دمج الأحزاب المصرية... تحت المجهر

دعوات متكرّرة تثير أسئلة عن الجدوى

دمج الأحزاب المصرية... تحت المجهر
TT

دمج الأحزاب المصرية... تحت المجهر

دمج الأحزاب المصرية... تحت المجهر

قضية قديمة متجددة عادت لتأخذ مساحة أكثر اتساعاً على ساحة المناقشات في مصر أخيراً، وتمثلت في الدعوات لدمج قرابة 100 حزب سياسي في كيانات أقل عدداً وأكبر تأثيراً، وزاد من انتشار ذلك الاتجاه في الأوساط المختلفة، أنه جاء مواكباً لمشروع قانون تقدم به نائب في البرلمان لـ«إلزام الأحزاب غير المؤثرة بالاندماج مع غيرها». لقد اكتسبت الدعوات إلى الدمج زخماً إضافياً خلال الشهور القليلة الماضية، مدفوعة بتصريح أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لدى مشاركته في فعاليات «منتدى شباب العالم»، أعرب فيه عن تطلعه لتبنى وسائل الإعلام الدعوة لدمج «100 حزب في 10 أو 15 حزباً ليقووا، وتقوى الأحزاب السياسية».
وعاد الرئيس المصري ليكرّر دعوته، الشهر الماضي، وإن في سياق مختلف، إذ أبدى ضيقاً من امتناع الأحزاب عن تقديم مرشحين في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد خلال مارس (آذار) الماضي، وكانت شبه محسومة، وفاز بها بسهولة.
قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في معرض رده على المنتقدين لضعف التنافسية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة إن «تلك المسألة لا ذنب لي فيها، وكنت أتمنى وجود أكثر من منافس، لكننا غير جاهزين، ونحن نقول إن هناك 100 حزب، إذن فليقدموا مرشحين».
وعلى الرغم من أن حديث السيسي - في المرة الثانية - يُمكن فهمه في سياقه الزمني والسياسي، المرتبط بالرغبة في وجود أكثر من مرشح يخوضون الانتخابات الرئاسية أمامه، فإن ائتلاف «دعم مصر» (صاحب الغالبية البرلمانية) في مجلس النواب، بدأ في أعقاب الانتخابات الرئاسية الإعلان عن اتجاه لدراسة مسألة «التحول إلى حزب سياسي».
«نحتاج من 7 إلى 10 أحزاب فقط في مصر»، وفق ما يعتقد النائب البرلماني، أحمد رفعت، الذي أكد نيته التقدم بمشروع قانون «يلزم بدمج الأحزاب غير المؤثرة، ومن لا يلزم بالدمج، فإن العقوبة المتمثلة في قرار حل الحزب ستكون في انتظاره»، وفي رأي النائب نفسه فإن «مصر تعاني من كثرة الأحزاب التي تعطل تطور الحياة السياسية في البلاد».
إلا أن «العيب المعطل»، من وجهة نظر النائب البرلماني، لا يمثل المعنى ذاته لدى رئيس حزب التجمع «اليساري» وعضو مجلس النواب سيد عبد العال، الذي لا يرى أن هناك حاجة لدمج الأحزاب، بل إنه قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة ليست في عدد الأحزاب قطعاً، فهناك المئات منها تعمل في دول تحظى بالتعددية السلمية، المشكلة بحالتنا تظهر في العوائق أمام نشاطها، مثل حظر النشاط السياسي في الجامعات والأندية الشبابية».
- تقييم إيجابي
وبين اعتبار الدمج ضرورة لتجاوز «أزمة زيادة عدد الأحزاب»، والنظر إلى «عدم جدوى» الخطوة، يصف الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وخبير النظم السياسية والبرلمانية، في لقاء مع «الشرق الأوسط» المشهد الحزبي الراهن في مصر، بالقول إن نظرة إلى الفترة المواكبة لزيادة الأحزاب الكبيرة في أعقاب «ثورة 25 يناير» يمكن تقييمها بشكل إيجابي، خصوصاً أن تلك الحقبة أعقبت 30 سنة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي كانت تحصل فيه كثير من الأحزاب على ترخيص عملها بموجب أحكام قضائية، الأمر الذي يمثل عائقاً.
ومع إشادة هاشم ربيع بسهولة تأسيس الأحزاب في أعقاب «ثورة يناير»، فإنه، ينبه إلى أن المعنى من وراء ذلك لم يعد مناسباً بعد نحو 7 سنوات، إذ «كان يُفترض أن تنضج الحياة الحزبية، وتتضح معالم التوافق والاختلاف بين الأحزاب، وبالتالي تتبلور كتل معبرة عن التيارات السياسية الرئيسية التي تدور في مجملها بين اليمين واليسار والوسط والتيار الإسلامي». وهنا تجدر الإشارة إلى أن القانون في مصر يُلزم وكلاء مؤسسي الحزب بجمع «توقيعات 5000 عضو من عشرة محافظات على الأقل، وبما لا يقل عن 300 عضو من كل محافظة»، حتى يتمكنوا من مزاولة نشاطهم بشكل قانوني تقره لجنة شؤون الأحزاب ذات الطابع القضائي.
- تجربة واقعية
ولا تعرف الحياة الحزبية الممتدة على مدار 40 سنة تقريباً، وقائع مؤسسة يمكن التوقف أمامها في مجال الدمج بين الأحزاب. خلال السنوات القليلة الماضية، تظهر تجربة دمج حزبي «الجبهة الديمقراطية»، و«المصريين الأحرار»، التي أقرتها قيادات الحزبين عام 2013، واستقْبلت آنذاك بترحيب واسع في الأوساط السياسية، لكن النهايات لم تبد متوافقة مع البدايات.
أحد صُنّاع وشهود عيان تجربة الدمج الوحيدة تقريباً بين الأحزاب في مصر، وهو أسامة الغزالي حرب، المفكّر السياسي ووكيل مؤسسي حزب «الجبهة الديمقراطية»، يُحمّل ما وصفه بـ«تدخلات بعض أجهزة الدولة في الحياة السياسية والحزبية» المسؤولية عن إخفاق تجربة الدمج بين «الجبهة الديمقراطية»، و«المصريين الأحرار»، ويضع شرط «وقف التدخلات كنقطة أساسية لإنجاح التجربة الحزبية».
وتختلف الأفكار والأسماء التي تنضوي تحتها الأحزاب المصرية، غير أن ممثلي بعضها ممن تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» توافقوا مع تباين مشاربهم على أنه «لا يمكن أن يحدث الدمج وفق قرار ملزم، ويجب أن يكون نابعاً من أعضاء الأحزاب»، ومن هؤلاء رئيس حزب «المؤتمر» عمر المختار صميدة، الذي يقول إن «الحياة الحزبية والسياسية مسألة تراكمية تحتاج إلى الوقت»، ويواصل: «الأحزاب لا تُصنع، فهي في حالتها الطبيعية تقوم على أفكار، ولا يمكن أن تتدخل الدولة لتصنعها». ويتفق المتحدث الرسمي لحزب «مستقبل وطن» أحمد الشاعر، مع الرأي السابق، ويقول إن «دعوة الدمج إيجابية، لكن يصعب تحقيقها»، ويعد الغزالي حرب الحديث عن الدمج بالإلزام بأنه «لا علاقة له بالسياسة، والأفضل أن تدمج الأحزاب نفسها بنفسها».
- الفصل المطلوب كأساس
ويضع هاشم ربيع، مسار «الفصل بين المكانة المعنوية السياسية والسلطة التنفيذية التشريعية» أساساً يجب تبينه من قبل السلطة في مصر، إذ يشير إلى تجنب «طريقة إقرار مشروع قانون يعتمد إلزام الأحزاب بالدمج، فيما يمكن أن يشبه «الوصاية والتدخل على قرارات هي بالدرجة الأولى سياسية ويجب أن تكون حرة». ويلفت إلى أن عصب «تحفيز السياسة في مصر، تمثله الأحزاب، وبالتالي يجب أن يكون المستهدف تنشيطها».
وللعلم، في برلمان مصر، الذي يضم أكثر من 590 نائباً، لا تبدو الكتل البرلمانية المُمثلة للأحزاب معبّرة عن الصورة الذهنية الراسخة لدى جمهور السياسية في البلاد. إذ يتمثل حزب «التجمع» أقدم الأحزاب في البلاد بنائبين برلمانيين فقط، وتضم الهيئة البرلمانية لحزب «مصر الديمقراطي الاجتماعي» 4 مقاعد رغم أن اثنين من قياداته توليا مناصب رفيعة في الدولة (زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق، وحازم الببلاوي رئيس الوزراء الأسبق) في أعقاب «ثورة 30 يناير». ومن ناحية أخرى، بينما يملك حزب «الوفد» الليبرالي، صاحب التاريخ الحزبي الطويل، 36 مقعداً في البرلمان، يبدو لافتاً أن حزب «المصريين الأحرار» صاحب الأكثرية الحزبية البرلمانية يمثله 65 نائباً، وكذلك حزب «مستقبل وطن» لديه 53 مقعداً، مع أن الحزبين الأخيرين أُسِّسا في عامي 2011، و2015 على الترتيب. ومع الأخذ في الاعتبار أن أعضاء الكتل البرلمانية الحزبية تم انتخابهم ضمن قائمة مرشحين لم تعبر بوضوح عن برامج أحزابهم، فإن الأكثر لفتاً للانتباه أن المستقلين يمثلون أكثر من نصف أعضاء البرلمان.
- إجراءات عملية
إن الكلام عن دمج الأحزاب، رغم استقباله «إيجابياً» من قبل ممثليها في بادئ الأمر، فهو عند طرحه واقعياً يصطدم بعدة أمور، أولها أن القانون يحظر على أعضاء مجلس النواب تغيير صفاتهم الحزبية بعد انتخابهم، الأمر الذي يصعب معه اندماج أحزاب ممثلة في البرلمان، وإلا فإنها تكون قد غامرت بكتلتها البرلمانية وهي «درة التاج» بالنسبة لأي حزب. وبناءً عليه، لن يتبقى إلا الأحزاب غير الممثلة في مجلس النواب، على الأقل حتى نهاية الدورة البرلمانية المقرر في عام 2021.
«كثير من الأحزاب لن تتخلى عن اسمها بسبب مكاسبها البرلمانية، أو الوضع الاجتماعي الذي اكتسبه قادتها» بحسب ما يتوقع رئيس حزب «المؤتمر» عمر صميدة. ويشارك في الرأي السابق أحمد الشاعر، المتحدث باسم حزب «مستقبل وطن»، الذي يعتبر أن «دعوة الدمج لا تتصل بالأحزاب والكيانات القوية الكبرى، الممثلة بالفعل في البرلمان، ولها بصمة على أرض الواقع، ونحن من بينهم». ووفق الشاعر فإن «الكرة في ملعب الأحزاب الضعيفة التي يجب عليها السعي لتقوية موقفها، أما الكتل والكيانات القوية فهي غير معنية بالأمر». وبشأن المعايير التي يعتقد أنها أساس لتقييم فاعلية الحزب، يقول الشاعر إنها تتضمن «الكتلة البرلمانية، وأعداد الأعضاء، وتوزيع المقرات في محافظات مختلفة».
ومع الإقرار بوجود أحزاب «كارتونية غير فعالة» بحسب وصف الغزالي حرب، يبدي رئيس «التجمع» موافقة على إحكام الرقابة على «لائحة عمل الأحزاب، ومعاقبة كل الكيانات التي لا تلتزم بتطبيق لائحتها الداخلية وما تتضمنه من تداول المناصب، وإجراء انتخابات دورية، وعقد مؤتمرات عامة بحضور كل الأعضاء، ويكون معيار المحاسبة هو اللائحة التي تقدم بها المؤسسون عند طلبهم الموافقة على تأسيس الحزب». ويُقرّ صميدة بأنه «لا يمكن منع الأحزاب الضعيفة من الوجود، وزيادة عددها لا يجب أن يكون هاجساً». ومع ذلك يؤيد «مزيداً من إجراءات الرقابة على نشاط الأحزاب وتجميد غير الملتزمين بتفعيل أنشطتها».
- ما العوائق؟
«الدمج بالإلزام» إذن لا يبدو مقنعاً لممثلي الأحزاب المختلفة الذين تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، فما العوائق التي تحول دون فاعلية الأحزاب إذا لم تكن المشكلة في تشابه برامجها وتعدد كياناتها؟
يعد الدكتور هاشم ربيع أن «النظام الانتخابي بالقائمة المُطلقة، بمثابة الكارثة التي تحيط بالعمل الحزبي»، ويشرح أنها «تعتمد على إنجاح القائمة الكاملة للمرشحين الذي ينالون نسبة الأغلبية من أصوات الناخبين»، بينما تتضمن نسبة «القائمة النسبية» التي يتبنى ربيع الدعوة لها مسألة أن يتم إنجاح مرشحين عن القوائم المختلفة الممثلة لتيارات وتوجهات تتساوى مع معدلات ما حصلوا عليه من نسبة أصوات الناخبين، وبالتالي يكون نواب البرلمان معبرين عن الأوزان النسبية المختلفة لتياراتهم، دون إهدار أو إقصاء لبقية الأحزاب.
وغير بعيد عن العائق السابق، ينتقد رئيس حزب «التجمع» مشكلة «الحظر المفروض على الأحزاب بضرورة عدم ممارسة أنشطة تمكنها من تمويل عملها، فضلاً عن العقبات المتعلقة بحظر النشاط السياسي في المصانع والجهات والمؤسسات المختلفة، الأمر الذي يتقلص معه جمهور الأحزاب في مصر». ورغم تأكيده على أن ثمة عوائق أخرى تعرقل عمل الأحزاب في مصر وتقلل من جدواها ومنها فرض حالة الطوارئ واستمرار العمل بقانون «التظاهر»، فإنه يعتبر أنه الأهم هو «تهيئة البنية القانونية والتشريعية، من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية، لتمكين الأحزاب من العمل عن طريق تعديل قوانين الانتخابات وآلياتها بما يساعد على تمثيلها بشكل واقعي ودون تدخلات».
ولفت هاشم ربيع إلى «منهج غير صحي سياسياً يعتمد تحفيز وإبراز الكيانات الاجتماعية وليس السياسية»، ضارباً المثال بحالة «الاحتفاء التي يقدم عليها بعض المسؤولين عند الحديث عن وجود نسبة كبيرة من السيدات أو الشباب أو أصحاب الاحتياجات الخاصة ضمن أعضاء مجلس النواب، وكذلك تنظيم مؤتمرات لفئات الشباب والمرأة والأسرة المصرية»، في حين أن «الأجدى» - وفق رأي هاشم ربيع - أن يكون المستهدف من الفعاليات الحكومية والرئاسية «تحفيز الكيانات الحزبية في إطار سياسي، باعتبارها معبرة عن توجهات فكرية عامة وواسعة، وليس فئات اجتماعية بعينها».
- من الأحكام إلى الإخطار... هكذا تطوّرت أحزاب مصر؟
> جاء ظهور الأحزاب في مصر نتيجة لتأسيس أول مجلس نيابي في البلاد (مجلس شورى النواب) في عام 1866 وفي عهد الخديوي إسماعيل، إذ كانت هناك تجربة مبكرة أقدم عليها أنصار الزعيم المصري أحمد عرابي، الذين أقدموا في عام 1879 على إنشاء كيان أطلقوا عليه اسم «الحزب الوطني»، غير أن هذا التجربة لم يُكتَب لها النجاح بفعل تعرض مصر للاحتلال الإنجليزي عام 1882.
وتحت وطأة الاحتلال، وبداية من عام 1907، تدافعت القوى السياسية المختلفة في اتجاه النضال الوطني عن طريق الكيانات الحزبية، فظهرت أحزاب، منها الأمة، والجمهوري المصري، والإصلاح الدستوري، والأحرار، ثم عاد الحزب الوطني للظهور مرة أخرى على يد السياسي المصري مصطفى كامل.
لقد شكلت «ثورة 1919» الدفعة القوية لحزب الوفد ليأخذ موقعة ككيان جماهيري واسع الانتشار، لكن السنوات التالية لها شهد انشقاقات علية تكوّنت على أثرها أحزاب مثل «الحزب السعدي» و«الكتلة الوفدية» و«الأحرار الدستوريين».
أصحاب الاتجاهات الاشتراكية كانوا كذلك أصحاب حضور في المشهد الحزبي المصري، وكان منها أحزاب «مصر الفتاة» و«الشيوعي المصري»، وكان ذلك في الفترة من منتصف الثلاثينات وحتى أواخر الأربعينات.
ومع قيام «ثورة 23 يوليو 1952» التي أنهت النظام الملكي في مصر، قرّرت قيادتها حل الأحزاب القائمة وحظر تكوين كيانات جديدة، ثم ظهرت تنظيمات سياسية رسمية في مراحل مختلفة منها «الاتحاد القومي» و«الاتحاد الاشتراكي العربي» و«هيئة التحرير».
ظلت الأحزاب محظورة لنحو 25 سنة، إلى أن عادت مرة أخرى لتظهر بقرار رسمي أصدره الرئيس الراحل أنور السادات بعودتها، على مرحلتين أولهما تجربة المنابر داخل «الاتحاد الاشتراكي العربي» التي تعبّر عن اليمين واليسار والوسط، وكان ذلك عام 1976. وسريعاً ما تقرر تأسيس أحزاب منها «مصر العربي الاشتراكي»، الذي أصبح «الوطني الديمقراطي» وترأسه السادات، وكذلك حزب «التجمع الوطني التقدمي» و«الأحرار الاشتراكيين» و«العمل» و«الوفد الجديد»، لكن الأخير لم يعمل طويلاً وتقرر تجميده لفترة، ثم عاد للعمل في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.
تنوّعت طرق الحصول على تصريح عمل الأحزاب بين طريقين في عهد مبارك، أولهما قرارات رسمية من لجان شؤون الأحزاب والتي وافقت على تأسيس أحزاب منها «الوفاق القومي» عام 2000، و«الغد» 2004، و«الجبهة الديمقراطية» 2007. أما الطريق الثاني فكان محوره ساحات القضاء، حيث تمكن 11 حزباً من نيل أحكام قضائية بالعمل، رغم رفض لجنة الأحزاب، ومنها «الأمة» 1983، و«مصر الفتاة» عام 1990، و«العربي الناصري» 1992، و«التكافل» 1995، و«شباب مصر» 2005.
لقد كانت «ثورة 25 يناير 2011» بمثابة المتغير الجوهري، الذي دفع «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» إلى إصدار مرسوم بقانون فتح الباب أمام تسهيل تأسيس الأحزاب لتصبح بالإخطار بدلاً من انتظار الحصول على تصريح. وكان من بين أبرز الشروط التي لا تزال قائمة «أن يوقع على إخطار قيام وتأسيس الحزب 5000 عضو مؤسس من عشرة محافظات على الأقل، بما لا يقل عن 300 عضو من كل محافظة»، وإلغاء الدعم المادي الذي كانت تقدمه الدولة لتدعيم الأحزاب.



سباق خلافة غوتيريش: غرينسبان تتقدم خطوة ولا تتجاوز «الفيتو» ونسيبة تخضع لاختبار أول

المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة
المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة
TT

سباق خلافة غوتيريش: غرينسبان تتقدم خطوة ولا تتجاوز «الفيتو» ونسيبة تخضع لاختبار أول

المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة
المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة

حسّنت نائبة الرئيس الكوستاريكية السابقة ريبيكا غرينسبان حظوظها في السباق لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لكن من دون أن تتمكن بوضوح من تجاوز عقبة حق النقض «الفيتو» من اثنتين من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.

وأجرى الأعضاء الـ15 في المجلس، مساء الجمعة، اقتراعاً سريّاً هو السابع لاختيار الأمين العام العاشر للمنظمة الدولية، وهو الأول بعد دخول وزيرة الدولة الإماراتية للشؤون الخارجية لانا نسيبة إلى السباق.

وفيما لم يؤد انضمام نسيبة إلى تغييرات جوهرية في التوازنات السابقة، أعلنت تركيا ترشيح الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا فريدون سينيرلي أوغلو، ليأتي ذلك قبل تسعة أسابيع فقط من انتهاء ولاية غوتيريش الثانية في 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وحصلت غرينسبان، التي ترأست حتى قبل نحو ستة أشهر هيئة الأمم المتحدة المعنية بالتجارة والتنمية، على 11 صوتاً «تشجيع» مقابل أربعة أصوات «عدم تشجيع»، وفقاً لدبلوماسيين. وحل ثانياً المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الأرجنتيني رافاييل ماريانو غروسي بتسعة أصوات «تشجيع» وأربعة «عدم تشجيع» وصوتين بـ«لا رأي». وتلته وزيرة خارجية غويانا السابقة كارولين رودريغيز بيركيت بثمانية أصوات «تشجيع» وستة «عدم تشجيع» وصوت واحد بـ«لا رأي».

المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة

موقع نسيبة

جاءت في المركز الرابع نسيبة بسبعة أصوات «تشجيع» وستة «عدم تشجيع» وصوتين بـ«لا رأي». أما رئيس مجلس الشعب الأوغندي السابق أولارا أوتونو فحصل على أربعة أصوات بـ«تشجيع» و11 «عدم تشجيع». ونالت وزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة ماريا فرناندا إسبينوزا صوتين «تشجيع» وعشرة «عدم تشجيع» وثلاثة بـ«لا رأي». وحققت الدبلوماسية الإكوادورية اللبنانية الأصل إيفون عبد الباقي أضعف نتيجة، بصوت «تشجيع» واحد و14 «عدم تشجيع».

ولم يتضح ما إذا كانت الأصوات المعارضة لأي من المرشحين صدرت عن الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، لأن المجلس عاد إلى الاقتراع بأوراق غير مرمزة بالألوان بعدما استخدم أوراقاً ملونة تميّز أصوات الدول الدائمة في الاقتراع السادس في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وأفاد دبلوماسيون بأن هذه العودة هدفت إلى منح الوزيرة نسيبة فرصة المرور بالإجراءات نفسها التي خضع لها منافسوها.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ب)

ويحتاج المرشح الذي سيوصي به المجلس إلى تسعة أصوات مؤيدة على الأقل، من دون أن يعترض عليه أي من الأعضاء الدائمين، قبل رفع اسمه إلى الجمعية العامة المؤلفة من 193 دولة للمصادقة النهائية.

وانطلقت جولات الاقتراع غير الرسمية في 30 يوليو (تموز) الماضي، وانسحبت منها الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت بُعيد الجولة الثالثة. وتصدّرت غرينسبان الجولات المتتالية، لكن رصيدها تأرجح بين عشرة أصوات مشجعة في الجولة الرابعة في 29 سبتمبر (أيلول) وتسعة في الخامسة في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، قبل أن يرتفع إلى 11 الجمعة. أما رودريغيز بيركيت، فتراجعت من تسعة أصوات مشجعة في الجولة الأولى إلى خمسة في الخامسة.

ويفيد دبلوماسيون بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب تبدي في النقاشات الداخلية معارضتها لها.

مرشحون جدد

كان دبلوماسيون قد أشاروا إلى أن الدول دائمة العضوية سترحب بمرشحين جدد مهما تأخرت العملية، مذكرين بأن كوفي أنان اختير للمنصب قبل 18 يوماً فقط من بدء ولايته. وبعيد الاقتراع السابع، أعلنت مصادر في وزارة الخارجية التركية أن ترشيح سينيرلي أوغلو (70 عاماً) قدم في رسالة وقعها الرئيس رجب طيب إردوغان، وسلمها المندوب التركي لدى الأمم المتحدة أحمد يلديز إلى الجمعية العامة ومجلس الأمن.

ويرجح أن يعكس المرشح التركي توجهات إردوغان، الذي يدعو منذ سنوات إلى إصلاح مجلس الأمن وينتقد هيمنة أعضائه الدائمين. غير أن ترشيحه قد يواجه عقبات، أبرزها من اليونان المجاورة لتركيا، وهي من الأعضاء العشرة المنتخبين في المجلس، إضافة إلى معارضة متوقعة من إسرائيل، الحليف الوثيق للولايات المتحدة.

جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

وتشير تكهنات إلى أن الأصوات المؤيدة لغرينسبان، وهي يهودية مؤيدة لإسرائيل، جاءت أساساً من الأعضاء المنتخبين، تمسكاً بعرف التناوب الجغرافي غير المكتوب الذي يقضي بأن يذهب المنصب هذه المرة إلى أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. ويرجح أن تكون بينها أصوات الأعضاء الأفارقة الثلاثة، الحريصين على حماية مبدأ التناوب حين يحين دور قارتهم.

وكانت دول مجموعة أميركا اللاتينية والكاريبي (سيلاك) قد دعت في بيان مشترك في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المجلس إلى احترام التناوب الإقليمي، على أن تبحث القمة الإيبيرية الأميركية في مدريد يومي 4 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري و5 منه استراتيجية المنطقة.


«باتريوت» لكييف وانفتاح على موسكو... معادلة أميركية صعبة

خلال لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
خلال لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
TT

«باتريوت» لكييف وانفتاح على موسكو... معادلة أميركية صعبة

خلال لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
خلال لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)

وافقت وزارة الخارجية الأميركية على صفقة محتملة لبيع أوكرانيا 500 صاروخ اعتراضي من طراز «باتريوت»، بقيمة تقديرية تبلغ 2.1 مليار دولار. وأكدت «الخارجية» أن «هذه الصفقة المقترحة ستدعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة، من خلال تعزيز أمن دولة شريكة تُعدّ قوةً للاستقرار السياسي والاقتصادي في أوروبا».

وزير الدفاع الدنماركي ييبي بروس خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع في كوبنهاغن 22 أكتوبر 2026 (رويترز)

وعُدّت الخطوة محاولة لإبراز الدعم الدفاعي لكييف، رغم استمرار توتر علاقاتها بواشنطن. وجاء الإعلان بالتزامن مع اجتماع وزراء خارجية «مجموعة العشرين» في أتلانتا بولاية جورجيا؛ حيث أثارت مشاركة الوزير الروسي سيرغي لافروف اعتراضات غربية، فيما أعادت الضربات الأوكرانية لمنشآت نفطية روسية الخلاف مع إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن استهداف قطاع الطاقة إلى الواجهة.

وتضع هذه التطورات سياسة ترمب أمام اختبار متجدد بشأن كيفية الجمع بين تسليح أوكرانيا والانفتاح على موسكو والسعي إلى خفض أسعار الوقود. في المقابل، تتمسك كييف بالحاجة إلى حماية مدنها ومواصلة الضغط على الاقتصاد الروسي، في حين يخشى شركاؤها الأوروبيون أن يتحول الحوار مع موسكو إلى تطبيع للعلاقات، قبل تقديم أي تنازلات روسية فعلية.

من اليمين إلى اليسار: رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الأوكراني والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب (إ.ب.أ)

صواريخ مؤجلة

غير أن المفارقة تكمن في الفارق بين الموافقة السياسية والجدول العسكري. وحسب «رويترز»، فإن هذه الصواريخ لم تصنع بعد؛ حيث نقلت عن مصدرين مطلعين أن تسليمها غير متوقع قبل السنوات الأولى من العقد المقبل. وبهذا المعنى فإن الصفقة لا توفر وحدها جواباً فورياً لاحتياجات الدفاع الجوي الأوكراني.

ومع ذلك، رحّب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالموافقة، لكنه حذّر من انتظار سنوات، مطالباً واشنطن والحلفاء الأوروبيين بتسليم صواريخ من مخزوناتهم الحالية وتعويضها لاحقاً بالإنتاج الجديد.

وقال في منشور على منصة «إكس»، الجمعة، إن «عمليات التسليم قد تبدأ في غضون سنوات قليلة فقط». وأضاف: «نحن نطلب من شركائنا الأميركيين إيجاد حل للفترة التي يوجد فيها خطر حقيقي وحاجة حقيقية لاستخدام صواريخ (باك-3) الاعتراضية»، مستخدماً الاسم المختصر للصواريخ.

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

وتُعد صواريخ «باتريوت» من بين أهم الأسلحة التي تستخدمها أوكرانيا لاعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ الروسية.

وذكرت وسائل إعلام أوكرانية أن كييف طلبت حزمة شتوية توفر 100 صاروخ اعتراضي شهرياً، في مواجهة الهجمات الروسية المتصاعدة على شبكات الطاقة والكهرباء.

وتشمل الصفقة صواريخ «باك-3 إم إس إي» وقطع غيار ودعماً لوجستياً، بتمويل من إسهامات كندية وألمانية ونرويجية، عبر برنامج «جمبستارت»، وأموال أوكرانية مدعومة بقرض أوروبي. وتتولى «لوكهيد مارتن» دور المتعهد الرئيسي، في حين لم تُعلن «الخارجية الأميركية» موعداً محدداً للتسليم. ومع ذلك، تمنح الصفقة سياسياً كييف إشارة إلى استمرار قناة التسليح الأميركية رغم الخلافات.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ)

لكن قيمتها العملية ستتحدد بقدرة الحلفاء على سد الفجوة بين التعاقد والتسليم. فالدفاع عن منشآت الكهرباء خلال الشتاء لا يحتمل انتظار توسعة المصانع، وقد يصبح الإفراج عن مخزونات قائمة اختباراً أكثر إلحاحاً من حجم الصفقة المعلن. كما أن طبيعة الصواريخ الاعتراضية تجعل القرار متعلقاً بحماية المجال الجوي، ولا تعني تلقائياً تغيير موقف واشنطن من الضربات الأوكرانية داخل روسيا. فالقبول بتعزيز الدفاعات يمكن أن يتعايش مع الضغط لتقييد عمليات هجومية، وهو التمييز الذي يفسر جانباً من التناقض الظاهر في السياسة الأميركية.

اجتماع أتلانتا

وبعد الخلاف الذي أمكن تطويقه جرّاء حضور وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، اجتماع مجموعة الدول العشرين في أتلانتا، ورفض نحو ثلث المشاركين أخذ صورة جماعية معه، ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أن الاجتماع يتجه إلى الاختتام السبت من دون بيان مشترك.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أتلانتا (د.ب.أ)

وأضافت أن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، سيصدر بياناً للرئاسة يلخص المناقشات. وعدّ دبلوماسيون الموقف الروسي من أوكرانيا بأنه متصلب، فيما أكد لافروف رفض موسكو أن تُشكل أوكرانيا تهديداً عسكرياً لمصالحها الأمنية.

وبدا أن الخلاف حول بروتوكول التصوير يتجاوز معنى إعادة مشاركة روسيا في الفعاليات الدولية. فواشنطن تريد تركيز «مجموعة العشرين» على الاقتصاد والطاقة والتجارة، فيما تُعيد الحرب فرض نفسها على جدول الأعمال.

ويأتي الاجتماع تمهيداً لقمة قادة المجموعة بفلوريدا، التي دعا إليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من دون حسم مشاركته، وفق إذاعة «أوروبا الحرة»، الأميركية.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث في افتتاح لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» في أتلانتا (إ.ب.أ)

وقال وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، لصحافيين إن التقاط صورة مع لافروف أمر غير مقبول، لأنه «لا يوجد وضع طبيعي مع روسيا». وقال أحد المشاركين إن لافروف أقرّ بنفسه بوجود «مخاوف» بشأن الصورة الجماعية، وهو ما قوبل بإيماءات موافقة من كثيرين في القاعة.

وبهذا المعنى، ووسط شبه تجاهل إعلامي أميركي، مشغول بالانتخابات النصفية لاجتماع أتلانتا، كشف هذا الاجتماع عن حدود التقارب الأميركي الروسي؛ حيث تستطيع واشنطن استضافة لافروف وفتح قنوات معه، لكنها لا تستطيع ضمان قبول شركائها بصورة توحي بأن الخلاف مع موسكو أصبح خلفهم.

سكان يمرّون أمام مبنى تضرّر جرّاء ضربة صاروخية روسية ليلية على كييف 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

عودة قصف المصافي

ميدانياً، تجددت الهجمات على منشآت الطاقة الروسية، رغم ضغوط ترمب لوقف استهدافها، في محاولة لوقف ارتفاع أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية. فقد تعرضت 3 مصافٍ ومجمع للغاز والكيميائيات لهجمات مسيّرات، ليل الخميس-الجمعة، مع أضرار وصفت بالطفيفة في منشأة واحدة على الأقل. وحدد موقع «أسترا»، استناداً إلى مقاطع مصورة، مصفاة «نوفوكويبيشيفسك» التابعة لـ«روسنفت» في سامارا ضمن المواقع المستهدفة. وقالت السلطات المحلية إن شخصين قُتلا أثناء الاستجابة للحرائق، من دون إعلان تقييم مستقل شامل للأضرار.

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن الوقف الأوكراني المؤقت لتلك الهجمات لم يُقابل بوقف روسي من استهداف شبكات الكهرباء الأوكرانية، وهو ما قوّض عملياً فرص تثبيت تهدئة الطاقة، مع بقاء أيام على موعد تلك الانتخابات. غير أن عودة تلك الضربات تبرز معضلة كييف، التي تريد حماية أجوائها مع رفض خسارة وسيلة للضغط على موسكو. في المقابل تواجه محاولة ترمب الفصل بين حسابات الوقود ومسار الحرب حدوداً واضحة.

يصعد أشخاص إلى حافلة صغيرة وينزلون منها في محطة للحافلات على طريق تغطيه شباك واقية من الطائرات المسيرة وذلك خلال وقف مؤقت لإطلاق النار في مدينة خيرسون بجنوب أوكرانيا (أ.ف.ب)

إجلاء من مدينة أوليشكي الأوكرانية

ووصل عشرات المدنيين الذين تم إجلاؤهم من مدينة أوليشكي الأوكرانية، والتي تخضع للاحتلال الروسي، إلى بيلاروس، يوم السبت، ضمن عملية إنقاذ كبرى نُفذت في ظل أهم هدنة منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا قبل أربعة أعوام ونصف العام.

وبدأ مدنيون من أوليشكي، الواقعة على نهر دنيبرو، رحلة الخروج من المنطقة المدمرة في قوافل حافلات الجمعة، فيما بدأ وقف إطلاق النار في منطقة خيرسون الجنوبية عند الساعة الثالثة من صباح يوم الثلاثاء الماضي، ومن المتوقع أن يستمر حتى مساء الأحد.

وعُرض على السكان المتبقين، الذين يُقدَّر عددهم بنحو ألفي شخص، الاختيار بين التوجه إلى مناطق خاضعة لأوكرانيا أو لروسيا، أو البقاء في المدينة مع حصولهم على إمدادات غذائية وطبية مجددة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في أوسلو 20 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن من اختاروا الانتقال من أوليشكي إلى المناطق الخاضعة لأوكرانيا نُقلوا إلى مدينة أنابا الروسية قبل أن يستقلوا طائرات إلى مدينة جوميل في بيلاروس، رفقة دميترو لوبينيتس، مفوض أوكرانيا لحقوق الإنسان.

ووفقاً لـ«وكالة الإعلام الرسمية البيلاروسية (بيلتا)»، كان في استقبال مجموعة في جوميل فرقُ إنقاذ وفرق طبية ومتطوعون من «الصليب الأحمر».

وقال النائب الأوكراني، دافيد أراخاميا، إن 4 طائرات تقل مَن تم إجلاؤهم متوجهة إلى أوكرانيا هبطت في بيلاروس، وإن الركاب سيصلون إلى الأراضي الأوكرانية «خلال ساعات».

وقالت يانا لانتراتوفا، مفوضة حقوق الإنسان الروسية والممثلة الرئيسية في المهمة، إن الحافلات نقلت أيضاً سكان أوليشكي الراغبين في العيش في روسيا.


الدول المشاركة في «كوب17» تتعهد بإعادة جهود حماية الطبيعة إلى مسارها الصحيح

هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)
هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)
TT

الدول المشاركة في «كوب17» تتعهد بإعادة جهود حماية الطبيعة إلى مسارها الصحيح

هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)
هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)

اتفقت نحو 200 دولة، ليل الجمعة السبت، على نصَّين رئيسيَّين لحماية الطبيعة خلال «مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (كوب17)» في أرمينيا، بعد أسبوعين من المفاوضات الشاقة التي أظهرت استمرار الخلافات بشأن عدد من القضايا الشائكة.

وعلا التصفيق بعيد افتتاح الجلسة الختامية الليلية، حين أعلن وزير البيئة الأرميني، هامباردزوم ماتيفوسيان، إقرار نصَّين مهمَّين تمَّ التَّوصُّل إلى تسويات بشأنهما. وقال الوزير الذي بدا عليه الارتياح: «أُنجز الأمر. ممتاز». ولم تُعلَن على الفور تفاصيل القرارات التي اتخذتها نحو 200 دولة مشاركة في المؤتمر، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن الحماسة التي سادت في البداية سرعان ما حلَّت محلها نقاشات محتدمة أحياناً، وتسويات انتُزعت بعد جولات طويلة من الأخذ والرد، بينما ظلَّ التَّقدُّم محدوداً في بعض الملفات.

واختُتم «كوب17» قرابة الساعة 10.20 صباحاً (06.00 بتوقيت غرينتش)، في حين كان عدد كبير من المشارِكين قد غادروا للحاق برحلاتهم الجوية.

إعانات تضرّ الطبيعة

يشكِّل النَّصُّ الأول الذي أُقرَّ «تقييماً عالمياً» لـ«اتفاق كونمينغ-مونتريال للتنوع البيولوجي» المُبرَم عام 2022، والذي يوازي «اتفاق باريس للمناخ» من ناحية الأهمية.

ويحدِّد الاتفاق 23 هدفاً يتعيَّن تحقيقها بحلول عام 2030، من بينها حماية 30 في المائة من الأراضي والمحيطات، ومكافحة التلوث، واستعادة النظم الإيكولوجية المتدهورة. إلا أنّ كل هذه الأهداف تقريباً متأخرة عن المسار المحدد لتحقيقها.

ويهدف النَّصُّ الذي أُقرّ خلال «كوب17» إلى إعادة الدول إلى المسار الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

وقالت كاثرين ويلر، من منظمة «فونا آند فلورا» غير الحكومية، «إن النَّصَّ لا يبعث على الحماسة ولا يتضمَّن تفاصيل، لكن مجرد تمكُّن الدول من التَّوصُّل إلى اتفاق يُعدُّ خبراً ساراً».

ودعت مسودة الوثيقة الدول إلى «تسريع» جهودها، وشدَّدت أيضاً، بصيغ مختلفة، على ضرورة «تعزيز التدابير» الرامية إلى معالجة الأسباب الجذرية لخسارة التنوع البيولوجي.

وشهدت المفاوضات نقاشات حادة بشأن الدعم المالي وغيره من الحوافز المقدَّمة للأنشطة الضارة بالطبيعة، مثل التنقيب عن النفط واستخراجه.

وقالت آن لامبريختس من منظمة «غرينبيس» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» «حتى لو تناول القرار النهائي المسألة بعبارات ضعيفة نسبياً، فقد لمسنا زخماً سياسياً كبيراً فيما يتعلق بالحوافز المالية الضارة، بما فيها الإعانات».

أما النَّصُّ الثاني الذي أُقرَّ، فيُعنى بالتمويل، وتحديداً بمسألة الجهات التي ينبغي أن تتحمَّل تكلفة تحقيق الأهداف المالية المحدَّدة لعام 2030، وهي قضية شائكة في وقت يُسجَّل تدهور في الأوضاع المالية في مختلف أنحاء العالم.

وسعى الاتحاد الأوروبي خلال مؤتمر الأطراف إلى إقناع الاقتصادات الكبرى، لا سيما الصين، بالانضمام إلى القائمة الرسمية للجهات المانحة، التي لم تُحدَّث منذ عام 2006.

واقترحت مسودة الوثيقة أن تتمكَّن الدول من إعلان رغبتها طوعاً في إدراجها على هذه القائمة.

وعدَّت وزيرة التَّحوُّل البيئي الفرنسية مونيك باربو، في تصريح أرسلته إلى «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن نتائج المؤتمر «لا ترقى إلى مستوى التحديات».

وقالت: «إن التَّقدُّم الذي لم نتمكَّن من إحرازه هنا يشكِّل فرصاً ضائعة لتسريع استجابتنا لتراجع التنوع البيولوجي».

المؤتمر المقبل في الإكوادور

واجهت الجهود الرامية إلى إحياء «صندوق كالي»، وهو آلية تابعة للأمم المتحدة تهدف إلى إلزام الشركات التي تستغل البيانات الجينية المستمدة من النباتات وغيرها من الكائنات الحية بدفع مبالغ مالية، صعوبات كبيرة.

وقالت باخي داس من منظمة «بلانت فور ذي بلانيت» غير الحكومية إن «إرجاء قرارات أساسية متعلقة بآلية عمل الصندوق إلى عام 2028 جعل الأطراف عملياً تضمن بقاءه فارغاً حتى ذلك الحين».

وشهدت القمة أيضاً توترات حادة بشأن الأسس العلمية التي تستند إليها السياسات العالمية لحماية الطبيعة، إذ اتُّهمت دول عدة بالسعي إلى إضعافها.

وقالت مندوبة سويسرا غابرييلا بلاتر، متحدثةً باسم 56 دولة، إنها «تأسف لازدياد الحالات التي تُثار فيها الشكوك بشأن البيانات العلمية ومراعاتها، أو توضع العراقيل أمام الاستناد إليها» خلال المفاوضات السياسية.

وقالت أستريد شومايكر، رئيسة قسم التنوع البيولوجي في الأمم المتحدة، خلال مؤتمر صحافي عقب «كوب17»: «لم يكن من المتوقع التَّوصُّل إلى التزامات قوية بشأن بعض هذه القضايا الأكثر صعوبة». لكنها أشادت بما أنجزه المشاركون، عادة أنهم حقَّقوا «أموراً لافتة جداً في وقت يُفترَض فيه أنَّ التعاون المتعدد الأطراف لم يعد يجدي نفعاً».

وقرَّر ممثلو الدول في يريفان أيضاً أن تستضيف الإكوادور الدورة المقبلة من مؤتمر الأطراف المعني بالتنوع البيولوجي عام 2028.