كابل تخطط لضغط عسكري على «طالبان» مع تشجيعها على الانخراط في السلام

السفير الأفغاني في واشنطن قال لـ «الشرق الأوسط» إن العلاقات مع أميركا تحسنت في عهد ترمب

السفير الأفغاني لدى الولايات المتحدة حمد الله مهيب خلال حواره مع «الشرق الأوسط»
السفير الأفغاني لدى الولايات المتحدة حمد الله مهيب خلال حواره مع «الشرق الأوسط»
TT

كابل تخطط لضغط عسكري على «طالبان» مع تشجيعها على الانخراط في السلام

السفير الأفغاني لدى الولايات المتحدة حمد الله مهيب خلال حواره مع «الشرق الأوسط»
السفير الأفغاني لدى الولايات المتحدة حمد الله مهيب خلال حواره مع «الشرق الأوسط»

أكد حمد الله مهيب، السفير الأفغاني لدى الولايات المتحدة، أن مبادرة السلام التي أطلقتها الحكومة الأفغانية تلقى دعماً دولياً وإقليمياً كبيراً، مشدداً في حوار مع «الشرق الأوسط» على الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في دعم هذه المبادرة.
ولفت السفير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تدعم المبادرة الأفغانية للسلام، مشيراً إلى أن العلاقات بين كابل وواشنطن تحسنت تحسناً كبيراً بعد وصول ترمب إلى البيت الأبيض. ودعا السلطات الباكستانية إلى اتخاذ «نهج الحكمة» ودعم الحكومة الأفغانية في مسيرتها.

وسُئل السفير مهيب عن مبادرة السلام التي أعلنها الرئيس الأفغاني أشرف غني، لإنهاء الاحتقان السياسي في البلاد، فأجاب بأن المبادرة «تشمل نهجاً من شقين. أولاً، نجحت قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية، بدعم من الولايات المتحدة، في الحفاظ على الضغط العسكري على طالبان؛ وذلك بالتزامن مع العمليات السياسية والضغط العسكري، وتركت الحكومة الأفغانية الباب مفتوحاً أمام (طالبان) للانخراط في عملية سلام. ثانياً، نتوقع أن سياسة الرئيس ترمب تجاه جنوب آسيا واهتمام إدارته بالوضع في أفغانستان سيوحّد الجهود (في هذا الإطار). وكما نرى، هناك عرض جاد للسلام من الحكومة الأفغانية على طريق المصالحة مع عناصر حركة طالبان التي تسعى إلى أن تكون جزءاً في المجتمع الأفغاني. وكل ما أقوله الآن إن الكرة في ملعبهم».
وعما يمنع حكومة أفغانستان من إجراء مفاوضات مباشرة مع «طالبان» دون وسيط أميركي أو باكستاني، قال: «يجب أن يكون السؤال: ما الذي يمنع (طالبان) من إجراء مفاوضات مباشرة مع الحكومة الأفغانية؟ بادئ ذي بدء، هناك الكثير من الفصائل والعقليات المختلفة التي تتألف منها حركة طالبان؛ إذ إنهم ليسوا جميعاً على رأي واحد عندما يتعلق الأمر بالسلام، فهم بوجهات نظر مختلفة حول ما يمكن أن تعنيه صفقة سلام بالنسبة لهم. إذن، من هذا المنطلق فإن عملية السلام لن تكون مباشرة. ولكن هناك أيضاً الكثير من الاعتبارات العملية التي تُفرض على تلك العناصر القابلة للسلام من (طالبان)، والذين يفكرون جدياً في الدخول في المحادثات، فهناك مخاوف بشأن الانتقام من مؤيديهم الأجانب، أو هناك مخاوف بشأن السلامة ونقل آمن لأسرهم، كما أن هناك مخاوف أيضاً حول كيفية إعادة دمجهم في المجتمع الأفغاني. وبالتالي، فهي عملية معقدة ومتعددة الأوجه، وستستغرق بعض الوقت».
ورداً على سؤال عن الموقف الأميركي، قال السفير: «الهدف السياسي الرئيسي للولايات المتحدة، بغض النظر عن أهدافها العسكرية في الحرب العالمية على الإرهاب، هو تيسير عملية السلام بين الحكومة الأفغانية و(طالبان). إذ تشارك الولايات المتحدة أهداف الحكومة الأفغانية، وظلت ثابتة في أهدافها في أفغانستان. وبالحقيقة، لم يتحسن مستوى التعاون والتواصل بين الحكومة الأفغانية والولايات المتحدة إلا في الأشهر الأخيرة. ونحن على المسار نفسه ويتم تنسيق أهدافنا. وقد أعطى ذلك الحكومة الأفغانية زخماً متجدداً في جهودها لإحلال السلام في أفغانستان، واحتواء قوى الإرهاب والتطرف في نهاية المطاف».
وقال: «الولايات المتحدة وأفغانستان شريكان في حرب عالمية ضد الإرهاب، والإرهاب يحدث على أرض أفغانستان وفي جوارنا. فهذه الشراكة تعمل معاً لمحاربة الإرهاب والتطرف. وسنكون شركاء في هذه المعركة ما دام التهديد قائماً. فالأفغان مكرسون جهودهم لهذه المعركة وقدموا تضحيات هائلة، ليس فقط لأمننا، لكن لأمن العالم أيضاً».
وعن الدور السعودي، قال السفير مهيب: «في الحقيقة نحن في حرب عالمية، حيث تقوم مجموعة متطرفة صغيرة بتشويه تعاليم الإسلام السلمية والرحيمة، وإدخالها للعالم على أنها عنيفة وبلا رحمة. والمملكة العربية السعودية التي تحتضن الحرمين الشريفين لديها القدرة على أن تكون قوة إيجابية في المساعدة على استعادة قوة الإسلام. إن الشعب الأفغاني مسلم ومخلص، وقدّم في التاريخ الحديث أكبر تضحية في الدفاع عن الإسلام. لقد استشهد أكثر من مليون أفغاني في الكفاح ضد الشيوعية، ومنذ ذلك الحين كانت المملكة العربية السعودية مكاننا الرئيسي. لذا؛ فإننا نتطلع الآن إلى المملكة العربية السعودية لتكون شريكنا الجاد في الكفاح ضد التطرف والإرهاب». وأشار إلى أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ناقش الموضوع الأفغاني خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، قائلاً: إن زيارة ولي العهد تزامنت مع نقاش رباعي استضافته العاصمة الأميركية واشنطن بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وأفغانستان. وتابع: «كانت المناقشات منتجة بشكل كبير، واتفقنا جميعاً على العمل على خريطة طريق مشتركة للسلام والاستقرار في أفغانستان، وستتكرر اللقاءات مرة أخرى قريباً».
وسئل عن الدور الباكستاني، فأجاب: «لدى باكستان القدرة على لعب دور بنّاء في عملية السلام الأفغانية. إن الشعب الأفغاني يريد أن يرى منطقة مسالمة لا يعاني فيها المدنيون الأبرياء نتيجة لسياسات الدولة السلبية. إن أفغانستان المسالمة هي في مصلحة المنطقة بأكملها، ولا سيما باكستان». وزاد: «إن مصير باكستان متشابك مع أفغانستان، فهي جارة لأفغانستان وعنصر رئيسي في الجهود الأوسع نطاقاً، والرامية إلى التعاون الإقليمي بين كل دول جنوب ووسط آسيا. لذا؛ ينبغي على باكستان أن تنظر إلى عملية السلام الأفغانية بصفتها وسيلة ليس فقط لتسوية النزاع الأفغاني، بل أيضاً وسيلة لتعزيز التعاون مع الحكومة الأفغانية؛ وذلك بهدف تحقيق الأمن الجماعي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية».
وقال: إن «عملية السلام الأفغانية توفر فرصة لباكستان لتجاوز الصراعات التي عصفت بالدولتين منذ عقود، وهناك أمل في أن تسود الحكمة وأن تنتهز قيادة باكستان هذه الفرصة لتشكيل رؤية ناجحة، تمكن من تحقيق مستقبل أفضل لأفغانستان وباكستان والمنطقة ككل».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...