طارق صالح إلى «إماطة» الكابوس الحوثي من اليمن

مشاهد ومنعطفات لعلاقة الرئيس السابق بالانقلاب... وانتفاضته ونجل شقيقه ضد «الجماعة»

طارق صالح مع أحد أفراد القوات التي يقودها غرب اليمن في صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي
طارق صالح مع أحد أفراد القوات التي يقودها غرب اليمن في صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي
TT

طارق صالح إلى «إماطة» الكابوس الحوثي من اليمن

طارق صالح مع أحد أفراد القوات التي يقودها غرب اليمن في صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي
طارق صالح مع أحد أفراد القوات التي يقودها غرب اليمن في صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي

من «معسكر خالد» في المخا غرب محافظة تعز، انطلق الرئيس السابق علي عبد الله صالح لرئاسة اليمن عام 1978، ومنه بدأ العميد طارق صالح عام 2018 لتنفيذ المهمة الموكلة إليه من الحكومة الشرعية تحت لوائها لتحرير مناطق الساحل الغربي من يد الميليشيات الحوثية.
بين انطلاق صالح وتحرك طارق عاشت اليمن على مدار ثلاثة عقود من حكم الرئيس الراحل علي عبد الله صالح الذي كان يشبّه حكمه بالرقص على رؤوس الثعابين، سلسلة من التحالفات السياسية والانقلاب عليها، تسبب آخرها مع «أنصار الله» عام 2014، في تغيير المعادلة السياسية كاملة داخل اليمن وخارجها، ليسجل بانقلابه عليهم حادثة سقوطه في جحرهم، وإسدال الستار على آخر عرض رقص فيه صالح على رؤوس الثعابين. وسردت مصادر من حزب المؤتمر الشعبي العام (فضلت حجب هويتها خشية من الاستهداف) تفاصيل ومشاهد من حكم صالح وتحالفاته إلى قيادة نجل شقيقه عجلة إماطة الكابوس الحوثي الذي ألم باليمن.

حقائق تاريخية
كان علي عبد الله صالح أكثر من يعلم بخطر الحركة الحوثية بعد فترة من تأسيسها من قِبل حسين بدر الدين الحوثي، وأعلنها حركة متمردة على الدولة، هدفها إسقاط النظام الجمهوري والعودة للحكم الإمامي، وخاض ضدهم ست حروب منذ 2003، انتهت الحرب الأولى منها بمقتل مؤسسها على يد الجيش اليمني، ولأن الحركة تحمل معها فكراً عقائدياً ومشروعاً سياسياً يمثل امتداداً للثورة الإسلامية في إيران، ظلت تقتنص الفرصة للدخول على المشهد السياسي في البلد من نافذة تخدم مشروعها، وتحقق من خلاله أهدافها في السيطرة على اليمن والانطلاق منه إلى باقي بلدان المنطقة.
في 2011، جاءت الفرصة التي كانوا يتمنونها للوقوف ضد نظام علي عبد الله صالح وفق استغلال ممنهج ومدروس لكل ما ترتب عن ما أسموه ثورات الربيع العربي، وتحقق لهم ما كانوا يحلمون به، وهو السيطرة الكاملة على محافظة صعدة مع معسكراتها، وصارت لهم مظلومية خاصة بحروب صعدة في مؤتمر الحوار الوطني، وخرجوا باعتذار رسمي من المؤتمر وشركائهم في الثورة على نظام صالح، ودخلت الحركة لأول مرة بممثل لوزارتين في حكومة الوفاق الوطني.
في هذه الأثناء، استغل الحوثي كل الفجوات والثارات السياسية التي أنتجتها أحداث 2011، وما تلاها بين فرقاء العمل السياسي؛ فعمد إلى تهيئة الجو المناسب لوثبته القاتلة وانقضاضه على الدولة، التي ساهمت في هيكلة الجيش، وخصوصاً الحرس الجمهوري بما يخدم أجندته التي تماهت مع أنشطة مؤتمر الحوار الوطني حتى النهاية.

شعارات زائفة
استخدم الحوثيون شعارات زائفة للتأثير على الرأي العام للانخراط في مشروعهم من دون دراية أو وعي مجتمعي لأهدافه، وفرضوا حصارهم على منطقة دماج الرافضة فكرهم المذهبي، واستخدموا حججاً واهية لإخضاعها تحت سيطرتهم، كما أوجدوا شعارات مختلفة بررت لهم دخول عمران للقضاء على باقي النفوذ القبلي لأسرة آل الأحمر التي كانوا شركاء معهم في الثورة على نظام علي عبد الله صالح؛ لذلك غازلوا علي عبد الله صالح لمساعدتهم لمعرفتهم بقوة علاقته بمشايخ تلك القبائل لمنع اصطدامهم بالحوثي، وكان لهم ذلك.
ومع دخولهم صنعاء كانت شعاراتهم تحمل المطالبة برفع الظلم عن الشعب، وتغيير الحكومة وتحقيق مضامين وثيقة الحوار الوطني، ونجحوا عشية اجتياحهم صنعاء في إبرام اتفاق السلم والشراكة مع الرئيس عبد ربه منصور هادي، والأحزاب الممثلة في حكومة الوفاق الوطني، برعاية الأمم المتحدة والدول الداعمة لليمن في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وكان هذا الاتفاق هو الأداة الذي استخدمها الحوثيون للتغلغل في كل مفاصل الدولة والتأثير على كل المؤسسات، بما فيها المؤسسة العسكرية.
كان الرئيس السابق علي عبد الله صالح يعلم علم اليقين أن الحوثيين لن يغفروا له حربه عليهم، وقتله مؤسسهم، إلا أنه كان محصوراً أمام خيارين، إما أن يهرب مع من هرب ويفقد بذلك كل أنواع الممارسة السياسية الضاغطة، وشعبيته العارمة في أوساط اليمنيين من خلال حزب المؤتمر الشعبي العام، ويظهر أنه تخلى عن شعاره بعدم مغادرة اليمن التي لن يموت ولن يدفن إلا في ترابه، أو الخيار الثاني وهو أن يظل في اليمن ويتحمل تبعات بقائه، ولن يكون ذلك إلا بالقبول بسلطة انقلاب الحوثي واقعاً مريراً.

تحكيم العقل
مع دخول عاصفة الحزم في 26 مارس (آذار) 2015، كان لزاماً على صالح أن يعلن التحالف مضطراً مع الحوثي أمام التحالف والتماهي، ولو بما أمكن مع شعارات الحوثي، واختار الخيار الثاني وهو يعلم يقيناً أنه لن يدوم، خصوصاً مع ما أبداه الحوثي من استفزاز للمؤتمر الشعبي العام من أول المرحلة.
بدأ الحوثي يستقطب شرائح مهمة من المؤتمر من القواعد والقادة وصاروا شبه تابعين له، وصار يطلق عليهم «المتحوثين»، وهذه الخطوة هي التي جعلت علي عبد الله صالح يستعجل بالتحرك مع بداية عام 2017 من خلال عقد لقاءات متتالية مع قيادات المؤتمر، ويستنفر كل أطر وهيئات المؤتمر لدراسة واستيعاب الميثاق الوطني لمنع انجرارهم وراء ثقافة الحوثي وملازمهم ودوراتهم الثقافية.
وبالتوازي مع ذلك، بدأ يخطط لعودة الحرس الجمهوري الذي شملته هيكلة الرئيس عبد ربه منصور هادي من خلال بناء معسكر تجنيد وتدريب يستقبلهم ويعيد تدريبهم، وعيّن لهذه المهمة قائد حراسته وابن شقيقه العميد ركن طارق محمد عبد الله صالح، الذي حمل على عاتقه تنفيذ المهمة من خلال معسكر «حسن الملصي»)، إضافة إلى ذلك، إصراره على شراكة حقيقية في كل المؤسسات لمنع استئثار الحوثيين بالقرار والوظيفة العامة، كما منع الحوثيين من تحقيق هدفهم في إرغام العسكريين المتواجدين في بيوتهم منذ بداية الحرب من دون مرتبات على دخول الحرب والانخراط في صفوف الحوثيين إلا ما ندر من المتطوعين.
وبينما كان علي عبد الله صالح يحارب الحوثيين ويمنع بطشهم واستئسادهم وتدمير البنية الهيكلية للمؤسسات وهيئات الوظيفة العامة بوسائله الممكنة من داخل الوطن ومن بين صفوفهم، كان زعيمهم عبد الملك الحوثي يلمح بخطورة المؤتمر وعلي عبد الله صالح من خلال وصفهم تارة بالطابور الخامس وتارة بمزعزعي الجبهة الداخلية.
نقطة التحول

مع اتساع رقعة الخلاف بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح والحوثيين ووصفهم بالميليشيات في خطابه قبل 21 أغسطس (آب)، واستفحاله في كل المجالات، خصوصاً رفد الجبهات بالمقاتلين فقد كان يشترط عدم إقحام الجيش في الجبهات إلا بصرف مرتباته كاملة وصرف كل استحقاقاته، واكتفى بإرسال النزر اليسير من المتطوعين، وكان العميد طارق المعروف بمهارته العالية في مجالات التدريب والتأهيل، وكذا تواضعه وتدينه قربه من مرؤوسيه، فكان رجل المهمات الصعبة في هذه الفترة.
كان علي عبد الله صالح قبل اغتياله حريصاً جداً على بقاء طارق حياً، وأمره بأن يحمل على عاتقه وصاياه التي كان أهم ما فيها «المساهمة في اجتثاث حركة أنصار الله (الحوثية) من اليمن وعودة الدولة اليمنية».
بعد ظهور طارق الأول في شبوة معزياً في استشهاد رفيق صالح عارف الزوكه، انطلق لبناء اللبنة الأولى في ألوية الحرس الجمهوري في معسكر بدر بالعاصمة المؤقتة عدن، وهناك أجمع كل اليمنيين شمالاً وجنوباً على هدف واحد، وانضمت تحت قيادة العميد طارق قوات وقيادات جنوبية بإشراف مباشر من الحكومة الشرعية والتحالف العربي، كما أن المناطق المحررة في جنوب اليمن استقبلت ضباط وأفراد الجيش والحرس الجمهوري المغادرين مناطق سيطرة الحوثيين في الشمال بكل ترحاب، وأوصلوهم من مداخل المدن بمواكب اعتزاز حتى وصولهم إلى معسكر التدريب؛ مما أكسب القوات المنضوية تحت ألوية الحرس الجمهوري زخماً وطنياً ووحدوياً كبيراً. واستقبل الحوثيون خبر ظهور طارق في قيادة جبهة ميمنة الساحل الغربي بحالة من الهستيريا والرعب، جعلت قياداتهم تهرع جميعها إلى الحديدة والمحافظات لتحشيد المقاتلين وتثبيت عزائم مقاتليهم المنهارة.

تنوع الطيف السياسي
من المعروف أن المؤسسة العسكرية في اليمن، حسب الثوابت الثقافية، تختلف عن أي مؤسسة عسكرية في أي دولة أخرى، فعلى سبيل المثال بُني الحرس الجمهوري في اليمن على مبدأ الولاء للقبيلة أو الرئيس، وبناءً على التركيبة التي هي جزء من ثقافة اليمن الاجتماعية والسياسية، وبحكم الوضع السياسي والأمني الراهن، أفرزت المرحلة الحالية تقسيمات معينة (مقومات عسكرية) تعمل تحت مظلة الحكومة الشرعية لتحرير المناطق اليمنية.
هذه القوات العسكرية والأمنية التي أوجدتها الحكومة الشرعية ساهمت في تحرير محافظاتها وحفظ الأمن والاستقرار فيها، فعلى سبيل المثال أسهمت قوات النخبة الحضرمية في العمليات المشتركة للتحالف العربي لمحاربة الإرهاب شرق اليمن، التي كان من بينها عملية «السيل الجارف» و«الفيصل» وعملية «الجبال السود».
جميع هذه القوات دربت على مواجهة جماعات التهريب والجريمة المنظمة والإرهاب وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى حفظ الأمن والاستقرار، وأسهمت بالفعل في عملية تحرير الكثير من المناطق في اليمن ومسؤولية حفظ الأمن فيها.
وتتميز تشكيلة قوات الحرس الجمهوري قبل الهيكلة، بأنها مدربة على أسس علمية وبحرفية عالية على خوض المعركة المشتركة الحديثة بكل تعقيداتها، كما أن جزءاً منها متخصص في القتال في المناطق الجبلية والأحراش، وفي مختلف ظروف الطقس طوال العام، بالإضافة إلى أن احتكاك العميد طارق بقيادات ومدربين في صفوف الميليشيات أكسبته من هذه التجربة الكثير من المهارات الإضافية، ولا يمكن إغفال أن أغلب قوام قوات الحرس الجمهوري سابقاً كانت من مناطق الشمال وشمال الشمال (مناطق سيطرة ونفوذ الحوثيين).
العميد طارق عمل على الاستفادة من شباب قبائل الجنوب ومناطق الساحل الغربي، وقام بتجنيدهم وتدريبهم وإدخالهم ساحة المعركة وهم بجهوزية عالية لتنفيذ المهمة، وكل هذه العناصر مجتمعة تكسب الجيش الوطني عموماً إمكانات بشرية وقدرات عسكرية مؤهلة ومنظمة لتنفيذ مهمة استعادة الحديدة على طريق تحرير كامل تراب اليمن من يد الميليشيات.


مقالات ذات صلة

«الانتقالي» يعلن بدء تسليم المواقع لـ«درع الوطن» في حضرموت والمهرة

الخليج قوات «درع الوطن» التابعة للرئاسة اليمنية خلال تأمين إحدى النقاط العسكرية بحضرموت (حساب درع الوطن)

«الانتقالي» يعلن بدء تسليم المواقع لـ«درع الوطن» في حضرموت والمهرة

مع ساعات فجر العام الجديد، شرعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في تسليم عدد من المواقع العسكرية لقوات «درع الوطن» الحكومية، فيما يبدو أنها خطوة تعكس التوصل إلى…

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم أرشيفية لصحافي الجزيرة أنس الشريف الذي أقر الجيش الإسرائيلي  بقتله في غارة على غزة أغطس الماضي (أ.ب) play-circle

128 صحافياً قتلوا في أنحاء العالم في 2025

قُتل 128 صحافياً في كل أنحاء العالم في العام 2025، أكثر من نصفهم في الشرق الأوسط، وفقاً لإحصاء نشره الاتحاد الدولي للصحافيين الخميس.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الخليج علم باكستان يرفرف في إسلام آباد (أ.ب)

باكستان ترفض الخطوات الأحادية في اليمن وتؤكد تضامنها الكامل مع السعودية

أعلنت باكستان تضامنها الكامل مع السعودية، مؤكدة من جديد التزامها بأمن المملكة، وشددت فيه على رفضها أي خطوات أحادية الجانب في اليمن من شأنها تصعيد الأوضاع.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يستقبل وزير خارجية عُمان بدر بن حمد البوسعيدي في الرياض (واس)

لقاء سعودي - عُماني يبحث مستجدات الأوضاع في اليمن

استقبل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وزير خارجية عُمان بدر بن حمد البوسعيدي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص جانب من مراسم توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019 (الشرق الأوسط)

خاص «التشاور والمصالحة» تدعو قادة الانتقالي لخفض التصعيد والانخراط السياسي

دعا مسؤول يمني قادة المجلس الانتقالي الجنوبي إلى المبادرة باتخاذ إجراءات سياسية وعسكرية تفضي إلى التخلي عن التصعيد المرفوض وطنياً، وإقليمياً، ودولياً.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» يُنذر بتعميق عسكرة البحر الأحمر

احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)
احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)
TT

الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» يُنذر بتعميق عسكرة البحر الأحمر

احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)
احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)

يُنذر الاعتراف الإسرائيلي الأخير، بـ«إقليم أرض الصومال»، دولة مستقلة، بتعميق «عسكرة» منطقة البحر الأحمر، التي تشهد وجوداً عسكرياً لدول متنوعة، بعضها يتعارض في المصالح والأهداف.

وحذّر مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، من أن يكون الاعتراف الإسرائيلي مقدمة لمزيد من الوجود العسكري بمنطقة البحر الأحمر، وأشاروا إلى أن «إسرائيل تستهدف الحصول على قاعدة عسكرية بالمنطقة ما يفاقم من مخاطر النفوذ العسكري الأجنبي في القرن الأفريقي».

وقد يتيح الاعتراف الإسرائيلي وجوداً عسكرياً لإسرائيل على ساحل البحر الأحمر، وفق تقديرات الحكومة الصومالية، وقال رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، في تصريحات متلفزة الأحد، إن «وجود إسرائيل في شمال الصومال، يتيح لها إقامة قواعد عسكرية في المنطقة».

التقدير نفسه أشار إليه رئيس بعثة جامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة، السفير ماجد عبد الفتاح، حينما أكد في حديث لقناة «القاهرة الإخبارية» الأربعاء، أن «إسرائيل لا تكتفي بالدعم السياسي لـ(أرض الصومال)، بل تسعى فعلياً إلى بناء قواعد عسكرية فيها».

صورة نشرها وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر للقاء مع رئيس «أرض الصومال»

وتواصلت الاعتراضات الدولية، على المساعي الإسرائيلية بـ«أرض الصومال»، ورفضت بكين (التي تمتلك قاعدة عسكرية في جيبوتي)، خطوة الاعتراف الإسرائيلي، وقالت الخارجية الصينية، إن هذه الخطوة «تضرب ميثاق الأمم المتحدة في مقتل، وأدانتها دول ومنظمات دولية كثيرة».

وناقش رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، مع سفير بكين في مقديشو، وانغ يو، «سبل التصدي للتدخل الإسرائيلي في سيادة الصومال، والتعاون في مجالي الأمن والسياسة»، وحسب «وكالة أنباء الصومال»، أكد يو «دعم بلاده لوحدة الأراضي الصومالية».

ويقول وزير الإعلام الصومالي الأسبق، زكريا محمود، إن «تحركات إسرائيل ستفاقم من مخاطر النفوذ العسكري الأجنبي بمنطقة القرن الأفريقي». وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الوجود العسكري المتنامي في البحر الأحمر يعكس صراع المصالح بين القوى الكبرى بتلك المنطقة»، مشيراً إلى أن «مخاطر هذه التحركات لا تقتصر على الصومال فقط، ولكنها تمتد إلى مصالح الدول العربية والأفريقية بالمنطقة»، وحذر في الوقت نفسه، من «توسع نشاط التنظيمات الإرهابية على وقع المساعي الإسرائيلية هناك».

ويزداد الحشد العسكري الدولي بالمنطقة بصورة تتعدى هدف تأمين الممر الملاحي والمواني البحرية، ففي دولة مثل جيبوتي، رغم صغر مساحتها (23200 كيلومتر، وتمتلك خطاً ساحلياً بطول 370 كيلومتراً)، هناك 6 قواعد عسكرية لدول مختلفة، وهي: الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، والصين، واليابان، وإسبانيا، وإيطاليا.

وتعتمد جيبوتي على الرسوم السنوية لتأجير أراضي القواعد العسكرية الأجنبية، في جزء مهم في دخلها القومي السنوي، حيث بلغت إيرادات تلك الرسوم في 2020 نحو 129 مليون دولار أميركي، بواقع 18 في المائة من دخل البلاد، حسب معهد أبحاث «جايكا» التابع لـ«الوكالة اليابانية للتعاون الدولي».

وتسهم تركيا في بناء قدرات الجيش الصومالي، بقاعدة عسكرية للتدريب والتأهيل في مقديشو، جرى افتتاحها عام 2017، كما تقدم القاهرة دعماً عسكرياً بموجب بروتوكول تعاون عسكري، جرى توقيعه بين البلدين في 14 أغسطس (آب) 2024.

اجتماع الحكومة الصومالية بعد الخطوة الإسرائيلية (وكالة أنباء الصومال)

وإلى جانب الوجود العسكري الأجنبي بالمنطقة، تسعى روسيا إلى الحصول على موطئ قدم لها على ساحل البحر الأحمر، عبر إقامة قاعدة بحرية في السودان، وفي فبراير (شباط) الماضي، قال وزير خارجية السودان السابق علي يوسف الشريف، حينما كان بمنصبه، إن «موسكو والخرطوم توصلتا إلى تفاهم بشأن قاعدة بحرية روسية في البحر الأحمر».

ويرى الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج أن «أي وجود إسرائيلي بأرض الصومال سينعكس على الأوضاع الأمنية والاستراتيجية بتلك المنطقة»، وقال إن «مخطط إسرائيل يستهدف إيجاد موطئ قدم عسكري لها في مدخل مضيق باب المندب، مما يُشكّل تهديداً مباشراً للملاحة الدولية في هذه المنطقة».

وشدّد فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة «التحرك لمجابهة المساعي الإسرائيلية في تلك المنطقة»، وقال إن «التحركات المصرية والعربية يجب أن تشمل تقوية ودعم قدرات الجيش الصومالي، بما يمكنه من فرض سيادته على كامل الأراضي الصومالية»، ونوه بأن «القاهرة تساعد مقديشو لمواجهة التحديات المختلفة، ومنها خطر الإرهاب».


إقليم أرض الصومال ينفي عزمه استضافة فلسطينيين أو قاعدة إسرائيلية

صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)
صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)
TT

إقليم أرض الصومال ينفي عزمه استضافة فلسطينيين أو قاعدة إسرائيلية

صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)
صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)

نفى إقليم أرض الصومال الانفصالي، الخميس، ادعاءات الرئيس الصومالي بأن الإقليم سيستضيف فلسطينيين مهجّرين من أرضهم وقاعدةً عسكرية إسرائيلية مقابل الاعتراف الإسرائيلي الأخير باستقلاله.

وكانت إسرائيل أصبحت الأسبوع الماضي أول دولة تعترف بأرض الصومال «دولةً مستقلة وذات سيادة»؛ مما أثار احتجاجات في مختلف أنحاء الصومال.

والأربعاء، صرّح الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، نقلاً عن تقارير استخباراتية، بأن أرض الصومال قد قبل 3 شروط من إسرائيل؛ هي: إعادة توطين الفلسطينيين على أراضي الإقليم، وإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية على خليج عدن، وتطبيع العلاقات بتل أبيب.

ونفت وزارة خارجية أرض الصومال الشرطين الأولين.

وكتبت الوزارة في منشور على منصة «إكس»: «تنفي حكومة جمهورية أرض الصومال نفياً قاطعاً المزاعم الكاذبة التي أدلى بها رئيس الصومال عن إعادة توطين الفلسطينيين أو إنشاء قواعد عسكرية في أرض الصومال». وأكدت أن الاتفاق «دبلوماسي بحت».

وأضاف المنشور: «تهدف هذه الادعاءات، التي لا أساس لها من الصحة، إلى تضليل المجتمع الدولي وتقويض التقدم الدبلوماسي لأرض الصومال».

لكنّ محللين يرون أن التحالف مع أرض الصومال مفيد للغاية لإسرائيل؛ نظراً إلى موقع هذا الإقليم الاستراتيجي على مضيق باب المندب؛ بالقرب من الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن الذين شنّوا هجمات متكررة على إسرائيل منذ بدء حرب غزة.

يُذكر أن إقليم أرض الصومال أعلن استقلاله من جانب واحد عام 1991، ونعم بفترة سلام أطول بكثير من بقية الصومال الذي مزقته الصراعات؛ إذ أجرى انتخاباته، وسكّ عملته، وكوّن جيشه الخاص.

وقد جعله موقعه على أحد أشد الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم شريكاً رئيسياً لدول أجنبية.


«السكن البديل» لا يغري مستأجري الإيجار القديم في مصر

الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)
TT

«السكن البديل» لا يغري مستأجري الإيجار القديم في مصر

الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)

عزفت أسماء قطب (53 عاماً)، التي تقطن في شقة وفق نظام «الإيجار القديم» بحي العجوزة في محافظة الجيزة، عن تقديم طلب لـ«السكن البديل»، الذي ستوفره الحكومة للمستحقين وفق شروط محددة تنطبق عليها، قائلةً لـ«الشرق الأوسط»: إنها «متمسكة بالبقاء في وحدتها ولا تنوي التقديم».

ويُلزم قانون رقم 164 لسنة 2025، الحكومة بتوفير سكن لقاطني الإيجار القديم ممن ليست لديهم وحدات بديلة، والفئات الأكثر احتياجاً، قبل انتهاء المدة الانتقالية المحددة بـ7 سنوات تتحرر بعدها العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر. ويقطن في هذه الوحدات نحو 1.6 مليون أسرة، وفق تقديرات رسمية.

وحتى الآن لا يُغري السكن البديل الكثير من المستأجرين، من المتمسكين برفضهم المادة التي تجبرهم على إخلاء منازلهم؛ فخلال شهرين ونصف، لم تتلقَّ الحكومة سوى 58 ألف طلب للحصول على وحدة بديلة، وفق تصريحات تلفزيونية للرئيسة التنفيذية لـ«صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري»، مي عبد الحميد، الأحد الماضي، مشيرةً إلى أن الحكومة قد تقرر تمديد فترة التسجيل إذا ظهرت حاجة إلى ذلك. وينتهي التسجيل رسمياً في 13 يناير (كانون الثاني) المقبل.

إحدى جلسات الاستماع في مجلس النواب المصري حول مشروع تعديل قانون الإيجار القديم (مجلس النواب)

ويرى مراقبون أن انخفاض الأعداد المتقدمة حتى الآن، التي لا تُمثل سوى أقل من 5 في المائة من مجمل قاطني الإيجار القديم، يضع الحكومة في أزمة، ويجدد الجدل والمخاوف من إثارة أزمات مجتمعية، إذ كان السكن البديل وسيلة الحكومة لامتصاص غضب المستأجرين، وتأكيد أنها «لن تترك مواطناً في الشارع»، ووعدت بتسليم هذه الوحدات قبل انتهاء المدة الانتقالية.

وبالنسبة إلى قطب التي تحصل على معاش نحو 2000 جنيه فقط (الدولار 47.5 جنيه)، لا تتعدى هذه التصريحات سوى محاولة لتهدئة الرأي العام، متسائلةً: «كيف ستبني الحكومة وحدات لكل هؤلاء وحتى الآن ما زال الكثيرون من المستفيدين بالإسكان الاجتماعي، لم يحصلوا على شققهم؟ وكيف ستعطيني الوحدة وأنا لا أملك أي مبلغ كمقدمة؟ وإذا كانت لديَّ أموال فلن أقبل أن يتم نقلي إلى الصحراء في المشاريع الجديدة».

التساؤلات نفسها تتكرر على الغروبات الخاصة بالمستأجرين، وسط تحذيرات من البعض من أن التسجيل يعني إقراراً بالتخلي عن الوحدة المُستأجرة، والاعتراف بالقانون. فيما يمضي «ائتلاف المستأجرين» في مسار قانوني وآخر سياسي، لإلغاء المادة التي تجبر المستأجرين على ترك وحداتهم.

بنايات في منطقة الدراسة في القاهرة تضم العديد من الوحدات بنظام الإيجار القديم (الشرق الأوسط)

ويشكك رئيس «ائتلاف المستأجرين»، شريف الجعار، بالتصريحات الرسمية حول أعداد المتقدمين، قائلاً: «أتحدى الحكومة أن تُظهر لنا 10 آلاف استمارة وليس 50 ألفاً»، مؤكداً أن «غالبية المستأجرين يرفضون المبدأ... الناس لن يتركون مساكنهم حتى يقدموا على وحدات بديلة»، لافتاً إلى أنهم «نجحوا في الوصول بالقانون إلى المحكمة الدستورية العليا للطعن بعدم دستورية المادة التي تُجبرهم على إخلاء منازلهم».

وإلى جانب هذا المسار، يسعى «الائتلاف» إلى تعديل القانون في البرلمان المقبل، حسب الجعار، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إن نائبين تبنيا مشروع قانون لتعديل عدد من مواده»، داعياً الحكومة إلى «استيعاب حقيقة أن المستأجرين لن يقبلوا ترك منازلهم».

في المقابل، دعت الرئيسة التنفيذية لـ«صندوق الإسكان الاجتماعي»، المستأجرين المُستحقين، إلى التسجيل، «حتى نتمكن من الحصر وتجهيز الوحدات»، مؤكدةً أن «التقديم ليس معناه أن المستأجر سيترك شقته حالياً، فالتسجيل لإخبارنا بحاجتك إلى وحدة بعد انتهاء الفترة الانتقالية، حتى نُجهزها». وأضافت أن «وزارة التنمية المحلية حصرت الأراضي المتاحة داخل المحافظات، بالإضافة إلى المدن الجديدة بوصفها خياراً آخر للراغبين».

ويتهم رئيس «ائتلاف المُلاك»، مصطفى عبد الرحمن، بعض النشطاء في الملف، بـ«تضليل المستأجرين حتى لا يقدموا على الوحدات، مما سيضر بهم»، لكنه لا يتخوف من أزمات مستقبلية بين الملاك والمستأجرين بسبب القانون، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «بعض المستأجرين لديهم وحدات بديلة بالفعل، وآخرون تفاهموا مع الملاك بشكل ودّي، إما بشراء الوحدات وإما برفع قيمة الإيجار مقابل بقائهم»، وهكذا يرى أن قلة أعداد المتقدمين لا تعني بالضرورة أننا أمام أزمة مؤجلة.

كانت مي عبد الحميد قد لفتت إلى أن التقديرات حول عدد قاطني الوحدات المستأجرة بـ1.6 مليون أسرة، تعود لـ10 سنوات، ومن ثم «من المؤكد أن العدد تقلص، فهناك علاقات إيجارية تنتهي... متوقعين أن يكون هذا العدد انخفض إلى النصف».

الحكومة المصرية تطمئن قاطني الإيجار القديم (الشرق الأوسط)

وتفكر الأربعينية هناء محمد، التي تعمل بوسط القاهرة، في تقديم طلب للحصول على وحدة بديلة مقابل الشقة التي تقطن فيها هي وأسرتها وأسرة عمها في شبرا (شمال القاهرة)، قائلةً لـ«الشرق الأوسط»، إن «عقد الشقة باسم جدي، لذا نتشارك فيها مع ورثة عمي، وليس لدى أيٍّ منَّا مكان آخر للبقاء فيه».

يبلغ والد هناء 73 عاماً، وتتخوف من أنه حال وفاته قبل مرور فترة سبع سنوات، لن تجد لها ملجأ، متسائلةً: «هل سيعطونني وحدة بديلة، وهل سيعطون عائلة عمي أيضاً؟ أم أن الشقة مقابلها شقة أخرى فقط؟».

تتكرر حيرة هناء مع آخرين، ممن لا يعلمون قيمة الشقق البديلة أو أماكنها، فقرروا التمسك بما عندهم على أمل تغيير القانون، أو حكم محكمة يقلب الموازين.

ويُرجع أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، العزوف عن التقديم، إلى غياب التفاصيل اللازمة عن البدائل المتاحة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كان يُفترض أن تصمم الحكومة الوحدات وتختار أماكنها ثم تخبر المستأجرين بمكانها حتى يتمكنوا من الاختيار بناءً على معلومات محددة».

وانتقد صادق، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، غياب البعد الاجتماعي والثقافي عن القرارات والخطط الحكومية، موضحاً: «الحكومة تقرر نقل سكان من منطقة إلى أخرى نائية أو جديدة، ولا تضع في حسبانها الكثير من التفاصيل والشبكات الاجتماعية التي تربط الساكن بمنطقته»، محذراً من أن «بقاء الوضع على ما هو عليه، يُنذر بأزمات وكوارث قد تحدث بعد انتهاء المرحلة الانتقالية».

Your Premium trial has ended