الكاتب والقس تشاندلر: كتابي إبحار في روحانية جبران خليل جبران

يرى أن فلسفته تتوافق مع نظرة الشباب للعالم اليوم

المؤلف في محاضرة عن جبران
المؤلف في محاضرة عن جبران
TT

الكاتب والقس تشاندلر: كتابي إبحار في روحانية جبران خليل جبران

المؤلف في محاضرة عن جبران
المؤلف في محاضرة عن جبران

بول غوردون تشاندلر، مؤلف وأمين معارض فنية، وهو قس أيضاً، عرف بدعواته للحوار بين الأديان. ولتحقيق هذا الغرض، أسس ورأس منظمة «كارافان للفنون الداعمة للسلام»، وهي منظمة غير حكومية، تستخدم الفن، كما هو واضح من اسمها، أداةً لبناء جسور بين الشرق الأوسط والغرب. وقد قضى بول الجزء الأكبر من حياته في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ مما جعله مهتماً بالعلاقات بين المسلمين والمسيحيين. وقد أصدر تشاندلر حديثاً كتاباً يتناول فيه جبران خليل جبران حمل عنوان «بحثاً عن نبي: رحلة روحانية مع خليل جبران». هنا حوار معه:
• تصف عملك بأنه «بناء السلام بين معتقدات وثقافات الشرق والغرب من خلال الفنون. كيف تمكنت من تحقيق ذلك في كتابك الجديد عن خليل جبران «بحثاً عن نبي»؟
- كتابي هو رحلة وإبحار في حياة وأعمال وروحانية خليل جبران، محاولاً استكشاف تأثير طفولته ونشأته، ومتتبعاً مسار حياته، وكيف وصل إلى تلك الحالة من التقبل الكوني والاحتواء للأطياف والأشكال كافة.
لقد اكتشفت أن خليل جبران شخصية مميزة تجمع بين الشرق والغرب؛ لذا يمكن الاسترشاد بشخصيته الفريدة وسيرته في زمننا هذا فيما يتعلق بالسلام والتناغم، وبناء الجسور بين ثقافات ومعتقدات الشرق والغرب. كذلك، هناك علاقة بين حياته ونهجه وأعماله، والكثير من الموضوعات المهمة في يومنا هذا، مثل سعيه لتجسير الهوة بين المعتقدات والثقافات المختلفة، والاهتمام بالبيئة، والمساواة بين الجنسين، والاهتمام بالروحانية، والهجرة، ووضع اللاجئين، والصراع في منطقة الشرق الأوسط.
وتم تسليط الضوء على هذا من خلال معرضين فنيين مهمين لبناء السلام أقيما في البحرين ومصر لعرض أعمال 36 فناناً معاصراً من الشرق الأوسط مستلهمة من رسالة السلام والتآلف التي حملها جبران. من المقرر دمج الأعمال الفنية التي تم تقديمها في المعرضين في معرض واحد أكبر يتم إقامته في دار «سوثبيز» بلندن في الصيف المقبل خلال الفترة من 6 حتى 10 أغسطس (آب) 2018.
• تم التركيز في كتاب «بحثاً عن نبي» على الجانب الروحاني لجبران. هل كان من الصعب إماطة اللثام عن أسرار روحانية جبران؟
- نظراً لوجود الكثير من الكتب التي تناولت سيرة جبران، أردت الغوص بشكل أعمق في التكوين الروحاني الداخلي له، والانغماس في كتاباته والبيئات التي شكلته. ساعد ذلك في أن تخرج أعماله إلى الحياة بالنسبة لي فقد كانت روحانيته منسوجة ومتغلغلة في كل ما فعله. بشكل أكثر تحديداً، لقد سعيت وراء فهم ما أدى إلى تحوله من شخص مولود في مجتمع مسيحي طائفي غير متسامح في ذلك الوقت إلى شخص متسامح متقبل لكل ما في عالمنا؛ مما جعله مقبولاً لدى الجميع. دفعني هذا إلى أن أجوب المتاحف والمعارض الفنية، والكنائس، والمساجد حول العالم، وكذلك إلى تأمل الثورات والثورات المضادة، كما أنه قاد خطاي نحو نقاط تأثير يصعب الوصول إليها ذهبت إليها كتاباته وأعماله الفنية.
لقد بدأت بقرية بشري حيث ولد، التي تقع في مكان مرتفع في قلب جبال لبنان المغطاة بالثلوج، ثم إلى بوسطن حيث هاجر هو وأسرته، وباريس حيث كان يتدرب على الفن، ونيويورك حيث قضى الجزء الأكبر من حياته المهنية، وصولاً إلى المكسيك في متحف «سمية» الذي يحتوي على أكبر مجموعة من أعمال جبران الفنية والأدبية في الغرب. وكذلك، ذهبت إلى الكثير من الأماكن الواقعة بين نصفي الكرة الأرضية مثل القاهرة في مصر، حيث تم نشر أكثر كتاباته باللغة العربية في الشرق الأوسط للمرة الأولى، ومدينة سافاناه في ولاية وجورجيا، حيث متحف «تيلفير»، الذي يضم أكثر أعماله في الولايات المتحدة الأميركية، ومدينة ديترويت، حيث «المتحف العربي - الأميركي الوطني» الذي يركز على إرثه، فضلاً عن أماكن كثيرة أخرى حول العالم توجد بها آثار، أو شوارع، أو مدارس، أو متنزهات تحمل اسمه.
• يضعك عملك في بناء السلام وسط تنوع عرقي وديني هائل يكون أحياناً دقيقاً وحسّاساً للغاية. فيما يتعلق بجبران، ما العقبات المماثلة التي واجهتها أثناء تأليفك الكتاب، وكيف تغلبت عليها وتجاوزتها؟
- بصراحة كانت أكبر عقبة واجهتها عند تأليفي للكتاب هي انتقاء أجزاء من مادة علمية هائلة متاحة عن جبران، واختيار ما ينبغي التركيز وتسليط الضوء عليه وهو عمق رحلته الروحانية.
تناول جبران الكثير من المسائل والأمور الحسّاسة في كتاباته، لكنه فعل ذلك بإبداع وشاعرية وبطريقة تحفز التأمل العميق، وتلهم القرّاء، وتحثّهم على الارتحال في قلب العالم الروحاني. وقد ساعدت الصور التي رسمها جبران من خلال أشعاره، وعمق حكاياته الرمزية وأمثولاته في كسر الحواجز، وجذبنا نحو ما أطلق عليه «أنفسنا العليا». لم يكن لدي أدنى فكرة عن مدى تأثيره على مستوى العالم، سواء من حيث انتشاره جغرافياً، أو مدى تنوع واتساع الفئات والجماعات التي تعرفه. فوجئت أثناء إقامتي وعملي في الشرق الأوسط بمشاعر الحب والإعجاب الفيّاضة تجاه جبران في أنحاء الشرق الأوسط ومناطق كثيرة من الغرب؛ فهو مدعاة فخر الشرق ومثار إعجاب الغرب؛ لذا كان شخصية تجمع وتوحد، حتى أن كل جماعة يمكن تصورها أياً كان دينها تتبارى على نسبه إليها. أعتقد أن هناك حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الاستماع إلى الأصوات التي تدعونا إلى الوحدة والاحترام، والاتجاه نحو العيش بعمق وكرم فكراً وقولاً وعملاً فيما يتعلق بالآخر أياً كانت هويته؛ وما جبران سوى ذلك الصوت، حيث تقدم لنا تبصراته العميقة في زمننا هذا حكمة وإرشاداً نحن في أمسّ الحاجة إليهما، وهذا هو سبب تأليفي الكتاب.
• وصفت عملك بين معتنقي الأديان المختلفة، وبخاصة بين المسيحيين والمسلمين بأنه «البناء على الجانب المظلم من القمر». هل لك أن توضح لنا معنى هذه الصورة، ودور الفن في هذا الأمر تحديداً؟
- أنجح طريقة في تجربتي لبناء علاقات يسودها السلام والوئام هي الاستناد إلى الأمور المشتركة التي تجمع بين المسلمين والمسيحيين. تعجبني صورة «البناء على الجانب المظلم من القمر»؛ لأني أرى الهلال الرفيع من القمر، وهو أحد رموز الديانة الإسلامية، باعتباره الجزء الذي يمكننا رؤيته من القمر بسبب انعكاس ضوء الشمس، لكن عندما ترى هلالاً، يكون الجزء الأكبر من القمر مظلماً؛ لذا شبهت هذا الهلال الرفيع بالأمور المختلفة بيننا، والجانب المظلم الكبير (الجزء الأكبر من القمر) بالأمور المشتركة. من المهم بناء علاقاتنا على «الجانب المظلم من القمر». كثيراً ما تعمي الإضاءة المستمرة لاختلافاتنا أبصارنا إلى حد لا نستطيع معه رؤية كل ما يجمعنا من أمور مشتركة.
• لم يكن يُعرف عن خليل جبران ارتباطه بعلاقات وثيقة بشخصيات دينية، لكنك قسّ أسقفي، تمكنت من الوصول إلى تأويل روحاني رائع للكاتب، كيف فعلت ذلك؟
- قضيت الثمانية عشر عاماً الأولى من عمري في السنغال في مجتمع ذي أغلبية مسلمة، وجعلتني نشأتي في أسرة مسيحية تنتمي إلى الأقلية متحمساً تجاه بناء الجسور مع أخوتي المسلمين، وأخواتي المسلمات الذين كنت أعدهم من أصدقائي المقربين منذ البداية. وقد وجدت في جبران رفيقاً روحانياً يسعى وراء الهدف نفسه، كما توضح كلماته بشدة: «إنك أخي وأنا أحبك. أحبك وأنت تتعبد في كنيستك، أو تجثو على ركبتيك في معبدك، أو تصلي في مسجدك. أنا وأنت أبناء دين واحد لأن مسارات الدين المختلفة ما هي إلا أصابع ليد القوة العليا المحبة الممتدة إلى الجميع والتي تقدم كمال الروح إلى الجميع، وتود استقبال الجميع» (من كتاب «دمعة وابتسامة»، فصل «صوت شاعر»).
تناولت كتابات جبران في بداية مسيرته المهنية الظلم والنفاق الذي لمسه لدى الشخصيات والرموز الدينية في شبابه؛ مما أدى إلى تهديده بالحرمان الكنسي. مع ذلك، بمرور الوقت أصبحت نبرته أقل حدة، وتحولت نحو النهج الشمولي المتقبل، لكن المفارقة أنه قد تم تكريمه من كل الأديان في نهاية حياته، واستقبال جثمانه بالترحاب في وطنه لبنان كابن شهير محتفى به. وقع على كاهل جبران العثور على سبيل لتوصيل نسخة غير طائفية من الروحانية.
• هل تعتقد أن جبران قادر على جذب الجيل الجديد من الشباب، وإذا كان الأمر كذلك فما السبب في ذلك برأيك؟
- أعتقد أن أكثر الشباب قد نشأوا في مجتمعات تتسم بالتعدد والتنوع، وكوّنوا صداقات تمثل بشكل تلقائي وعفوي جسراً عابراً بين الانقسامات التي عادة ما تكون نظرية بطبيعتها بالنسبة إلى جيل الآباء والأجداد. لذا؛ أعتقد أن نظرة جبران للعالم ذات الطابع الكوني الشمولي وفلسفته تتوافق مع نظرة الكثير من الشباب للعالم اليوم، لكنهم لا يعرفونه. ومن الأسباب التي دفعتني إلى تأليف هذا الكتاب هو تعريف الجيل الجديد بجبران؛ وقد أهديت الكتاب إلى طفلي الاثنين.
من المؤكد أن الانتباه إلى حكمته سوف يساعد كثيراً في شفاء عالمنا اليوم، في زمن أصبح فيه من الصعب الإصغاء إلى أصواتنا الداخلية، وأرواحنا، أو حتى احتياجاتنا الروحية، يقدم جبران نموذجاً لشخص شيّد غرفة للصمت من أجل الإصغاء إلى وكز روحه الهادئة بنية السماح للحظات السعادة والشقاء في حياته بالامتزاج معاً مكونة صوتاً واحداً، وهذا هو «الصوت داخل الصوت» الذي أراد جبران أن يسمعه قراؤه عند قراءة كتاباته.
• لقد زرت لبنان، وتحديداً بلدة ومسقط رأس جبران. ما ذكرياتك عن هذه الزيارة، وهل ساعدتك في فهم الشاعر بشكل أفضل وأعمق؟
- لبنان من الأماكن المفضلة لي والمحببة إلى قلبي في العالم، حيث يمثل شعبه وطعامه وتاريخه وجماله مصدر إلهام لي في كل مرة أزوره فيها. لقد بدأت رحلتي في بلدة بشري، ونفخت تلك الرحلة الحياة في الكثير من الصور التي نجدها في كتابه الشهير «النبي»، مثل الجبال، والقرويين، والحكماء، وثروة جمال الطبيعة. وعلى الرغم من أنه عاش اثني عشر عاماً فقط من حياته وسط هذه الجبال الساحرة، مثلت تلك الفترة أساس جانبه الروحاني، ونظرته للعالم حتى نهاية حياته. على عكس الأجواء الهادئة الرائعة المحيطة به، ولد جبران لأسرة مسيحية مارونية إبّان فترة سادتها الاضطرابات والصراعات السياسية والدينية، وكذلك كانت من الفترات التي هيمن فيها فساد السلطة الدينية خلال النصف الثاني من حقبة الاحتلال العثماني، الذي دام 1400 عام، وكان لكل تلك الظروف تأثير على حياته وأعماله لسنوات.
عندما بلغ جبران الثانية عشرة من العمر هاجر مع أسرته إلى أميركا، وهناك قضى فترة مراهقته وبلوغه كمهاجر. من المثير للاهتمام اكتشاف جبران امتلاكه حرية الكتابة على نحو لم يكن ليتاح له في العالم العربي آنذاك. وكان قادراً بفضل خلفيته المتفردة المميزة على تحقيق الالتقاء بين الشرق والغرب الذي كان تجسيداً له، واستكشاف وحدة البشر والتحول إلى جسر طبيعي حي بين المعتقدات والثقافات المختلفة. كما قال كلود براغدون، المعماري والكاتب الأميركي البارز، وصديق جبران المقرب عنه: «تنبع قوته من مخزون هائل من الحياة الروحية، الذي لولاه لما كان عالمياً وقوياً إلى هذا الحد. لكن جمال وجلال لغته التي كانت تكسو تلك المعاني نابعان من هبة متفردة تمتع بها».


مقالات ذات صلة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة...

عمر شهريار
ثقافة وفنون الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي و...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ستيفانوس جيرولانوس

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة.

ندى حطيط

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.