الأغذية السوبر... فوائد حقيقية أم خدع تسويقية؟

الأغذية السوبر... فوائد حقيقية أم خدع تسويقية؟
TT

الأغذية السوبر... فوائد حقيقية أم خدع تسويقية؟

الأغذية السوبر... فوائد حقيقية أم خدع تسويقية؟

هناك حملات تسويق هائلة سواء في منافذ السوبر ماركت أو من المنتجين أنفسهم حول فوائد ما تسمى بالأغذية السوبر. وتقبل فئات كثيرة على هذه الأطعمة على أساس أنها مفتاح الصحة والعمر المديد بينما ينصح الأطباء بالوجبات الغذائية المتوازنة كأساس لجسم صحي.
هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS) وهي بمثابة وزارة الصحة الرسمية تناولت ما ينشر عن الأطعمة السوبر واختبرت مجموعة أطعمة تنتمي إلى الفئة السوبر لكي تضع النقاط على الحروف حول ما يشاع عن فوائد هذه الأطعمة.
وبداية تقول الهيئة إن لفظ الأطعمة السوبر ليس له تعريف معين أو حصري، كما أن الاتحاد الأوروبي يرفض ادعاءات الفوائد الصحية على مغلفات الأطعمة من دون دليل علمي. ولكن حتى هذه الشروط لم تمنع منتجي بعض الأطعمة من تمويل برامج أبحاث طبية من أجل اكتشاف فوائد صحية يمكن أن تستخدم في الدعاية لمنتجاتهم.
وتستغل شركات إنتاج الأغذية السوبر توجه أجيال جديدة نحو أنماط حياة صحية بما في ذلك اتباع «ريجيم» معين ومأكولات تخفض مخاطر أمراض القلب والسرطان. وتريد هذه الشركات إقناع العامة أن تناول مأكولات بعينها يمكن أن يمنع هذه الأمراض أو يؤجل الشيخوخة. بل تذهب بعض الشركات إلى ادعاء أن أطعمة بعينها يمكن أن تعالج الكآبة وأن ترفع الذكاء وأن تعزز القدرات الجسمانية.
ويعتقد البعض أن طعاما معينا يمكنه أن يتضمن مضادات للأكسدة من شأنها معالجة الخلايا المريضة في الجسم. وتقول هيئة الخدمات الصحية البريطانية إن معظم الأبحاث الطبية تجري على كيماويات مركزة من هذه الأطعمة لا توجد في الصيغة الطبيعية للخضراوات أو النباتات التي تكتسب صفة «سوبر».
وعلى سبيل المثال تقول الهيئة إن الثوم يحتوي على مادة غذائية تقلل من الكولسترول وضغط الدم، ولكن الاستفادة من هذه الخصائص تتطلب تناول 28 فصا من الثوم يوميا لكي تعادل الكمية التي تم اختبارها في المعامل، وهي كمية لم يجرب تناولها الباحثون أنفسهم.
وبوجه عام فإن الأطعمة التي يطلق عليها لفظ «سوبر» غنية في مضادات الأكسدة والفيتامينات ومادتي السيلينوم وأوميغا - 3. ومضادات الأكسدة هي كيماويات تحمي الجسم من الآثار التي تفرزها جزيئات شاردة (Free Radicals) تضر بالخلايا الحية.
ولكن هيئة الصحة البريطانية تعترف أن نتائج الأبحاث على الفوائد الصحية لمضادات الأكسدة لم تحسم بعد. وتضيف أن هيئة سلامة الأغذية الأوروبية لم تجد أي دليل في تجارب معملية على أن تأثير مضادات الأكسدة على الجزيئات الشاردة مفيد للصحة. بل إن بعض الأبحاث أشارت إلى احتمال وجود أضرار جانبية لأدوية مضادات الأكسدة.
واستنتجت الهيئة البريطانية أن وجود «أغذية سوبر» تنجز معجزات ما هو إلا خيال علمي بحت وأن الشيء المثبت بالفعل هو أن السمنة وتناول الكحول هما من أهم أسباب الأمراض في المدى البعيد ويؤديان إلى الوفاة المبكرة.
أما النصيحة المستقرة طبيا فهي أهمية الريجيم المعتدل المتنوع للصحة، حيث إن التركيز غير المبرر على نوع واحد أو نوعين من الطعام قد يشجع على أسلوب حياة غير صحي. فلا يوجد طعام سوبر يمكن أن يعوض عن عادات طعام غير صحية.
وتقول أليسون هورنبي رئيسة هيئة الريجيم البريطانية إن البعض يعتقد خطأ أن عادات غير صحية لتناول الأطعمة يمكن معالجتها بطعام سوبر. وبينما يستمر هؤلاء في عادات الطعام غير الصحية فإنهم يخاطرون بأمراض على المدى الطويل. ويفضل أخصائيو الغذاء عدم استخدام لفظ الأطعمة السوبر ويستعيضون عنه بلفظ الريجيم السوبر الذي يركز على خيارات صحية ومتنوعة، غنية بالفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة.
وتشير هيئة الصحة البريطانية إلى ما يسمى «ريجيم البحر المتوسط» الذي يمكن أن يخفض من مخاطر الأمراض المستعصية ويزيد من سنوات العمر. ويشمل هذا الريجيم فواكه وخضراوات وزيت الزيتون ونسب أقل من اللحم ومنتجات الألبان بالمقارنة مع الريجيم الغربي.
وتقول هورنبي إن الريجيم الصحي لا يعتمد على نوع أو نوعين من الطعام مع أمل أن يحقق ذلك نقلة نوعية في الصحة. فكل الأطعمة التي لم تصنع من جميع الأنواع يمكن اعتبارها سوبر، فجميعها مفيد ضمن وجبات صحية متنوعة. وتشير المطبوعات الصحية إلى ضرورة تناول أطعمة متنوعة للحصول على المواد الغذائية التي يحتاجها الجسم، وبالتركيز على تناول خمسة أنواع مختلفة من الفواكه والخضراوات يوميا.
وشاركت هيئة الصحة البريطانية في أبحاث شركات متخصصة من أجل فحص بعض نماذج من «الأطعمة السوبر» لاكتشاف ما إذا كانت ادعاءات فوائدها صحيحة، وكانت النتائج التالية:
- التوت الأزرق (Blueberries): أجريت دراسة في عام 2012 على 93 ألف امرأة تناولت ثلاث وجبات من التوت الأزرق والفراولة أسبوعيا وكانت النتيجة هي انخفاض في نسبة الإصابة بالصدمات القلبية بالمقارنة من نساء أخريات تناولن التوت الأزرق مرة واحدة أو أقل شهريا. ولكن الدراسة لم تثبت أن التوت الأزرق كان هو سبب انخفاض مخاطر أمراض القلب لدى النساء. ومع ذلك أضافت أبحاث طبية أخرى أن التوت الأزرق يرخي جدران الشرايين ويخفض ضغط الدم ومن خطر تصلب الشرايين. والنصيحة هي اعتبار التوت الأزرق مفيدا ضمن مجموعة الفواكه والخضراوات التي يتعين تناولها يوميا من أجل الحفاظ على الصحة العامة.
- القرنبيط الأخضر (Broccoli): ويقول عشاق هذا النبات الأخضر إنه يحمي من السرطان ويمنع ضغط الدم العالي وأمراض القلب والسكر. وهو مصدر جيد لفيتامين ج وعناصر الكالسيوم والألياف ومضادات الأكسدة. وتشير الأبحاث إلى أن تناول الخضراوات بوجه عام يخفض من مخاطر بعض أنواع السرطان مثل سرطان الفم والحلق والمعدة. ويحتاج القرنبيط الأخضر إلى المزيد من الأبحاث لإثبات فوائده الغذائية المعلنة. ولم يوجد إثبات على أن القرنبيط الأخضر يخفض ضغط الدم ولكنه يخفض من نسب الكولسترول ويخفف من أعراض مرض السكر مثل تلف أطراف الأعصاب في القدمين ولكنه لا يمنع مرض السكر. وهو مفيد ضمن غذاء صحي متنوع ويكفي 80 غراما منه يوميا.
- الأسماك الزيتية (Oily Fish): مثل السلمون والسردين، وهي تشتهر بحماية الشرايين ضد أمراض القلب وتحمي النظر ويمنع أمراض البروستاتا. كما أنها مصدر مهم لفيتامينات بـود، ومادتي السلينيوم وأوميغا - 3. وأثبتت الأبحاث الطبية صحة هذه الفوائد وأضافت إليها أيضا فائدة خفض ضغط الدم وتنظيف الشرايين. والنصيحة العامة هي تناول وجبتين أسبوعيا من الأسماك الزيتية. ولا يوجد إثبات طبي لفوائد هذه الأسماك على البروستاتا أو تأجيل مرض الزهايمر. ولكن الأسماك الزيتية تحافظ على النظر لدى كبار السن. وبصفة خاصة يمكن اعتبار الأسماك الزيتية مفيدة للقلب.
- الرمان (Pomegranate): ويقال إنه يخفض ضغط الدم ويمنع أمراض القلب والالتهابات وبعض أنواع السرطان، وهو مصدر جيد للألياف ويحتوي على فيتامينات متنوعة وعناصر مضادة للأكسدة بالإضافة إلى الحديد. وأثبتت الأبحاث الطبية فوائد الرمان في علاج ضيق الشرايين والمحافظة عليها وفي تأجيل تقدم سرطان البروستاتا. وفي تجارب على الفئران ثبتت فائدة الرمان في تقوية العظام. وبوجه عام يمكن اعتبار الرمان من الفواكه المفيدة صحيا ضمن ريجيم متنوع. ويمكن تناول عصير الرمان يوميا ولكن مع تجنب الأنواع التي تضيف السكر إليه. ويمكن إضافة حبات الرمان إلى السلاطة من أجل رفع قيمتها الغذائية.
- الشاي الأخضر (Green Tea): ظل الشاي الأخضر لقرون ضمن طب الأعشاب الصيني لعلاج الكثير من الأمراض بداية من الصداع وحتى الكآبة. والاعتقاد السائد هو أن أوراق الشاي الأخضر مضادة للأكسدة وتحتوي على فيتامينات ومعادن مثل البوتاسيوم والمنغنيز والماغنسيوم والكافيين. وتعود مصادر كل أنواع الشاي إلى الأشجار نفسها. الأبحاث الطبية من ناحيتها لم تثبت أن الشاي الأخضر يحمي من السرطان ولكن دراسات حديثة ما زالت جارية تشير إلى فوائد مادة «هيرسبتين»، الموجودة في الشاي الأخضر، في علاج سرطان الثدي. ولكن فوائد خفض الوزن لم تثبت طبيا، بينما تبدو تجارب خفض الكولسترول مشجعة بشرب الشاي الأخضر أو الأحمر يوميا. والنصيحة الطبية هو أن حلقة الوصل بين الشاي الأخضر وعلاج قائمة الأمراض المذكورة ضعيف ولكنه مفيد كشراب اجتماعي ليس له مضار.


مقالات ذات صلة

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

صحتك  الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

يفضّل كثيرون احتساء الشاي أو القهوة أو تناول الحساء وهو في أقصى درجات سخونته، خصوصاً خلال الأجواء الباردة، لما يمنحه ذلك من شعور بالدفء والراحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
صحتك إذا شممت رائحة طعام شهي فقد تسمع معدتك تقرقع (بيكسلز)

هل تصدر معدتك أصوات قرقرة؟ إليك أبرز الأسباب

سواء لاحظتها أم لا، يصدر جسمك أصواتاً مستمرة. قد لا تثير طقطقة المفاصل أو أصوات الغازات قلقك، لكن سماع قرقرة معدتك قد يثير شعوراً بالحرج أو الفضول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك علماء يعملون في مختبرات تابعة لجامعة تشيلي في سانتياغو (أ.ف.ب)

علماء يطورون أجساماً مضادة واعدة للوقاية من فيروس «إبستاين بار»

ربما يكون ‌الباحثون قد اقتربوا من تطوير لقاح يحمي من فيروس «إبستاين بار»، وهو فيروس شائع مرتبط بداء كثرة الوحيدات، والتصلب ​المتعدد، وبعض أنواع السرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية قالت مجموعة القرصنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إنها «نشرت بيانات طبية حساسة لأكثر من 10 آلاف مريض» من الشبكة الإسرائيلية (رويترز)

مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تعلن اختراق أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل

أعلنت مجموعة قرصنة تُعرف باسم «حنظلة» يُعتقد أنها مرتبطة بإيران، الأربعاء، أنها نجحت في اختراق أنظمة أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل، وهي شبكة «كلاليت».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
صحتك لم تعد حمية اليويو تُعتبر مجرد تجربة فاشلة بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من رحلة طويلة نحو تحسين الصحة (بيكسلز)

تعرّف على فوائد حمية اليويو

تشير أبحاث حديثة إلى أن هذه حمية اليويو أو تقلّب الوزن، قد تحمل بعض الفوائد الصحية المهمة، حتى في حال استعادة الوزن لاحقاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».