روحاني يحذر ترمب من أي قرار يضر الاتفاق النووي

الرئيس الإيراني يأمل بسيناريو «مفترق الطرق» بين أوروبا والولايات المتحدة

الرئيس الإيراني حسن روحاني يلقي خطاباً في مدينة سبزوار شمال شرقي إيران أمس (موقع الرئاسة)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يلقي خطاباً في مدينة سبزوار شمال شرقي إيران أمس (موقع الرئاسة)
TT

روحاني يحذر ترمب من أي قرار يضر الاتفاق النووي

الرئيس الإيراني حسن روحاني يلقي خطاباً في مدينة سبزوار شمال شرقي إيران أمس (موقع الرئاسة)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يلقي خطاباً في مدينة سبزوار شمال شرقي إيران أمس (موقع الرئاسة)

رفع الرئيس الإيراني حسن روحاني مستوى التحذيرات الإيرانية من انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق النووي أمس بتأكيده على تخزين المزيد من الصواريخ والأسلحة، متوعداً الإدارة الأميركية بـ«ندم تاريخي» إذا ما قررت الخروج من الاتفاق النووي مع طهران، وفي الوقت ذاته أعرب روحاني عن أمله بأن يتواصل الاتفاق.
وأعلن روحاني في خطاب شديد اللهجة أمس بمدينة سبزوار شمال شرقي إيران، جاهزية طهران لانسحاب الإدارة الأميركية المحتمل من الاتفاق، مشدداً على رفض أي اتفاق جديد حول السلاح وبرنامج الصواريخ الإيرانية، وقال إنها «لن تتفاوض حول برامجها الدفاعية مع أي طرف».
وشكك روحاني في قدرة الولايات المتحدة على القيام بأي عمل ضد إيران وقال: «ترتكب الولايات المتحدة مرة أخرى أخطاء... إذا أرادت الخروج من الاتفاق النووي، سترون قريبا أنه سيكون ندما تاريخيا».
وأشار روحاني ضمنا إلى ما يتردد حول عودة شبح الحرب إلى الأجواء الإيرانية، ونصح نظيره الأميركي بأن يأخذ خبرة الإيرانيين في الحرب الطويلة الأمد مع العراق في الثمانينات بعين الاعتبار.
ووجه روحاني أمس رسائله للداخل الإيراني قبل الخارج، حيث يتعرض لضغوط كبيرة من منتقدي الاتفاق النووي في إيران. وحاول أن يكون مقنعاً للإيرانيين عندما قال إن إدارته أعدت برنامجاً لأي خطوة يقدم عليها الرئيس الأميركي، متهما الأميركيين «بعدم الوفاء بالتزاماتهم فترة تنفيذ الاتفاق النووي» منذ منتصف يناير (كانون الثاني) 2016.
وأوضح روحاني في سياق روايته أن بلاده جاهزة للسيناريوهات المحتلة بعدما أصدر «التعليمات اللازمة» للأجهزة التنفيذية الإيرانية منذ أشهر. ولفت إلى أن أصدر حزمة «تعليمات ضرورية» إلى المسؤولين في منظمة الطاقة الذرية الإيرانية.
وفي إشارة إلى موقف ترمب من الانسحاب اعتبر روحاني كلام ترمب عن «خداع» في الاتفاق النووي «غير منطقي»، لافتاً إلى أن بلاده «لم تخدع أحداً. نحن في المفاوضات مع البلدان الأخرى تفاوضنا حول موضوع حظي بتأييد الأمم المتحدة».
يأتي تصعيد الرئيس الإيراني في سياق الاستنفار بين المسؤولين الإيرانيين على بعد أسبوع من انتهاء مهلة الرئيس الأميركي للدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق النووي لكي ترفع ثغرات الاتفاق الذي وصفه في أكثر مناسبة بـ«الأسوأ» في تاريخ الولايات المتحدة. على مدى أربعة أشهر لم تتوصل الدول الأوروبية إلى صيغة تفاهم تبدد مخاوف الإدارة الأميركية من برنامج طهران لتطوير الصواريخ الباليستية ودور طهران «المزعزع للاستقرار» في الشرق الأوسط، فضلاً عن فقرة «بند الغروب» في الاتفاق النووي والقيام برقابة أكبر من كل المنشآت الإيرانية.
ورفضت طهران خلال الفترة الماضية أي تعديل أو تجديد تفاوض حول الاتفاق النووي.
في جزء آخر من خطابة لمح روحاني إلى إمكانية استمرار الاتفاق النووي من دون أميركا وقال إنه «من الممكن أن يفكر الأميركيون بعدة مشاريع» وأضاف: «إما يخرجون من الاتفاق النووي أو يلحقون أضرارا به» وفي الأثناء فتح روحاني الباب أمام استمرار الاتفاق النووي من دون الولايات المتحدة عندما أشار إلى مفترق طرق بين الأميركيين والأوروبيين حول استمرار الجانب الأوروبي بتنفيذ الاتفاق في حال انسحب ترمب.
على صعيد القضايا الإقليمية أعرب روحاني عن رغبة إيرانية «في الحوار مع العالم لكي يعود الأمان إلى المنطقة». وأشار روحاني ضمنا إلى مفاوضات إيرانية/ أوروبية كشفت عنها وكالات أنباء حول الأوضاع في المنطقة، لكنه تجنب التطرق إلى التفاصيل. وزعم روحاني في هذا الصدد، أنه «يجب أن نقول للعالم أننا نحارب الإرهاب في أي مكان من المنطقة».
ونفى روحاني وجود خلافات داخلية في إيران، وقال مخاطبا الإدارة الأميركية: «الجميع هنا متحدون وعلى ترمب أن يعرف ذلك جيدا».
في سياق آخر، قال علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني في الشؤون الدولية علي خامنئي، إن «إيران ستواجه أي شروط يفرضها الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي»، مضيفاً أن «يد إيران مفتوحة للرد على أي قرار حول الاتفاق النووي» وفق ما نقلت عنه وكالة إيسنا.
وقال عضو لجنة الإشراف على تنفيذ الاتفاق النووي (ولايتي) على هامش معرض كتاب طهران الدولي ردا على سؤال حول خيارات طهران المتاحة بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي: «إن الأميركيين بإمكانهم أن يختبروا إذا ما أرادوا الانسحاب من الاتفاق النووي أو يبدأوا لعبة سياسية جديدة تمنع إيران من مستحقاتها، ستواجه إيران الأوضاع التي تريدها الولايات المتحدة وستُندم (إيران) الأميركيين».



روسيا تندد بضربة أميركية إسرائيلية قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية

المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
TT

روسيا تندد بضربة أميركية إسرائيلية قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية

المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)

ندَّدت وزارة الخارجية الروسية، اليوم الأربعاء، بالضربة التي استهدفت محطة بوشهر النووية الإيرانية أمس، والتي قالت إنها وقعت على بُعد أمتار قليلة من وحدة لتوليد الطاقة، ودعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف مهاجمة المنشآت النووية لطهران.

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وأدلت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الوزارة، بهذه التصريحات، في مؤتمر صحافي.

وقامت روسيا ببناء محطة بوشهر، وتساعد إيران في تشغيلها.

وأبلغت إيران، أمس الثلاثاء، الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن الهجوم لم يتسبب في أضرار مادية أو بشرية.


استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران
TT

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

ذكرت وكالة «تسنيم» للأنباء شبه الرسمية، أن بعض المنشآت التابعة لقطاع النفط في حقل بارس الجنوبي ومنطقة عسلوية في إيران تعرضت لهجوم، الأربعاء، مضيفة أن حجم الأضرار لم يتضح بعد.

وأضافت الوكالة أن منشآت بتروكيماوية في حقل بارس الجنوبي كانت من بين الأهداف.

قال التلفزيون الرسمي في إيران، الأربعاء، إن طهران استهدفت تل أبيب بصواريخ ​تحمل رؤوساً حربية عنقودية، فيما وصفته بأنه رد على قتل إسرائيل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.

بدوره، قال وزير الخارجية ​الإيراني عباس عراقجي إن موقف طهران ‌الرافض لصنع ‌أسلحة ​نووية ‌لن ⁠يتغير ​بشكل كبير، ⁠مشيراً إلى أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي لم يعبّر بعد ⁠عن رأيه ‌علناً ‌في هذا الشأن.


واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
TT

واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)

مع نهاية الأسبوع الثالث من الحرب ضد إيران، تبدو الصورة أقل التباساً من الضوضاء السياسية المحيطة بها... فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا بالفعل اختراقات عسكرية هائلة: تصفية قيادات عليا، وتدمير واسع للبنيتين الصاروخية والبحرية، مع التآكل الواضح في قدرة طهران على الضرب بالحجم نفسه الذي بدأت به الحرب.

لكن هذا التقدم لم يُترجم حتى الآن إلى نهاية سياسية واضحة، لا في شكل انهيار للنظام، ولا في شكل قبول إيراني بشروط أميركية نهائية. وفي هذا التوقيت، لا تبدو طهران على وشك الانهيار، كما لا تبدو واشنطن في وارد التراجع، وفي هذه الفجوة تحديداً يتموضع السؤال الأهم: أين تقف واشنطن من تحقيق أهدافها فعلاً، وهل تضغط على طهران نحو التفاوض، أم تدفعها إلى مزيد من التشدد واستخدام مضيق هرمز سلاحاً لمساومة العالم؟

تفوق عسكري دون حسم سياسي

على المستوى العسكري، يصعب إنكار أن واشنطن تمضي بعيداً في تحقيق أهدافها المباشرة. فالحملة الأميركية - الإسرائيلية أصابت منذ يومها الأول مئات المواقع، واستهدفت القيادة العليا والبنية الصاروخية والدفاعات الجوية ومراكز «الحرس الثوري»، فيما تقول إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن قدرات إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة تراجعت بشكل حاد. كما أن مقتل علي لاريجاني، الذي كان يُنظر إليه بوصفه القائد المدني الفعلي في ظروف الحرب، وغلام علي رضا سليماني قائد «الباسيج»، يمثل ضربة إضافية ثقيلة لطبقة القيادة التي تدير الأمن الداخلي والحرب معاً.

هنا يبرز ما قاله مايكل روبين، كبير باحثي شؤون إيران والشرق الأوسط في «معهد أميركان إنتربرايز»، لـ«الشرق الأوسط»: «عسكرياً، تهزم الولايات المتحدة إيران بسهولة. لكن في الرأي العام، تتفوق إيران على الولايات المتحدة عبر عملياتها المعلوماتية وحربها النفسية».

وهذه الملاحظة تصيب جوهر المرحلة الراهنة. فواشنطن، وفق روبين، «أزالت قسماً كبيراً من القيادة الإيرانية، وضربت بدقة معظم الأهداف التي أرادت إصابتها، بما يوحي بأن البنتاغون كان يجمع بنك الأهداف منذ سنوات طويلة». ويضيف روبين: «لكن هذا النجاح لم يتحول بعد إلى سردية انتصار سياسي مكتمل؛ لأن طهران لا تزال قادرة على إظهار تماسك الدولة، وعلى تصوير الحرب بوصفها معركة صمود لا هزيمة».

المشكلة أن أجهزة الاستخبارات الأميركية نفسها كانت قد قدّرت قبل الحرب أن هجوماً واسعاً لن يكون كافياً لإسقاط النظام الإيراني أو فتح الطريق سريعاً أمام بديل داخلي. وبعد أكثر من أسبوعين من القصف، لا تزال التقديرات الغربية تتحدث عن نظام أضعف؛ لكنه أشد تصلباً مع قبضة أكبر لـ«الحرس الثوري»، لا عن نظام يتداعى. بهذا المعنى، فإن واشنطن تقترب من تحقيق «سقفها العسكري» أكثر مما تقترب من إنجاز «هدفها السياسي» الأشمل، خصوصاً إذا كان هذا الهدف يتجاوز الردع وتخريب البرنامجين الصاروخي والنووي إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية في إيران.

لاريجاني لدى تقديم أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة بمقر الانتخابات الإيرانية في طهران خلال مايو 2024 (أ.ف.ب)

إضعاف للنظام أم دفعه لمزيد من التشدد؟

اغتيال لاريجاني مهم ليس فقط لرتبته، بل لدلالته. الرجل كان يوصف في تغطيات أميركية بأنه من أكبر الشخصيات قدرة على الجمع بين البراغماتيين والمتشددين، كما كان يمثل، في نظر بعض التقديرات، شخصية يمكن أن تتكلم مع الغرب بلغة سياسية أعلى مرونة من كثيرين داخل الحلقة الصلبة. لذلك؛ فإن مقتله يضعف، دون شك، القدرة المؤسسية للنظام، لكنه قد يدفع أيضاً نحو نتيجة معاكسة: تقوية الجناح الأكبر تشدداً وارتباطاً بـ«الحرس الثوري»، أي الجناح الأقل استعداداً لتقديم تنازلات سريعة.

وتعزز التقارير الأميركية والإسرائيلية الأخيرة هذا الاستنتاج؛ فـ«واشنطن بوست» نقلت عن تقديرات استخبارية أميركية أن النظام الإيراني يرسخ سلطته رغم الخسائر، وأن الاحتمال الأرجح هو بقاء الجمهورية الإسلامية، ولكن في صيغة أكبر تشدداً وتغولاً أمنياً، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن الرهان الإسرائيلي على انتفاضة شعبية سريعة يصطدم بواقع أن أجهزة القمع لا تزال ممسكة بالأرض، وأن أي حراك واسع قد يتعرض لمذبحة أكثر من تحوله إلى تغيير نظام.

وهنا يبرز رأي باراك بارفي، الباحث في «نيو أميركا»، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، بوصفه النقيض المباشر بشكل شبه كلي لقراءة روبين. يقول: «مع كل يوم يمر، تزداد مغالطات هذه الحرب اتضاحاً، كما يزداد اتضاحاً عجز الإدارة عن إيجاد مخرج منها. وبينما يتباهى الرئيس بأن الحرب تسير بشكل رائع، فإن الواقع أنه لا يملك مخرجا آمناً لإنهائها». يذهب بارفي أبعد من ذلك حين يعدّ أن الإيرانيين هم من سيحددون توقيت نهاية الحرب، لا ترمب. قد يكون في هذا الرأي قدر من المبالغة إذا قيس بحجم التدمير العسكري الذي لحق بإيران، لكنه يلتقط عقدة أساسية: طهران لم تعد تراهن على كسب الحرب في الميدان، بل على إفشال ترجمة الإنجاز الأميركي إلى تسوية سياسية مريحة لواشنطن. وهذا فرق جوهري.

ناقلة نفط راسية في مسقط بعد تعطل حركة الملاحة بمضيق هرمز (رويترز)

مضيق هرمز لم يُحسم

إذا كان ميزان النار يميل بوضوح إلى واشنطن، فإن ميزان الضغط السياسي والاقتصادي لا يزال أشد تعقيداً. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، تحول إلى عقدة الحرب الأساسية.

واللافت أن الولايات المتحدة، رغم سيطرتها الجوية وضرباتها المكثفة، لم تنجح حتى الآن في تحويل هذه السيطرة إلى «أمن ملاحي» كامل. تقارير أميركية وصفت المضيق بأنه أشبه بـ«صندوق قتل» بفعل الصواريخ المتحركة والزوارق السريعة والألغام والطائرات المسيّرة، فيما تباطأت حركة الشحن وارتفعت أسعار النفط العالمية بقوة.

هنا أيضاً تتكشف حدود القوة الأميركية. فترمب صعّد هجومه على الأوروبيين وحلفاء «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» بعدما رفضت دول أساسية إرسال قوات بحرية للمشاركة في فتح المضيق، بينما شدد قادة أوروبيون على أن هذه ليست حربهم، وأن الـ«ناتو» تحالف دفاعي لا يُلزمهم بالانضمام إلى حرب اختيارية في الشرق الأوسط.

هذا الرفض ليس تفصيلاً دبلوماسياً؛ إنه مؤشر إلى أن واشنطن تريد تدويل تكلفة إدارة الأزمة بعدما انفردت شبه كلياً بقرار إشعالها. كما أنه يفسر جانباً من نبرة ترمب الغاضبة: هو يريد من الحلفاء تخفيف الضغط الاقتصادي الذي قد يرغمه هو نفسه على إنهاء الحرب قبل أوانها السياسي المرغوب.

لكن القراءة الأخرى، الأقرب إلى منطق ترمب، تقول إن الرجل يحاول تحويل هرمز من نقطة ضعف إلى أداة ابتزاز استراتيجية. فما دام أن العالم - من أوروبا إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية - يحتاج إلى انسياب الطاقة عبر هذا الممر، فإن واشنطن تستطيع أن تستخدم الأزمة لفرض اصطفافات جديدة وتحصيل أثمان سياسية وأمنية من الجميع.

غير أن هذه المقاربة، حتى لو صحت، تبقى محفوفة بالمخاطر؛ لأن استمرار إغلاق المضيق أو اضطرابه لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط أيضاً على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأميركي نفسه قبل انتخابات التجديد النصفي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع مع أعضاء مجلس أمناء مركز «جون إف كيندي» للفنون المسرحية في واشنطن (إ.ب.أ)

هل اقتربت طهران من المفاوضات؟

الجواب الأدق عن هذا السؤال هو: اقتربت من الاختبار التفاوضي، لا من التسوية بعد... فالمعطيات المتوفرة تشير إلى إعادة تفعيل قناة اتصال مباشرة بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق «أكسيوس»، في أول تواصل معروف منذ اندلاع الحرب. لكن طهران سارعت إلى النفي، وكرر عراقجي أن التفاوض لا يكون تحت التهديد.

ولا يعني هذا التناقض أن التواصل غير موجود بالضرورة، بل يعني أن ما يجري لا يزال في مرحلة جس النبض ومحاولة استكشاف الشروط، لا في مرحلة تفاوض رسمي على وقف دائم للحرب.

المؤشر الأهم هنا أن واشنطن نفسها لا تبدو واثقة بمن يملك قرار التفاوض داخل طهران بعد سلسلة الاغتيالات، وأنها تشك في أن عراقجي مخول فعلاً حسم المسائل الكبرى. وفي المقابل، تقول التقديرات الأميركية إن النظام لا يزال متماسكاً بما يكفي لرفض «استسلام» سريع، فيما يفضّل استخدام هرمز والصمود الداخلي لرفع تكلفة الحرب على خصومه. لذلك؛ يبدو أن إيران تريد التفاوض من «موقع مَن لم يسقط»؛ لا من «موقع مَن هُزم بالكامل»، وأنها تسعى أولاً إلى ضمانات أقوى من مجرد هدنة تسمح لواشنطن وإسرائيل بإعادة التموضع.