صناعة «الأخبار الكاذبة»

سقراط دعا إلى سيطرة الدولة على ما سماه «سرديات أشعار الحرب»

صناعة «الأخبار الكاذبة»
TT

صناعة «الأخبار الكاذبة»

صناعة «الأخبار الكاذبة»

لم تبدأ صناعة الأخبار (الكاذبة) في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وإن كان المصطلح اكتسب شهرة عالمية بسبب تغريداته الشخصية المتكررة على تطبيق «تويتر» في إطار هجائه لتلفزيون «سي إن إن» وصحيفة «نيويورك تايمز» التي اتهم فيها أكبر مؤسسات الإعلام الأميركي بنشر أخبار كاذبة.
فالمصادر التاريخية القديمة حافلة بأمثلة كثيرة على استخدامات متكررة لحقائق ملفقة أو بديلة، أو نقيضة أو أقله روايات منحازة عن الأحداث والأشخاص والأشياء.
هناك مثلاً إشارة في «الجمهورية» كتاب أفلاطون المعروف عن أن سقراط معلمه قال بضرورة سيطرة الدولة على ما سماه «سرديات أشعار الحرب»، وأن أعمالاً مثل قصائد هوميروس ينبغي ألا يُسمَح بوصولها للعامة. ويبدو أن السلطات الحاكمة عبر التاريخ أخذت بنصيحة سقراط تلك وعمَمتها لتشمل بناء منظومة متكاملة من الخداع والأساطير التي تمكنها الحفاظ على السلم الأهلي وتماسك المجتمع، حتى إن المؤرخ البيزنطي الأهم في القرن السادس الميلادي بروكوبيوس خط سجلاً سرياً لاذعاً عن الوقائع المشينة في سيرة حياة الإمبراطور جستنيان لم يجرؤ على نشره خلال حياته، في الوقت الذي كان يكيل مدائح بما خص شجاعة الإمبراطور في نصوصه «التاريخية» المنشورة كلها.
«الباسكواندي» كان ربما أقرب نموذج تاريخي لعمل يقترب من شكل الصحافة كما نعرفها اليوم لجهة دورها نشر الأخبار الكاذبة تحديداً. ففي إطار أجواء الانتخابات البابوية عام 1522، طفق الشاعر بييترو أريتانيو يكتب قصاصات فيها سونيتات لاذعة بحق كل المرشحين باستثناء أولئك الذين كان يدعمهم آل مديشي - أولياء نعمته - ويعلقها على نصب تمثال نصفي يعرف بـ«الباسكوينو» بالقرب من ساحة نافونا في روما، ومنها اشتق اسم «الباسكوندي» لاحقاً ليصف ظاهرة توسعت في انتشارها تلك الأيام تتركز حول قصاصات مكتوبة باليد تحمل أخبار شائنة - أكثرها كاذبة - ضد الشخصيات المعروفة.
تقليد «الباسكواندي» الإيطالي تطور في فرنسا القرن السابع عشر إلى ما يعرف بـ«الكانارد»، وهي نوع من منشورات مطبوعة سيطرت على صناعة الأخبار الكاذبة في شوارع باريس لقرنين على الأقل، وكانت تسرد قصصاً ملفقة وانتقادات لاذعة ضد المشاهير وربما رسوماً لإثارة اهتمام السذج. ويعتقد مؤرخون أن هذه المنشورات لعبت دوراً مهماً في المرحلة السابقة للثورة الفرنسية، وأسهمت دون شك في إثارة الكراهية الشعبية نحو شخص الملكة ماري أنطوانيت، التي انتهت بإعدامها علناً عام 1793.
وعلى الأغلب، فإن القصة المنقولة عنها بأنها تساءلت: «لمَ لا يأكل الشعب الكعك المحلى إن لم يجد الخبز؟!»، هي تلفيق من إحدى الـ«كانرادات» التي وافقت أخبارها الكاذبة الأجواء الفرنسية المحتدة وقتها.
لكن التطور الأهم في صناعة نشر الأخبار الكاذبة حصل على الجانب الآخر من «القنال الإنجليزي»، وفي لندن القرن الثامن عشر تحديداً. ففي عام 1772 صدرت أول صحيفة بالشكل الذي نعرفه اليوم. كانت تلك «مورنينغ بوست» (أو «بريد الصباح») واعتمدت صيغة نشر فقرات متتالية - بحسب موعد ورودها إلى الصحيفة - يحمل كل منها أخباراً تتقصد الإثارة وأغلبها كاذب أو مبالَغ به دون أي ترتيب أو تبويب. واللطيف أن بعض كاتبي هذه الفقرات كانوا يتلقون أموالاً مقابل جهودهم في جمع الإشاعات من المقاهي العامة والطرقات وكتابتها على قصاصات ورقية يرسلونها لمكتب الصحيفة، بينما تطوع آخرون للكتابة ربما لبناء سمعة مهنية أو حتى لمجرد بث أخبار كاذبة عن أشخاص أو أنشطة أو حتى كتب جديدة. وقد حظيت تلك النوعية من المطبوعات بإقبال شعبي واسع وأصبحت خلال وقت قصير من أهم أدوات تشكيل الرأي العام. وتذكر المصادر من تلك الفترة أن لندن وحدها كانت تصدر فيها عام 1788 عشر صحف يومية، وثماني صحف تصدر ثلاث مرات في الأسبوع وتسع أسبوعيات.
لم تكن القوانين في فرنسا وقتها تسمح بنشر معظم نوعية الأخبار التي كانت تحفل بها صحف لندن، لكن تأثيرها ما لبث أن وصل إلى البر الأوروبي عبر مجموعة من صحف سرية بدائية ومنشورات، ولاحقاً عبر صحف فرنسية اللغة كان يصار إلى إصدارها من لندن وترسل تالياً إلى باريس تكون حافلة بالفضائح وقصص الإثارة الملفقة.
في القرن العشرين، لعبت الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) دوراً مهماً في بلورة فن صناعة الأخبار الكاذبة والتحكم بالسرديات. إذ من المعروف أن الحكومة البريطانية استدعت بعد شهر تقريباً على اندلاع الأعمال القتالية خمسة وعشرين من أهم الكتاب والصحافيين في الإمبراطورية - أرثر كونان دويل، وتوماس هاردي، وجون ماسفيلد وإتش جي ويلز وغيرهم - إلى اجتماع سري في مقر يعرف بـ«ويللينغتون هاوس» جنوب حديقة القديس جيمس بلندن. وقد طلبت الحكومة وقتها من قادة الفكر والأدب هؤلاء الالتزام بنشر مقالات وكتبٍ وأعمال أدبية تدعم المجهود الحربي البريطاني وتمسك بزمام السردية عن مجريات الحرب لتكون وفق مصالح الإمبراطورية. وبالفعل فقد اندفع هؤلاء - كل في مجاله - للترويج للحرب، والمشاعر الوطنية البريطانية بينما التزموا بفرض حظر تام على كل ما قد يتعارض مع هذه الدعاية. ويحصي أحد المصادر أكثر من 105 ملايين نسخة مطبوعات أنتجها ذلك الفريق قبل أن يُكشف عن وجوده عام 1935 من قبل الناشر الأميركي جورج دوران الذي تحدثت مذكراته عن عمله في صناعة البروبغاندا لمصلحة الحلفاء خلال الحرب العظمى بالتنسيق مع مجموعة سرية تعمل بتوجيه الخارجية البريطانية وتعرف بالـ«ويللينغتون هاوس».
لكن سياسة السلطات البريطانية في تشجيع انتشار الأعمال المكتوبة على تنوع أشكالها كأداتها الأهم لتوجيه الرأي العام - وذلك بالطبع قبل مرحلة انتشار السينما أو اختراع التلفزيون - يبدو أنها حملت في طياتها بذور إفشال فرض سردية محددة عن أجواء الحرب. فقد خلق تكثيف نشر المواد الأدبية والفكرية المؤيدة للحرب نوعاً من حمى قراءة بين العامة في البلاد، لا سيما بين جيل الشباب الذي أدى الخدمة العسكرية ودفع ثمنها الباهظ، وهو ما دفع أفراداً موهوبين بينهم إلى التورط بكتابات خارج السياق سجلت المشاعر الحقيقية التي عايشها بعضهم على الجبهات أو في المشافي الميدانية أو حتى الحياة اليومية في ظل الحرب. وعلى الرغم من أن تلك الأعمال لم تكن وقتها كافية لمواجهة الجهد الثقافي المنظم الذي تولته مجموعة «ويللينغتون هاوس» فإنها اليوم تُعتبر المصادر التي يأخذ عنها المؤرخون في قراءة الحرب العظمى التي فقدت هالتها الكاذبة كما صورتها أعمال مجموعة «ويللينغتون هاوس»، وأصبحت ترى بشكل متزايد كما هي بالفعل: «مذبحة كبرى ومأساة بشرية تامة».
وقد تعلم الأميركيون بعدها فنون البروبغاندا هذه من خبرتهم مع البريطانيين والألمان خلال مشاركتهم بالحرب وطوروها نحو صناعة متكاملة للسيطرة على الرأي العام وخلق الأساطير كأداة أساسية في ترسانة القتال التي تمتلكها الإمبراطورية الأميركية الصاعدة. وكانت الحرب الباردة بين الشرق والغرب ملعباً لاستعراض تقنيات القوة «الناعمة» تلك، والوصول بها إلى حد الاحتراف. وهناك مصادر عدة تتحدث عن سيطرة شبه تامة للأجهزة الاستخبارية وقتها على نتاج العدد الأكبر من الصحافيين والمثقفين والأدباء والفنانين وحتى الموسيقيين، وتوجيهه بطرق مباشرة أو غير مباشرة نحو خدمة مصالح الإمبراطورية. وهناك بالفعل وثائق سُربت عن قوائم لأسماء مشهورة من هؤلاء كانوا وفي مراحل مختلفة يتلقون دفعات منتظمة من وكالة الاستخبارات الأميركية عبر واجهاتها الثقافية المختلفة.
ولعل فضيحة «كمبردج أناليتيكا» و«فيسبوك» الأخيرة إشارة لتدشين عهد جديد أصبح فيه بث الأخبار الكاذبة وصناعة السرديات الملفقة أمراً فائق السهولة بما لا يُقاس بعد ذلك بالتطور المتسارع لتكنولوجيا أدوات الاتصال وتعدد منصات التواصل الاجتماعي التي من شأنها أنْ فتَحَت الأبواب مشرعة ليس فقط أمام الكتاب المأجورين، بل وأمام كل متطوع للتضليل يرى أن ما يكتبه يستحق المشاركة على الفضاء السيبيري. ومن دون أدنى شك فإن مصداقية تلك الأخبار لا تنطلي إلا على سُذج القراء بينما الغالبية العظمى منهم تستمر في استهلاكها بوصفها مصدراً للترفيه أو إرضاءً للفضول أو تصريفاً لمشاعر الحسد والكراهية التي قد تعتمل في القلوب، الأمر الذي تؤكده استطلاعات الرأي المتكررة عن تدنٍّ غير مسبوقٍ في ثقة الجمهور بمصادر أخباره، لا سيما تلك التي تأتيه من بيوتات الصحافة العريقة ومحطات التلفزيون الأشهر. وتلك مسألة لا تقف خطورتها عند تشويه سمعة أفراد مشهورين أو مؤسسات أو حتى أنظمة فحسب، وإنما تتعدى ذلك إلى تهديد أسس فكرة الديمقراطية برمتها وهي الأسطورة الجامعة التي تقوم عليها المجتمعات المعاصرة، فتلك الفكرة بُنيت على أساس معانٍ سامية مجسدة في كلمات أفقدها صانعو الأخبار الكاذبة قيمتها أو كادوا، لتتناثر كما رمادٍ في الفضاء السيبيري المظلم.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.