معرض استعادي يغطي «سنة العجائب» في حياة بيكاسو

نظّمه «تيت غاليري» في العاصمة البريطانية

لوحة «فتاة أمام المرآة» (1932)
لوحة «فتاة أمام المرآة» (1932)
TT

معرض استعادي يغطي «سنة العجائب» في حياة بيكاسو

لوحة «فتاة أمام المرآة» (1932)
لوحة «فتاة أمام المرآة» (1932)

نظّم «تيت غاليري» بلندن المعرض الاستعادي الأول للفنان الإسباني بابلو بيكاسو الذي بدأ في 8 مارس (آذار) الماضي ويستمر حتى 9 سبتمبر (أيلول) 2018. يضم المعرض أكثر من 100 عمل فني يجمع بين اللوحة والمنحوتة والرسم التخطيطي. تتميّز المعارض الاستعادية للفنانين التشكيليين الكبار بأنها تغطي عقدين أو 3 عقود أو أكثر من الزمان لكن هذا المعرض الاستعادي يغطي سنة واحدة فقط من المنجز الفني للرسّام والنحّات بابلو بيكاسو، وهذه السنة هي 1932، أي حينما كان بيكاسو في الخمسين من عمره حين جرّب الحُب غير مرّة، وحقّق الشهرة وهو في ذروة عطائه الفني.
على الرغم من أن عائلة بيكاسو عاشت حياة ميسورة إلى حدٍّ ما، فإنه عانى من الفقر في السنوات المبكرة من حياته في برشلونة، لكنه مع بداية القرن العشرين أصبح ثرياً ومشهوراً، مبتعداً عن دائرة الفنانين المعاصرين له، لأن زوجته الروسية أولغا كوكلوفا قد أحاطته بعدد كبير من الأصدقاء والمعارف الذين ينتمون إلى الطبقة الأرستقراطية الفرنسية التي تجد ضالتها في الأدب والفن والموسيقى، بينما كان النقّاد يترقبون منه أن يخلق أعمالاً فنية مغايرة للأنماط السائدة والمألوفة في المشهد الثقافي الفرنسي.
لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً للتذكير بالمراحل الخمس التي مرّ بها بيكاسو منذ عام 1901 حتى عام 1919 وهي: «المرحلة الزرقاء، والوردية، والبدائية، والتكعيبية التحليلية، والتكعيبية التركيبية»، حيث كان منهمكاً بالمنحى التشخيصي، وساعياً لاكتشاف الفن الأفريقي البدائي من دون أن يلتفت إلى معطيات الفن الغربي، غير أن هذا الأمر سيتغيّر لاحقاً حيث تآزر بيكاسو مع صديقه جورج براك لتأسيس المذهب التكعيبي، كما أنجز بين الحربين العالميتين أعمالاً مُستلهَمة من الفن الكلاسيكي ومن الفنانين الآخرين الذين انقطعوا إلى السريالية وأبدعوا فيها.
ورغم أنّ بيكاسو كان شيوعياً فإنه لم يبدِ أي اهتمام بالسياسة، لكن الأمر سيتغير لاحقاً حينما قصفت الطائرات الألمانية مدينة غورنيكا عام 1937 ليرسم جداريته الشهيرة التي تحمل الاسم ذاته، وقد اعتبرها النقاد أهمّ بيانٍ فني مُناهض للحرب.
مقابل ولعه بالفن البدائي حاول بيكاسو إحياء تقاليد الفن الغربي، حيث دخل في منافسة كبيرة مع معاصره هنري ماتيس، وأولئك الذين سبقوه أمثال فيلاسكيز، وآنغر، ومانيه، حيث عاد إلى ثيمتَي العُري والأساطير الكلاسيكية مثل «المنيوتور» ومصارعة الثيران.
تزوج بيكاسو مرتين وأنجب 4 أطفال لكنه ارتبط بست عشيقات سرّيّات. وفي عام 1932 عانى من توتر علاقته الزوجية بأولغا بسبب ارتباطه العاطفي بماري - تيريز والتر ذات السبعة عشر عاماً التي ألهمته العديد من الأعمال الفنية وفي مقدمتها لوحة «الحُلم» التي تصدرت دليل المعرض وبيعت مؤخراً بمبلغ 155 مليون دولار أميركي.
تحتوي الصالة الأولى على 7 أعمال فنية من بينها «امرأة جالسة على كرسي أحمر بذراعين» رسمها الفنان في عيد الميلاد عام 1931. يُصوِّر بيكاسو في هذه اللوحة، على الأرجح، عشيقته ماري - تيريز، وقد رسم رأسها على شكل قلب مموّه بعدد من ضربات الفرشاة القوية باللون الأسود. تستحضر هذه اللوحة التوتر الذي حدث داخل أسرة الفنان، وتعكس تمزّقه الداخلي بين زوجته أولغا وعشيقته ماري – تيريز، الأمر الذي يثير سؤالاً دائماً ومؤرقاً مفاده: هل يتسع قلب الرجل لامرأتين في آنٍ واحد؟ ويبدو أنّ الجواب: «نعم»، قدر تعلّق الأمر ببيكاسو على الأقل. أما اللوحة الثانية فتحمل عنوان «امرأة مع خنجر» التي تتمحور ثيمتها حول كابوس ليلي مُفزع لامرأة تقتل غريمتها، وقد أنجزها خلال أسبوع واحد بينما رسم اللوحة الأولى في جلسة واحدة، فقد كان بيكاسو متدفقاً، غزير الإنتاج في هذه السنة التي سُميت «سنة العجائب».
تشتمل الصالة الثانية على 11 لوحة كلها لشخصية واحدة جالسة على كرسي بذراعين يُعتقَد أنها لعشيقته ماري – تيريز، وبأوضاع مختلفة وهي تقرأ أو تنام أو تستمع إلى الموسيقى، ويبدو أن هذه اللقطات مُتخيلة أكثر منها لنموذج جالس أمام الرسّام. نُفذت هذه اللوحة خلال أمسية واحدة في 26 فبراير (شباط) 1932 عندما كانت ماري - تيريز في عامها الثاني والعشرين. لا يجد المتلقي المتخصص صعوبةً في إرجاع هذه اللوحة إلى المدرسة الوحوشية التي تتميّز بخطوطها البسيطة، وألوانها المتضادّة كما هو الحال في لوحة «الحُلم» التي حمّلها النقاد أكثر مما تحمل من رموز إيروسية، وتأويلات بعيدة عن الواقع.
بعد أن بِيعت لوحة «مُصفِفة الشَّعر» بمبلغ 26000 فرنك عام 1932، اشترى بيكاسو قصراً فخماً في النورماندي سيكون ملتقى لأهله وأصدقائه، وفي حال غيابهم سيكون ملاذاً آمناً للقاءاته السرية مع ماري - تيريز والتر. اختار بيكاسو غرفة في الطابق الثاني تطل على قرية «جيزور» لتكون مرسماً له، بينما حوّل أحد الإصطبلات إلى مُحترَف لمنحوتاته التي أخذت أشكالاً بصَلَية كما رأينا بعضها في الصالة الثالثة.
تبدو الصالة الرابعة كأنها مخصصة للأشجار والورود مثل «شجرة الحُب» والتوليب التي تتطلع من خلالها نماذجه العارية التي نُفذّت بأسلوب تشخيصي يمكن أن يكون حديثاً لو حقنهُ الفنان بنَفَسٍ حسّي جديد مثل الذي تُلهمه إيّاه عشيقته والتر.
تُعد لوحة «فتاة أمام المرآة» واحدة من تحف بيكاسو الفنية التي تعكس رؤيته الفلسفية للجمال، فالشخصية الحقيقية المرسومة ببشرة ناعمة، وعينين واسعتين تمثل الأوقات السعيدة التي عاشتها مع بيكاسو، أما الجانب الآخر من الوجه المزيّن بالماكياج فيعكس حيويتها وشبابها، بينما توحي الصورة المشوهة في المرآة بالخوف من الكِبر والشيخوخة. ولا شك في أن القارئ المتابع يكتشف أوجه الشبه بين هذه اللوحة ومثيلتها للفنان الفرنسي المعروف إدوارد مانيه.
يجمع بيكاسو في لوحته بين عدة مذاهب مثل التكعيبية، والتعبيرية، والكلاسيكية الجديدة، ولكننا نرى فيكَراته في اللوحات السبع المعروضة في الصالة الخامسة قد تحوّلت من عاريات إلى كائنات أخطبوطية مثل «العارية المتكئة» وسلسلة النساء المسترخيات على شاطئ البحر.
تتضمن الصالة السادسة 11 عملاً فنياً أهمها لوحة «الراقصون الثلاثة» التي تبدو أعقد مما هي عليه، حيث أحبّ كارلوس كازاجيماس، الموديل جيرمين غارغلو لكنها لم تبادله الحب لأنها كانت تعشق الفنان رامون بيكوت فأطلق النار على نفسه وفارق الحياة في الحال. تتكرر في الصالتين السابعة والثامنة نماذج لنساء يقفن أمام المرايا، أو يسترخين على الرمال أو يعزفن الموسيقى، أو يستمعن إليها، وثمة بورتريهات لأولغا، وباولو ولبيكاسو نفسه. فيما تضم الصالة التاسعة 26 لوحة ومنحوتة تتمحور غالبيتها على ثيمة الصلب التي استلهمها من الرسّام الألماني ماتياس غرونيفالت، وثمة لوحات أخرى لنساء يعزفن المزمار.
أما الصالة العاشرة والأخيرة التي تحتوي على 14 عملاً فنياً فتدور حول فكرتي الغرق والإنقاذ التي استوحاها من عشيقته ماري - تيريز التي سبحت في مياه المارن الملوثة وفقدت شعرها الأشقر لتنتهي سنة العجائب نهاية كارثية. وفي عام 1935 سوف تحمل ماري - تيريز من بيكاسو وتنجب له بنتاً أسمياها مايا ستضع حداً لعلاقته الزوجية مع أولغا التي غادرت مع ابنها باولو إلى الجنوب من دون أن تُطلّق منه لأن القانون الفرنسي كان يقضي بمنح نصف ثروته لزوجته حال وقوع الطلاق.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.