أشرف غني.. خليفة كرزاي المحتمل

الخبير الاقتصادي الأفغاني يتحدر من كبرى قبائل البشتون ويعرف بين مناصريه بـ«العقل المفكر»

أشرف غني
أشرف غني
TT

أشرف غني.. خليفة كرزاي المحتمل

أشرف غني
أشرف غني

العملية السياسية في أفغانستان والتي تشكلت بعد رحيل نظام طالبان نهاية سنة 2001، عقب هجوم قوات التحالف الدولي على نظام الحركة المتشددة، دخلت مرحلة جديدة من فقدان الثقة بين الفرقاء السياسيين الأفغان الذين خاضوا حروبا تسببت في تدمير البنى التحتية للبلاد ونجمت عن مقتل مئات الآلاف من المدنيين ونزوح الملايين الآخرين إلى دول الجوار خاصة باكستان وإيران.
فالانتخابات الرئاسية، التي جرت أخيرا لم تسلم من انتقادات وتحديات كادت أن تعصف بها.. فبعد أن تصدر المشهد مرشحان للرئاسة هما عبد الله عبد الله وزير الخارجية السابق وأشرف غني أحمد زاي وزير المالية السابق، أعلن عبد الله عبد الله وهو أحد أقطاب تحالف شمال السابق المناهض لطالبان في تسعينات القرن الماضي بأنه لا يثق في اللجان الانتخابية واتهمها بالتزوير لصالح منافسه الوحيد أشرف غني. وعلق التعاون مع اللجان الانتخابية وسحب مراقبيه من عمليات الفرز بعد أن وجه اتهامات مباشرة لأمين اللجنة المستقلة للانتخابات ضياء الحق عمر خيل، الذي استقال يوم الاثنين الماضي، متهما إياه بالتزوير لمصلحة غني في جولة الإعادة.

على الرغم من أن نتائج جولة الإعادة لم تظهر بعد، فإن التسريبات الصحافية تتحدث بأن أشرف غني يتقدم على منافسه بأكثر من مليون صوت وهو ما يرجح فوزه في الجولة الثانية من الانتخابات الأفغانية المثيرة للجدل.
وأشرف غني الذي يتطلع إلى أن يكون الرئيس الثاني للبلاد بعد الرئيس الحالي حميد كرزاي، سياسي أفغاني وأكاديمي يعرف بين مناصريه بـ«مغز متفكر جهان»، ويعني العقل المفكر على المستوى العالمي. وينحدر من قبيلة بشتونية (مثل كرزاي) وهي قبيلة أحمدزاي كبرى قبائل البشتون القاطنة بمناطق الشرق الأفغاني. وتنتمي القبيلة إلى قبائل البدو الرحل حيث لا تستقر في مكان محدد وإنما تنتقل من محافظة أفغانية إلى أخرى وفقا لتطورات مناخية.
ولد أشرف غني أحمدزاي عام 1949 بولاية «لوجر» الواقعة جنوب شرقي العاصمة كابل، درس التعليم الابتدائي والثانوي في ثانوية «حبيبية» في كابل وهي الثانوية التي تخرج فيها معظم أبناء الطبقة الحاكمة وأثرياء العاصمة. وفي نهاية الستينات حصل على منحة دراسية ليلتحق بالجامعة الأميركية ببيروت. تخرج فيها عام 1973، وهناك تعرف على لبنانية وهي رولا سعادة مسيحية الديانة ولهما ولدان مريم وطارق، يعيشان في الولايات المتحدة حاليا. عاد أشرف غني إلى أفغانستان بعد إكمال دراسته الجامعية في لبنان عام 1977 ليلتحق بجامعة كابل العريقة آنذاك أستاذا للعلوم الإنسانية، ثم حصل على منحة حكومية للمرة الثانية هذه المرة إلى جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة في مجال علوم الإنسان ليكمل درجة الماجستير هناك. وعمل غني بعدد من الجامعات في أفغانستان والغرب، فقد انضم إلى هيئة التدريس في جامعة كابل، ثم جامعة آرهوس في الدنمارك عام 1977، وجامعة كاليفورنيا عام 1983، وجامعة جونز هوبكنز في الفترة بين عامي 1983-1991.
وحصل غني على درجة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية من جامعة كولومبيا، وكانت أبحاثه الأكاديمية تتمحور حول بناء الدولة والتحول الاجتماعي. وفي سنة 1985 أكمل سنة من العمل الميداني والبحث في المدارس الدينية الباكستانية، كما درس أيضا مقارنة الأديان.
وبعد الإطاحة بحكومة طالبان برزت شخصية أشرف غني مجددا في الساحة الأفغانية كونه رجل اقتصاد، وعمل موظفا خبيرا في البنك الدولي، وكانت أفغانستان بأشد الحاجة إلى خبراته في الهيئات الأممية كونه عمل في مجال الارتقاء بمؤسسات الدول الفاشلة في القارة الأفريقية وآسيا ومجال التحول الاجتماعي في الدول النامية ودول ما بعد الحرب.
وكان باكورة الظهور العلني لأشرف غني في اجتماع «بن» بألمانيا عام 2002، الذي عقد بإشراف مباشر من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لوضع لبنة جديدة للنظام الحالي في أفغانستان ما بعد التخلص من نظام طالبان. وشغل في حكومة الرئيس الأفغاني حميد كرزاي الانتقالية منصب وزير المالية.
استطاع غني إقناع الدول المانحة بشأن احتياجات أفغانستان المالية العاجلة، وتمكن من جمع مليارات الدولارات صرفت في بناء مؤسسات حيوية ومؤسسات رسمية كالقوات الأمنية وتطوير الأرياف، كما تمكن من تأسيس نظام جديد للجمارك في منافذ أفغانستان المنتهية إلى الدول المجاورة والتي كانت تخضع لأمراء الحرب الذين كانوا يجمعون أموال التجار في الجمارك لمصلحتهم الشخصية.
وتعد شخصية أشرف غني صارمة في اتخاذ القرارات المهمة وهو رجل صريح لا يجامل السياسيين وزعماء القبائل على غرار باقي الشخصيات السياسية الأفغانية، لهذا السبب له أعداء كثر من بينهم أمراء الحرب الذين يبحثون دوما عن مصالح شخصية في الأزمات الأفغانية المتلاحقة.
ترشح أشرف غني لمنصب الرئاسة في الانتخابات الرئاسية عام 2009 ضمن قائمة طويلة من المرشحين لهذا المنصب كان أبرزهم الرئيس الحالي حميد كرزاي المنحدر من قبيلة بشتوية أيضا. ولم يحالفه الحظ في تلك الانتخابات فحل في المرتبة الرابعة بعد كرزاي وعبد الله وبشردوست، لكن الرجل ظل يتواصل مع القبائل والشخصيات السياسية وانخرط في العملية السياسية من جديد بزعامة كرزاي فعين رئيسا لجامعة كابل وتولى المنصب لمدة سنتين، كانت حافلة بالمشاكل العرقية. وخرجت مظاهرات طلابية تطالب بتنحيه، بعد أن قام بسلسلة تعديلات ووضع قوانين جديدة تخص الجامعة، لكن خصومه السياسيين اتهموه بالتعصب لقبيلته وأنه بصدد التخلص من الأساتذة الذين ينتمون إلى الطاجيك كما وضع قيودا تمنع استعمال مصطلحات تعليمية عدها الطلاب دخيلة على المجتمع الأفغاني وهي من اللهجة الفارسية لإيران، وكان المصطلح الذي أثار مشكلة أدت إلى تنحيه من منصب رئيس الجامعة هو كلمة «دانشغاه» وهو اسم يطلق على الجامعة في إيران فأمر غني بمنع استعمال هذا المصطلح وبات يروج لمصطلح «بوهنتون» وهو مصطلح مأخوذة من اللغة البشتونية يطلق على الجامعات مما أثار حفيظة الطاجيك الذين تظاهروا ضده وطالبوا بإقالته.
وبعد التنحي عن رئاسة الجامعة عينه الرئيس الأفغاني مسؤولا عن ملف الانتقال السياسي والأمني من القوات الأميركية والأطلسية إلى نظيرتها الأفغانية. وبدأ يتنقل من محافظة إلى أخرى وسط إجراءات أمنية مشددة ويلتقي بحكام الأقاليم ومسؤولين محليين للاطلاع على مدى قدراتهم واستعدادهم لتسلم الملف الأمني والسياسي من الأجانب، وبالفعل استطاع أن يخرج بنجاح من هذه المهمة التي اكتملت بنسبة تسعين في المائة تقريبا، وبات الأفغان يسيطرون على كامل المهمة الأمنية في جميع المناطق الأفغانية.
وانتقلت السلطة السياسية كاملة إلى الأفغان بعد ثلاثة عشر عاما.
يقول أشرف غني إنه استطاع أن يشخص مشاكل ومعاناة الأفغان خلال توليه مهمة الانتقال الأمني والسياسي من خلال تنقلاته وإنه يستطيع حل هذه المشاكل في حال توليه منصب رئاسة الجمهورية.
ترشح غني لمنصب الرئاسة في انتخابات عام 2014 إلى جانب أحد عشر مرشحا آخرين كان أبرزهم عبد الله عبد الله وزلماي رسول وزير الخارجية السابق المقرب إلى الرئيس حميد كرزاي وعبد رب الرسول سياف أحد زعماء المجاهدين السابقين.
ولم يتمكن أحد من المتنافسين على منصب الرئاسة إحراز النسبة المطلوبة في الجولة الأولى وهي خمسون وواحد حسب الدستور والقانون الانتخابي الجديد مما اضطر اللجنة الانتخابية إلى إعلان عقد جولة الإعادة بين اثنين من المتنافسين اللذين حصلا على أغلب الأصوات. وكان أشرف غني أحدهما، عقدت الجولة الثانية ورافقها كثير من المشاكل تتعلق بالتزوير والمخالفات ولا تزال نتائجها غير واضحة حتى الآن. غير أن المعلومات والتوقعات الأولية تشير إلى تقدم أشرف غني على منافسه بمليون صوت وهو ما يعني أنه الرئيس المقبل لأفغانستان بعد كرزاي الذي لا يحق له الترشح لولاية ثالثة. لكن الأصوات الاحتجاجية التي بدأت ترتفع من هنا وهناك خاصة من فريق عبد الله عبد لله بعدم شرعية الانتخابات بسبب التزوير الواسع يبدو واضحا أن طريق غني إلى القصر الجمهوري ليس مفروشا بالورود وأنه سيعاني كثيرا حتى الوصول إليه مثل باقي رؤساء أفغانستان.
يقول نثار أحمد فيضي، وهو أحد الشباب الذين يقودون حملة في شبكات التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» إن أشرف غني هو أفضل وأنسب رجل لقيادة المرحلة الحالية من حياة أفغانستان السياسي خاصة أنها تتزامن مع مرحلة الانتقال وخروج القوات الدولية منها نهاية العام الحالي، مشيرا إلى أن غني رجل مثقف أكاديمي لم يتورط في الحروب الأهلية وعاش معظم سنوات عمره في خارج البلد يتعلم ويعلم، كما أن لديه خبرة واسعة في مجال الانتقال من حالة الفوضى إلى حالة الاستقرار والتحول الاجتماعي.
أما سلطان أحمد وهو صحافي أفغاني يناصر أشرف غني فيقول إنه رجل صريح ينفذ ما يعد به وإن أفغانستان بحاجة إلى خبراته في مجال مكافحة الفقر وتعزيز المؤسسات والبنى التحتية للدولة بينما لا يحمل منافسه هذه المواصفات، على حد تعبير أحمد.
اختار أشرف غني الجنرال الأزبكي المثير للجدل عبد الرشيد دوستم محليا ودوليا كمساعد أول في حال فوزه بمنصب الرئاسة وهو المتهم بقتل مئات من عناصر طالبان المعتقلين لديه في سجن قلعة جنكي بولاية بلخ بالشمال الأفغاني أثناء الحرب على طالبان، وهو ما أثار غضب قبائل البشتون الذين طالبوا بمحاكمة الجنرال، غير أن غني يقول إن دوستم طالب بالعفو واعترف بالخطأ وإنه قل من يفعل ذلك، مشيرا إلى أنه ممتن لهذه الجرأة السياسية التي أظهرها عبد الرشيد دوستم قبل خوض غمار الانتخابات الرئاسية.
وما يؤخد على أشرف غني هو أن بطاقته الانتخابية تكاد تكون خالية من الشخصيات الطاجيكية المؤثرة في الساحة وهو ما وجه إليه كثيرا من الانتقاد من عرقية الطاجيك بأن الرجل متعصب لقبيلته البشتونية. علاوة على ذلك فإن الرجل تعرض إلى أبشع أنواع التهم والإشاعات فاتهم بأنه شيوعي يسعى إلى إعادة الحكم الشيوعي في البلاد من قبل بعض أمراء الحرب وقادة المجاهدين السابقين واتهم بأن زوجته مسيحية ولم تعتنق الإسلام رغم أنه يؤكد أن زوجته اعتنقت الإسلام، وتداول الخصوم مقطع فيديو يظهر فيه غني يقول إنه يحترم إرادة زوجته اللبنانية، وإنه لم يجبرها على التخلي عن الديانة المسيحية، وإنه أثناء إقامته بأميركا كان يرافقها إلى الكنيسة، وفي حال فوزه بمنصب الرئاسة فإن أول مرة بتاريخ أفغانستان السياسي ستدخل امرأة لبنانية إلى القصر الجمهوري وهي ظاهرة فريدة وجديدة بالنسبة للأفغان.

* أشرف غني.. في سطور
* ولد أشرف غني أحمدزاي عام 1949 بولاية «لوجر» الواقعة جنوب شرقي العاصمة كابل، درس التعليم الابتدائي والثانوي في ثانوية «حبيبية» في كابل وهي الثانوية التي تخرج فيها معظم أبناء الطبقة الحاكمة وأثرياء العاصمة. في نهاية الستينات حصل على منحة دراسية ليلتحق بالجامعة الأميركية ببيروت تخرج فيها عام 1973، وهناك تعرف على زوجته اللبنانية «رولا سعادة» وهي مسيحية، ولهما ولدان مريم وطارق، يعيشان في الولايات المتحدة حاليا. حصل على منحة حكومية للمرة الثانية إلى جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة ونال فيها درجتي الماجستير والدكتوراه.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.