«مرتزقة» روس يطيرون سراً على «أجنحة الشام» إلى سوريا

يقتحمون مناطق المعارضة قبل دخول قوات النظام لرفع العلم الرسمي

جندي في جيش النظام يسير وسط الدمار في الغوطة الشرقية لدمشق (أ.ف.ب)
جندي في جيش النظام يسير وسط الدمار في الغوطة الشرقية لدمشق (أ.ف.ب)
TT

«مرتزقة» روس يطيرون سراً على «أجنحة الشام» إلى سوريا

جندي في جيش النظام يسير وسط الدمار في الغوطة الشرقية لدمشق (أ.ف.ب)
جندي في جيش النظام يسير وسط الدمار في الغوطة الشرقية لدمشق (أ.ف.ب)

في ركن منزوٍ بصالة المغادرة بمطار روستوف جنوب روسيا اصطف نحو 130 رجلاً، يحمل كثير منهم حقائب مكدسة شبيهة بالحقائب التي يحملها الجنود، أمام أربعة مكاتب لفحص أوراق السفر، وتحت شاشات لم تظهر عليها أي أرقام للرحلات الجوية أو وجهات السفر.
وعندما سأل أحد مراسلي «رويترز» الرجال عن وجهتهم، قال أحدهم: «وقّعنا على ورقة... لا يُسمح لنا بالحديث. في أي لحظة سيأتي المدير ونواجه مشكلة». وأضاف محذراً: «وأنت أيضاً».
كانت الطائرة «إيرباص إيه 320» المستأجرة التي تنتظر على مدرج المطار قد هبطت للتو قادمة من العاصمة السورية دمشق، ونزل منها نحو 30 رجلاً في منطقة الوصول المهجورة إلى حد بعيد. وكان معظمهم يرتدي الزي المموه وأحذية الصحراء الكاكي. وكان بعضهم يحمل حقائب من السوق الحرة في مطار دمشق.
وكشف تحقيق «رويترز» في أمر شبكات الدعم اللوجيستي لقوات الحكومة السورية، عن أن هؤلاء الرجال متعاقدون عسكريون روس، وهم أحدث مجموعة يتم نقلهم ضمن رحلات جوية سرية باستخدام طائرات مدنية لنقل الدعم العسكري للرئيس السوري بشار الأسد في حربه المستمرة منذ سبع سنوات ضد المعارضة.
لم تكن الطائرة الإيرباص التي نقلت هؤلاء سوى واحدة من عشرات الطائرات التي كانت في السابق مملوكة لشركات طيران أوروبية وأميركية، ثم جرى نقلها عبر شبكة من الشركات الوسيطة إلى شركات طيران شرق أوسطية تخضع لعقوبات الولايات المتحدة، وهي تحركات تقول واشنطن، إنها تساعد سوريا في تجاوز العقوبات.
والرحلات الجوية من وإلى روستوف، التي لم توثقها أي منظمة من قبل، يجري تشغيلها من قبل شركة «أجنحة الشام»، وهي شركة طيران سورية فرضت عليها عقوبات أميركية عام 2016 زعم أنها تنقل مقاتلين موالين للأسد إلى سوريا وتساعد المخابرات العسكرية السورية على نقل أسلحة ومعدات. ولا تظهر الرحلات، التي غالباً ما تهبط في ساعات متأخرة من الليل، في جداول الرحلات الجوية بالمطارات، وتقلع من دمشق أو من مدينة اللاذقية التي تضم قاعدة عسكرية روسية.
وتكشف العملية الثغرات في نظام العقوبات الأميركية الذي يستهدف حرمان الأسد وحلفائه في الحرس الثوري الإيراني وجماعة «حزب الله» من الرجال والعتاد الذي يحتاجونه لحملتهم العسكرية.
كما تقدم صورة عن الأساليب المستخدمة لإرسال متعاقدين عسكريين روس إلى سوريا، وهو أمر يصر الكرملين على إنكاره تماماً. ويقول مسؤولون روس، إن وجود موسكو في سوريا يقتصر على الضربات الجوية وتدريب القوات السورية، وأعداد محدودة من جنود القوات الخاصة. وراقب مراسلو «رويترز» مطار روستوف، وسجلوا الرحلات غير العادية باستخدام بيانات تتبع الطيران المتاحة للجمهور وبحثوا في سجلات ملكية الطائرات، وأجروا عشرات المقابلات، منها مقابلة بأحد المطاعم الفاخرة مع جنرال سابق بالبحرية السوفياتية أدرجت الحكومة الأميركية اسمه على القائمة السوداء.
وعندما سئل متحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الرحلات الجوية وأنشطة المتعاقدين العسكريين الروس في سوريا، أحال «رويترز» إلى وزارة الدفاع التي لم ترد على الأسئلة. كما لم ترد الحكومة السورية أيضاً على الأسئلة.
ورداً على أسئلة «رويترز» المفصلة، اكتفت شركة «أجنحة الشام» بالقول، إن المعلومات عن وجهات رحلاتها متاحة في موقعها على الإنترنت. ولا يرد ذكر الرحلات إلى روستوف على الموقع الإلكتروني. لكن الرحلات تظهر في قواعد بيانات تتبع الرحلات على الإنترنت. وتتبع المراسلون الرحلات الجوية بين مطار روستوف وسوريا من 5 يناير (كانون الثاني) 2017 إلى 11 مارس (آذار) 2018. وخلال تلك الفترة، سيّرت شركة «أجنحة الشام» 51 رحلة ذهاب وعودة، مستخدمة في كل مرة طائرات «إيرباص إيه 320» التي يمكن أن تقل ما يصل إلى 180 راكباً.
والخسائر العسكرية في صفوف الجيش الروسي قضية حساسة في روسيا، حيث لا تزال ذكريات العمليات في الشيشان وأفغانستان التي استمرت سنوات حاضرة في الأذهان. ويشتبه أصدقاء وأقارب المتعاقدين في أن موسكو تستخدم مقاتلين بشكل خاص في سوريا؛ لأنها بهذه الطريقة تستطيع نشر مزيد من الأفراد على الأرض دون المخاطرة بأرواح الجنود النظاميين الذين يتعين رصد وإعلان وفياتهم.
وقالت السلطات الروسية، إن 44 من الجنود الروس قتلوا في سوريا منذ بدء العملية هناك في سبتمبر (أيلول) 2015. وتفيد قائمة «رويترز» التي تستند إلى تقارير من عائلات وأصدقاء القتلى ومسؤولين محليين، بأن 40 متعاقداً خاصاً على الأقل قتلوا بين يناير وأغسطس (آب) 2017 فحسب.
وأقلع أحد المتعاقدين، الذي قتل في سوريا، من روسيا في موعد يتزامن مع واحدة من الرحلات الليلة الغامضة من روستوف حسبما أفادت أرملته. وأشارت شهادة الوفاة التي أصدرتها القنصلية الروسية في دمشق إلى أن سبب الوفاة «نزيف حاد ناجم عن شظايا وجروح من طلقات رصاص».

منع الوصول إلى الطائرات
من أجل الحفاظ على حملته العسكرية ضد المعارضة، يحتاج الأسد وحلفاؤه روسيا وإيران و«حزب الله»، إلى الطائرات المدنية لإدخال الرجال والإمدادات. وحاولت واشنطن حرمانهم من ذلك من خلال فرض قيود تصدير على سوريا وإيران تجسدت في إدراج وزارة الخزانة شركات الطيران في البلدين على القائمة السوداء. كما أدرجت الوزارة في القائمة شركات عدة خارج سوريا متهمة إياها بلعب دور الوسيط. وقال جون سميث، مدير مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية في شهادة أمام لجنة بالكونغرس خلال نوفمبر (تشرين الثاني): «هذه الإجراءات تظهر عزمنا على استهداف أي شخص يمكّن الأسد ونظامه».
في السنوات الأخيرة، جرى تسجيل عشرات الطائرات في أوكرانيا ضمن شركتين، هما «خورس» و«دارت»، اللتان أسسهما قائد سابق بالبحرية السوفياتية واثنان من رفاقه العسكريين السابقين، وفقاً لسجل الطائرات الوطني الأوكراني. وأفادت بيانات تتبع الرحلات الجوية، بأن هذه الطائرات بيعت أو استؤجرت بعد ذلك، وانتهى بها الأمر للعمل في شركات طيران إيرانية وسورية.
وفرضت وزارة التجارة الأميركية عقوبات على شركة «خورس» وعلى سيرغي تومتشاني، وهو ميجر سابق بالبحرية منذ عام 2011 فيما يتصل بمزاعم تصدير طائرات لإيران وسوريا دون الحصول على ترخيص من واشنطن.
وأفادت المعلومات التي جمعتها «رويترز» من سجلات الطائرات الوطنية، بأنه في السنوات السبع الماضية، تمكنت «خورس» و«دارت» من الحصول على 84 طائرة مستعملة من طراز «إيرباص» و«بوينغ» أو استئجارها عن طريق نقل الطائرات عبر كيانات لا تشملها العقوبات. وتفيد بيانات من ثلاثة مواقع تتتبع رحلات الطيران، وتظهر مسارات الطيران ونداءات الاتصال للشركات التي تشغلها، بأنه من بين هذه الطائرات، جرى استخدام ما لا يقل عن 40 طائرة في إيران وسوريا والعراق.
وفي سبتمبر، أضافت وزارة الخزانة الأميركية شركتي «خورس» و«دارت» إلى القائمة السوداء للعقوبات، قائلة إنهما تساعدان شركات الطيران الواقعة تحت طائلة العقوبات على شراء الطائرات الأميركية الصنع. ونفت الشركتان وكذلك تومتشاني «ارتكاب» أي مخالفات تتعلق بتزويد طائرات إلى كيانات خاضعة للعقوبات. وأظهرت تواريخ ملكية بعض الطائرات التي تتبعتها «رويترز» كيف يمكن تجاوز القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على الإمدادات لشركات الطيران الإيرانية والسورية. وبينما تنتقل الملكية من بلد إلى آخر، تخفي الأدلة الورقية المعقدة هوية الأطراف الضالعة في شراء سوريا للطائرات.
ووفقاً لسجل الطائرات الآيرلندي، فإن إحدى طائرات «أجنحة الشام» وهي من طراز «إيرباص إيه 320» قامت بالرحلة من روستوف إلى سوريا، مملوكة لشركة «آي إل إف سي آيرلندا المحدودة»، وهي شركة تابعة لشركة «إيركاب» ومقرها دبلن، وهي واحدة من أكبر شركات تأجير الطائرات في العالم. وقال متحدث باسم هيئة الطيران الآيرلندية التي تدير السجل، إن الطائرة حذفت من السجل الآيرلندي في يناير 2015.
وخلال الشهرين التاليين، اختفت الطائرة، التي كانت تحمل رقم التعريف «إي آي – دي إكس واي» من سجلات وطنية قبل أن تظهر في سجل الطائرات في أوكرانيا. ويذكر السجل الأوكراني، أن المالك الجديد للطائرة هي شركة «جريشام للتسويق المحدودة» المسجلة في الجزر العذراء البريطانية.
ووفقاً لوثائق خاصة بالشركة تسربت من مؤسسة «موساك فونسيكا» في بنما، يملك الشركة أوكرانيان، هما فيكتور رومانيكا ونيكولاي سافرتشينكو. وتظهر سجلات الأعمال الأوكرانية أنهما مديران لأعمال محلية صغيرة. وقال رومانيكا عند الاتصال به هاتفياً، إنه لا يعرف شيئاً، قبل أن ينهي المكالمة. أما سافرتشينكو فلم يتسن الاتصال به عبر الهاتف ولم يرد على رسالة أرسلت على عنوانه المسجل.
ويشير سجل الطائرات الأوكراني إلى أن شركة «جريشام» أجّرت الطائرة «إي آي – دي إكس واي» إلى شركة «دارت» في مارس 2015، وجرى تغيير رقم التعريف إلى رقم أوكراني هو «يو آر – سي إن يو». وأظهر السجل أن «خورس» أصبحت الشركة المشغلة للطائرة في 20 أغسطس 2015. وذكر ممثل عن هيئة الطيران الحكومية الأوكرانية، أن السجل ليس الهدف منه هو التأكيد الرسمي للملكية، لكن لم ترد أي شكاوى بشأن دقة المعلومات.
ووفقاً لبيانات من مواقع تتبع الرحلات فمن أبريل (نيسان) في ذلك العام، كانت شركة «أجنحة الشام» هي التي تسير الطائرة. ولم ترد جيليان كولهان، المتحدثة باسم شركة «إيركاب» التي كانت شركتها الفرعية تملك الطائرة في عام 2015، على أسئلة مكتوبة كما لم ترد على مكالمات هاتفية متكررة تطلب التعليق على ما تعرفه «إيركاب» بشأن المالكين والمشغلين اللاحقين للطائرة. ولم ترد «دارت» و«خورس» على أسئلة متعلقة بتلك الطائرة بعينها.
ويقول أربعة محامين متخصصين في قواعد التصدير الأميركية، إن الصفقات التي تشمل طائرات ينتهي بها الأمر في إيران أو سوريا تنطوي على مخاطر كبيرة للشركات الغربية التي تورّد الطائرات أو المعدات. وقال المحامون، إنه حتى لو لم تكن لديهم تعاملات مباشرة مع كيان تحت طائلة العقوبات، فإن الشركات التي تقدم الطائرات يمكن أن تواجه عقوبات أو قيودا تفرضها الحكومة الأميركية. لكنهم ذكروا أن المسؤولية القانونية على صانعي الطائرات مثل «بوينغ» و«إيرباص» محدودة؛ لأن التجارة تشمل طائرات من الدرجة الثانية عمرها أكثر من عشرين عاماً بوجه عام، كما أن الطائرات مرّت على قائمة طويلة من المالكين قبل أن ينتهي بها الأمر في أيدي شركات تحت طائلة العقوبات.
وقال اثنان من المحامين بينهما إدوارد كراولاند، المحامي بمؤسسة «ستيبتو أند جونسون»، إن قواعد التصدير الأميركية تسري بشكل صريح على طائرات «بوينغ»؛ لأنها صنعت في الولايات المتحدة. لكن يمكن أن تسري أيضاً على طائرات «إيرباص» لأنه في كثير من الأحيان تكون نسبة كبيرة من قطع الطائرة من أصل أميركي.
وقالت «بوينغ» في بيان: «صفقات الطائرات الموصوفة في تحقيقكم لا تشمل شركة (بوينغ). تطبق (بوينغ) برنامجاً صارماً للرقابة على التجارة والامتثال للعقوبات». وقال متحدث باسم «إيرباص»: «إن (إيرباص) تحترم تماماً جميع المتطلبات القانونية المعمول بها فيما يتعلق بالمعاملات مع الدول التي تخضع لعقوبات الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة».

رحلات إلى حرب
عندما أرسلت «رويترز» سلسلة من الأسئلة إلى شركتي «خورس» و«دارت» حول أنشطتهما، اتصل تومتشاني، الميجر السابق بالبحرية، بالمراسلة في غضون دقائق. وقال، إنه لم يعد مساهماً في أي من الشركتين، لكنه يعمل مستشاراً لهما، وإن الأسئلة أحيلت إليه. ودعا تومتشاني المراسلة للقاء في اليوم التالي في مطعم فيلور الراقي في كييف. وخلال الاجتماع الذي استمر 90 دقيقة، نفى تومتشاني تقديم طائرات إلى إيران أو سوريا. وقال إنه بدلاً من ذلك، قدمت «خورس» و«دارت» الطائرات لأطراف ثالثة، رفض تحديد هوياتها. وقال إن تلك الأطراف الثالثة قدمت الطائرات للمستخدمين النهائيين. وقال تومتشاني، وهو رجل عسكري الطباع في أواخر الخمسينات من العمر بينما كان يحتسي شاي الأعشاب: «لم نزود إيران بطائرات... ليست لدينا صلة بتقديم طائرات لشركة (أجنحة الشام)». وأضاف، إنه لم يكن من الممكن أن تبيع «خورس» و«دارت» أو تؤجر طائرات لـ«أجنحة الشام» لأنهما لا تملكان الطائرات.
وكان تومتشاني يخدم في وحدة بحرية تابعة للقوات المسلحة السوفياتية في فلاديفوستوك المطلة على ساحل روسيا على المحيط الهادي. وبعد استقالته من الجيش برتبة ميجر، أسس شركة «خورس» عام 1991 مع ضابطين آخرين في وحدته. وكسب تومتشاني وشريكاه رزقهم بتشغيل طائرات سوفياتية الصنع، بيعت بأسعار رخيصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وإرسالها إلى مناطق حرب.
وكانت «خورس» تنقل شحنات بضائع إلى أنغولا لصالح الحكومة الأنغولية ووزارة الدفاع ووكالات الإغاثة خلال حربها الأهلية. وقال تومتشاني، إن شركاته قامت أيضاً بتشغيل رحلات جوية في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003، حيث قامت بنقل متعاقدين أمنيين خصوصيين. وأظهر سجل الأعمال الأوكراني، أن تومتشاني لم يعد أحد المساهمين في خورس بعد يونيو (حزيران) 2010، وأنه تخلى عن اهتمامه بشركة «دارت» في مرحلة ما بعد أبريل 2011. وقال لـ«رويترز»، إنه باع حصته إلى «رجال أعمال كبار»، لكنه امتنع عن ذكر أسمائهم. غير أنه أضاف، أن الأشخاص المسجلين في سجل الأعمال باعتبارهم ملاك الشركتين لدى وقت المقابلة هم مجرد وكلاء. وكان أحد المالكين الذين وردت أسماؤهم في السجل مسؤولاً تنفيذياً متوسطاً في «خورس»، بينما كان أحدهم محاسباً يبلغ من العمر 81 عاماً ويعمل لدى شركات عدة في كييف.
ووفقا لسجل الأعمال، فإن صاحب 25 في المائة من «خورس» هو شخص يدعى فلاديمير سوشكوف. وكان العنوان المذكور له في السجل هو رقم 33، شارع إلكتريكوف في كييف. وهذا هو العنوان نفسه الوارد في وثائق المشتريات الحكومية الأوكرانية للوحدة العسكرية رقم (إيه 0515) التي تقع تحت إشراف مديرية المخابرات الرئيسية في وزارة الدفاع الأوكرانية.
وقال تومتشاني، إنه وسوشكوف يعرفان بعضهما بعضاً منذ فترة طويلة. وأضاف تومتشاني «لم يكن متخصصاً سيئاً... هو شاب صغير، لكنه ليس سيئاً». وقال، إنه يعتقد أن سوشكوف يعيش في روسيا.
ولم تتمكن «رويترز» من الاتصال بسوشكوف، وكان رقم الهاتف المسجل باسمه خارج الخدمة. وقال رئيس وكالة المخابرات الأوكرانية بالإنابة، أليكسي باكومينكو، لـ«رويترز»، إن سوشكوف لا يعمل هناك.
ولم تجد «رويترز» دليلاً على وجود أي صلة أخرى بين التجارة في الطائرات وجهاز المخابرات في أوكرانيا. وقالت المخابرات العسكرية الأوكرانية، إنها لا تعلم بإمداد سوريا بطائرات ولا صلة لها بنقل متعاقدين عسكريين من روسيا إلى سوريا، ولم تتعاون مع «خورس» و«دارت» أو «أجنحة الشام».

فاغنر
وفي 9 يناير من هذا العام، غيرت شركة «دارت» اسمها إلى «آلانا»، وأدرجت عنواناً ومؤسسين جدداً، وفقاً لسجل الأعمال الأوكراني. وفي الأول من مارس، أظهر السجل أن شركة جديدة هي «آلانا إير» سيطرت على أصول «آلانا» ومسؤولياتها، المتعاقدون يعودون في صناديق رغم أن موسكو تنفي إرسال متعاقدين عسكريين إلى سوريا، فإن الكثير من الناس يقولون إن ذلك غير صحيح. ومن بين هؤلاء عشرات من الأصدقاء وزملاء سابقون للمقاتلين وأفراد مرتبطون بالشركة التي تجند الرجال، وهي منظمة غامضة تعرف باسم «فاغنر» لا تملك أي مكاتب، ولا حتى لوحة نحاسية على أي باب.
ويقول أشخاص أجريت معهم مقابلات خلال هذا التحقيق، إن مؤسس هذه المنظمة هو ديمتري أوتكين، وهو ضابط سابق في المخابرات العسكرية. وكان أول دور قتالي للمنظمة في شرق أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين الذين تدعمهم موسكو. ولم تتمكن «رويترز» من الاتصال بأوتكين مباشرة. ورفضت رابطة قدامى المحاربين في النزاعات المحلية، التي تقول وسائل إعلام روسية، إن لديها علاقات مع أوتكين، نقل رسالة إليه، قائلة إنه لا صلة لها بمجموعة «فاغنر».
وقال يفغيني شاباييف، وهو زعيم محلي لمنظمة شبه عسكرية في روسيا على اتصال مع بعض الرجال، إن روسيا لديها ما بين 2000 و3000 متعاقد يقاتلون في سوريا. وفي معركة واحدة في فبراير (شباط) من هذا العام، قتل أو جرح نحو 300 متعاقد، حسبما أفاد طبيب عسكري ومصادر أخرى على علم بالأمر.
وقال مقاول عسكري روسي خاص شارك في أربع مهمات إلى سوريا، إنه وصل إلى هناك على متن طائرة تابعة لشركة «أجنحة الشام» من روستوف. وقال الرجل الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول فلاديمير، إن الرحلات كانت المسار الرئيسي لنقل المتعاقدين. وأضاف: إن المتعاقدين يستخدمون أحياناً الطائرات العسكرية الروسية، عندما لا تستوعب طائرات «أجنحة الشام» أعدادهم بالكامل.
وتحدث موظفان في مطار روستوف إلى «رويترز» عن الرجال في الرحلات الجوية الغامضة إلى سوريا. وقال موظف، ذكر أنه ساعد في إجراءات الصعود على متن الكثير من الرحلات الجوية السورية «على حد علمنا هم متعاقدون». وأشار إلى وجهتهم وحقيقة أنه لا توجد نساء بينهم وأنهم يحملون حقائب عسكرية على الظهر. وتحدث شريطة عدم نشر اسمه، قائلاً إنه غير مخول للتحدث إلى وسائل الإعلام.
ولم تتمكن «رويترز» من تحديد عدد الركاب الذين نقلوا بين روسيا وسوريا، ومن المحتمل أن بعض من كانوا على متن الرحلات لم يلعبوا أدواراً قتالية في سوريا. وقد يكون البعض نزل في دمشق ثم أقلع إلى وجهات أخرى خارج سوريا.
وتشير المقابلات التي أجريت مع أقارب متعاقدين قتلوا في سوريا، إلى أن رحلات الطائرات «إيه 320» إلى روستوف تستخدم لنقل متعاقدين عسكريين روس. وقالت أرملة أحد المتعاقدين الذين قُتلوا في سوريا، إن آخر مرة تحدثت فيها إلى زوجها عبر الهاتف كانت في 21 يناير من العام الماضي، وهو اليوم ذاته الذي سافرت فيه طائرة مستأجرة تتبع «أجنحة الشام» إلى سوريا، وفقاً لبيانات تتبع رحلات الطيران. وقالت المرأة التي سبق وزارت زوجها في معسكر تدريب للمتعاقدين في جنوب روسيا «اتصل مساء يوم 21... كان هناك رجال يتحدثون وصوت أجهزة اتصال لاسلكية. وبحلول يوم 22 لم يكن من الممكن الوصول إليه. ولم تصله سوى الرسائل النصية». وأضافت، إنه بعد أن قتل سُلمت جثته إلى روسيا. وحصلت على شهادة وفاة تفيد بأنه مات بسبب «نزيف حاد ناجم عن شظايا وجروح من طلقات رصاص».
ووصفت أرملتا متعاقدَين آخرَين قُتلا في سوريا، كيف وصلت جثتا زوجيهما إلى ديارهما. ومثل الأرملة الأولى، تحدثت المرأتان بشرط عدم نشر اسميهما. وقالتا، إن ممثلي المنظمة التي جندت زوجيهما حذروهما من العواقب إذا تحدثتا مع وسائل الإعلام. وقالتا، إن المتعاقدين سبق لهما الذهاب في مهمات قتالية. وأضافتا، إنهما حصلتا على شهادتي وفاة تفيدان بأن مكان الوفاة هو سوريا. واطلعت «رويترز» على الشهادتين. وكُتبت على إحدى الشهادتين، أن سبب الوفاة هو «تفحم الجسم» بمعنى أنه احترق حتى الموت. بينما أفادت الشهادة الثانية بأن المتعاقد نزف حتى الموت من جراح عدة بسبب شظايا.
ووصفت إحدى الأرملتين محادثات مع زوجها بعد عودته من أول مهمة له في سوريا. وقال لها، إن المتعاقدين الروس غالباً ما يرسلون إلى المناطق التي يحتدم فيها القتال، ويكونون أول من يدخل البلدات التي تتم السيطرة عليها. ثم تدخل قوات الحكومة السورية إلى البلدة وترفع العلم الرسمي السوري وتنسب النصر لنفسها.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.