إقبال ضعيف في ثاني انتخابات برلمانية ليبية بعد القذافي

16 في المائة نسبة المشاركة واقتحام مقرات

إقبال ضعيف في ثاني انتخابات برلمانية ليبية بعد القذافي
TT

إقبال ضعيف في ثاني انتخابات برلمانية ليبية بعد القذافي

إقبال ضعيف في ثاني انتخابات برلمانية ليبية بعد القذافي

أظهرت النتائج الأولية لنسبة الاقتراع في ثاني انتخابات عامة في ليبيا بعد سقوط نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي، تدني نسبة المشاركين في الانتخابات التي يفترض أن تسفر عن مجلس نواب جديد يحل محل المؤتمر الوطني العام (البرلمان) في تولي السلطة، حيث شارك نحو 16 في المائة فقط من الناخبين الليبيين في التصويت بحلول ظهر أمس.
ونفت وزارة الداخلية الليبية أمس إشاعات عن تعرض أحد المرشحين لمجلس النواب عن دائرة طرابلس لمحاولة اغتيال، مؤكدة أن هذه الأخبار عارية عن الصحة. وأرجع مسؤولون رسميون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» ضعف مشاركة الناخبين إلى حرارة الطقس وارتفاع درجات الحرارة على أغلب المناطق خاصة في غرب ليبيا، حيث يعد شهر يونيو (حزيران) الجاري أشد أشهر السنة حرارة في البلاد.
وكانت السلطات الليبية استبقت هذه الانتخابات بتشديد قواعد التسجيل، بحيث ألزمت الناخبين بإظهار بطاقة الرقم الوطني للاستدلال على هويتهم، بينما غالبية الليبيين يفتقدون وجود هذه الوثائق بسبب المخاوف الأمنية والفوضى السياسية التي تعرقل الخدمات الأساسية للدولة. وطبقا للتقارير الأولية التي أصدرتها غرفة العمليات بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، فإن أقل من ربع مليون ناخب أدلوا بأصواتهم من أكثر من مليون ونصف مليون ناخب.
وبلغت نسبة المشاركة في العاصمة الليبية طرابلس 19 في المائة، بينما وصلت إلى 13 في المائة فقط في بنغازي (شرقا) ثاني أكبر المدن الليبية، وإلى 15 في المائة في مصراتة ثالث أكبر مدينة. وقال عبد الحكيم الشعاب، عضو مجلس المفوضية، في مؤتمر صحافي عقده أمس، إن عدد مراكز الانتخاب التي جرى افتتاحها بلغ 1619 مركزا، وذلك بنسبة 97 في المائة من مجموع المراكز التي جهزتها المفوضية. ونوه بأن الظروف المناخية لم تمنع أبناء ليبيا من التوجه إلى مراكز الاقتراع لقول كلمتهم أمام التاريخ وللأجيال المقبلة، مشيرا إلى أن الأوضاع تسير بشكل منضبط وكما هو مخطط له، وفق ظروف أمنية مستقرة.
وبلغ عدد الناخبين المسجلين في الانتخابات الحالية نحو 1.5 مليون ناخب، وهو تقريبا نصف عدد الناخبين في انتخابات يوليو (تموز) عام 2012 بعد أن شددت اللجنة الانتخابية قواعد التسجيل في قوائم الناخبين. ويتنافس في هذه الانتخابات نحو 1628 مرشحا على 200 مقعد على مستوى 13 دائرة انتخابية، بينما شارك أكثر من 11 ألف ناخب ليبي في 22 محطة انتخابية موزعة في 13 دولة بالخارج في المرحلة الأولى يومي السبت والأحد الماضيين. وقال مسؤولون إن بعض مراكز التصويت ظلت مغلقة لأسباب أمنية في بلدة درنة الشرقية، وهي معقل للإسلاميين، وفي الكفرة في الجنوب الشرقي التي كثيرا ما تشهد اقتتالا قبليا، وفي مدينة سبها الجنوبية الرئيسة.
وعبر طارق متري، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، لدى زيارته أحد مراكز الاقتراع في طرابلس ومقر المفوضية العليا للانتخابات، عن أمله في أن يقترع الليبيون بأعداد كبيرة، ورأى أن انتخابات كهذه نجاحها مرتبط إلى حد كبير بإقبال الليبيين عليها. وأضاف: «لقد أراد الليبيون هذه الانتخابات، وعليهم أن يعبروا عن إرادتهم بالاقتراع»، مؤكدا أن «ليبيا تحتاج إلى مؤسسات سياسية يثق بها الناس، ومؤسسات سياسية لا يطعن أحد بشرعيتها وتُظهر كل التنوع الذي يعرفه المجتمع الليبي».
ولفتت وكالة الأنباء الرسمية إلى ما وصفته بـ«حالة من الإحباط الشديد سادت أمس عامة الناس في مدينة درنة»، التي تعد المعقل الرئيس للجماعات المتطرفة في شرق ليبيا، بسبب أنهم لم يتمكنوا من ممارسة حقهم الانتخابي لاختيار ممثليهم في مجلس النواب. وتسبب سوء الأوضاع الأمنية وتخوف المشرفين على العملية الانتخابية من استهدافهم أو تفجير محطات الانتخاب في إغلاق 17 مركزا للاقتراع، بينما شهدت المراكز الواقعة في القرى والمناطق وضواحي المدينة بطئا شديدا وإقبالا منخفضا جدا على الانتخاب بسبب تأثير عدم إقامتها داخل المدينة على ضواحيها.
واقتحم محتجون مقر المفوضية العليا للانتخابات الليبية في بلدة الكفرة (جنوب شرقي البلاد)، وأغلقوا عشرة مراكز اقتراع في البلدة احتجاجا على غياب وجود مراقبين بها، فيما أعلنت مصادر داخل المفوضية تأجيل الاقتراع لأسبوع آخر. وتزايد الإقبال الذي بدا ضعيفا صباح أمس في بنغازي، حيث وصف أحد المسؤولين نسبة الإقبال بأنها «جيدة جدا»، فيما قال مسؤول آخر إن «النسبة تعد فوق المتوسطة دون تسجيل أي خروق أمنية».
من جهته، أكد العقيد عبد السلام العجيلي، مساعد رئيس غرفة العمليات الرئيسة لتأمين الانتخابات، أن العملية الانتخابية تسير بشكل طبيعي، مشيرا إلى أن الحالة الأمنية بشكل عام جيدة، ولم تسجل أي خروق أمنية على الإطلاق، وفق التقارير الأمنية الواردة من مندوبي الغرفة بالدوائر الانتخابية في ليبيا كافة.
كما أكد العقيد محمد سويسي، مدير مديرية أمن العاصمة طرابلس، غياب حدوث أي خروق أمنية على الإطلاق، موضحا أن كل مراكز الاقتراع في طرابلس، البالغ عددها 274 مركزا، مؤمنة بشكل جيد من منطقة رأس غزال إلى جنزور ويوجد بها عناصر من رجال الشرطة، إضافة إلى التمركزات الأمنية للطلب عند الحاجة.
وظهر رئيس الوزراء السابق علي زيدان بصورة مفاجئة للإدلاء بصوته في طرابلس، بعدما عاد من أوروبا، حيث كان فر إلى هناك حين أقاله البرلمان في مارس (آذار) الماضي، حيث نقلت عنه وكالة رويتز قوله إنه يأمل أن تحقق الانتخابات أهدافها المرجوة، وأن يبدأ مجلس النواب بداية جديدة أفضل مما سبق.
من جهته، قال عبد الله الثني، رئيس الحكومة الانتقالية، بعد التصويت في أحد مراكز الاقتراع بالعاصمة طرابلس، إن «هذا يوم تاريخي للشعب الليبي، ويؤكد أن الشعب ماض في بناء دولته دولة المؤسسات ودولة الرأي والرأي الآخر والتداول السلمي لجميع الليبيين». وحث من سماهم «الثوار الشرفاء» على الاستعداد لحماية المراكز الانتخابية والدفاع عنها في كل أنحاء ليبيا ليتحقق حلم الجميع ببناء برلمان يمثل ليبيا خير تمثيل.
وخلص الثني في تصريحات للصحافيين إلى أن «العملية الانتخابية تسير بكل سلاسة، والمراكز الانتخابية مفتوحة بنسبة نحو 90 في المائة. وكل الأمور مطمئنة وبخير»، مشيرا إلى أنه بخصوص مقاطعة أقلية الأمازيغ العرقية «فمنذ البداية هم لم يشاركوا، وهو وضع خاص». وأما مدينة درنة فقد تعهد الثني بأنه ستكون هناك ترتيبات لاحقة خلال هذا الأسبوع، لكنه لم يفصح عنها.
وكان الثني شارك في اجتماع أول من أمس حضره نوري أبو سهمين رئيس البرلمان لمناقشة آليات وضوابط صرف الميزانية العامة للدولة، بالإضافة إلى كون الحكومة المؤقتة الحالية هي حكومة تسيير أعمال. وقال بيان للبرلمان إنه جرى التطرق إلى آخر الترتيبات التي قامت بها الحكومة بشأن تأمين انتخابات مجلس النواب، وكذلك الأوضاع الأمنية في بنغازي والموانئ النفطية.
ويأمل شركاء ليبيا في الغرب أن تساعد الانتخابات على إعادة بناء دولة قادرة على البقاء، فيما لا يزال جيش ليبيا الذي تشكل حديثا في مرحلة تدريب ولا يمكنه مجاراة المقاتلين الذين تمرسوا خلال الانتفاضة ضد القذافي التي استمرت ثمانية أشهر بدعم من حلف شمال الأطلنطي (الناتو) عام 2011.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.