دمج الأحزاب المصرية... تحت المجهر

دعوات متكرّرة تثير أسئلة عن الجدوى

دمج الأحزاب المصرية... تحت المجهر
TT

دمج الأحزاب المصرية... تحت المجهر

دمج الأحزاب المصرية... تحت المجهر

قضية قديمة متجددة عادت لتأخذ مساحة أكثر اتساعاً على ساحة المناقشات في مصر أخيراً، وتمثلت في الدعوات لدمج قرابة 100 حزب سياسي في كيانات أقل عدداً وأكبر تأثيراً، وزاد من انتشار ذلك الاتجاه في الأوساط المختلفة، أنه جاء مواكباً لمشروع قانون تقدم به نائب في البرلمان لـ«إلزام الأحزاب غير المؤثرة بالاندماج مع غيرها». لقد اكتسبت الدعوات إلى الدمج زخماً إضافياً خلال الشهور القليلة الماضية، مدفوعة بتصريح أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لدى مشاركته في فعاليات «منتدى شباب العالم»، أعرب فيه عن تطلعه لتبنى وسائل الإعلام الدعوة لدمج «100 حزب في 10 أو 15 حزباً ليقووا، وتقوى الأحزاب السياسية».
وعاد الرئيس المصري ليكرّر دعوته، الشهر الماضي، وإن في سياق مختلف، إذ أبدى ضيقاً من امتناع الأحزاب عن تقديم مرشحين في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد خلال مارس (آذار) الماضي، وكانت شبه محسومة، وفاز بها بسهولة.
قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في معرض رده على المنتقدين لضعف التنافسية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة إن «تلك المسألة لا ذنب لي فيها، وكنت أتمنى وجود أكثر من منافس، لكننا غير جاهزين، ونحن نقول إن هناك 100 حزب، إذن فليقدموا مرشحين».
وعلى الرغم من أن حديث السيسي - في المرة الثانية - يُمكن فهمه في سياقه الزمني والسياسي، المرتبط بالرغبة في وجود أكثر من مرشح يخوضون الانتخابات الرئاسية أمامه، فإن ائتلاف «دعم مصر» (صاحب الغالبية البرلمانية) في مجلس النواب، بدأ في أعقاب الانتخابات الرئاسية الإعلان عن اتجاه لدراسة مسألة «التحول إلى حزب سياسي».
«نحتاج من 7 إلى 10 أحزاب فقط في مصر»، وفق ما يعتقد النائب البرلماني، أحمد رفعت، الذي أكد نيته التقدم بمشروع قانون «يلزم بدمج الأحزاب غير المؤثرة، ومن لا يلزم بالدمج، فإن العقوبة المتمثلة في قرار حل الحزب ستكون في انتظاره»، وفي رأي النائب نفسه فإن «مصر تعاني من كثرة الأحزاب التي تعطل تطور الحياة السياسية في البلاد».
إلا أن «العيب المعطل»، من وجهة نظر النائب البرلماني، لا يمثل المعنى ذاته لدى رئيس حزب التجمع «اليساري» وعضو مجلس النواب سيد عبد العال، الذي لا يرى أن هناك حاجة لدمج الأحزاب، بل إنه قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة ليست في عدد الأحزاب قطعاً، فهناك المئات منها تعمل في دول تحظى بالتعددية السلمية، المشكلة بحالتنا تظهر في العوائق أمام نشاطها، مثل حظر النشاط السياسي في الجامعات والأندية الشبابية».
- تقييم إيجابي
وبين اعتبار الدمج ضرورة لتجاوز «أزمة زيادة عدد الأحزاب»، والنظر إلى «عدم جدوى» الخطوة، يصف الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وخبير النظم السياسية والبرلمانية، في لقاء مع «الشرق الأوسط» المشهد الحزبي الراهن في مصر، بالقول إن نظرة إلى الفترة المواكبة لزيادة الأحزاب الكبيرة في أعقاب «ثورة 25 يناير» يمكن تقييمها بشكل إيجابي، خصوصاً أن تلك الحقبة أعقبت 30 سنة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي كانت تحصل فيه كثير من الأحزاب على ترخيص عملها بموجب أحكام قضائية، الأمر الذي يمثل عائقاً.
ومع إشادة هاشم ربيع بسهولة تأسيس الأحزاب في أعقاب «ثورة يناير»، فإنه، ينبه إلى أن المعنى من وراء ذلك لم يعد مناسباً بعد نحو 7 سنوات، إذ «كان يُفترض أن تنضج الحياة الحزبية، وتتضح معالم التوافق والاختلاف بين الأحزاب، وبالتالي تتبلور كتل معبرة عن التيارات السياسية الرئيسية التي تدور في مجملها بين اليمين واليسار والوسط والتيار الإسلامي». وهنا تجدر الإشارة إلى أن القانون في مصر يُلزم وكلاء مؤسسي الحزب بجمع «توقيعات 5000 عضو من عشرة محافظات على الأقل، وبما لا يقل عن 300 عضو من كل محافظة»، حتى يتمكنوا من مزاولة نشاطهم بشكل قانوني تقره لجنة شؤون الأحزاب ذات الطابع القضائي.
- تجربة واقعية
ولا تعرف الحياة الحزبية الممتدة على مدار 40 سنة تقريباً، وقائع مؤسسة يمكن التوقف أمامها في مجال الدمج بين الأحزاب. خلال السنوات القليلة الماضية، تظهر تجربة دمج حزبي «الجبهة الديمقراطية»، و«المصريين الأحرار»، التي أقرتها قيادات الحزبين عام 2013، واستقْبلت آنذاك بترحيب واسع في الأوساط السياسية، لكن النهايات لم تبد متوافقة مع البدايات.
أحد صُنّاع وشهود عيان تجربة الدمج الوحيدة تقريباً بين الأحزاب في مصر، وهو أسامة الغزالي حرب، المفكّر السياسي ووكيل مؤسسي حزب «الجبهة الديمقراطية»، يُحمّل ما وصفه بـ«تدخلات بعض أجهزة الدولة في الحياة السياسية والحزبية» المسؤولية عن إخفاق تجربة الدمج بين «الجبهة الديمقراطية»، و«المصريين الأحرار»، ويضع شرط «وقف التدخلات كنقطة أساسية لإنجاح التجربة الحزبية».
وتختلف الأفكار والأسماء التي تنضوي تحتها الأحزاب المصرية، غير أن ممثلي بعضها ممن تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» توافقوا مع تباين مشاربهم على أنه «لا يمكن أن يحدث الدمج وفق قرار ملزم، ويجب أن يكون نابعاً من أعضاء الأحزاب»، ومن هؤلاء رئيس حزب «المؤتمر» عمر المختار صميدة، الذي يقول إن «الحياة الحزبية والسياسية مسألة تراكمية تحتاج إلى الوقت»، ويواصل: «الأحزاب لا تُصنع، فهي في حالتها الطبيعية تقوم على أفكار، ولا يمكن أن تتدخل الدولة لتصنعها». ويتفق المتحدث الرسمي لحزب «مستقبل وطن» أحمد الشاعر، مع الرأي السابق، ويقول إن «دعوة الدمج إيجابية، لكن يصعب تحقيقها»، ويعد الغزالي حرب الحديث عن الدمج بالإلزام بأنه «لا علاقة له بالسياسة، والأفضل أن تدمج الأحزاب نفسها بنفسها».
- الفصل المطلوب كأساس
ويضع هاشم ربيع، مسار «الفصل بين المكانة المعنوية السياسية والسلطة التنفيذية التشريعية» أساساً يجب تبينه من قبل السلطة في مصر، إذ يشير إلى تجنب «طريقة إقرار مشروع قانون يعتمد إلزام الأحزاب بالدمج، فيما يمكن أن يشبه «الوصاية والتدخل على قرارات هي بالدرجة الأولى سياسية ويجب أن تكون حرة». ويلفت إلى أن عصب «تحفيز السياسة في مصر، تمثله الأحزاب، وبالتالي يجب أن يكون المستهدف تنشيطها».
وللعلم، في برلمان مصر، الذي يضم أكثر من 590 نائباً، لا تبدو الكتل البرلمانية المُمثلة للأحزاب معبّرة عن الصورة الذهنية الراسخة لدى جمهور السياسية في البلاد. إذ يتمثل حزب «التجمع» أقدم الأحزاب في البلاد بنائبين برلمانيين فقط، وتضم الهيئة البرلمانية لحزب «مصر الديمقراطي الاجتماعي» 4 مقاعد رغم أن اثنين من قياداته توليا مناصب رفيعة في الدولة (زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق، وحازم الببلاوي رئيس الوزراء الأسبق) في أعقاب «ثورة 30 يناير». ومن ناحية أخرى، بينما يملك حزب «الوفد» الليبرالي، صاحب التاريخ الحزبي الطويل، 36 مقعداً في البرلمان، يبدو لافتاً أن حزب «المصريين الأحرار» صاحب الأكثرية الحزبية البرلمانية يمثله 65 نائباً، وكذلك حزب «مستقبل وطن» لديه 53 مقعداً، مع أن الحزبين الأخيرين أُسِّسا في عامي 2011، و2015 على الترتيب. ومع الأخذ في الاعتبار أن أعضاء الكتل البرلمانية الحزبية تم انتخابهم ضمن قائمة مرشحين لم تعبر بوضوح عن برامج أحزابهم، فإن الأكثر لفتاً للانتباه أن المستقلين يمثلون أكثر من نصف أعضاء البرلمان.
- إجراءات عملية
إن الكلام عن دمج الأحزاب، رغم استقباله «إيجابياً» من قبل ممثليها في بادئ الأمر، فهو عند طرحه واقعياً يصطدم بعدة أمور، أولها أن القانون يحظر على أعضاء مجلس النواب تغيير صفاتهم الحزبية بعد انتخابهم، الأمر الذي يصعب معه اندماج أحزاب ممثلة في البرلمان، وإلا فإنها تكون قد غامرت بكتلتها البرلمانية وهي «درة التاج» بالنسبة لأي حزب. وبناءً عليه، لن يتبقى إلا الأحزاب غير الممثلة في مجلس النواب، على الأقل حتى نهاية الدورة البرلمانية المقرر في عام 2021.
«كثير من الأحزاب لن تتخلى عن اسمها بسبب مكاسبها البرلمانية، أو الوضع الاجتماعي الذي اكتسبه قادتها» بحسب ما يتوقع رئيس حزب «المؤتمر» عمر صميدة. ويشارك في الرأي السابق أحمد الشاعر، المتحدث باسم حزب «مستقبل وطن»، الذي يعتبر أن «دعوة الدمج لا تتصل بالأحزاب والكيانات القوية الكبرى، الممثلة بالفعل في البرلمان، ولها بصمة على أرض الواقع، ونحن من بينهم». ووفق الشاعر فإن «الكرة في ملعب الأحزاب الضعيفة التي يجب عليها السعي لتقوية موقفها، أما الكتل والكيانات القوية فهي غير معنية بالأمر». وبشأن المعايير التي يعتقد أنها أساس لتقييم فاعلية الحزب، يقول الشاعر إنها تتضمن «الكتلة البرلمانية، وأعداد الأعضاء، وتوزيع المقرات في محافظات مختلفة».
ومع الإقرار بوجود أحزاب «كارتونية غير فعالة» بحسب وصف الغزالي حرب، يبدي رئيس «التجمع» موافقة على إحكام الرقابة على «لائحة عمل الأحزاب، ومعاقبة كل الكيانات التي لا تلتزم بتطبيق لائحتها الداخلية وما تتضمنه من تداول المناصب، وإجراء انتخابات دورية، وعقد مؤتمرات عامة بحضور كل الأعضاء، ويكون معيار المحاسبة هو اللائحة التي تقدم بها المؤسسون عند طلبهم الموافقة على تأسيس الحزب». ويُقرّ صميدة بأنه «لا يمكن منع الأحزاب الضعيفة من الوجود، وزيادة عددها لا يجب أن يكون هاجساً». ومع ذلك يؤيد «مزيداً من إجراءات الرقابة على نشاط الأحزاب وتجميد غير الملتزمين بتفعيل أنشطتها».
- ما العوائق؟
«الدمج بالإلزام» إذن لا يبدو مقنعاً لممثلي الأحزاب المختلفة الذين تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، فما العوائق التي تحول دون فاعلية الأحزاب إذا لم تكن المشكلة في تشابه برامجها وتعدد كياناتها؟
يعد الدكتور هاشم ربيع أن «النظام الانتخابي بالقائمة المُطلقة، بمثابة الكارثة التي تحيط بالعمل الحزبي»، ويشرح أنها «تعتمد على إنجاح القائمة الكاملة للمرشحين الذي ينالون نسبة الأغلبية من أصوات الناخبين»، بينما تتضمن نسبة «القائمة النسبية» التي يتبنى ربيع الدعوة لها مسألة أن يتم إنجاح مرشحين عن القوائم المختلفة الممثلة لتيارات وتوجهات تتساوى مع معدلات ما حصلوا عليه من نسبة أصوات الناخبين، وبالتالي يكون نواب البرلمان معبرين عن الأوزان النسبية المختلفة لتياراتهم، دون إهدار أو إقصاء لبقية الأحزاب.
وغير بعيد عن العائق السابق، ينتقد رئيس حزب «التجمع» مشكلة «الحظر المفروض على الأحزاب بضرورة عدم ممارسة أنشطة تمكنها من تمويل عملها، فضلاً عن العقبات المتعلقة بحظر النشاط السياسي في المصانع والجهات والمؤسسات المختلفة، الأمر الذي يتقلص معه جمهور الأحزاب في مصر». ورغم تأكيده على أن ثمة عوائق أخرى تعرقل عمل الأحزاب في مصر وتقلل من جدواها ومنها فرض حالة الطوارئ واستمرار العمل بقانون «التظاهر»، فإنه يعتبر أنه الأهم هو «تهيئة البنية القانونية والتشريعية، من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية، لتمكين الأحزاب من العمل عن طريق تعديل قوانين الانتخابات وآلياتها بما يساعد على تمثيلها بشكل واقعي ودون تدخلات».
ولفت هاشم ربيع إلى «منهج غير صحي سياسياً يعتمد تحفيز وإبراز الكيانات الاجتماعية وليس السياسية»، ضارباً المثال بحالة «الاحتفاء التي يقدم عليها بعض المسؤولين عند الحديث عن وجود نسبة كبيرة من السيدات أو الشباب أو أصحاب الاحتياجات الخاصة ضمن أعضاء مجلس النواب، وكذلك تنظيم مؤتمرات لفئات الشباب والمرأة والأسرة المصرية»، في حين أن «الأجدى» - وفق رأي هاشم ربيع - أن يكون المستهدف من الفعاليات الحكومية والرئاسية «تحفيز الكيانات الحزبية في إطار سياسي، باعتبارها معبرة عن توجهات فكرية عامة وواسعة، وليس فئات اجتماعية بعينها».
- من الأحكام إلى الإخطار... هكذا تطوّرت أحزاب مصر؟
> جاء ظهور الأحزاب في مصر نتيجة لتأسيس أول مجلس نيابي في البلاد (مجلس شورى النواب) في عام 1866 وفي عهد الخديوي إسماعيل، إذ كانت هناك تجربة مبكرة أقدم عليها أنصار الزعيم المصري أحمد عرابي، الذين أقدموا في عام 1879 على إنشاء كيان أطلقوا عليه اسم «الحزب الوطني»، غير أن هذا التجربة لم يُكتَب لها النجاح بفعل تعرض مصر للاحتلال الإنجليزي عام 1882.
وتحت وطأة الاحتلال، وبداية من عام 1907، تدافعت القوى السياسية المختلفة في اتجاه النضال الوطني عن طريق الكيانات الحزبية، فظهرت أحزاب، منها الأمة، والجمهوري المصري، والإصلاح الدستوري، والأحرار، ثم عاد الحزب الوطني للظهور مرة أخرى على يد السياسي المصري مصطفى كامل.
لقد شكلت «ثورة 1919» الدفعة القوية لحزب الوفد ليأخذ موقعة ككيان جماهيري واسع الانتشار، لكن السنوات التالية لها شهد انشقاقات علية تكوّنت على أثرها أحزاب مثل «الحزب السعدي» و«الكتلة الوفدية» و«الأحرار الدستوريين».
أصحاب الاتجاهات الاشتراكية كانوا كذلك أصحاب حضور في المشهد الحزبي المصري، وكان منها أحزاب «مصر الفتاة» و«الشيوعي المصري»، وكان ذلك في الفترة من منتصف الثلاثينات وحتى أواخر الأربعينات.
ومع قيام «ثورة 23 يوليو 1952» التي أنهت النظام الملكي في مصر، قرّرت قيادتها حل الأحزاب القائمة وحظر تكوين كيانات جديدة، ثم ظهرت تنظيمات سياسية رسمية في مراحل مختلفة منها «الاتحاد القومي» و«الاتحاد الاشتراكي العربي» و«هيئة التحرير».
ظلت الأحزاب محظورة لنحو 25 سنة، إلى أن عادت مرة أخرى لتظهر بقرار رسمي أصدره الرئيس الراحل أنور السادات بعودتها، على مرحلتين أولهما تجربة المنابر داخل «الاتحاد الاشتراكي العربي» التي تعبّر عن اليمين واليسار والوسط، وكان ذلك عام 1976. وسريعاً ما تقرر تأسيس أحزاب منها «مصر العربي الاشتراكي»، الذي أصبح «الوطني الديمقراطي» وترأسه السادات، وكذلك حزب «التجمع الوطني التقدمي» و«الأحرار الاشتراكيين» و«العمل» و«الوفد الجديد»، لكن الأخير لم يعمل طويلاً وتقرر تجميده لفترة، ثم عاد للعمل في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.
تنوّعت طرق الحصول على تصريح عمل الأحزاب بين طريقين في عهد مبارك، أولهما قرارات رسمية من لجان شؤون الأحزاب والتي وافقت على تأسيس أحزاب منها «الوفاق القومي» عام 2000، و«الغد» 2004، و«الجبهة الديمقراطية» 2007. أما الطريق الثاني فكان محوره ساحات القضاء، حيث تمكن 11 حزباً من نيل أحكام قضائية بالعمل، رغم رفض لجنة الأحزاب، ومنها «الأمة» 1983، و«مصر الفتاة» عام 1990، و«العربي الناصري» 1992، و«التكافل» 1995، و«شباب مصر» 2005.
لقد كانت «ثورة 25 يناير 2011» بمثابة المتغير الجوهري، الذي دفع «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» إلى إصدار مرسوم بقانون فتح الباب أمام تسهيل تأسيس الأحزاب لتصبح بالإخطار بدلاً من انتظار الحصول على تصريح. وكان من بين أبرز الشروط التي لا تزال قائمة «أن يوقع على إخطار قيام وتأسيس الحزب 5000 عضو مؤسس من عشرة محافظات على الأقل، بما لا يقل عن 300 عضو من كل محافظة»، وإلغاء الدعم المادي الذي كانت تقدمه الدولة لتدعيم الأحزاب.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.