اجتماع باريس يسفر عن ولادة «تحالف دولي» لمحاربة تمويل الإرهاب

ماكرون: دول مولت تنظيمات متطرفة للإساءة إلى دول أخرى

جانب من المشاركين في مؤتمر مكافحة تمويل الإرهاب قبل اختتامه في باريس أمس (أ.ف.ب)
جانب من المشاركين في مؤتمر مكافحة تمويل الإرهاب قبل اختتامه في باريس أمس (أ.ف.ب)
TT

اجتماع باريس يسفر عن ولادة «تحالف دولي» لمحاربة تمويل الإرهاب

جانب من المشاركين في مؤتمر مكافحة تمويل الإرهاب قبل اختتامه في باريس أمس (أ.ف.ب)
جانب من المشاركين في مؤتمر مكافحة تمويل الإرهاب قبل اختتامه في باريس أمس (أ.ف.ب)

بعد يومين من الاجتماعات المكثفة: «اليوم الأول خصص للخبراء، نحو 500 خبير، والثاني ضم وزراء من 72 دولة إضافة إلى ممثلي 22 منظمة دولية وإقليمية»، خلص مؤتمر محاربة تمويل الإرهاب الذي استضافته باريس، وألقى فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الكلمة الختامية، إلى مجموعة من التوصيات التي يراد لها أن تكون جامعة شاملة وكافية لتعطيل شبكات التمويل الإرهابية العاملة في كثير من البلدان. بيد أن المؤتمر أريد له أن يكون قبل ذلك كله «إشارة سياسية»، تعكس رغبة الأسرة الدولية التي كانت ممثلة بقوة أمس في مقر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، في الاستمرار في محاربة الإرهاب، واستهداف عمليات التمويل، ومنع تدفق الأموال للمنظمات الإرهابية، وتحديدا «القاعدة» و«داعش».
وفي كلمته أمام المؤتمرين، شدد الرئيس الفرنسي على أهمية «الشفافية المطلقة والتعاون الدولي» في موضوع التمويل الإرهابي؛ مشيرا إلى أن «كثيراً من الدول» عمدت إلى تمويل تنظيمات إرهابية و«لعبت لعبة خطرة». ونبه ماكرون من «الاستمرار» على هذا المنوال؛ داعيا إلى إيجاد «تحالف» دولي على غرار التحالف العسكري الذي قام لمحاربة «داعش» في العراق وسوريا.
وبحسب الرئيس الفرنسي، فإن «التحالف» المذكور سيضم الدول التي قبلت العمل معا، والتي عمدت إلى تحديد «عدو مشترك»، كما أنها قامت بـ«تبني أجندة باريس» التي تنص على التزامات وإجراءات ملموسة لمواجهة «عدو مشترك». وبرأي ماكرون، فإن النجاح العسكري في ميادين القتال يجب أن يرافقه نجاح في محاربة تمويل الإرهاب، وتجفيف منابع تدفق الأموال له التي هي «عصب الحرب». ووصف الرئيس الفرنسي ما تحقق بأنه «واعد»، وأشار في كلمته إلى «الالتزام المميز» للدول العربية في الشرق الأوسط بمحاربة الإرهاب دون أن يدخل في التفاصيل، ولكن مع إشارات تقبل تفسيرات متعددة، ومنها أن دولاً مولت تنظيمات إرهابية للإساءة إلى دول أخرى. وفي أي حال، رأى أن خلاصات مؤتمر اليومين أدت إلى «تجاوز الخلافات»، والتوافق على «توجهات ملموسة». وبنظره، فإن النجاح في مهمة تجفيف منابع التمويل يحتاج لـ«تعاون مطلق؛ لأن العدو يستفيد من انقساماتنا». بيد أن ماكرون وضع الإصبع على الحاجة لـ«آلية متابعة سياسية» لإنجاح التعهدات، والتأكد من تنفيذها. وتعهد بنقل «أجندة باريس» بالتشارك مع أستراليا التي ستستضيف الاجتماع القادم في عام 2019 إلى الأمم المتحدة.
وذهب ماكرون إلى القول إنه سيتابع الملف عن قرب، وأنه «متمسك» بالمحافظة على «الدفع السياسي» من أجل العمل بالالتزامات التي تتضمنها الأجندة المذكورة. وخلاصته أن الخطر الإرهابي «لن يختفي غدا»، و«داعش» و«القاعدة»، «سيستمران في مهاجمتنا» ولذا يجب التركيز على التعاون بصدق وتنفيذ الالتزامات دون تردد أو وهن؛ «لأن الخطر الإرهابي يهدد الجميع».
ووعد الرئيس الفرنسي بمد يد العون للدول التي تحتاج للمساعدة التقنية والفنية، ودعا إلى التشدد مع الدول التي تبقى في المنطقة الرمادية، أو تلك الموجودة على اللوائح السوداء في ملف تبييض الأموال، والتساهل في العمليات المالية ومنها ما يذهب إلى التنظيمات الإرهابية.
حقيقة الأمر أن اجتماع باريس الذي حمل رسميا شعار «لا أموال للإرهاب» ليس الأول من نوعه؛ لأن عشرات الاجتماعات والمؤتمرات على مختلف المستويات عقدت منذ عام 1999؛ ولذا فإن «الإعلان» الذي صدر مع انتهاء أعماله يبين الحاجة للعمل على كافة المستويات المحلية والدولية، وعلى ضرورة التعاون بين جميع الهيئات العامة «الحكومية» والخاصة، وعلى تبادل المعلومات والتشارك في التجارب وتقديم المساعدة والدعم الفني والتقني للدول التي تحتاج لذلك.
وجاء «الإعلان» في ست صفحات ومقدمة وتسع توصيات متكاملة ومكثفة، والتزام بالاجتماع مجددا العام القادم في أستراليا، لتقويم ما يكون قد أنجز. لكن ما تفتقد إليه مقررات باريس، رغم أهمية ما أنجزه المؤتمرون، هو فقدان «آلية» متابعة مستمرة تكون بمثابة صلة الوصل بين الدول والمنظمات لتساهم، وللتأكد من أن الالتزامات النظرية توضع موضع التنفيذ.
وتدعو التوصية الأولى إلى تعزيز الأطر القانونية والعملياتية داخل البلد الواحد، في موضوع جمع المعلومات الخاصة بتمويل الإرهاب، وتشارك الهيئات المعنية في التحليل والتقويم، وخصوصا في سن القوانين التي تجرم تمويل الإرهاب، أكان المعني بذلك الأفراد أم الهيئات أم التنظيمات. وتدخل التوصية الأولى في تفاصيل ما يتعين القيام به على المستوى «الوطني» عن طريق فرض الرقابة على العمليات المالية، أو إيجاد هيئات وظيفتها الاستعلام المالي والتعاون بينها وبين الأجهزة القضائية. وترتبط هذه التوصية بالتوصية الثانية التي تدعو إلى فرض رقابة صارمة على التحويلات المالية مجهولة المصدر أو الوجهة النهائية، ودعوة السلطات للتعاون مع المؤسسات المالية، وحملها على احترام القوانين الموجودة لجهة القضاء على تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وفرض عقوبات مالية.
وفي السياق عينه، تدعو «أجندة باريس» إلى تعزيز الرقابة على التحويلات الموجهة للجمعيات الخيرية أو المنظمات غير الربحية، لما قد تخفيه من أهداف حقيقية، من بينها مساعدة التنظيمات الإرهابية.
بيد أن ما شغل المؤتمرين هو كيفية التعامل مع الوسائل المالية الجديدة، لمنع استخدامها من قبل التنظيمات الإرهابية. وآخر المستحدث منها «العملات الافتراضية» التي راجت في السنوات الأخيرة، والتي تتفلت حتى الآن من الرقابة الحكومية. ولذا فإن التوصية الرابعة تدعو إلى «استباق» استعمال هذه الأدوات المالية لأغراض إرهابية، عن طريق فرض قواعد تعامل صارمة وتعميمها. وفي هذه السياق وبشكل عام، تنص أجندة باريس على «توثيق التعاون» مع القطاع الخاص، وتحديدا العامل في الاقتصاد الرقمي، لمنع استغلاله لأغراض تمويل الإرهاب «التوصية الخامسة»، فيما التوصية السادسة تدعو إلى تعزيز التعاون الدولي بكافة أشكاله، والعمل بالاستراتيجية الدولية في محاربة الإرهاب وفي شقها المالي، وكذلك التزام القرارات الدولية الكثيرة الصادرة منذ عام 1999 بهذا الخصوص.
وفي السياق عينه، تدعو التوصية السابعة إلى تعزيز تبادل المعلومات التي تبقى الأساس لإعاقة تمويل الإرهاب.
ويدعو الإعلان إلى تدعيم شرعية الهيئات التي وظيفتها محاربة عمليات غسل الأموال غير الشرعية، من أي جهة أتت، وعلى رأسها هيئة «غافي».
وأخيرا تحث أجندة باريس على تعزيز العمل المشترك ضد الدول التي لا تحترم المعايير المعمول بها، ومع تلك التي تحتاج للمساعدة.


مقالات ذات صلة

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

شمال افريقيا مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

عاد «شبح داعش» ليثير قلقاً بين الليبيين بعد عشر سنوات على سقوط ما كانت تعرف بـ«إمارة التنظيم» في سرت، مدفوعاً بتحذيرات أميركية

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (متداولة)

السلطات المغربية تنجح في تفكيك خلية مُوالية لـ«داعش»

تمكّن الأمن المغربي، في عملية متزامنة ومشتركة مع نظيره الإسباني، اليوم الأربعاء، من تفكيك خلية إرهابية مُوالية لتنظيم «داعش» الإرهابي.

«الشرق الأوسط» (الرباط )
شؤون إقليمية اعتقلت السلطات التركية عشرات من بين آلاف المشاركين في الاحتفال بعيد نوروز في إسطنبول الأحد الماضي لرفعهم صوراً ولافتات تروج لحزب «العمال الكردستاني» (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - إكس)

تركيا: صدام بين القوميين حول «السلام» مع الأكراد

تصاعد جدل جديد بشأن إقرار اللوائح القانونية والإصلاحات الديمقراطية المطلوبة لإتمام «عملية السلام» في تركيا التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مقر السفارة الأميركية في نواكشوط (السفارة)

أميركا تحذر من «هجوم إرهابي» محتمل ضد سفارتها في نواكشوط

أصدرت الولايات المتحدة الأميركية، مساء الاثنين، تحذيراً من «هجوم إرهابي محتمل» ضد مقر السفارة الأميركية في موريتانيا.

الشيخ محمد (نواكشوط)

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».