ارتفاع عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود الأردنية ـ السورية إلى 300%

قائد قوات الحرس الأردنية: ضبطنا 581 شخصا من مختلف الجنسيات حاولوا التسلل إلى سوريا

 موجة نزوح للاجئين السوريين عبر الحدود الأردنية («الشرق الأوسط»)
موجة نزوح للاجئين السوريين عبر الحدود الأردنية («الشرق الأوسط»)
TT

ارتفاع عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود الأردنية ـ السورية إلى 300%

 موجة نزوح للاجئين السوريين عبر الحدود الأردنية («الشرق الأوسط»)
موجة نزوح للاجئين السوريين عبر الحدود الأردنية («الشرق الأوسط»)

يلمس الزائر إلى الحدود الأردنية - السورية حجم معاناة اللاجئين السوريين الذي يصلون إلى الحدود الأردنية ضمن نقاط عبور غير شرعية وتكبدهم للمال والجهد وتعرضهم لخطر الموت أحيانا. في المنطقة الشرقية الشمالية وعلى الحدود الأردنية - السورية من جهة مدينة الرويشد (260 كم عن عمان) الواقعة على الطريق المؤدي إلى العراق، تعمل قيادة حرس الحدود الأردنية بالتعاون مع المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة على استقبال اللاجئين السوريين الفارين من جحيم المعارك التي تشهدها بلادهم.
وفي جولة نظمتها القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية لوسائل الإعلام العربية والأجنبية، كانت «الشرق الأوسط» منهم، للاطلاع على ما تقوم به قيادة حرس الحدود الأردنية من جهود لاستقبال هؤلاء اللاجئين منذ دخول الساتر الترابي الذي يفصل الحدود عن بعضها البعض وتأمين الأطفال والمرضى ومساعدتهم ونقلهم إلى مركز إيواء في الخطوط الخلفية من الحدود.
وقال قائد قوات حرس الحدود الأردنية العميد حسين الزيود إن الواجب الأساسي لحرس الحدود هو «حماية الأردن من كل عمليات تسلل الأشخاص أو تهريب الأسلحة والمخدرات».
وأضاف في مؤتمر صحافي نظم داخل خيمة وسط الصحراء جرى نصبها لهذه الغاية أن نسب عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود الأردنية - السورية ارتفعت إلى 300 في المائة العام الجاري مقارنة بالعام الماضي.
وأضاف الزيود أن نسبة عمليات التسلل للأفراد عبر الحدود الأردنية - السورية ارتفعت إلى 250 في المائة عن العام الماضي.
وأوضح أن حرس الحدود ضبطت نحو 900 قطعة سلاح من مختلف الأنواع غالبيتها مقبلة من سوريا إلى الأردن خلال العام الجاري، مشيرا إلى أن «غالبية حالات تهريب السلاح تأتي من سوريا، لكن حصل الكثير من حالات التهريب من الأردن إلى سوريا جرى ضبط الأفراد مع أسلحتهم من جنسيات مختلفة».
أما بشأن عدد الأفراد الذين جرى تهريبهم للأردن فبلغوا 1595 فردا، فيما أحبطت السلطات، وفقا للزيود، عمليات تسلل من الأردن إلى سوريا جرى خلالها ضبط 581 شخصا من مختلف الجنسيات جرت إحالتهم للجهات المختصة.
إلى ذلك، قال الزيود إن عدد اللاجئين الذين عبروا منذ بداية الأزمة السورية إلى الأراضي الأردنية بلغ 427 ألف لاجئ سوري من خلال النقاط غير الشرعية البالغة 45 نقطة عبور على طول الحدود البالغة 375 كيلومترا.
وأشار إلى أن قوات حرس الحدود أحبطت تهريب ما يزيد على 6 ملايين حبة مخدرة، و24 سيارة من الأردن إلى سوريا، وكذلك 90 ألف رأس من الغنم من سوريا إلى الأردن.
وقال العميد الزيود إن «الأردن سيواجه بقوة وحزم محاولات إدخال الأسلحة من سوريا إليه، أو استخدامها داخل الأراضي الأردنية، أو في اتجاه الدول المجاورة».
وكشف العميد الزيود لـ«الشرق الأوسط» عن وجود تعاون بين القوات المسلحة الأردنية و«الجيش الحر»، في الجانب الإنساني للاجئين السوريين، في الوقت ذاته نفى أن يكون هناك تعاون أو اتصال مع الجيش السوري النظامي.
كما تحدث العميد الزيود عن الواجب الإنساني الذي تضطلع به قوات حرس الحدود تجاه اللاجئين، وعمليات استقبالهم وتقديم الخدمات اللازمة لهم، مشيرا إلى أن هذه النقطة الحدودية في منطقة «الحدلات» (70 كيلومترا شمال غربي الرويشد) تستقبل من 500 إلى 600 لاجئ من مختلف الأعمار.
وأكد أن حدود بلاده لا تزال مفتوحة أمام اللاجئين السوريين وأن هناك عمليات عبور يوميا لهم لهذه الحدود، منوها بأن عدد اللاجئين الذين يصلون الأردن يعتمد على طبيعة الوضع الأمني في الجانب السوري، حيث إن عمليات العبور في مناطق الحدود الغربية ضعيفة بسبب الوضع الأمني هناك والاشتباكات التي تقع بين الجانبين.
من جانب آخر قال مصدر مطلع إن الأردن حصل على رادارات ليلية متطورة من الولايات المتحدة الأميركية تستطيع اكتشاف أي حالة تسلل عبر الحدود بعمق 45 كيلومترا، خاصة أن الأردن لديه أجهزة رؤية ليلة تكشف الأشياء المتحركة على بعد 20 كيلومترا. وعندما وصلنا إلى الحدود التي لم يفصلنا عنها سوى ساتر ترابي أقامته القوات المسلحة الأردنية بارتفاع متر تقريبا وباستطاعة أي إنسان اجتيازه دون معاناة، عبر نحو 200 لاجئ من مختلف الأعمار، حيث كانت مجموعة من الجنود الأردنيين تقوم بمساعدتهم، خاصة الأطفال منهم، وقدموا لهم المياه والبسكويت التي تسد رمق جوعهم، حيث بدا الإرهاق والتعب والجوع والعطش عليهم، خاصة كبار السن.
وقال خليل (أبو محمد) حيث رفض ذكر اسمه الكامل لدواع أمنية: «لقد حضرت مع أفراد أسرتي من بلدة نصيب على الحدود مع الأردن في رحلة استغرقت 7 ساعات بواسطة مهربين». وأضاف: «لقد وصلنا إلى بلدة نصيب من مدينة إدلب (شمال) من أجل العبور إلى الأردن ولم نستطع، وانتظرنا فيها ثلاثة أيام حيث قام الجيش الحر بمساعدتنا في الإيواء وتقديم الغذاء».
وقال: «لقد دفعت لأحد المهربين 60 ألف ليرة سورية من أجل نقلنا إلى هذه المنطقة بالتعاون مع الجيش الحر، حيث استغرقت الرحلة 7 ساعات في البرد والمطر والجوع والعطش».
وأشار أبو محمد إلى أنه نجا من الموت أكثر من مرة جراء قصف الطيران لمدينة إدلب، «وأصبحت الحياة في المدينة لا تطاق بسبب فقدان الأمن الشخصي، وأصبحنا لا نعرف عدونا من صديقنا لكثرة التنظيمات المسلحة والحواجز الطيارة التي تقام على الطرقات». وعندما سئل هل يعرف أين سيذهب؟ رد بعفوية: «إلى مخيم الزعتري حيث الأمن والمنظمات الإنسانية التي تقوم على تقديم المساعدات حتى تفرج». أما مطيعة، وهي عجوز (80 سنة) قدمت من الغوطة الشرقية مع ابنها المعاق، فقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها خرجت من بيتها بعد أن جرى تدميره كليا وأصبحت دون مأوى واستغرقت أربعة أيام على الطريق حتى وصلت إلى الحدود بمساعدة الجيش الحر.
أما أم عبد الله وهي أم لخمسة أطفال حضرت من حمص فقالت: «دمرت البناية التي نسكن فيها بعد أن قصفت المدينة أكثر من مرة بالطيران الحربي، لقد تكبدنا معاناة كبيرة في رحلة الوصول إلى الحدود، لقد عانينا من البرد ومن العطش ومن الجوع.. نأمل أن تحل مشكلتنا حتى نعود إلى بلدنا مرة أخرى».
ولم يختلف الحال كثيرا عن أم مالك وهي أم لأربعة أبناء جاءوا ضمن اللاجئين السوريين، حيث قالت: «إننا شاهدنا الموت بأعيننا.. فأنا وأبنائي لم نأكل منذ ثلاثة أيام خلال هذه الرحلة الشاقة التي مررنا بها». أما محمود، القادم من حمص، فقد أبلغ «الشرق الأوسط» أنه من المنطار في حلب، وهو من المطاردين، «واستغرقت رحلة الوصول إلى الحدود نحو أربعة أيام رأيت الموت أمامي أكثر من مرة، والحمد لله الآن أصبحت في أمان بعد أن عبرت إلى الأردن. وكان القوات المسلحة أحضرت سيارات ذات الدفع الرباعي لاجتياز الصحراء وقد استغرقت الرحلة من الرويشد إلى المنطقة الحدودية نحو ساعتين عشنا خلالها تقلبات الطقس من مغبر إلى ماطر غزير وإلى تشكل الفيضانات والسيول، حيث تعطلت أربع سيارات ذات الدفع الرباعي بسبب الرمال المتحركة والوحل، حيث جرى استدعاء ناقلة جنود مجنزرة عملت على إخلاء هذه السيارات وسحبها من المنطقة الموحلة، وتأخرنا في المكان ساعة و22 دقيقة حتى وصلنا الساعة التاسعة مساء بالتوقيت المحلي إلى مدينة الرويشد، حيث كانت الحافلات بانتظارنا لنقلنا إلى عمان في رحلة شاقة عانى فيها الزملاء الصحافيون من التعب والإرهاق».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.