أفغانستان تتحول ساحة للتعاون الاستراتيجي بين الصين والهند

مودي وجينبينغ في مدينة ووهان الصينية في 28 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
مودي وجينبينغ في مدينة ووهان الصينية في 28 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان تتحول ساحة للتعاون الاستراتيجي بين الصين والهند

مودي وجينبينغ في مدينة ووهان الصينية في 28 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
مودي وجينبينغ في مدينة ووهان الصينية في 28 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

في الأسبوع الماضي، وبعد ستة جولات من المحادثات التي امتدت لما يقارب 10 ساعات على مدار يومين، شملت نزهة على ضفاف بحيرة وركوب قارب واحتساء الشاي، بدأ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جينبينغ عملية طويلة وشاقة من إصلاح العلاقات الثنائية.
وكما كان متوقعا، لم تسفر القمة عن أي بيانات لافتة للمصالحة بين نيودلهي وبكين بعد عامين قاسيين من العلاقات المضطربة. وبرغم ذلك، وفي تطور كبير، وافقت كل من الهند والصين على العمل المشترك في أحد المشاريع الاقتصادية بأفغانستان، وهو التطور الذي من المتوقع أن يُربك باكستان التي كانت تعمل بكل جدية على استبعاد الهند من المنطقة التي تعتبرها ساحتها الاستراتيجية الخلفية.
وكشف أحد المصادر الرسمية المطلعة، شريطة عدم الكشف عن هويته، أن المسؤولين الهنود والصينيين سيعملون على تحديد المشاريع ووضع أساليب التعاون المشترك عبر القنوات الدبلوماسية المعهودة. ويعد التقارب الهندي - الصيني في أفغانستان الذي يأخذ شكل المشروع الاقتصادي المشترك، من الأمور الجديدة في هذه المنطقة.
ويتوقع أن يكون هناك المزيد من المشاريع المشتركة بين الجانبين في دول الجوار مثل نيبال وسريلانكا وميانمار، ودول أخرى من رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان). كما أن أفريقيا تعتبر من القارات المليئة بالإمكانات بالنسبة لآفاق التعاون المشترك. وقال نائب وزير الخارجية الصيني، كونغ زوانيو، في مؤتمر صحافي عقد في نهاية القمة: «سوف يكون هناك المزيد من المشاريع الصينية - الهندية المشتركة في المنطقة وهي لا تزال في طور الإعداد، وبعض منها سوف يشمل أطرافا ثالثة».
- لماذا أفغانستان؟
يقول الكاتب ميناز ميرشانت إن «أفغانستان هي رقعة الشطرنج الجديدة التي تشهد لعبة التنافس السياسي الحديثة بين الهند والصين». وهي إشارة على أن الزعيمين قد نجحا، إلى حد ما، في معالجة حالة انعدام الثقة التي بصمت العلاقات الثنائية بينهما خلال السنوات القليلة الماضية، مما يعكس قدرتهما على التعاون في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة إسناد نيودلهي كقوة إقليمية موازية لبكين في منطقة المحيطين الهندي والهادي. وقد يكون الاتفاق المشار إليه رمزيا، ولكنه يحمل قدرا كبيرا من الأهمية للتعاون في آسيا وللسلام في أفغانستان، وهو يشكل توبيخا ضمنيا لكل من الولايات المتحدة وباكستان على مواصلة انتهاج نفس السياسات في أفغانستان.
وسوف تكون استجابة باكستان لهذه التطورات رهن الاهتمام الشديد، إذ تُجري إسلام آباد محادثات مع بكين بشأن الممر الاقتصادي مع الصين إلى أفغانستان. وتتناقض المبادرة الهندية - الصينية مع توقعات إسلام أباد من حليفها الثري في بكين.
من جانبه، يقول المعلق السياسي ياش جوهري إنه «من خلال الموافقة من حيث المبدأ على العمل المشترك مع الهند في أفغانستان، اتخذ الصينيون خطوة تتسم بالجرأة الشديدة. أولا، ومن هذا المنطلق، لقد اعترفوا بالسجل الهندي طويل الأمد إلى جانب خبراتها في توفير مساعدات التنمية الاقتصادية إلى أفغانستان. وبالنظر إلى معارضة باكستان للتواجد الهندي في أفغانستان، فإن التعاون الصيني مع الهند يمكن أن يعتبر بوليصة تأمين ضد الهجمات على المشاريع الاقتصادية الهندية في أفغانستان. ومما يُضاف إلى ذلك، دعا الرئيس دونالد ترمب في خطاب استراتيجيته الأفغانية - الباكستانية في خريف عام 2017. الهند إلى مواصلة مساعدة أفغانستان اقتصاديا. ومن المؤكد أن الاهتمام الصيني بالتعاون مع الهند في هذا الصدد لن يمر مرور الكرام على الساسة في واشنطن».
ويقول مختلف المحللين السياسيين إن قرار الرئيس الصيني بالعمل المشترك في المشاريع الاقتصادية في أفغانستان يبعث بمشاعر الارتياح لتهدئة الكثير من المخاوف والهواجس الصينية والهندية. أولا، من شأن مشاريع البنية التحتية الهندية - الصينية المشتركة أن تجذب الهند، بشكل غير مباشر، إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية الطموحة، والتي سوف تمتد لتشمل أفغانستان وفق ما صرح به الرئيس الصيني في أواخر العام الماضي. ولقد رفضت الهند الانضمام المباشر إلى تلك المبادرة، لأنها تمر عبر إقليم كشمير الذي تزعم الهند أن تبعيته تعود إليها ويخضع لاحتلال القوات الباكستانية.
ثانيا، كي يحدث ذلك، لا بد من عودة السلام إلى أفغانستان مع انضمام حركة طالبان إلى الحكومة الائتلافية الأفغانية في مرحلة معينة من المراحل. ويشهد الممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني، وهو جزء لا يتجزأ من مبادرة الحزام والطريق، بالفعل تهديدات أمنية من متمردين بلوش. وعودة السلام إلى ربوع المنطقة من الأمور الأساسية لإنجاح مبادرة الحزام والطريق الصينية. ويمكن للدور الاقتصادي الهندي في أفغانستان، المدعوم الآن من جانب الصين، أن يساعد في تعزيز هذه الجهود.
كما أن رئيس الوزراء الهندي يرغب في نوع من الضمانات بأن باكستان لن تغامر بألاعيب حدودية جديدة حتى ميعاد إجراء الانتخابات الوطنية في عام 2019. باعتبار الصين راعيها الرسمي. بهذا الصدد، يقول أنكيت باندا كبير محرري صحيفة «ديبلومات»: «سوف يكون هناك قدر من مصالح الجيوسياسية المتداخلة لدى نيودلهي وبكين بشأن الاستقرار في أفغانستان، وقدرتهما على مواصلة التعاون الثنائي بشكل مثمر في أفغانستان محدودة في نهاية المطاف بسبب الكثير من العوامل الهيكلية الأخرى. والأطراف، ولا سيما باكستان والولايات المتحدة على وجه الخصوص، سيكونان لاعبين مهمين في هذا الصدد. وقد يتزايد دور واشنطن خلال السنوات المقبلة، إذ عكست إدارة الرئيس ترمب الجدول الزمني لانسحاب إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما من أفغانستان، كما توحي الحالة الأمنية في أفغانستان بعلامات طفيفة على التحسن طويل الأجل».
- ما وراء التودد الصيني للهند؟
تشهد التطورات الجيوسياسية تغيرات سريعة للغاية. وتخوض الصين حربا تجارية مع الولايات المتحدة. ويدرك الرئيس الصيني أن الهند والولايات المتحدة تطوران سويا شراكة عسكرية واستراتيجية قوية، ويمكن لنيودلهي أن تتحول إلى حليف محتمل لدى واشنطن وطوكيو في مواجهة بكين. وهذا هو السبب في لعب الرئيس الصيني ببطاقة «السياسة الآسيوية» مع مودي. والأهم من ذلك، أن التطورات الأخيرة في شبه الجزيرة الكورية تثير القلق لدى بكين. وجاء اجتماع الأسبوع الماضي بين الرئيس الكوري الجنوبي ونظيره الكوري الشمالي نتيجة لضغوط الولايات المتحدة وليس الصين، وبالتالي فإن الصين تعتبر شبه معزولة عن هذا الملف.
ويرى براهما شيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسات في نيودلهي: «تتزايد عزلة الرئيس الصيني وبات في مرمى أهداف الرئيس ترمب، وبالتالي أجبرته نزعته البراغماتية على شن هجومه الناعم على الهند عبر الإعلان عن سعيه للتعاون مع نيودلهي، بدلا من المواجهة معها». وأضاف شيلاني: «إن المنظور الاستراتيجي بسيط للغاية: تقاربت الهند كثيرا مع الولايات المتحدة، ولكن قبل الالتزام الكامل مع واشنطن لا بد من مراعاة المصالح الذاتية. فالولايات المتحدة بعيدة جغرافيا، والصين هي الجارة القوية على الحدود المشتركة. ولتنظر نيودلهي في أسلوب عمل الولايات المتحدة تحت قيادة دونالد ترمب حيال حلفائها، وربما ينسون الهند تماما في لحظة من اللحظات». ويتابع: «في المقابل، فإن الشراكة الاقتصادية الراسخة في المنطقة بين الهند والصين، من شأنها أن تذهب بالهند بعيدا عن مدار النفوذ والتأثير الأميركي. ويدرك الرئيس الصيني تماما أنه بحلول عام 2030 سوف تكون هناك ثلاثة قوى اقتصادية كبيرة في العالم، هي الولايات المتحدة والصين والهند. ومن خلال هذا الثالوث الجيوسياسي، سوف تشكل الصين مع الولايات المتحدة الزاويتين الكبيرتين والهند هي الزاوية الصغرى الثالثة. ولكن رغم ذلك، سوف تشكل الهند القوة المتأرجحة بين الجانبين. وأيا كان الطرف المنسجم مع الصين أو الولايات المتحدة، سيكون هو الطرف المستفيد من دون شك».
من جانبها، أوضحت جين بيرليز في صحيفة «نيويورك تايمز»: «تجد الصين نفسها بعيدة عن مركز الدبلوماسية، وهي تشعر بقلق متزايد بشأن أهداف كيم من وراء تواصله مع أكثر أعداء بلاده شراسة (أي كوريا الجنوبية والولايات المتحدة). وشبه الجزيرة الكورية الموحدة من شأنها، رغم تأييد الصين لمعاهدة السلام بين شطري الكوريتين، أن تشكل كابوسا لبكين. فمنذ الحرب الكورية في عامي 1950 - 1953. استخدمت الصين كوريا الشمالية كمنطقة عازلة لإبقاء 28 ألفا من القوات الأميركية في كوريا الجنوبية على مسافة آمنة بعيدا عن الحدود الصينية. ومن شأن توحيد الكوريتين أن يبعث بهذه القوات إلى أعتاب بكين». ويقول المحللون إنه مع التحرك السريع للأحداث، يتعين على الرئيس الصيني أن ينظر على الأقل إلى ما يصفونه بأنه أسوأ حالات الطوارئ المتوقعة.
ويرى رئيس الوزراء الهندي، مكسبين اثنين من اللعب مع بكين. الأول هو تحييد باكستان، إذ يعلم مودي أن المشاريع الهندية - الصينية المشتركة في أفغانستان سوف تهدئ من المعارضة الباكستانية المشتعلة ضد الهند في أفغانستان.
والمكسب الثاني الذي تجنيه الهند هو أن التعاون المشترك بين الهند والصين سوف يقلل من اشتعال الأوضاع على الحدود الصينية. ومع حقيقة أن الجيش الهندي غير مستعد ولا مجهز بالقدر الكافي لخوض حرب على جبهتين في نفس الوقت، فإن سياسة التعايش المؤقت مع بكين سوف تساعد الجيش الهندي التركيز على عمليات مكافحة الإرهاب في جامو وكشمير، ومواجهة عمليات التسلل عبر خط المراقبة الحدودي هناك.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.