«تراشق» في مجلس الأمن... وتحذير أميركي من «تطبيع» الكيماوي

خلال جلسة مجلس الأمن عن سوريا أمس (إ.ب.أ)
خلال جلسة مجلس الأمن عن سوريا أمس (إ.ب.أ)
TT

«تراشق» في مجلس الأمن... وتحذير أميركي من «تطبيع» الكيماوي

خلال جلسة مجلس الأمن عن سوريا أمس (إ.ب.أ)
خلال جلسة مجلس الأمن عن سوريا أمس (إ.ب.أ)

تراشقت روسيا الاتهامات مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها في القاعة المفتوحة لمجلس الأمن أمس الجمعة بسبب ما آلت إليه الأوضاع في سوريا على أثر التقارير عن استمرار نظام الرئيس بشار الأسد في استخدام الأسلحة الكيماوية، وآخرها في مدينة دوما، وما تبعها من تهديدات غربية في محاولة لما سمته المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي «إعادة تطبيع» استعمال الغازات المحظورة دولياً منذ نحو مائة عام، ومن أجل وضع حد للإفلات من العقاب على رغم مواصلة موسكو استخدام حق النقض، الفيتو.
وبطلب من روسيا، عقد مجلس الأمن جلسة مفتوحة طارئة للنظر في «التهديدات للأمن والسلم الدوليين: الوضع في الشرق الأوسط» وقدم فيها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إحاطة اعتبر فيها أن «الوضع في سوريا يمثل أخطر تهديد للسلم والأمن الدوليين، لما تشهده البلاد من مواجهات وحروب بالوكالة ينخرط فيها عدة جيوش وطنية وعدد من جماعات المعارضة المسلحة، والكثير من الميليشيا الوطنية والدولية، والمقاتلين الأجانب من كل مكان في العالم، والجماعات الإرهابية المختلفة». وإذ عبر عن غضبه من التقارير المستمرة حول استخدام أسلحة كيماوية في سوريا، أكد أن «خطورة الادعاءات الأخيرة تتطلب إجراء تحقيق شامل باستخدام خبرات محايدة ومستقلة ومهنية»، معلناً «دعمه الكامل لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وبعثتها لتقصي الحقائق في إجراء التحقيق اللازم حول تلك الادعاءات». وأكد أن «المسؤولية الجماعية تحتم ضمان المحاسبة على الاستخدام المؤكد للأسلحة الكيماوية»، لأن «غياب المساءلة يعزز موقف من قد يستخدمون تلك الأسلحة، بسبب اطمئنانهم بأنهم سيفلتون من العقاب». وحذر من أن «التهديد الذي نواجهه اليوم: خروج الوضع عن نطاق السيطرة».
وعلى الأثر، تحدث المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا الذي اتهم الدول الغربية بأن «هدفها الوحيد في سوريا هو الإطاحة بالحكومة الشرعية» بقيادة الرئيس بشار الأسد في سوريا، داعياً الزعماء الأميركيين والفرنسيين والبريطانيين إلى «الامتناع عن القيام بعمل عسكري» ضد هذا البلد. وقال: «ترسل قوات إضافية من البحرية الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة إلى سواحل سوريا. وهناك شعور بأن واشنطن اختارت نهجاً واضحاً لتنفيذ سيناريو عسكري في سوريا». وأضاف أنه «لا يجوز السماح بذلك. وإن مثل هذا التطور للأحداث يهدد بعواقب وخيمة على الأمن العالمي، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار وجود قوة عسكرية روسية في سوريا». وإذ ذكر بما حصل في العراق وليبيا، اعتبر أن «التصرفات غير المسؤولة للولايات المتحدة التي تنتهك القانون الدولي وسيادة الدول غير لائقة بالنسبة لدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن». وحذر من أن «الأحداث تتطور وفقاً لسيناريو خطير له عواقب بعيدة المدى على الأمن العالمي»، مضيفاً أنه «في حال وقوع ذلك، ستكون كامل المسؤولية على عاتق الولايات المتحدة وحلفائها». وحض الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا على «العودة إلى رشدها وإلى مجال القانون الدولي، وألاّ تدفع العالم نحو حافة الخطر». وشدد على أنه «يجب البحث عن حلول سلمية في سوريا في إطار جهود جماعية»، مبدياً استعداد روسيا «لتعاون متكافئ مع كل الشركاء لتسوية المشاكل من خلال الحوار».
وتبعته المندوبة الأميركية نيكي هيلي التي انتقدت روسيا بحدة لطلبها مناقشة «التهديدات الأحادية» المتعلقة بسوريا، معتبرة أن «روسيا تتجاهل التهديد الحقيقي للسلم والأمن الدوليين الذي جلبنا إلى هنا». وقالت إن «ما ينبغي مناقشته هو استخدام الأسلحة الكيماوية القاتلة للمدنيين السوريين الأبرياء» في «واحدة من أكثر انتهاكات القانون الدولي وأكثرها فظاظة في العالم». وأضافت أن الرئيس دونالد ترمب «لم يتخذ بعد قراراً في شأن الإجراءات المحتملة في سوريا. لكن إذا قررت الولايات المتحدة وحلفاؤنا التصرف في سوريا، فستكون دفاعاً عن مبدأ نتفق عليه جميعاً. سيكون دفاعاً عن قاعدة دولية حازمة تستفيد منها كل الدول». وأوضحت أن «استخدام الأسد الأخير للغاز السام ضد الناس في دوما لم يكن استخدامه الأول أو الثاني أو الثالث أو حتى التاسع والأربعين للأسلحة الكيماوية». وأفادت أن «الولايات المتحدة تقدر أن الأسد قد استخدم الأسلحة الكيماوية في الحرب السورية 50 مرة على الأقل. التقديرات العامة عالية تصل إلى 200». وكشفت أنه «في الأسابيع التي تلت هجوم الأسد بغاز سارين في أبريل (نيسان) الماضي والذي أودى بحياة نحو 100 شخص، بما في ذلك الكثير من الأطفال، استخدم النظام غاز الكلور مرة واحدة على الأقل وربما ثلاثة أضعاف في نفس المنطقة». وأضافت أنه «في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع انتهاء صلاحية آلية التحقيق المشتركة، هاجم النظام شعبه بالسارين مرة أخرى في ضواحي دمشق». وفي يناير (كانون الثاني) الماضي «استخدم الأسد أربعة صواريخ مملوءة بالكلور على الأقل في دوما. ثم ضرب مرة أخرى في نهاية الأسبوع الماضي. وبفضل روسيا، لم يكن هناك هيئة للأمم المتحدة لتحديد اللوم» على الجهة الفاعلة. وقالت: «ستتضرر كل الدول وجميع الناس إذا سمحنا للأسد بتطبيع استخدام الأسلحة الكيماوية».
وكانت هيلي قالت للصحافيين إنه يجب عدم التسرع في التحرك عسكرياً في سوريا، لكنها أكدت أنه «في وقت ما يجب القيام بأمر ما» حيال هذا الملف، مع «عدم التسرع في قرارات كهذه» لئلا يؤدي الأمر إلى ارتكاب أخطاء. وأفادت أن الرئيس دونالد ترمب يجري تحليلاً لكل المعلومات ويتخذ إجراءات لتجنب أي تداعيات غير مرغوب فيها. وأضافت: «علينا أن نعرف أن هناك إثباتات وعلينا أن نعرف أننا نتخذ كل إجراء احترازي ضروري في حال تحركنا».
وأكد نائب المندوب الصيني وو هياتاو أن «الإجراءات العسكرية الأحادية والالتفاف على مجلس الأمن وسلطته أمور تتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة»، مطالباً المجلس بأن «يتولى مهماته في سياق الحفاظ على الوحدة والتوافق وبذل كل الجهود للحفاظ على السلام». وحض «صون وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها»، ومضيفاً أن «لا حل عسكريا للأزمة في سوريا بل هناك حل سياسي عبر الحوار».
وطالب المندوب الفرنسي فرنسوا دولاتر بوقف التصعيد الكيماوي السوري، مؤكداً أن «الأمم المتحدة لا يمكنها أن تدع نظاماً كنظام الأسد يتحدى مجلس الأمن والقانون الدولي في الوقت نفسه». وقال إنه «في مواجهة الفظائع الجماعية التي ارتكبت في سوريا، تعرض عمل مجلس الأمن للشلل بسبب الاستخدام المتتالي لحق النقض، الفيتو من قبل روسيا، لا لهدف إلا حماية النظام السوري». وأكد أن «ترك دمشق تملك هذه القدرة لتجاوز كل معاييرنا هو ما يشكل تهديداً للأمن الدولي»، مشددا على أن بلاده «ستتحمل مسؤولياتها» بعدما بلغ النظام السوري «نقطة اللاعودة».
وتحدثت المندوبة البريطانية كارين بيرس، قائلة: «إننا هنا اليوم وبشكل رئيسي بسبب استخدام الأسلحة الكيماوية في دوما»، مضيفة أن «استخدام هذه الأسلحة لا يمكن أن يمر من دون محاسبة وعقاب». واعتبرت أن «روسيا تريد حماية حليفها بأي ثمن». واعتبرت أن «سوريا هي الأحدث في التسلسل الزمني الخبيث لاستهتار روسيا بالقانون الدولي وعدم احترامها المؤسسات الدولية التي بنيناها معا للحفاظ على سلامتنا الجماعية». وأضافت أن «الوقوف مكتوفين، وتجاهل متطلبات العدالة والمحاسبة والحفاظ على نظام عدم الانتشار، هو ما يضع أمننا، وليس فقط أمن الشعب السوري، تحت رحمة الفيتو الروسي».
وعبر المندوب السويدي أولوف سكوغ عن ترحيب بلاده ببعثة تقصي الحقائق التي أرسلتها منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إلى سوريا، معرباً في الوقت ذاته عن «خيبة أمل كبيرة» بسبب عجز مجلس الأمن في التعامل مع الأزمة. وكرر أن مشروع القرار الذي وضعته بلاده يمكن أن يساعد على إيجاد مخرج من الوضع الراهن.
وبعد كلمات لبقية أعضاء المجلس، حذر المندوب السوري بشار الجعفري من أنه «إذا فكرت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أنها قادرة على مهاجمتنا فسنتصدى لها ولن نسمح لأحد بأن يعتدي على سيادتنا».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.