برامج تلفزيونية تدخل حمّى الانتخابات النيابية كلٌّ على طريقته

استُحدثت على الشاشة الصغيرة مواكبةً للمناسبة

رئيس الحكومة سعد الحريري مفتتحاً الحلقة الأولى من برنامج «لوين واصلين؟» مع مقدته ديما صادق
رئيس الحكومة سعد الحريري مفتتحاً الحلقة الأولى من برنامج «لوين واصلين؟» مع مقدته ديما صادق
TT

برامج تلفزيونية تدخل حمّى الانتخابات النيابية كلٌّ على طريقته

رئيس الحكومة سعد الحريري مفتتحاً الحلقة الأولى من برنامج «لوين واصلين؟» مع مقدته ديما صادق
رئيس الحكومة سعد الحريري مفتتحاً الحلقة الأولى من برنامج «لوين واصلين؟» مع مقدته ديما صادق

هي برامج تلفزيونية بالجملة استُحدثت قبل موعد إجراء الانتخابات النيابية بنحو الشهرين، ليصح القول فيها إنها «بزنس» من نوع آخر. فكما «دق الجرس» الذي يعرض مساء كل أحد على شاشة تلفزيون «إم تي في»، كذلك برنامج «سيد نفسه» الذي يعرض مساء الأربعاء من كل أسبوع على قناة «الجديد». أمّا المؤسسة اللبنانية للإرسال فحقّقت نقطة إضافية في هذا الصدد عندما استحدثت برنامجين جديدين على شاشتها أحدهما يحمل عنوان «تحصيل حاصل» والآخر «لوين واصلين؟»، ويعرضان مساء الخميس من كل أسبوع. فيما لجأت قناة «المستقبل» إلى محطة يومية تواكب هذا الحدث تحت عنوان «انتخابات نيابية 2018». من ناحيته لم يفوت «تلفزيون لبنان» صاحب الخطوات البطيئة في تحديث برامجه، هذه الفرصة، إذ باشر هو أيضاً في عرض برنامج «انتخابات 2018»، ابتداءً من 9 الجاري حتى 4 مايو (أيار)، ليستضيف كما أعلن وزير الإعلام ملحم رياشي، كل المرشحين الرّاغبين في الترويج لحملاتهم الانتخابية مجاناً وبالتنسيق مع هيئة الإشراف على الانتخابات.
وبذلك استطاع معظم الشّاشات المحلية استقطاب شرائح مختلفة من المشاهدين الذين سيختارون البرنامج التلفزيوني الجاذب ووقت بثّه المناسب لهم. وفي الوقت عينه، سيتاح لهذه الشرائح التنقل من شاشة إلى أخرى بواسطة جهاز التحكم الذي باستطاعته أن يخطف اهتمام مشاهد من محطة ما إلى أخرى في ظرف ثوانٍ قليلة في حال أصابه الملل من مشاهدة برنامج معين.
ويعد «دق الجرس» الذي أطلقته شاشة «إم تي في» في أواخر فبراير (شباط) الماضي، أحد البرامج التي حققت نجاحاً واسعاً بعد أن كان السباق في تناول المرشحين للانتخابات النيابية في قالب جديد، تم استيحاؤه من آخر فرنسي ساهم في رفع شعبية الرئيس الفرنسي ماكرون عندما أطل فيه قبيل موعد الانتخابات الرئاسية في فرنسا. ويجري خلاله عدد من تلامذة المدارس الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و12 سنة، مقابلة شخصية سياسية أو عامة، يطرحون عليها أسئلة تدور حول حياتهم الخاصة وإنجازاتهم وأدائهم في مهنتهم، وما إلى ذلك من أسئلة تراود عادةً ذهن المشاهد، ويتمنّوا أن يلاقوا جواباً شافياً لها من قبل هذه الشخصية أو تلك. وفي النسخة اللبنانية من «دق الجرس» تم إعداد صف مدرسة مماثل للتركيبة اللبنانية، يجتمع تحت سقفه تلامذة مدارس من مختلف المناطق والطوائف اللبنانية ومن خلفيات اجتماعية وثقافية متباينة. وكان رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري قد افتتح أولى حلقات هذا البرنامج ليتلوه بعدها عدد من السياسيين أمثال مروان حمادة وجبران باسيل وعناية عز الدين وإيلي الفرزلي وسامي الجميل.
ومن موقع الإعلامية التي تعرف خبايا المجتمع السياسي وكواليسه في لبنان، تنطلق سمر أبو خليل في تقديم برنامجها الحواري «سيد نفسه» على قناة «الجديد» الذي يصبّ أيضاً في مصلحة المرشحين إلى النيابة، ويروّج لهم من خلال إلقاء الضوء على وجههم الإنساني والاجتماعي الذي قلّما يتم التطرق إليه في البرامج التلفزيونية الحوارية. فهذه الأخيرة عادةً ما تستضيفهم ليتحدثوا في الأمور السياسية وبالكاد تتناول حياتهم الشخصية.
وفي «انتخابات نيابية 2018» الذي يعرض يومياً على شاشة «المستقبل»، يطل علينا برنامج يتناول الانتخابات النيابية بامتياز، بحيث يحاور مقدموه مهى ضاهر وشربل عبود ضيوفهما من إعلاميين وسياسيين ومحللين إضافة إلى خبراء، ليضعوا المشاهد على بيّنة من طبيعة عملية الانتخابات النيابية بقانون النسبية.
وفي الإطار نفسه وإثر مغادرة الإعلامي مارسيل غانم قناة «إل بي سي آي» لينتقل إلى أخرى (إم تي في)، وكي لا يُحدث توقف برنامجه «كلام الناس» فراغاً على شبكة برامج «المؤسسة اللبنانية للإعلام» بعدما كان يحصد نسبة مشاهدة عالية مساء كل خميس، قرّرت إدارة «إل بي سي آي» استحداث برنامجين تلفزيونيين مرة واحدة للحفاظ على مشاهديها من ناحية ولمواكبة موسم الانتخابات النيابية على طريقتها من ناحية ثانية. ويحمل البرنامج الأول الذي يقدمه هشام حداد اسم «تحصيل حاصل» الذي يدفع المشاهد إلى دخول عملية الانتخابات النيابية عن معرفة، بحيث يشرح بإسهاب طبيعة القانون الانتخابي الجديد (قانون النسبية)، كما يعرّفه أيضاً من خلال استضافته نماذج مختلفة من الشباب اللبناني والمسؤولين عن الأحزاب وعن الرؤية المستقبلية التي يتطلعون إليها في هذا المجال. وعلى الرّغم من أنّ حداد اشتهر في تقديم برامج وأعمال سينمائية ومسرحية كوميدية ساخرة، فإنه استطاع أن يحقّق نقلة نوعية في هذا البرنامج بعد أن تحوّل من التهريج إلى الجدية في الحوار، مستخدماً حنكته وخفة ظله لكسر الرتابة التي عادةً ما تسود هذا النوع من البرامج التوعوية ذات الطابع السياسي. وردّ حداد على الذين شنوا هجوماً عليه وانتقدوا حلوله مكان مارسيل غانم، أحد أهم مقدمي الـ«توك شو» السياسية على الشاشة اللبنانية، بأنّه لا يحل محل أحد، وبأنّ البرنامج يتألف من 4 حلقات فقط تُعرض على مدى 4 أسابيع، وبأنّه يعنى بالانتخابات وبمعاركها في مختلف المناطق. وأضاف حداد: «البرنامج ليس كوميدياً، ومن يعرفني جيداً يعرف أنّ السياسة مهنتي بقدر الكوميديا (إذا مش أكتر)». وتابع: «ما حدا يسب هلق وينتقد ولا حدا معقد يعمل ريتويت لناس عم تسبني... حضروا الخميس واحكموا».
وفي «لوين واصلين؟» الذي يندرج على لائحة البرامج الحوارية السياسية، ولكن بقالب عفوي وطرح جديد وكاميرا سريعة، يتابع المشاهد وعلى الشاشة نفسها (إل بي سي آي) في ساعة متأخرة من مساء الخميس، لقاءات مع شخصيات سياسية مطبوعة بالتلقائية السائدة ما بين مقدمته ديما صادق وضيفها. وكان الإعلان عن عرض هذا البرنامج في حلقته الأولى التي تستضيف سعد الحريري، قد قوبل بحملة على المؤسسة اللبنانية للإرسال تتهمها بسرقته من آخر أميركي بعنوان «carpool karaoke» لمقدمه جايمس كوردن، من دون الحصول على الحقوق الرسمية لملكيته الفكرية. إلا أنّ الرّد جاء واضحاً من مقدمته التي غرّدت على حسابها الخاص على موقع «تويتر» تقول: «الحلقة ستُعرض في موعدها (مساء الخميس)، وإنّ كل ما قيل عن منع عرض الحلقة لن يصل إلى نتيجة. فهو ليس نسخة سياسية من البرنامج الفني (carpool karaoke)، فالضيف لا يغني ومن هنا تنطلق قناة (إل بي سي آي) بموقفها القوي قضائياً».
وتقف صادق وراء إنتاج هذا البرنامج إلى جانب الإعلامي سلام الزعتري. وتردّد بأنّه لم يكن معداً لعرضه على شاشة تلفزيونية بل على مواقع التواصل الاجتماعي، وبأنّه يأتي من ضمن سلسلة مشاريع يعدّها الزعتري المعروف عنه تشجيعه للانتقال إلى عصر برامج «أونلاين».



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.