ضربة جديدة لدبلوماسية نيودلهي في المحيط الهندي

سيشل تتراجع عن اتفاق عسكري بعد تدهور العلاقات مع المالديف

ضربة جديدة لدبلوماسية نيودلهي في المحيط الهندي
TT

ضربة جديدة لدبلوماسية نيودلهي في المحيط الهندي

ضربة جديدة لدبلوماسية نيودلهي في المحيط الهندي

تعرضت خطة الحكومة الهندية بإقامة وتطوير أول قاعدة عسكرية خارجية في أسابمشن، إحدى جزر سيشل في المحيط الهندي، لتعقيدات صعبة بعد أن تخلت حكومة الأرخبيل عن الاتفاق بسبب ضغوط من حزب المعارضة في الجزيرة. وتعد هذه هي الضربة الثانية التي تتلقاها الدبلوماسية الهندية في التعامل مع دول الجزر في المحيط الهندي منذ دخولها في علاقات مريرة مع المالديف التي كانت تعتبر من أفضل حلفاء الهند حتى الآونة الأخيرة.
وبموجب الاتفاق الموقع بين الهند وسيشل، خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي إلى الجزيرة في مارس (آذار) من عام 2015، كانت الهند تعتزم تجديد مهبط الطائرات في جزيرة أسامبشن، الواقعة إلى شمال مدغشقر، وتحديث رصيف المراكب الصغيرة، وإنشاء مرافق سكنية لحرس سواحل الجزيرة. أما الغرض المعلن، فهو لوضع حد للقرصنة البحرية حول جزر شرق أفريقيا في المحيط الهندي.
وكان الاتفاق مهماً للغاية؛ نظراً لأنه منح الهند الفرصة لوضع أصولها الاستراتيجية مباشرة في المحيط الهندي، ومنح كلاً من الهند وسيشل الحق في استخدام المرافق المذكورة، مع إمكانية استخدامها أيضاً من جانب أطراف ثالثة، شريطة ألا تكون أطرافاً معادية للمصالح الوطنية لأي من الطرفين الرئيسيين. ولجملة من الأسباب غير المعلنة، لم يصادق برلمان سيشل على الاتفاق خلال فترة ولاية الرئيس السابق، جيمس ميشيل. وبعد تولي الرئيس داني فوري منصبه في أكتوبر (تشرين الأول) في عام 2016، أعيد فتح المناقشات مع الهند بشأن الاتفاق، حيث تريد سيشل إعادة النظر في شأن الاتفاق المعني بالبنية التحتية العسكرية على جزيرة أسامبشن. واضطرت الحكومة الهندية إلى إرسال وزيرة الخارجية آنذاك إس جيشلنكار في زيارة غير معلنة إلى سيشل في أكتوبر من عام 2017، وذلك مع مواجهة الاتفاق للمزيد من العقبات. والتقى الوزير الهندي برئيس سيشل. وتمت تسوية الخلافات، ونُقل عن النائب العام في سيشل، فرانك آلي، قوله إن الهند سوف تتمكن من الوصول إلى المنشأة المذكورة، وكذلك الدول الصديقة الأخرى في المنطقة، لكنها لن تستخدم في نقل أو الاحتفاظ بالأسلحة النووية. ولقد تم إدراج هذا الموقف الرسمي من جانب حكومة سيشل في الاتفاق عند إعادة التفاوض بشأنه.
وسربت تفاصيل الاتفاق النهائي في أوائل مارس (آذار) إلى الإنترنت إلى جانب فيديو على موقع «يوتيوب»، مع الخرائط الكاملة، وموقع المنشآت المقترحة. وفي أعقاب تسريب تلك المستندات، غيّر زعيم المعارضة في برلمان سيشل، ويفيل رامكالاوان، من موقفه السابق المؤيد للاتفاق. وأعلن «وفاة» الاتفاق. وبعد ذلك بوقت وجيز، قال الرئيس داني فوري، إنه لن يقاوم معارضة المشروع في برلمان بلاده.
وتحظى سيشل بنموذج مميز من الحكومة الرئاسية، غير أن الرئيس داني فوري يقوم حالياً بنوع من التعايش السياسي مع تحالف المعارضة الذي فاز بالانتخابات البرلمانية الأخيرة في عام 2016. ولذلك؛ تعتمد حكومة سيشل على المعارضة البرلمانية في التصديق على ذلك الاتفاق. ووفقاً إلى دستور سيشل، لا يمكن تنفيذ أي معاهدة أو اتفاق دولي إلا بعد التصديق عليه بموجب قانون أو قرار صادر عن برلمان البلاد.
ويقول رالف فولسير، الناشط السياسي والمعارض السابق في سيشل، والذي قاد المظاهرات الوطنية ضد القاعدة العسكرية الهندية في بلاده: «من الواضح أن الهند ترغب في إقامة قاعدة عسكرية على جزيرة أسامبشن بهدف مراقبة حركة المرور في قناة موزمبيق في المحيط الهندي، ولا سيما مراقبة نقل الطاقة الخاص بالصين حول العالم. وسيشل جزيرة صغيرة يبلغ تعداد سكانها 90 ألف مواطن، ولا يمكنها أن تتحمل الانحياز نحو طرف على حساب آخر. إننا لا نؤيد الهند كما أننا لا نعارض الهند، ولسنا موالين ولا مناوئين للصين، إننا موالون لبلادنا سيشل فحسب».
وعلى الرغم من الأنباء السيئة بشأن مشروع الجزيرة، أعلنت حكومة سيشل من جانب منفرد الأسبوع الماضي، أن الرئيس فوري سوف يقوم بزيارة رسمية إلى الهند في يونيو (حزيران) المقبل.
ووفقاً للمصادر المطلعة، أكد الرئيس فوري للجانب الهندي، أنه ملتزم بمشروع جزيرة أسامبشن، وأن الحكومة سوف تعمل على تمرير الاتفاق في البرلمان من أجل التصديق عليه. وتعتقد نيودلهي أن الاتفاق في حالة جمود في الآونة الراهنة، لكن لا يزال من الممكن إعادة تفعليه وتنفيذه في وقت لاحق، وذلك وفقاً للمصادر الدفاعية الهندية.
ويمكن إظهار مقدار الدفء في العلاقات بين الهند وسيشل من خلال حقيقة مفادها أنه في عام 1986، ساعدت الخطوط الجوية الهندية في مهمة سرية في منع الإطاحة في انقلاب عسكري برئيس سيشل آنذاك، ألبرت رينيه، عندما قدم له رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي طائرته الخاصة ليعود بها إلى سيشل من اجتماع حركة عدم الانحياز في هراري.
ووقّع البلدان على مذكرة للتفاهم بشأن التعاون الدفاعي في عام 2003، وفي عام 2009، أرسلت سفن القوات البحرية الهندية في دوريات مراقبة وحراسة المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلاد ضد القراصنة الصوماليين.
ومنذ ذلك الحين، عززت نيودلهي بالمروحيات، وقوارب الدوريات، وطائرات المراقبة البحرية قدرات سيشل على المراقبة والاستطلاع والرصد، والتحكم في المنطقة الاقتصادية الخالصة. وكجزء من اتفاقيات عام 2015، تمكنت الهند من بناء شبكة من 6 محطات رادار ساحلية تحت إدارة قوات حرس السواحل في سيشل.
يذكر جايديب برابهو، المتخصص في السياسة الخارجية والنووية، الأسباب الحقيقية لمعارضة الاتفاق المشار إليه. أولاً، يخشى السكان المحليون في سيشل أن التواجد الهندي وتدفق العمالة إلى تلك الدولة الصغيرة سوف يؤدي إلى هيمنة الهنود على اقتصاد البلاد؛ مما يؤثر سلباً على العمالة المحلية. ثانياً، يرى الكثير من السكان المحليين أن بناء القواعد العسكرية في البلاد بمثابة هجوم عسكري وتدخل في سيادة البلاد. ثالثاً، لا يريد أصحاب المصالح في سيشل لأراضيهم أن تكون رهينة الصراع بين مختلف القوى الأجنبية، أي الهند والصين. ولقد حافظت حكومة سيشل على علاقات ودية مع كلا البلدين، ولا ترغب في أن تكون في وضعية تجبرها على الاختيار بين مختلف الأطراف إذا ما ثارت الصراعات. رابعاً، يشير حزب المعارضة في سيشل إلى قرب جزيرة أسامبشن من جزيرة ألدابرا المرجانية، وهي من مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونيسكو، وهي موطن أكبر عدد من السلاحف العملاقة في العالم.
يقول هارش آر بانت، المحلل الذي يعمل لدى مؤسسة أبحاث المراقبة ومقرها العاصمة نيودلهي: «الصين هي كلمة السر الدائمة في مشاكل الهند مع المالديف وسيشل. على الرغم من أن بصمتها في المالديف أكثر وضوحاً منها في سيشل. لكن هذا مجرد الجانب المعلن من القضية. فإن الدول الصغيرة مثل سيشل، وموريشيوس، والمالديف، وحتى سريلانكا، تعتبر عرضة للتدخلات الأجنبية. لكنها تجد من المفيد أيضاً التلاعب مع الدول الكبرى في صالحها، ولا يمكنك أن تضن عليهم بذلك».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended