع القطب اليساري الراحل الدكتور رفعت السعيد، ينشر للمرة الأولى، يقول إنه حين وصل مبارك للسلطة، وبعد أسبوع تقريباً، طلب مقابلة رؤساء الأحزاب، واختار من حزب التجمع كلاً من محيي الدين، والدكتور يحيي الجمل الذي كان وقتها نائباً لرئيس الحزب، وكذا السعيد نفسه الذي كان أميناً للجنة المركزية للحزب، وأيضاً الأمين العام للحزب آنذاك لطفي واكد.
ويتابع: استقبل مبارك محيي الدين استقبالاً عسكرياً، وأعطاه التحية العسكرية، ثم بدأت المناقشة معه حول قضايا كثيرة، كان أغلبها عن خوف مبارك من تعقد المشهد في العالم العربي في ذلك الوقت. ويستطرد أن محيي الدين قال لمبارك: «شوف يا ريس.. نحن دخلنا في صراعات طويلة مع السادات، فدعنا نحاول أن نتفاهم من الآن: ما الخطوط الحمراء التي لديك، ونحن نقول لك: نوافق عليها أم لا».
ورد مبارك قائلاً لمحيي الدين: «ليست لديّ خطوط حمراء، هما أمران: الكابات ذات الأشرطة الحمراء (يقصد الجيش)، والسيدة جيهان (زوجة السادات)». وهنا، رد السعيد على مبارك قائلاً: «يا سيادة الريس.. الجيش نحن نحترمه، ونعتبره مؤسسة وطنية، والشعب يحب الجيش فعلاً، ونحن لا يمكن أن نقف ضد الشعب المصري. أما حكاية جيهان السادات، فما الداعي لها؟». فأجاب مبارك قائلاً للمجتمعين معه: «لأنني حين أموت، لا أريد من أي أحد أن يهاجم زوجتي».
ومن خلال عضوية محيي الدين في البرلمان، بالانتخاب، ظل، مع ذلك مصدر قلق لرجال مبارك، ممن كانوا يدفعون للتخلي عن المبادئ الاشتراكية في الدستور الذي يعود لأيام عبد الناصر.
وشارك حزبه في حوار أحزاب المعارضة مع حزب مبارك (الحزب الوطني) في عام 2005، وأسفر ذلك عن إقدام الرئيس الأسبق على تعديل مادة دستورية مهمة تجعل انتخاب رئيس الدولة من بين أكثر من مرشح، بدلاً من نظام الاستفتاء على مرشح وحيد يقترحه البرلمان، لكنه رفض خوض أول انتخابات رئاسية من هذا النوع في تلك السنة لعدم ثقته في نزاهتها.
ومن بين التفاصيل الصغيرة التي تعكس الإيمان العميق بالديمقراطية وآلياتها لدى خالد محيي الدين، وقائع عاشتها «الشرق الأوسط» معه في أثناء عضويته في مجلس الشعب (البرلمان)، منذ 1990 حتى عام 2005. فقد كان من المعتاد في البرلمان أن يتم توزيع جدول أعمال الجلسات قبل موعدها بأيام. ويفترض أن تبدأ الجلسة في الساعة الحادية عشرة صباحاً لمناقشة كذا وكذا، وفقاً للجدول.
لكن بدء الجلسات كان يتأخر عادة إلى الساعة الثانية عشرة والنصف، وكانت القاعة تظل خاوية حتى ما بعد الساعة الثانية عشرة، إلا من خالد محيي الدين. كان يجلس على مقعده في القاعة قبل موعدها الرسمي بعشر دقائق على الأقل، أي في العاشرة وخمسين دقيقة.
وبسؤاله في إحدى المرات عن سبب حضوره للبرلمان مبكراً، أجاب أن «أعضاء البرلمان من الحزب الوطني، الذي كان يمثل الأغلبية في ذلك الوقت، يمكن أن تصدر لهم الأوامر من الحزب بالحضور في الموعد الرسمي للبرلمان، أي في الحادية عشرة صباحاً، وبدء الجلسة، بشكل قانوني، وتمرير ما يريدونه من تشريعات، في غياب المعارضة».
وقال إن اعتياد كثير من نواب المعارضة على الحضور متأخرين خطر. وقد حاول نواب الأغلبية عدة مرات الانفراد بجلسة البرلمان في غياب المعارضة بالفعل. وفي تلك الأيام، كان من بين نقاط الخلاف بين محيي الدين ورجال مبارك أن جماعة رئيس الدولة كانوا يرون أن زعيم اليسار يقوم بين حين وآخر بخرق اتفاق «الجنتلمان» القديم. وعلى سبيل المثال، كان هناك قانون يعود إلى عام 1972، ويتم تجديده كل عامين، منذ ذلك الوقت، ويخص منح رئيس الجمهورية تفويضاً له قوة القانون يعطيه الحق في اتخاذ ما يراه في ما يتعلق بإجراءات التسليح في الجيش.
وحين كان يأتي هذا القانون لتجديده في البرلمان، كان كل من الدكتور زكريا عزمي، رئيس ديوان رئيس الجمهورية، والراحل كمال الشاذلي، أمين التنظيم في الحزب الحاكم وقتها، يصلان مبكراً لقاعة البرلمان، حيث لا يوجد أحد في مقعده غير محيي الدين. وتبدأ مناقشات ثلاثية طويلة لمحاولة إقناعه بعدم رفض مشروع القانون في الجلسة.
ولم يوافق زعيم اليسار أبداً على تجديد هذا القانون طوال وجوده في البرلمان، وكان يرى أنه على الأقل يمكن عقد جلسة خاصة وسرية في مجلس الشعب للنظر في كل ما تم من بيع وشراء في هذا المجال. ولم يكن مبارك يوافق على هذا الإجراء، بذريعة الحفاظ على أسرار التسليح، بالنظر إلى ما كانت تشهده منطقة الشرق الأوسط من تعقيدات واحتقان منذ عقود.
وظلت مقاعد المعارضة موجودة في الجهة نفس من القاعة، وهي على يسار منصة البرلمان الذي ظل يرأسه الدكتور فتحي سرور منذ مطلع التسعينات حتى عام 2011. وشغل هذا الجانب شخصيات مثيرة لغضب أهل الحكم، وارتفعت منها أصوات محيي الدين، ومعه اليساري الراحل ابن مدينة الإسكندرية أبو العز الحريري، وزميله الاشتراكي كمال أحمد، واليساري البدري فرغلي ابن مدينة بورسعيد، بالإضافة إلى بعض الليبراليين من حزب الوفد، وعدد من الإسلاميين المعتدلين، مثل الراحل عادل عيد.
وفي جلسة البرلمان أمس، تذكر عدد من النواب أيام العمل السياسي بالقرب من محيي الدين، وقال النائب القومي مصطفى بكري إن محيي الدين كان يدرك المخاطر التي تواجه الوطن، بينما وصفه النائب سعد الجمال، رئيس لجنة الشؤون العربية، بأنه كان قامة تمثل أسمى معاني الوطنية، وأضاف النائب اليساري عبد الحميد كمال: لقد كان معلماً يتمتع بدماثة الخلق والرقي والنزاهة السياسية.
وفي عهد مبارك، قام خالد محيي الدين بعدة مهام لم يتم الكشف عنها من قبل، من بينها تدخله لحل خلافات بين الزعيم الراحل معمر القذافي والرئيس المصري في ذلك الوقت. فقد سافر بشكل سري إلى طرابلس عدة مرات من أجل إقناع القذافي بعدم طرد العمالة المصرية في أثناء توتر العلاقات بين البلدين في أواخر الثمانينات، كما حاول إقناع القذافي بعدم طرد الفلسطينيين المقيمين في ليبيا إثر توقيع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لاتفاقية أوسلو في منتصف التسعينات.
وفي جلسة صاخبة للمؤتمر العام لحزب التجمع في 2003، في مقره وسط القاهرة، وداخل قاعته الشهيرة المعروفة باسم «قاعة جمال عبد الناصر»، جاء مئات الأعضاء من أطراف القاهرة ومن عدة محافظات، لتعديل مادة في لائحة الحزب كانت تحظر على أعضائه تولي أي موقع قيادي لأكثر من دورتين، مدة كل منهما 4 سنوات. وهذا يعني أن خالد محيي الدين لن يحق له الترشح مرة أخرى لرئاسة الحزب. وكان التعديل يهدف إلى فتح الطريق أمام محيي الدين للبقاء على رأس الحزب، إلا أنه - هو بنفسه - قاد القاعة من أجل التصويت لصالح عدم التعديل.
وقال لأعضاء المؤتمر إن إبقاء اللائحة كما هي، وفتح الباب لأعضاء جدد لتولي قيادة الحزب، انحياز منه لتداول السلطة. ومنذ ذلك الوقت حتى الآن، ما زال الحظر قائماً على تولي أي موقع قيادي لأكثر من دورتين متتاليتين. وقد أدى موقفه إلى عاصفة سياسية في عموم البلاد، وتناولت القضية صحف كبرى ومنتديات عدة، لكن الحركة اليسارية بشكل عام كانت تفقد بريقها في مصر والمنطقة، ما أثر بالسلب على حزب التجمع، وعلى صحيفته، لصالح تيارات إسلامية، منها جماعة الإخوان، حيث خسر محيي الدين لأول مرة مقعده في البرلمان، وتغلب عليه مرشح الجماعة في دائرته وعقر داره في عام 2005.
وفي عام 2011، صعد التيار الإسلامي بقوة في مصر، وتولى في 2012 و2013 حكم الدولة، برئاسة الرئيس الأسبق محمد مرسي، بينما كان خالد محيي الدين يرقد على سرير المرض في منزله وهو يتابع تحولات المصريين، ورفضهم لحكم الإخوان، ووقفوهم وراء قائد الجيش المشير عبد الفتاح السيسي.
وقد نعت الرئاسة المصرية، أمس، محيي الدين، باعتباره رمزاً من رموز العمل السياسي الوطني، وقالت في بيان إنه كانت له إسهامات قيمة على مدار تاريخه السياسي منذ مشاركته في ثورة 1952، وكذلك من خلال تأسيسه لحزب التجمع الذي أثرى الحياة الحزبية والبرلمانية المصرية، كما نعته الحكومة على لسان وزير شؤون مجلس النواب قائلة إنه «أثرى العمل الوطني في كل المجالات التي شارك فيها، وكان مخلصاً لمبادئه، نصيراً للدولة المصرية، مسانداً لفقراء الشعب، وكان عند ثقة المصريين فيه في كل موضع».
وفي الجلسة العامة للبرلمان أمس، قال رئيسه علي عبد العال: «ينعي مجلس النواب، بكامل الحزن والأسى، قامة وطنية عظيمة، المرحوم خالد محيي الدين، عضو البرلمان السابق، وعضو مجلس قيادة ثورة يوليو (تموز) 1952، ورئيس حزب التجمع الأسبق ومؤسسه».
ومن جانبه، قال حزب التجمع، ناعياً زعيمه: «فقدت مصر والأمة العربية والقوى الوطنية والاشتراكية العالمية فارس الديمقراطية المناضل خالد محيي الدين».



منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
TT

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقَّعت اليابان والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، مذكرتَي تفاهم تتعلقان بمنحة مخصصة لدعم الأوضاع الإنسانية في اليمن، وذلك في إطار مشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

وجرى توقيع المذكرتين، في جنيف بين القائم بالأعمال بالإنابة في البعثة الدائمة لليابان لدى المنظمات الدولية في جنيف، يوشيزاني إيشئي، والمدير الأول للاستراتيجية والتواصل الخارجي في المنظمة الدولية للهجرة، كيم - توبياس إيلينغ. وتبلغ قيمة المنحة نحو 840 مليون ين ياباني، (5.3 مليون دولار).

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقالت السفارة اليابانية لدى اليمن، في بيان، إن هذا المشروع يأتي في ظلِّ الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يشهدها اليمن جراء النزاع المستمر منذ سنوات، حيث تستضيف محافظة مأرب، التي يبلغ عدد سكانها نحو 3.1 مليون نسمة، أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، يقدَّر عددهم بنحو 1.8 مليون شخص، ويعيش أكثر من 60 في المائة من هؤلاء في ملاجئ طارئة أو خيام.

وأضافت السفارة: «وفق المعطيات المتاحة، يفتقر أكثر من 260 ألف نازح في المحافظة إلى خدمات الرعاية الصحية الملائمة، في حين يضطر أكثر من 50 ألف شخص إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة، مثل البرك وشبكات المياه المتدهورة».

ويهدف المشروع إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين والمجتمعات المستضيفة عبر تنفيذ عدد من التدخلات الإنسانية، من بينها إعادة تأهيل المرافق الصحية والطبية، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بإدارة الكوارث، إضافة إلى إنشاء ملاجئ في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين في مأرب.

ومن المتوقع أن يسهم المشروع - بحسب السفارة اليابانية - في تحسين الأوضاع الإنسانية في المحافظة، بما يعزِّز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التحديات المرتبطة بالنزوح المستمر، مؤكدة أن تحقيق السلام والاستقرار في اليمن يمثل عاملاً مهماً لاستقرار منطقة الشرق الأوسط.

ويُنظَر إلى المشروع، الذي يستهدف تحسين الوضع الإنساني والمساهمة في تعزيز الاستقرار، بوصفه جزءاً من الجهود الرامية إلى دعم الأمن الاقتصادي في المنطقة. وأشارت طوكيو إلى أنها ستواصل العمل بالتعاون مع الأمم المتحدة والدول المعنية لدعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في اليمن.


تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)

سلطت أحدث التقارير الحقوقية الضوء على آلاف الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات في مختلف المدن والمناطق الخاضعة لسيطرتها، بالتوازي مع تحذيرات أممية من استمرار تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي للنساء والفتيات.

وندد المركز الأميركي للعدالة، وهو منظمة حقوقية مقرها في أميركا، في بيان بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الذي يصادف 8 مارس (آذار) من كل عام، باستمرار الانتهاكات المُمنهجة ضد اليمنيات قمعاً وتهجيراً، مُحملاً جماعة الحوثيين التبعات الجنائية المُباشرة غير الإنسانية لتحويل النساء إلى رهائن سياسيات، كما طالب التقرير المعنيين بالعمل على بناء شبكات حماية حقيقية ومستدامة تتجاوز مربع الاستجابات الإغاثية الطارئة، وتعمل على تخفيف وطأة القيود المفروضة على النساء.

«زينبيات» يرفعن أسلحة تظهر عليها شعارات الحوثيين في صنعاء (غيتي)

وبحسب التقرير الحقوقي، فقد تحولت الانتهاكات الحوثية ضد المرأة اليمنية إلى سياسة يومية مُمنهجة، حيث تبرز هذه المنهجية القمعية للجماعة باتخاذ الاعتقال التعسفي والمحاكمات المُسيسة أدواتٍ لكسر الإرادة المجتمعية، كما هو الحال مع المُعتقلة فاطمة العرولي، مؤكداً عدم توقف آلة القمع والترهيب الحوثية عند هذا الحد، لتتسع وتشمل مصادرة الفضاء المدني عبر استمرار تغييب عدد من الناشطات وصاحبات الرأي اليمنيات.

وأشار التقرير إلى أن استمرار تقاعس المنظومة الدولية واكتفاءها ببيانات القلق إزاء الانتهاكات المُتكررة بحق النساء اليمنيات يجعلاها طرفاً متواطئاً في إطالة أمد هذه المعاناة، واستعادة الأمن الإنساني للمرأة اليمنية.

آلاف الجرائم

وثقت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» في تقرير حديث، أكثر من 5.8 ألف جريمة وانتهاك حوثي بحق المرأة في اليمن خلال 9 سنوات، شمل بعضها القتل والإصابات والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، والفصل من الوظيفة والتجنيد القسري.

ورصد الفريق الميداني للشبكة نحو 5.834 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2017 وحتى نهاية 2025، في 15 محافظة، شملت: الحديدة، الضالع، تعز، حجة، ذمار، لحج، مأرب، ريمة، شبوة، إب، صنعاء، البيضاء، الجوف، صعدة، صنعاء، عمران.

وشمل بعض الانتهاكات الحوثية 1.479 جريمة قتل، و3.398 حالة إصابة، و547 حالة اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب، و176 حالة تجنيد قسري للنساء والفتيات، من بينهن طالبات، فضلاً عن انتهاكات أخرى.

يمنية مع طفلها على جسر لعبور المشاة في صنعاء (الشرق الأوسط)

وجاءت هذه الانتهاكات في وقت لا تزال تعاني فيه المرأة في اليمن ظروفاً إنسانية ونفسية بالغة القسوة من جراء استمرار العنف الممنهج، وفقدان الآلاف من أفراد الأسرة والمنازل، إضافة إلى وجود مئات النساء اللواتي يعانين من إعاقات دائمة وتشوهات جسدية ناجمة عن الحرب.

وعلى الرغم من تطور أساليب ووسائل الحرب، يؤكد التقرير أن المرأة اليمنية لا تزال هدفاً مباشراً لهذه الجرائم، مع استمرار القصف الحوثي الذي يطول منازل المواطنين والأحياء السكنية، بما فيها المناطق البعيدة عن خطوط المواجهات.

وطبقاً للتقرير، لا تزال مُعظم النساء اليمنيات يعانين من ضيق نفسي شديد من جراء العنف المفرط وتكرار أعمال القتل والفظائع التي ترتكبها الجماعة الحوثية ضد كثير منهن، وأكد التقرير أنه لا يمر يوم دون موت أو دمار.

كما حمّل التقرير المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المسؤولية القانونية والأخلاقية لحماية المدنيين، وفي مقدمتهم النساء، من الإرهاب والانتهاكات التي يمارسها الحوثيون، داعياً لاتخاذ إجراءات رادعة وعاجلة لوقف هذه الجرائم وضمان مُحاسبة مرتكبيها.

تحذيرات أممية

على وقع هذه الانتهاكات، حذّرت الأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني للنساء والفتيات في اليمن، مؤكدة أن نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة بحاجة عاجلة إلى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

قيود كثيرة ومشددة يفرضها الحوثيون على اليمنيات (أ.ف.ب)

وأوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان، في بيان له، أن تقلّص المساحات الآمنة والخدمات المخصصة للنساء والفتيات في اليمن يزيد من تعرضهن لمخاطر جسيمة، بما في ذلك العنف الأسري، وزواج القاصرات، وأشكال متعددة من الاستغلال.

وأكد البيان أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية يزيد معاناة النساء والفتيات، ويجعل توفير الحماية والدعم لهن أولوية إنسانية ملحّة. مُبيناً أن ملايين اليمنيات ضمن 18 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد هذا العام، ولافتاً إلى أن 3 نساء يمتن يومياً بسبب مضاعفات الحمل، بينما يفتقد 5 ملايين امرأة خدمات الصحة الإنجابية الأساسية.


رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
TT

رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)

على سفرة منزلها في مدينة القاهرة الجديدة بشمال العاصمة، استنسخت أسرة رجل الأعمال السوري أنس ربيع طقوس شهر رمضان التي كانت تمارسها في سوريا... من مأكولات خاصة، إلى مناكفة على مشروب «العرقسوس»، إلى الاحتفاء بالأطفال الصائمين لأول مرة.

ويقول ربيع إن استقرار جزء من عائلته في مصر أتاح استحضار العادات نفسها، وروح الشهر الدمشقية، وإضافة عادات مصرية إليها.

يقيم ربيع في مصر منذ أكثر من عقد، حيث افتتح مصنعاً للشوكولاته، وتوسَّع في عمله، وحصل على إقامة استثمارية تمكّنه من البقاء مطمئناً دون قلق، على عكس سوريين آخرين يمنعهم قلق الترحيل من الاستمتاع بالأجواء الرمضانية، نظراً لانتهاء مدة إقامتهم، سواء التعليمية، أو لزواج من حامل للجنسية المصرية، أو المسجلين لدى مفوضية اللاجئين، ووجود صعوبات في تجديدها في ظل حملة لتقليل أعداد الوافدين في مصر، بحسب مراقبين.

أحد هؤلاء هو الصحافي السوري سامر مختار، الذي رُحّل قبل أيام رغم حملة أطلقها صحافيون ونشطاء لمناشدة السلطات تجديد إقامته لمنع تشتيت شمله عن ابنه الوحيد، المصري الجنسية.

«التكريزة» و«الزفة»

تذهب التقديرات إلى أن حجم الجالية السورية في مصر يصل إلى مليون ونصف المليون نسمة، وفق ما أعلنه رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر أحمد الوكيل في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتتشابه عادات المصريين والسوريين في شهر رمضان، من حيث تزيين المحال والشوارع استقبالاً لشهر الصوم، والإكثار من ولائم الإفطار مع الأهل، والأصدقاء، وارتباطه بأنواع معينة من الحلوى؛ غير أن ذلك لا يخلو من تفاصيل مميزة لكل شعب، فبينما يتفوق المصريون في الزينة، يتميز السوريون بالمأكولات، والمشروبات.

مطاعم سورية ملاصقة لأخرى مصرية في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويبدأ استعداد السوريين لشهر رمضان بـ«التكريزة» التي يصفها ربيع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنها نزهة للعائلة قبل شهر رمضان بأسبوعين أو أقل، احتفالاً بقدوم الشهر، وتوديعاً للتنزه الذي يصعب تكراره مع روتين رمضان الخاص. ولا تزال أسرته تحرص على هذه العادة منذ استقرارها في القاهرة قبل أكثر من عشرة أعوام.

أما إن كان لدى الأسرة السورية طفل يصوم لأول مرة، فالأمر لا يخلو من إقامة «زفة» احتفالاً، وتشجيعاً.

وعن طقس «الزفة» يقول ربيع: «الطفل الذي يبلغ 7 سنوات مثلاً ويرغب في صوم رمضان، نختبره بصيام يوم النصف من شعبان؛ فإذا استطاع صيامه، صام رمضان. وعند الإفطار في أول يوم من الشهر، تنظم العائلة المجتمعة له زفة، مثل زفة العُرس، وتغدق عليه بالأموال احتفالاً به، وتشجيعاً له على الصوم».

المطبخ السوري

لطالما اشتهر السوريون بأطباقهم الشهية التي كانت مفتاحاً لقلوب المصريين. وهم يحتفون برمضان عبر قائمة مأكولات ومشروبات مميزة ترتبط بالشهر، خصوصاً الحلوى، مثل «الناعم»، وهو يشبه الخبز المقرمش مع «الدِبس».

ويحرص هيثم عثمان (31 عاماً)، وهو رجل أعمال سوري مقيم في مدينة 6 أكتوبر جنوبي القاهرة، على إحضار حلوى رمضان السورية لعائلته كل عام منذ استقروا في مصر قبل سنوات.

يقول: «العادات متشابهة إلى حد كبير، خصوصاً العزومات التي تجمع الأهل والأصدقاء طيلة الشهر».

غير أن الناشط السوري سليم سبع الليل يرى أن الحلوى السورية لم تكن متوفرة بسهولة في مصر هذا العام مع غلق الكثير من المطاعم، وعودة أهلها إلى سوريا.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «السوريون كانوا يُفضلون تناول الإفطار خارج المنزل داخل مطاعم تقدم الأكل السوري التقليدي، لكن بعضها أُغلق، ما أثر على هذه العزومات أيضاً».

حالة من القلق تسيطر على السوريين بشأن مستقبلهم في مصر (مفوضية اللاجئين)

وعن المشروبات، يقول ربيع إنها «شيء أساسي على السفرة قبل الإفطار، خصوصاً العرقسوس، والتمر هندي، والجلاب»، وهو مشروب قريب من «العنَّاب» لدى المصريين.

ويظل «العرقسوس» لدى السوريين، كما المصريين، محل مناوشات على وسائل التواصل، وداخل الأُسر كل عام، بين محب وكاره له، وكل ينتقد الآخر على ذوقه.

أما أشهر المأكولات السورية فهي «الشاكرية»، وهي لحم ضأن مطبوخ بالزبادي السوري، بالإضافة إلى «الشوربة» و«البرك»، وهي مخبوزات لا توجد في المطبخ المصري، حسب ربيع.

ويتطرق ربيع إلى عادة أخرى لدى السوريين تتمثل في الوقوف لنحو ربع الساعة أمام المساجد بعد صلاة التراويح، لاحتساء الشاي الذي يُحضره كبار العائلات في أوانٍ تحفظ الحرارة، وهي عادة ما زالوا يمارسونها في مصر.

عادات مكتسبة من المصريين

وعدَّد السوريون في حواراتهم مع «الشرق الأوسط» العادات التي اكتسبوها من المصريين في شهر رمضان، بداية من الزينة على البيوت والطرقات، وانتهاء بـ«شُنط رمضان» التي يعبئون فيها سلعاً غذائية، ويوزعونها على الأسر البسيطة.

يقول ربيع: «أصبحنا نزيّن المنزل احتفالاً بقدوم شهر رمضان، وهي عادة لم تكن لدينا في سوريا».

وعن «سلة رمضان» كما يطلق عليها السوريون، أو «شنط رمضان» الخيرية، قال عثمان: «في سوريا كانت تُوزع على نطاق ضيق. من الممكن أن يُهديها صاحب العمل للعاملين لديه. لكن في مصر تُوزع بشكل واسع على الفقراء والمحتاجين دون وجود أي صلة بين من يوزعها ومن يحصل عليها».

ويلفت إلى أنه تعلم التوسع في هذا العمل الخيري خلال وجوده في مصر.