رحيل فؤاد عجمي

رحيل فؤاد عجمي
TT

رحيل فؤاد عجمي

رحيل فؤاد عجمي

في أول مرة أتعرف فيها على البروفسور فؤاد عجمي كنت طالبا للدراسات العليا، وذلك عندما قرأت كتابه «المحنة العربية»، الذي ترك لدي انطباعا عميقا، إنه يجيد وصف العذابات الفكرية والسياسية والثقافية في العالم العربي التي حلت في أعقاب هزيمة عام 1967، ولا يزال دون منافس في هذا المضمار. في فترة لاحقة، عندما كنت أسعى إلى التعرف على شيعة لبنان، قرأت كتابه «الإمام المُغيّب»، الذي يدور حول الإمام الراحل موسى الصدر بقدر ما يتعلق بتاريخ عائلة البروفسور عجمي ذاته. يتميز الكتاب، مثل كثير من كتابات عجمي، بالحميمية والاطلاع العميق والأسلوب الجميل. دائما ما أنصح بقراءة هذا الكتاب وكتاباته الأخرى لطلابي. الأمر الجدير بالذكر على وجه خاص في علم البروفسور عجمي كيفية جمعه بين التاريخ السياسي والتقدير العميق للثقافة والأدب والتاريخ. كان راويا بالفطرة، إذ كان يكتب ويقدم سردا أساسيا، ولم يكن شخصا متزلفا أو متملقا في نخبة القوة الأميركية، كما وصفه البعض.

* برنارد هيكل: البروفسور عجمي.. كان رجلا رقيق المشاعر ذا علم.... تحدث كثير عن «أمراض» العرب وكل أمله أن يراهم يوما يخرجون من الأزمات السياسية التي غرقوا فيها
* قابلت البروفسور عجمي منذ خمس سنوات وسارت الأمور بيننا على ما يرام، وقد أرجع ذلك إلى أساليبنا «البلدي» القديمة. نشأت صداقتنا بفضل حقيقة أن أصولنا نحن الاثنين ترجع إلى الأقاليم اللبنانية ولا نشعر بالارتياح لأهل العاصمة المتصنعين في بيروت. كان البروفسور عجمي شيعيا من أرنون في الجنوب، وأنا ماروني من نيحا في الشمال. كنا نحن الاثنان نعتز بالولايات المتحدة التي قدمت لنا وطنا جديدا، وحررتنا من أغلال العالم القديم، ومنحتنا فرصا مذهلة.
في أول انطباع، بدا البروفسور عجمي محللا متشككا ومتشائما تجاه العالم العربي، حيث كان يتحدث عن الأمراض التي يعاني منها العرب. ولكنه انطباع خاطئ. لقد كان رجلا عطوفا يهتم كثيرا بشأن العرب – كل العرب – ويريد أن يراهم وهم يخرجون من الأزمات السياسية التي غرقوا فيها. وعلى النقيض من كثير من أبناء عصره، رفض عجمي القبول بأن المخرج هو الاشتراكية، أو، في مرحلة لاحقة، الإسلام السياسي. بالنسبة له كانت كلتا الآيديولوجيتين تمثلان جانبين مختلفين من عملة الاستبداد ذاتها، ويمثلان وعودا كاذبة وطرقا سياسية مسدودة. كان الأمل الوحيد من وجهة نظره هو الديمقراطية الليبرالية. يمكن أن يساعد ذلك تفسير حماسه الخاطئ وتأييده للغزو الأميركي في العراق. كان يجب أن يعرف على نحو أفضل، وعلى وجه التحديد أن المجتمع العراقي تعرض لتدمير بالغ جراء حكم صدام، ونظام العقوبات، وأن الغزو وما حدث في أعقابه سوف يجعل من المستحيل بناء أي كيان مترابط. كما أخطأ البروفسور عجمي أيضا في ثقته في قدرة الولايات المتحدة على حسن إدارة الأمور.
وفي الفترة الأخيرة، ألف كتابا مؤثرا عن الحرب في سوريا، دافع فيه عن التدخل العسكري الغربي للمساعدة على هزيمة نظام الأسد. يجب مرة أخرى قراءة هذا باعتباره دليلا على مشاعره الثابتة تجاه العرب، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو انتمائه الشخصي، بالإضافة إلى إيمانه المستمر بقدرة الولايات المتحدة على تحقيق التوازن لصالح من تعرضوا لمعاناة طويلة.
الأمر الوحيد الذي لا يستطيع العديد من أعضاء السلك الأكاديمي أن يتسامحوا فيه مع البروفسور عجمي هو ما بدا منه من عدم اكتراث تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ولا يخفى أن البروفسور عجمي كان يحظى بإعجاب الكثيرين في إسرائيل والمناصرين لها، ولم تكن لديه مشكلة في وجود إسرائيل. كان يرى أن إسرائيل واقع سياسي لا يمكن إلغاؤه، لذلك يجب على العرب القبول به، بل وحتى مصادقتها من أجل تحقيق تنميتهم. في الواقع، كان عجمي يرى أن انشغال العرب بإسرائيل حارة سياسية أخرى مسدودة تحول بينهم وبين التقدم، بينما يسمح ذلك ببقاء أنظمة استبدادية للبقاء في السلطة باسم الصراع مع الكيان الصهيوني. أشك أيضا، ولكني لا أملك دليلا على ذلك، في أن آراءه تجاه إسرائيل والفلسطينيين تأثرت بالتجربة العصيبة التي مر بها الشيعة في جنوب لبنان في السبعينات، عندما خضعوا وقتها لسيطرة منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت توصم بالفساد والوحشية في ذلك الوقت. قد يرى المرء في موقف البروفسور عجمي خيانة لفلسطين، ولكن على الأرجح أن جذور هذا الموقف ترجع إلى فهم واضح لوجوب تكيف العرب مع الواقع، في هذه القضية وغيرها من القضايا. ومن المثير للاهتمام الإشارة إلى أن كتب البروفسور فؤاد عجمي، ما زالت محل إعجاب بالغ وتحظى بقراءة واسعة في العالم العربي.
على الرغم من كل ما يحمله من تعقيدات وما قد يشوبه من تناقضات، فإن ما تركه البروفسور فؤاد عجمي يمثل معلما تركه رجل رقيق المشاعر وذو علم. سوف يجد الدارسون في العالم العربي الكثير الذي يمكنهم الاستفادة منه في أعماله.
* أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برنستون

* أفشين مولافي : فؤاد عجمي والوضع السياسي العربي
* «انتحر مساء يوم 6 يونيو (حزيران) 1982 وعمره 62 سنة في بلكونة منزله غرب بيروت» الشاعر المعروف والأستاذ بالجامعة الأميركية ببيروت خليل الحاوي. وتلقى الحاوي تعليمه بذات الجامعة ثم بجامعة كمبريدج». هكذا بدأت إحدى أفطن المقالات في الوضع السياسي العربي في قصر أحلام العرب: أوديسة جيل التي كتبها الراحل فؤاد عجمي ونشرت عام 1998.
«أين العرب؟» قالها الحاوي حينها في اليوم الذي اجتاحت فيه الدبابات الإسرائيلية لبنان. «من الذي سيمسح وصمة العار عن جبيني؟» وبعدها في عشية ذلك اليوم أزال وصمة العار بإطلاق النار على نفسه. أوحى انتحار الحاوي لفؤاد عجمي قصة أكبر عن الرجال والنساء العرب الذين يحلمون بالحداثة ولكنهم يائسون بسبب ضعفهم وسياسات بلادهم البالية والتقاليد العنيدة والطائفية الخطرة. كانت مقالة مدهشة عنوانها «انتحار خليل الحاوي: قداس جيل» والفصل الأول فيما اعتبره أحد أهم أعمال فؤاد عجمي «قصر أحلام العرب».
لمن عرفوا الأستاذ عجمي مثلنا، عجمي الرجل وليس الكاريكاتير، فهمنا أن مقالة الحاوي كانت شخصية بعمق. وعجمي يئس أيضا من الوضع السياسي العربي وعبر للعالم بوضوح عن رؤيته في «قصر أحلام العرب» الذي نشر عام 1998.
وكتب عجمي: «عندما يتحدث الغربيون والإسرائيليون (الأعداء) وعندما لا يستمع (المستشرقون) يتحدث العرب بالصراحة والرمز».. «لم يحتاجوا للكثير من التفاصيل فكان بإمكانهم الحديث بإيجاز عما حدث بعالمهم فمسار الأحداث لتاريخهم الحديث معروف لديهم».
فما هي القصة التي حكوها عن السقوط؟
من «المد الثقافي والسياسي في الخمسينات»، ذلك المد الذي أتى بالمعرفة المتزايدة للتعلم والثقة السياسية بالقومية الجماعية والانعتاق الأكبر للنساء والأدب والشعر الجديد الذي أعاد صياغة الشكل الموقر للفن، تبددت تلك الثقة بعد عقد من ذلك في حرب الأيام الستة عام 1967 وصُنع عالم جديد.
في ذلك العالم الجديد كتب عجمي «اتجه الشباب إلى السياسة الثيوقراطية (الدينية) وتركوا السياسة العلمانية التي كانت لمن هم أكبر منهم سنا». وعندما رجع فؤاد عجمي إلى تلك اللحظة بذاكرته بعد نحو عقدين من الزمن كتب: «في صميم هذا السرد الممتد يكون المأزق، خط الخطأ الجيلي بين الآباء العلمانيين وأبنائهم الثيوقراطيين».
في ذلك العالم الجديد انتحر خليل الحاوي في شرفة منزله غرب بيروت ثم أصبح الوضع السياسي العربي قاسيا، لا سيما في المدن الرئيسة بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت. وربما كان هذا سبب تعلق عجمي بالشعراء والرواة، إذ كانوا يمنحونه الأمل.
عرفت فؤاد عجمي كطالب في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز. وقبل سفري لمصر لدراسة اللغة العربية خلال إجازة الصيف سألته عما يجب أن أقرأه، فقال لي: «لدي عشرون كتابا لك: جميعها لنجيب محفوظ». وكان أخبرني مرة عن الأيام القلية التي قضاها في صحبة الكاتب نجيب محفوظ.
كان فؤاد عجمي كاتبا غزير الإنتاج لكن كان لكتبه مكانة خاصة في قلبه. فهي تروي القصص التي يريد أن يحكيها وكان يلفها إحساس من الأسف والشفقة.
في كتابه «الإمام المُغيب: موسى الصدر وشيعة لبنان» الذي نشر عام 1987، كتب عجمي: «قاد موسى الصدر أتباعه اللبنانيين في وقت بدأوا يطالبون فيه ببلدهم. واختفى وترك لهم نصا وذاكرة وبعض المؤسسات في وقت كان فيه البلد بأكمله مكانا محطما. الشباب خلف أكياس الرمل مع ملصقات الإمام يدافعون عن حطامهم وطوائفهم. لقد أتى مقياس من المساواة إلى لبنان».
وكتب في كتابه «المحنة العربية» الذي نشر عام 1981 «ليس من تسلية في المادة التي ترد هنا: في تاريخ للأوهام واليأس والسياسات التي تنحدر بصورة متكررة إلى سفك الدماء، وللتحولات المتخيلة التي يعقبها اليأس لأن هناك جوهرا غير قابل للتغيير يشوه كل ذلك ويفترس كل النيات الطيبة ويسخر ممن يحاولون تغيير الأشياء».
وفي كتابه «بيروت: مدينة الندم» الذي نشر عام 1988 رثى حالة الحرب الأهلية في لبنان وكتب «قبل السقوط وقبل الأحداث الفظيعة والدمار السياسي خلال العقد الماضي، كانت هناك حكايات عن لبنان، حكايات عن بلد جبلي صغير على شاطئ البحر المتوسط، عن بيروت المدينة الساحرة حيث تنحدر سلسلة الجبال المثيرة نحو البحر. كانت هناك حكايات عن أناس يتسمون بروح الإقدام والمبادأة عاشوا حسب فطنتهم ولاقحوا بين صرامة الحق العربية الإسلامية في الشرق وأساليب ومفهوم الحق في الغرب».
أما في كتابه «قصر أحلام العرب: أوديسة جيل» الذي نشر عام 1998 فتوقع انتفاضة مصر عام 2011: «ليس هناك قانون للسلام الاجتماعي، ولا سعادة محتومة أو تمدن محتوم في أي أرض. كانت هناك مناحات على شاطئ النيل وأوقات عمّت فيها الاحتفالات. وهناك دور حاسم للإرادة الإنسانية يرقب دورة الحياة وتأتي بالأشياء حسب المواسم، ولا يكفي عزاء الإشادة بالأرض الطيبة والنهر الصبور. وعلى تلك المقاييس على الضفاف أن تقرأ وتراقب بحذر».
* باحث بمعهد السياسة الخارجية بجامعة جون هوبكنز للدراسات الدولية

* دوغلاس مارتن: رحيل الخبير في التاريخ العربي فؤاد عجمي
* توفي الأحد الماضي عن 68 سنة فؤاد عجمي الأكاديمي والمؤلف والإذاعي والمعلق على شؤون الشرق الأوسط. وساعد عجمي على تجميع الدعم لغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، عن طريق تقديم الاستشارات الشخصية لكبار صناع السياسة. وقالت مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد، حيث كان عجمي من كبار أساتذتها في بيان، إن سبب وفاته مرض السرطان.
فؤاد عجمي عربي يئس من وصول الحكومات الاستبدادية بطريقتها الخاصة للديمقراطية واعتقد أن على الولايات المتحدة مواجهة ما سماه «ثقافة الإرهاب» بعد هجمات عام 2001 الإرهابية على نيويورك وواشنطن. وشبّه ديكتاتور العراق صدام حسين بهتلر.
عمل عجمي جاهدًا على وضع التاريخ العربي في منظور أكبر. وكثيرًا ما أشار إلى غضب المسلمين على فقدانهم السلطة في الغرب عام 1683 عندما فشل حصار الأتراك لفيينا. وقال إن تلك الذكرى أدت إلى نوع من التعاسة الذاتية والخداع الذاتي، حيث إنهم يلومون بقية العالم على مشكلاتهم. ويقول إن الإرهاب هو إحدى النتائج.
تلك وجهة نظر طرحها برنارد لويس المؤرخ البارز لشؤون الشرق الأوسط في برينستون والمفكر الشعبي الذي حث الولايات المتحدة أيضا على غزو العراق ونصح الرئيس جورج بوش.
اعتاد معظم الأميركيين على آراء عجمي على أخبار قناتي «سي بي إس» و«سي إن إن» وبرنامجي «بي بي إس» (شارلي روز) و«ساعة الأخبار»، حيث كانت تضفي لحيته المميزة وأسلوبه المنمق قوة على آرائه التي تبدو موثوقًا بها. وكتب عجمي ما يفوق 400 مقالاً للمجلات والصحف منها «نيويورك تايمز»، إضافة إلى ستة كتب عن الشرق الأوسط اشتمل بعضها على تجاربه الشخصية كمسلم شيعي في مجتمعات ذات أغلبية سنية.
ودعته كوندوليزا رايس عندما كانت مستشارة الأمن القومي إلى البيت الأبيض في عهد الرئيس بوش، ووجه النصح إلى بول وولفويتز عندما كان نائب وزير الدفاع. وفي خطاب عام 2002 أشار نائب الرئيس ديك تشيني إلى تنبؤ عجمي بأن يقابل العراقيون التحرير بواسطة الجيش الأميركي بالفرح.
وواصل عجمي خلال السنوات التي تلت غزو العراق دعم التدخل بوصفه يساعد على الاستقرار. لكنه قال هذا الشهر إن رئيس الوزراء نوري المالكي بدد فرصة لتوحيد البلد بعد التدخل الأميركي وأصبح ديكتاتورًا. وفي وقت قريب فضّل السياسات الأكثر عدوانية تجاه إيران وسوريا. وكان أشد انتقاد عجمي للحكام المستبدين العرب الذين يفتقرون للدعم الشعبي. لكن استخدامه لكلمات مثل «قبلي» و«رجعي» و«عشائري» لوصف الشعوب العربية أوغر صدور البعض، وكذلك اعتقاده أن الأمم الغربية يجب أن تتدخل في المنطقة لتصحيح الأخطاء. واتهمه الناقد الفلسطيني إدوارد سعيد الذي توفي عام 2003 بأن لديه صفات عنصرية جلية». وامتدحه آخرون على توازنه فكتب دانيال بايبس وهو مفكر متخصص في شؤون الشرق الأوسط في مجلة «كومنتري» عام 2006 أن عجمي تجنب «الشعور العربي الراسخ العام عن غدر وخيانة إسرائيل».
ولد فؤاد عجمي في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1945 على سفح قلعة بناها الصليبيون في قرية أرنون المغبرة جنوب لبنان. وأتت أسرته من إيران (تعني كلمة عجمي «فارسي» في اللغة العربية) وكانت من مزارعي التباكو الأثرياء. وانتقلت أسرته إلى بيروت عندما كان في الرابعة من عمره.
وعندما كان صبيًا كان يسخر منه أطفال المسلمين السنة لكونه شيعيًا وقصيرًا، وكتب في قصر أحلام العرب: أوديسة الأجيال 1998 «دراسة للمفكرين العرب في الجيلين الأخيرين». وعندما كان عجمي مراهقًا كان متحمسًا للقومية العربية وهي قضية انتقدها فيما بعد. كما وقع في حب الثقافة الأميركية خاصة أفلام هوليوود، ولا سيما أفلام رعاة البقر. وفي عام 1963 وقبل عيد ميلاده الثامن عشر بيوم أو يومين انتقلت أسرته إلى الولايات المتحدة. ودرس عجمي بكلية أوريغون الشرقية (صارت جامعة الآن) ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة واشنطن بعد كتابته أطروحة عن العلاقات الدولية وحكومات العالم. ثم درّس العلوم السياسية في برينستون. وفي عام 1980 عينته مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز مديرًا لدراسات الشرق الأوسط. ثم انضم إلى مؤسسة هوفر عام 2011. بحث كتابه الأول «المحنة العربية: الفكر السياسي العربي والممارسات السياسية منذ حرب عام 1967»، (1981) وحالة الفزع والشعور بالهشاشة والضعف في العالم العربي بعد انتصار إسرائيل في حرب عام 1967. وعرض كتابه التالي «الإمام المغيب: موسى الصدر وشيعة لبنان»، (1986) لرجل دين إيراني ساعد على تحول الشيعة اللبنانيين من «أقلية محتقرة» إلى لاعبين سياسيين فاعلين. وقدم عجمي في كتابه «بيروت: مدينة الندم» مقدمة طويلة وبعض النصوص المصاحبة لمقالة مصورة بقلم إيلي ريد.
ويتحدث كتاب «قصر أحلام العرب» عن كيف حاول جيل من المفكرين العرب تجديد ثقافة أوطانهم من خلال قوى الحداثة والعلمانية. ووصفته كريستيان سيانس مونيتور «بالنظرة الصافية لآمال العرب المفقودة».
وأدان البعض ذلك الكتاب من ضمن ما أدين به لتلك النبرة بوصفه سلبيًا للغاية. وقال المفكر أندرو روبن الذي يكتب في صحيفة «ذا نيشن»: «يعبر عن معاداة العروبة التي احتضنتها واشنطن واللوبي الموالي لإسرائيل».
وحصل فؤاد عجمي على الكثير من الجوائز منها زمالة ماك آرثر عام 1982 وميدالية العلوم الإنسانية الوطنية عام 2006. وترك عجمي زوجته ميشيل.
وصف آدم شاتز مظهر عجمي المميز في صحيفة «ذا نيشن» عام 2003 «بلحيته الدراماتيكية وملابسه الساحرة الأنيقة وأخلاقه الغزلية تقريبًا» وواصل: «يتحدث في التلفزيون بسخرية وثقة يحبها الرجال الذين على رأس السلطة، خاصة أولئك القادمين من خلفيات متواضعة، وخلافًا للعرب الآخرين لا يبدو أن له دوافع شخصية، إنه واحد منا، إنه العربي الطيب».
* خدمة «نيويورك تايمز»

* هشام ملحم : قدم أفكارا عظيمة بشأن ما يعاني منه العالم العربي
* «قدم عجمي أفكارا عظيمة بشأن ما يعاني منه العالم العربي. يمكنك أن تتفق أو تختلف معه فيما يتعلق بالحلول أو التحذيرات التي يقدمها، ولكن في رؤيته النافذة لتعقيد العالم العربي، كان شديد الإخلاص في الإشارة إلى التناقضات».
«التقط عجمي مرة بعد أخرى أزمة العرب في العصر الحديث، وحاضرهم المعذب وماضيهم المجيد، وكيف تتعرض أحلامهم في مستقبل أفضل دائما للعراقيل».
«روى عجمي قصة الاشتياق والأسف والإحباط، وعبر عنها بأسلوب شعري جميل. قد يكتب آخرون موضوعا أو مقالا أو كتابا، ولكنهم لا يحملون تلك الموهبة والمشاعر والأسلوب الأدبي الذي يقدمه فؤاد عجمي».
«كانت بيننا اختلافات سياسية، ولكن سواء كنت تتفق معه أو لا، يجب أن تقرأ له».
«دائما ما كنت أحسده على إتقانه للغة الإنجليزية في كتاباته».
«كان شغفه بأدونيس وجوزيف كونراد والشعراء العرب يغذي أسلوبه الجميل. يمكنك الرجوع إلى أعماله لاكتساب الأفكار وتقدير الأسلوب الذي يقدم لك الفكرة من خلاله، فحتى الطريقة التي يكتب بها والكلمات التي يستخدمها تشكل جزءا من الموضوع ذاته».
«امتلك عجمي قدرة على نقل تجربة جيل كامل، وكأنها تراتيل لتأبين جيله من العرب. تمتع عجمي بالجرأة والرؤية الثاقبة التي سمحت له بالحديث عن المحنة المأساوية التي حلت بجيل كامل».
«أحب عجمي الأدباء العرب. أدونيس كان بطلا وكذلك محفوظ كان بطلا».
* صحافي ومعلق سياسي

* إيميل حكيم : ساعدنا على استيعاب المحنة العربية من وجهة نظر أوسع
* «البروفسور عجمي شخصية معقدة، فقد استطاع تقديم أفضل تقييم لانهيار المجتمعات العربية والفكر السياسي العربي، ولكنه جمع مع هذا التقييم توصيات سياسية شديدة التفاؤل، تشوش على التقييم المتشائم السابق».
«في تقييمه للوضع، لا يوجد له منازع، وهو قاسٍ مع العرب بطريقة لا يجرؤ عليها كثيرون منهم. كما امتلك قليلا من الشفقة على الذات. وكانت لديه رؤية قاسية تجاه الأمراض التي تعاني منها المجتمعات العربية. وهذا هو أكبر إنجازاته».
«كان موقفه من حرب العراق خطأ مأساويا، ولكن حتى عندما كان مخطئا، لم يكن من السهل مطلقا رفض آرائه وبراهينه».
«من أكبر إسهاماته أنه ساعدنا على استيعاب المحنة العربية من وجهة نظر أوسع. وكان يتحدث عن المنطقة على نطاق أوسع. ولم يكن الأمر يتعلق بإسرائيل والغرب فقط».
«ليس من العدل تماما قصر إسهامات عجمي على حرب العراق وحدها، فقد قدم ما هو أكبر من هذا بكثير».
«كانت قدرة عجمي على التعبير عن ذاته بأسلوب جميل، على الرغم من أن اللغة الإنجليزية ليست لغته الأم، سمة جديرة بالملاحظة».
* كبير زملاء في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية

* بول وولفويتز: العالم فقد صوتا عربيا وأميركيا متفرد القوة
* حرمت وفاة فؤاد عجمي في عطلة نهاية الأسبوع هذا البلد والعالم من صوت متفرد القوة - صوت عربي وأميركي في الوقت ذاته، كان يمكن أن يساعد في توجيهنا كما فعل في الماضي من خلال مخاطر وتعقيدات الشرق الأوسط الذي ينتمي إليه.
عندما أصبحت عميدا لمدرسة جون هوبكنز للعلاقات الدولية المتقدمة عام 1994 كان الأستاذ عجمي مديرا لدراسات الشرق الأوسط، وكان من جوانب المتعة في تلك الوظيفة إمكانية التفاعل معه بصورة منتظمة.
سيكون من الصعب اليوم العثور على شخص يكتب في السياسة الدولية بتلك البلاغة والقوة وتمكنه الاستثنائي اللافت من اللغة الإنجليزية، من شخص ليست الإنجليزية اللغة الأم بالنسبة له. وتمتع عجمي مع تلك البلاغة بالشجاعة البارزة. كان يتحدث عن الحقيقة كما يراها دون مواراة حول الزوايا، وأكسبه ذلك الكثير من الأعداء. ولد عجمي في لبنان وتقبل قيم وطنه المختار الولايات المتحدة، لكنه لم يفقد أبدا نظرته إلى المنطقة التي أتى منها وتعقيداتها ومآسيها التي ستقلقل ذلك الجزء من العالم لفترة طويلة مقبلة. تشبعت كتاباته بشعور عميق من المأساة، النابعة من الصدام بين القوة الأميركية بـ«جيوشها وآلياتها وجديتها» و«منطقة كبيرة غامضة»، حيث يمكن أن يرعب الأميركان شعب العالمين العربي والإسلامي، وحيث يمكن أن تفوق المنطقة قوة الأميركان ذكاء وصبرا على الانتظار. بإمكان أميركا أن تمني العراقيين بآمال الثقافة السياسية اللائقة، وبإمكان أعداء هذا المشروع أن يتراجعوا إلى التعصب الحاد للقتال وعدم التسامح.
* نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفوفيتز



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.