إيران… الطريق إلى العسكرة

المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقاء سابق بقادة الحرس الثوري (موقع خامنئي)
المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقاء سابق بقادة الحرس الثوري (موقع خامنئي)
TT

إيران… الطريق إلى العسكرة

المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقاء سابق بقادة الحرس الثوري (موقع خامنئي)
المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقاء سابق بقادة الحرس الثوري (موقع خامنئي)

يتحول نقاش «الرئيس العسكري» في إيران إلى جدل أساسي في الأوساط السياسية الإيرانية. وكانت القضية حديث العديد من الصحف المهمة على مدى الأيام القليلة الماضية.
وربما الوضع الإيراني الراهن جعل قضية رئاسة شخص عسكري للحكومة يبدو أكثر أهمية ويتوقع أن يتسع كل يوم. ليست الأوضاع الاقتصادية في البلاد على وشك الانهيار فحسب، بل إن الثقافة والمجتمع والأسرة والأمن لم تُستثنَ من هذه القاعدة.
إيران على حافة انهيار شامل. على الأقل مثل هذا الانطباع يتوسع بشكل حاد على مستوى النخبة السياسية. وتمكن رؤية مثال واضح على ذلك في بيان حزب «حركة الحرية»؛ الحزب القديم والمعتدل.
حسين الله كرم، الذي فتح کلامه أبواب الجدل قبل أيام حول ضرورة صعود عسكري «استراتيجي» في منصب الرئيس الإيراني، ليس اسماً مجهولاً في البلاد. الرجل أسس حركة «أنصار حزب الله» في بداية التسعینات من القرن الماضي، عندما كان عائداً من حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق. كانت الحركة تقود جماعات الضغط في إيران في فترتين رئاسيتين لكلٍّ من علي أكبر هاشمي رفسنجاني والإصلاحي محمد خاتمي. کانت تعد حينذاك واحدة من أدوات ضغط المحافظين. بعد فترة غياب عاد كرم إلى الواجهة بداية الأسبوع الماضي بإطلاق تصريح أثار قلق كثيرين قائلاً: «إن الإيرانيين يعتقدون أن عليهم اختيار عسكري استراتيجي لرئاسة الحكومة، وإلا فلن تكون النتيجة سوى انهيار».
على الرغم من أن حسين الله كرم ليس شخصية معروفة في مجال السياسة الإيرانية التطبیقية، فإنه يعد عينة لما يدور من أفكار داخل أوساط المحافظين المتشددين المقربين من «الحرس الثوري»، إلى جانب أشخاص آخرين تتحول الجامعة الحرة (آزاد) الإيرانية شيئاً فشيئاً إلى معقل لهم بعدما تم تنصيب المرشد الإيراني علي خامنئي مستشاره في الشؤون الدولية علي أكبر ولايتي رئيساً للجامعة.
تُشكل ثنائية «الانهيار - العسكرة» أساس ما تقوله هذه الجماعة. من وجهة نظرهم، إيران اليوم على حافة الانهيار. لم يبقَ من طريق للهروب من هذا الانهيار إلا اللجوء إلى عسكري بإمكانه إبعاد البلاد عن شبح التفكك. ثنائية «الانهيار - العسكرة» ليست جديدة على البلاد، إنها تذكّر الإيرانيين بنموذج مثير للجدل له أنصاره ومعارضوه الشرسون في الوقت نفسه منذ ما یقارب قرناً. النموذج هو رضا شاه مؤسس النظام البهلوي في بداية القرن العشرين، والذي يعده كثيرون ديكتاتوراً. بسط رضا شاه قوته في فترة تذكر الكتب التاريخية أن إيران كانت فيها على حافة الانهيار. تماماً مثل الیوم، کما یقول أنصار الفكرة.
بالطبع، رئيس جمهورية بخلفية عسكرية لا ينحصر في نموذج رضا شاه بهلوي. روحاني الجالس اليوم على كرسي الرئاسة شغل منصب قائد الدفاع الجوي، وقائد مقرّ خاتم الأنبياء للدفاع في منتصف الثمانينات. لكن ما يقصده اليوم المحافظون، رئاسة عسكري محترف وليس شخصاً تم حقنه من خارج المؤسسة العسكرية إلى أضلاعها الداخلية.
إضافةً إلى ذلك، فإن ما تقصده وسائل إعلام «الحرس الثوري» من الرئيس العسكري ليس من بين قادة الجيش. فالجيش خارج اللعبة في إيران. القصد جنرالات «الحرس الثوري».
يتذكر الناشطون السياسيون تلقائياً شخصين هما محسن رضايي ومحمد باقر قاليباف، كلما امتدّ الحديث إلى هذا الموضوع. الاثنان من قادة الحرس الثوري في حرب الخليج الأولى. الاثنان من المحافظين. كلاهما دخل معركة الانتخابات الرئاسية وجرّب طعم الهزيمة في كل مرة؛ قالیباف مُني بالهزیمة 3 مرات، ومحسن رضايي تلقاها مرتین. ربما لأنهم لم يحظوا بمساندة المحافظين. من جانبه محسن رضايي في كل مرة ترشح للانتخابات، لم يكن مرشح المحافظين. ومحمد باقر قاليباف أقصاه المحافظون كل مرة في الدقيقة التسعين. الآن كل منهما لديه مهام غير عسكرية. رضايي أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام، وقاليباف عضو في مجلس تشخيص مصلحة النظام، بعدما كان عمدة طهران لـ12 عاماً.
على ما يبدو، فإن ذلك سبب في خروج هؤلاء من دائرة المرشحين. منظّرو المحافظين المقربون من «الحرس الثوري» عندما يتكلمون عن رئاسة عسكري يقصدون أن يكون عسكرياً في الوقت الحاضر. فضلاً عن ذلك، هم يعرفون أن الناس في الانتخابات لم يرغبوا إطلاقاً في مرشحين عسكريين. انتخابات الرئاسة أبانت بوضوح أن الإيرانيين لم يرحبوا بالجنرالات. رضايي وقاليباف وأمين عام مجلس الأمن القومي علي شمخاني انهزموا کلهم في الانتخابات الرئاسية.
ومن المثير للاهتمام، أنه بناءً على عدم ترحيب الرأي العام بالعسكريين حاول کلٌّ من رضايي وقاليباف تقديم نفسیهما كأشخاص غير عسكريين. والمثير أن روحاني خلال تنافسه مع قاليباف في الانتخابات الرئاسية، أخذ على منافسه خلفيته العسكرية واعتبرها نقطة ضعف، وبتأكيده الرتبة العسكرية لقاليباف حاول النيل من صورته الاجتماعية. مقطع هذا الهجوم تداوله الإيرانيون ملايين المرات في شبكات التواصل الاجتماعي وتسبب في انهيار سلة قاليباف الانتخابية. كأن خلفيته العسكرية أصبحت كعب أخيل لمحاولاته. وعليه، فإن المنظّرين المقربين من «الحرس الثوري» يدركون جيداً أن العسكري الذي من المقرر أن يدخل سباق الانتخابات الرئاسية يجب أن يكون رمزاً ويحظى بشعبية بين الناس. وفق المخطط الدعائي الذي تابعه «الحرس الثوري» في السنوات الأخيرة في تضخيم صورة بعض قادته، فإن قاسم سليماني يمتلك المواصفات المذكورة حسب ما یدّعون. قائد فيلق «القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» الذي یقوم المحافظون والمتشددون بعمل المستحيل لصناعة صورة البطل منه. قام التيار المحافظ بتعبئة السينما واللوحات الدعائية والتلفزيون والمهرجانات والصحف المحافظة والمواقع الإخبارية والتحليلية والجوامع لتحويله إلى شخصية كاريزمية وقيادي متمكن ومنقذ لإيران. في كلمة واحد «عسكري استراتيجي»؛ ألیس هذا ما یطالب به منظّرو المتشددین؟ ربما بناءً علی ذلك لا تأبى الحلقات الصانعة للقرار في الحرس الثوري والأوساط المتنفذة من ذكر اسمه كمرشح مطلوب للانتخابات الرئاسية.
«قدرات» قاسم سليماني من وجهة نظر هذه الدوائر تكمن في أنه «كان قادراً على إحداث تغيير عبر استخدام قوى غير إيرانية لكن مؤمنة بآيديولوجية إيران. يعني أنه أنفق أقل الموارد وجلب أكثر الأرباح لإيران. شخص استراتيجي استطاع أن يوحّد المؤمنين بالحضارة الإسلامية (وفق القراءة الإیرانية) من أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا ولبنان ويقودهم إلى هدف واحد». هذه العبارات لأمين عام «حزب الله إيران» حسن الله كرم ليست بسيطة يمكن التغاضي عنها بسهولة. یمکن للمرء أن يشم منها رائحة الهيمنة على المنطقة والتوسع الآيديولوجي الإيراني.
في وقت سابق، كانت قد أُثيرت قضية دخوله إلى الانتخابات، ولكنّ قاسم سلیماني رفض بشدة. وفي رسالة إلى المرشد الإيراني أطلق على نفسه اسم الجندي الأبدي للمرشد وللشعب. ومع ذلك فإن الأوضاع اليوم مختلفة وقد يزول إنكار سليماني لذاته بإشارة من خامنئي.
لكن القضية ليست بهذه البساطة، «الحرس الثوري» تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى تنّين من 7 رؤوس يبتلع إيران، تتنافس في داخله مجموعات مختلفة بمصالح متباينة. مجموعات ليس من الواضح أن تقبل جميعها قاسم سليماني.
إضافة إلى ذلك، فإن إثارة رئاسة جنرال قد يضر مشروع علي لاريجاني، رئيس البرلمان المتنفذ الذي يملك علاقات جيدة مع «الحرس الثوري» والذي شغل سابقاً منصب قائمقام هيئة الأركان في «الحرس الثوري»، وقائمقام غير عسكري لجهاز عسكري. يرنو لاريجاني اليوم إلى كرسي باستور (مقر الرئاسة)، ومن الممكن أن يذهب حلمه أدراج الرياح بسبب فكرة «الجنرال الرئيس».
خلال هذه الأيام، اتخذ الإصلاحيون موقفاً قاسياً ضد هذه الفكرة. مصطفي تاج زاده الذي كان مساعد وزير الداخلية في حكومة محمد خاتمي، ناشد عبر الشبكات الاجتماعي أي شخص يهمه أمر المجتمع المدني والحرية أن يقف بوجه تطلعات الحرس الثوري للهيمنة على السياسة. عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة في زمن محمد خاتمي، أشار بدوره إلى تجربة باكستان والهند وبنغلاديش، لكي يقول في هذا الصدد إن رئاسة العسكريين كارثية. وفي إشارة إلى تحذير الخميني من تدخل العسكريين في السياسة، اعتبر عدد من أعضاء البرلمان الإصلاحيين مشروع رئاسة الجنرال على نقيض توصيات الخميني.
لكن الحقيقة هي أن الإصلاحيين خائفون. إنهم يعرفون جيداً أن جنرالات الحرس الثوري يدخلون المعركة من موقع القوة ولن يتراجعوا بسهولة. تاج زاده يشير إلى هذه القضية بوضوح معتبراً إياها نقطة تحول، إما يتراجع «الحرس الثوري» إلی المعسكرات وإما يواصل مسار رقعة نفوذه، وبعد فتح الاقتصاد واختطاف السياسة الخارجية يحاول الحصول على كرسي الرئاسة. وبطبيعة الحال أظهر «الحرس الثوري» أنه ليس أهلاً للتراجع. التجربة تثبت ذلك والظروف ترجّح حدوثه.
كلمة الرمز لكل المدافعين عن فكرة رئاسة العسكريين هي «الانهيار والتفكك». وفق منظور هؤلاء فإن الإيرانيين أمام خيار شبح تفكك إيران وانهيار كل شيء، وتحوُّل إيران إلى ليبيا أو سوريا من جانب. هم يخوّفون الناس من الموت حتى يقتنعوا بالحمّى، ينطق ما تشهده إيران هذه الأيام بذلك.
ولكن ربما القضية ليست قضية الانهيار؛ أو على الأقل هذه ليست القضية الرئيسية لجنرالات الحرس، وثمة قضية أهم منها بالنسبة إليهم:
المرشد الإيراني مريض، والكل يعلم أنه لن يكون على قيد الحياة لفترة طويلة. بموت المرشد الإيراني ونظراً إلى اتساع صلاحیاته، ستدخل إيران في أزمة التنافس علی من يخلفه وبإمكان هذه الأزمة أن تحرق اليابس والأخضر. إن الحرس الثوري الذي أظهر خلال هذه السنوات أنه يغزو إيران خندقاً على أثر خندق، يعدّ نفسه لهذه الأزمة، ومن الممكن تفسير مناقشة الرئيس العسكري في سياق استعداد ورغبة الحرس الثوري هذه.
وربما سيأتي شخص ما ليقول إن هذا النقاش هو واحد من عشرات النقاشات العابرة والمثيرة للجدل التي نشهدها في المجال السياسي الإيراني قبل أن تُهمَّش بعد فترة. تحديداً مثل نقاش تغيير النظام السياسي من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني (رئيس الوزراء)؛ النقاش الذي أثاره خامنئي لكنه همِّش في النهاية.



إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

صعّدت إيران، أمس (الأربعاء)، في مضيق هرمز بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار؛ إذ تعرضت 3 سفن لهجمات متلاحقة، واحتجز «الحرس الثوري» اثنتين.

وجاء التصعيد تزامناً مع الإبقاء على باب التفاوض موارباً وفي ظل انتظار المفاوض الباكستاني تقليص الفجوة بين الجانبين.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيمدد الهدنة بانتظار «مقترح موحد» من طهران، مع إبقاء الجيش على أهبة الاستعداد، ومواصلة الحصار على الموانئ الإيرانية.

كما قال ترمب إن استئناف المحادثات «ممكن» خلال الأيام المقبلة، مشدداً على أن الحصار البحري يظل أداة الضغط الأساسية. وأكّد أن إيران لن تنتزع اتفاقاً من دون تقديم عرض واضح.

في المقابل، قال رئيس البرلمان الإيراني كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار لا معنى له إذا استمر الحصار البحري.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن ترى «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين داخل طهران، وأن غياب مركز قرار واضح يعرقل بلورة موقف موحد.

كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب سيمنح إيران بضعة أيام لتقديم خطة سلام.

وفي هرمز، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بأن سفينة حاويات تعرضت لإطلاق نار من زورق تابع لـ«الحرس الثوري»، ما ألحق أضراراً جسيمة بجسر القيادة، فيما تعرضت سفينة ثانية لإطلاق نار من دون تسجيل أضرار، قبل أن تعلن وسائل إعلام إيرانية استهداف سفينة ثالثة واحتجاز السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس».


إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
TT

إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

بدأت إيران بتوثيق الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مراكزها العلمية، وتعمل على إعداد ملف قانوني لملاحقتهما في المحافل الدولية، وفقاً لما ذكرته وكالة مهر الإيرانية للأنباء.

وفي تصريحات أدلى بها خلال زيارة لجامعة «الشهيد بهشتي» في طهران، قال نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة حسين أفشين إن هذا الجهد يتم تنفيذه «من خلال الدائرة القانونية في رئاسة الجمهورية»، بحسب تقرير الوكالة.

ووفقا للحكومة الإيرانية، تضررت أكثر من 20 جامعة في إيران جراء الضربات منذ بدء الحرب، كما تم استهداف أكاديميين فيما تزعم طهران أنها محاولة لإضعاف الأسس العلمية والثقافية للبلاد.

وصرح أفشين بأن «الهجمات على البنى التحتية العلمية والجامعية ليست مجرد اعتداء على الممتلكات والمعدات، بل هي هجوم على أسس إنتاج المعرفة، وتدريب الموارد البشرية الماهرة، ومستقبل التنمية في البلاد».

وأضاف أن السلطات الإيرانية تجمع «كافة الوثائق الفنية، وتقارير الخبراء، والأدلة الميدانية" تمهيدا لتقديمها "عبر القنوات القانونية المتاحة إلى الهيئات الدولية ذات الصلة»، وفقا لما ذكرته وكالة مهر.


انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط مع اقتراب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» من مسرح العمليات، في وقت عادت فيه «يو إس إس جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتنضم إلى «يو إس إس أبراهام لينكولن».

ويضع هذا التحرك ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق عملياتي واحد أو على مقربة منه، مع مجموعة ضاربة ثالثة تضيف نحو 5000 عنصر وثلاث مدمرات مرافقة، في أكبر حشد بحري من هذا النوع منذ عام 2003، في سياق توسيع الحصار البحري المفروض على إيران.

وتشير المعطيات إلى أن البحرية الأميركية تعمل على تشكيل طوق بحري متدرج يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والمحيط الهندي، بما يتيح التحكم بخطوط الملاحة المؤدية إلى الموانئ الإيرانية، مع إبقاء وحدات قتالية في حالة جاهزية للتحرك السريع نحو الخليج العربي ومضيق هرمز.

عودة «فورد» إلى المنطقة

عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الشرق الأوسط بعد عبورها قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتدخل مجدداً نطاق العمليات بعد توقف سابق بسبب حريق اندلع في مارس (آذار) في أحد مرافقها الداخلية. واستأنفت الحاملة انتشارها بعد إصلاح الأضرار، لتلتحق بالمسرح العملياتي ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.

وانضمت «فورد» إلى «أبراهام لينكولن» العاملة في شمال بحر العرب، ما يعني وجود حاملتي طائرات قادرتين على تنفيذ عمليات جوية وبحرية متزامنة، تشمل الطلعات القتالية والاستطلاع والدعم اللوجيستي، إضافة إلى تغطية عمليات الحصار البحري.

«لينكولن» وغطاء بحر العرب

تواصل «أبراهام لينكولن» العمل في شمال بحر العرب، حيث تؤدي دوراً محورياً في العمليات الجوية والرقابة البحرية. وتعمل الحاملة ضمن مجموعة ضاربة تضم سفناً مرافقة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ما يوفر لها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الحماية البحرية، ومرافقة السفن، وتقديم الإسناد لعمليات الاعتراض والتفتيش.

ويتيح وجود «لينكولن» في هذا القطاع تغطية مساحات واسعة من المجال البحري الممتد بين بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، مع قدرة على دعم عمليات الحصار البحري المستمرة على الموانئ الإيرانية.

اقتراب «بوش» من مسرح العمليات

تتحرك حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» نحو الشرق الأوسط عبر المسار الجنوبي حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر مضيق باب المندب. ويُتوقع أن تصل إلى بحر العرب خلال أيام، ما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية إلى ثلاث مجموعات ضاربة في المنطقة أو على مقربة منها، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».

وترافق «بوش» ثلاث مدمرات، ما يعزز قدرات الحماية والهجوم والدفاع الجوي للمجموعة. ويتيح هذا الانتشار تغطية متداخلة للبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، مع قدرة على إعادة التموضع السريع نحو الخليج العربي في حال تطلبت العمليات ذلك.

وسيضيف وصولها نحو خمسة آلاف عنصر إلى المنطقة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة، ما يرفع مستوى الحشد البحري الأميركي إلى أكبر مستوى له منذ حرب العراق عام 2003.

أظهرت بيانات التتبع عبر موقع «فلايت رادار24» تحليق طائرة لوجستية من طراز «في - 22 أوسبري» قرب جزر القمر، في مؤشر على وجود أو اقتراب الحاملة «بوش» من مسرح العمليات. وتُستخدم هذه الطائرات لنقل الأفراد والبريد والحمولات وقطع الغيار بين القواعد البرية وحاملات الطائرات في البحر.

ويُعد ظهور هذه الطائرات على أنظمة التتبع المدني مؤشراً غير مباشر على مواقع المجموعات البحرية، في ظل التزام السفن العسكرية عادةً بإجراءات تقليل البصمة الإلكترونية وعدم بث مواقعها بشكل مباشر.

قوات برمائية وانتشار بحري موسع

بالتوازي مع حاملات الطائرات، دفعت الولايات المتحدة بقوات إنزال بحرية كبيرة إلى المنطقة؛ فقد وصل نحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم 2200 من عناصر الوحدة الاستكشافية 31، على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» والسفينة «يو إس إس نيو أورليانز»، ثم انضمت إليهما لاحقاً سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور».

كما تتحرك مجموعة برمائية ثانية تضم نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم عناصر الوحدة الاستكشافية 11، على متن مجموعة «بوكسر» التي تضم «يو إس إس بوكسر» وسفينتين مرافقتين. وكانت هذه المجموعة قد غادرت بيرل هاربر في الأول من أبريل (نيسان)، ويُتوقع وصولها إلى المنطقة في نهاية الشهر.

طائرة من طراز «في - 22 أوسبري» (أ.ب)

نفذت قوات من مشاة البحرية عمليات إنزال انطلاقاً من «تريبولي»، حيث استخدمت مروحيات لنقل عناصر سيطرت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب. وتعد هذه العملية أول عملية مصادرة لسفينة منذ بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وتوفر هذه القوات قدرة على تنفيذ عمليات صعود على متن السفن أو إنزال مباشر من البحر باستخدام مروحيات وزوارق إنزال ومركبات برمائية، بما يعزز من فاعلية الحصار البحري وقدرته على فرض السيطرة على خطوط الملاحة.

قوات برية وجاهزية تدخل

أمر البنتاغون بنشر ما يصل إلى 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة مظلية قادرة على الانتشار السريع باستخدام طائرات نقل عسكرية من طراز سي-17 وسي-130. كما تم نشر نحو 10 آلاف جندي مدربين على عمليات الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها.

وتتمتع هذه القوات بقدرة على تنفيذ عمليات إنزال جوي خلال ساعات، مع إسقاط الأفراد والمركبات والمدفعية في مناطق العمليات. وتعمل هذه الوحدات بالتوازي مع القوات البرمائية، ما يوفر خيارات متعددة للانتشار الميداني.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 25 فبراير الماضي (رويترز)

شبكة حصار بحري متكاملة

يشمل الانتشار الأميركي مدمرات وسفن إنزال ومنصات استطلاع وطائرات دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون»، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135». وتؤدي هذه الشبكة دوراً محورياً في مراقبة السفن واعتراضها، وتأمين خطوط الملاحة، وتنفيذ عمليات الإنفاذ البحري.

ويغطي هذا الانتشار الممرات البحرية الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع قدرة على متابعة السفن الداخلة والخارجة من نطاق الملاحة المرتبط بإيران.

ويمنح وجود ثلاث حاملات أو ما يقارب ذلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على توزيع الطلعات الجوية ومهام الحماية البحرية والاستطلاع بعيد المدى. وتوفر الحاملات غطاءً دائماً لعمليات التفتيش والاعتراض، وتدعم القدرات اللوجستية والقتالية للقوات المنتشرة في البحر.

ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الحاملات إلى منصات لفرض ضغط متواصل على إيران، من دون الحاجة إلى إعلان حملة هجومية جديدة. كما يسمح هذا الانتشار بالحفاظ على الجاهزية إذا فشلت المساعي السياسية واضطرت واشنطن إلى توسيع العمليات مجدداً.

زورق على متن سفينة الهجوم البرمائية «يو إس إس بوكسر» «واسب» خلال عمليات الإنزال من السفينة إلى الشاطئ في المحيط الهادئ، في 18 مارس 2026 (البحرية الأميركية)

جاهزية عملياتية مستمرة

توفر الوحدات الاستكشافية البحرية قدرة على تنفيذ إنزال سريع من السفن إلى الساحل باستخدام زوارق ومروحيات و«في - 22 أوسبري»، مع نقل الوقود والإمدادات مباشرة من البحر. وتتيح هذه القدرات استمرار العمليات لفترات ممتدة مع دعم لوجستي من السفن القريبة.

في المقابل، تعتمد قوات الفرقة 82 المحمولة جواً على إسقاط سريع مع إمدادات تكفي من يوم إلى يومين، قبل الحاجة إلى إعادة الإمداد عبر الجو أو من خلال خطوط دعم إضافية.

تؤمّن هذه التشكيلات العسكرية قدرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، تشمل الحصار البحري، وعمليات الاعتراض، والإنزال، والتدخل السريع. ومع وجود ثلاث حاملات طائرات ومجموعتين برمائيتين وقوات محمولة جواً، يكتمل انتشار عسكري متعدد الأبعاد يغطي كامل مسرح العمليات البحري المحيط بإيران، مع جاهزية مستمرة لتنفيذ المهام العملياتية المختلفة.

يأتي هذا الحشد ضمن عملية «ملحمة الغضب»، حيث بلغ عدد المصابين في صفوف القوات الأميركية 400 عنصر، بينهم 271 من الجيش و64 من البحرية و19 من مشاة البحرية و46 من سلاح الجو. كما بلغ عدد القتلى 13 عسكرياً، سقطوا في المراحل الأولى من الحرب.

وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد أذرعها البرية والبحرية والجوية، في ظل استمرار الانتشار العسكري واسع النطاق.

قدرات إيرانية ما زالت قائمة

في المقابل، تشير تسريبات من مسؤولين أميركيين نقلتها شبكة ـ«سي بي إس نيوز» إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال أكبر مما أعلنته الإدارة الأميركية؛ فبحسب هذه التقديرات، بقي نحو نصف مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها سليماً عند بداية وقف إطلاق النار، فيما لا يزال نحو 60 في المائة من الذراع البحرية لـ«الحرس الثوري» قائماً، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية.

كما يعتقد أن نحو ثلثي القوة الجوية الإيرانية لا تزال قابلة للعمل، رغم الحملة الجوية المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع. ويعني ذلك أن الانتشار الأميركي لا يواجه فراغاً عسكرياً، بل خصماً ما زال يحتفظ بقدرات كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة الحصار.