مانديلا.. أيقونة النضال والتسامح

بدأ معركته ضد «الأبارتايد» مبكرا.. والتاريخ أنصفه بـ«نوبل» نظير مواقفه غير الانتقامية

مانديلا يلقي خطابا أمام 120 ألف مناصر لحزب المؤتمر الوطني لأفريقي في جوهانسبورغ في 13 مارس 1990 (أ.ب)
مانديلا يلقي خطابا أمام 120 ألف مناصر لحزب المؤتمر الوطني لأفريقي في جوهانسبورغ في 13 مارس 1990 (أ.ب)
TT

مانديلا.. أيقونة النضال والتسامح

مانديلا يلقي خطابا أمام 120 ألف مناصر لحزب المؤتمر الوطني لأفريقي في جوهانسبورغ في 13 مارس 1990 (أ.ب)
مانديلا يلقي خطابا أمام 120 ألف مناصر لحزب المؤتمر الوطني لأفريقي في جوهانسبورغ في 13 مارس 1990 (أ.ب)

قضى نيلسون مانديلا الذي توفي، أول من أمس (27 عاما) من عمره سجينا في عهد الفصل العنصري، قبل الانطلاق في مسيرة طويلة نحو الحرية تُوجت بتوليه رئاسة جنوب أفريقيا كأول رجل أسود البشرة يتبوأ هذا المنصب، وفوزه بجائزة نوبل للسلام لقاء مواقفه غير الانتقامية مع من كان يعارضهم.
وبذلك ظل على الدوام يُنظر إليه كأيقونة للنضال ضد نظام الفصل العنصري، ثم التسامح مع رموز هذا النظام. رحل مانديلا عن 95 عاما بعدما معاناة طويلة مع الالتهاب الرئوي.
شخصت أعين العالم على مانديلا في 11 فبراير (شباط) 1990 يوم خرج بهالة من البطولة بعد قرابة ثلاثة عقود قضاها وراء القضبان لمعارضته نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) المفروض من الأقلية البيضاء في البلاد، في واحدة من أكثر الصور المؤثرة في تلك الفترة. وبعد أربع سنوات، أصبح السجين رئيسا للجمهورية، مطلقا مسيرة مصالحة وطنية في جنوب أفريقيا من خلال إعادة الاعتبار للأكثرية السوداء في البلاد، وطمأنة البيض إزاء ما يخشونه، بسبب التغيير.
وقال مانديلا عند توليه الرئاسة في عام 1994: «ندخل في عهد لبناء مجتمع يكون فيه جميع مواطني جنوب أفريقيا، السود والبيض على السواء، قادرين على السير برؤوس شامخة من دون أن يعتصر قلوبهم أي خوف، مطمئنين إلى حقهم الثابت بالكرامة الإنسانية.. أمة قوس قزح بسلام مع نفسها والعالم».
كرم معهد نوبل مانديلا وسلفه الرئيس الأبيض فريديريك دو كليرك بجائزة نوبل للسلام لعام 1993. وأوضح الأسقف الأنجليكاني ديسموند توتو الحائز أيضا جائزة نوبل للسلام، في أحد تصريحاته، أن السنوات التي أمضاها مانديلا في السجن هي التي حولته إلى شخصية ملهمة. وقال: «لقد خرج من السجن شخصا أعظم بكثير مما كان لدى دخوله. خرج شخص يتحلى بالرحمة.. رحمة كبيرة حتى تجاه مضطهديه. لقد تعلم كيف يفهم هفوات البشر وضعفهم وأن يكون أكثر سخاء في حكمه على الآخرين».
وبفضل أسلوبه الذكي في النقد الذاتي وإنسانيته الواضحة، سحر مانديلا المعروف لدى محبيه باسم «ماديبا» الجماهير. وقد تكون من أكثر اللحظات التاريخية التي سيخلدها التاريخ في مسيرة مانديلا التصالحية هي احتساؤه الشاي مع أرملة مهندس نظام الفصل العنصري هندريك فيرفورد، وأيضا عند ارتدائه قميص فريق «سبرنغبوكس» للرغبي، كعربون تقدير للفريق الذي يضم في غالبيته لاعبين بيض البشرة، بعد فوزه بكأس العالم للرغبي في عام 1995.
وُلِد مانديلا، واسمه الأصلي روليهلالا داليبونغا مانديلا، في 18 يوليو (تموز) 1918، في قرية صغيرة تدعى مفيزو تابعة لمنطقة ترانسكاي، وتعد من أفقر مناطق جنوب أفريقيا. كان والده رئيس قبيلة، وتوفي عندما كان نيلسون لا يزال صغيرا، إلا أنه انتخب مكان والده، وبدأ إعداده لتولي المنصب عندما كان صغيرا. كان لوالد مانديلا أربع زوجات و13 طفلا (أربعة أولاد وتسع بنات). نيلسون هو ابن الزوجة الثالثة زوجة فاني نوسيكيني، حيث قضى في منزلها معظم طفولته المبكرة. في سن السابعة كان مانديلا أول عضو في عائلته ذهب إلى المدرسة، حيث أعطاه مدرسه اسم «نيلسون». توفي والده عندما كان نيلسون في التاسعة من عمره، وأصبح هو معيل إخوته.
بدأ مانديلا مبكرا معارضته لنظام الحكم في جنوب أفريقيا، الذي كان بيد الأقلية البيضاء، ذلك أن الحكم كان ينكر الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للأغلبية السوداء في البلاد. انضم في عام 1942 إلى المجلس الأفريقي القومي، الذي كان يدعو للدفاع عن حقوق الأغلبية السوداء.
كان مانديلا في البداية يدعو للمقاومة غير المسلحة ضد سياسات التمييز العنصري، لكن بعد إطلاق النار على متظاهرين عُزّل في عام 1960، وإقرار قوانين تحظر الجماعات المناهضة للعنصرية، قرر مانديلا وزعماء المجلس الأفريقي القومي فتح باب المقاومة المسلحة.
افتتح أول مؤسسة قانونية للسود في جوهانسبورغ في عام 1952، بمشاركة رفيقه الناشط أوليفر تامبو. وأصبح قائدا أعلى للجناح المسلح السري للمؤتمر الوطني الأفريقي في عام 1961، ثم خضع في العام التالي لتدريبات عسكرية في الجزائر وإثيوبيا. وبعد أكثر من عام من العمل السري، جرى اعتقال مانديلا وحكم عليه في عام 1964 بالسجن مدى الحياة خلال ما عرف بـ«محاكمة ريفونيا» حيث ألقى كلمة تحولت إلى بيان رسمي لحركة مناهضة نظام الفصل العنصري.
وقال مانديلا في هذه الكلمة: «طوال حياتي، كرست نفسي لهذا الكفاح للشعب الأفريقي. لقد حاربت سيطرة البيض وحاربت سيطرة السود. لقد دافعت عن مُثُل المجتمع الديمقراطي والحر. هذه مُثُل أنا مستعد للموت في سبيلها».
أمضى مانديلا 18 عاما في سجن على جزيرة «روبن أيلاند» قبل نقله في عام 1982 إلى سجن «بولزمور» في كيب تاون، ثم في سجن «فيكتور فيرستر» في مدينة بارل المجاورة.
ومع زيادة العقوبات الدولية على جنوب أفريقيا، جرى استبدال الرئيس المتشدد بي و. بوتا في عام 1989 بالرئيس الأكثر تصالحية فريديريك دو كليرك الذي أمر بعد عام من توليه الحكم بالإفراج عن مانديلا.
وبعد أربع سنوات، أعاد مانديلا بث الآمال في نفوس أبناء أمته، عند إدلائه بصوته في أبريل (نيسان) 1994 للمرة الأولى في حياته في مقاطعة كوازولو مسقط رأسه، حيث أسفرت أعمال عنف سبقت الانتخابات عن مقتل المئات.
وفي عام 1998، عند إحياء عيد ميلاده الثمانين، تزوج مانديلا الذي طلق ويني ماديكيزيلا مانديلا، من غراسا ماشيل أرملة الرئيس الموزمبيقي سامورا ماشيل. وبعد حرمانه من رؤية أولاده يكبرون بسبب سنوات الحبس الطويلة، أظهر مانديلا التزاما في تحسين حياة الشبان، موظِّفا الأموال في بناء مدارس في مناطق نائية. وفي سن الـ83، تم تشخيص إصابة مانديلا بمرض سرطان البروستاتا خضع بعده لعملية ناجحة.
وفي مايو (أيار) 2004، أعلن مانديلا أنه سيخفف نشاطاته العامة ليتمتع «بحياة أكثر هدوءا» مع عائلته وأصدقائه. واستدعى الصحافة إلى منزله بعد ثمانية أشهر، للإعلان عن وفاة آخر أبنائه المتبقين جراء إصابته بمرض الإيدز، وللدعوة إلى مزيد من الانفتاح في التعاطي مع هذا المرض.
لدى مانديلا ثلاث بنات، هن ماكي وزيندزي وزيناني. وفي عام 2009، أعلنت الأمم المتحدة يوم ميلاد مانديلا يوما عالميا، في أول تكريم من نوعه لشخص. ومن آخر المناسبات البارزة التي ظهر فيها مانديلا على الساحة الدولية هي مساعدته في حصول جنوب أفريقيا على حق استضافة كأس العالم لكرة القدم لعام 2010، للمرة الأولى في القارة الأفريقية.



مبادرة صينية باكستانية بثلاثة محاور لاحتواء التوتر الأميركي الإيراني

تشاو هوا السفير الصيني لدى السعودية (السفارة الصينية في الرياض)
تشاو هوا السفير الصيني لدى السعودية (السفارة الصينية في الرياض)
TT

مبادرة صينية باكستانية بثلاثة محاور لاحتواء التوتر الأميركي الإيراني

تشاو هوا السفير الصيني لدى السعودية (السفارة الصينية في الرياض)
تشاو هوا السفير الصيني لدى السعودية (السفارة الصينية في الرياض)

أفصح مسؤول صيني عن انخراط بلاده في جهود للوساطة الدبلوماسية لاحتواء الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، بالتعاون مع باكستان عبر مبادرة من خمسة بنود ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية لخفض التوتر في المنطقة والتهدئة، وشدد المسؤول الصيني على ضرورة تمسك المجتمع الدولي بموقف موضوعي وعادل لاحتواء التصعيد، مؤكداً أن الأولوية القصوى تكمن في إحلال السلام وتعزيز المفاوضات.

وأوضح تشانغ هوا، السفير الصيني لدى السعودية، أن وزير خارجية بلاده أجرى اتصالات هاتفية مع نظرائه في دول الخليج، بما فيها السعودية، إلى جانب إيران وإسرائيل وفرنسا وألمانيا ومصر وتركيا، فضلاً عن زيارات قام بها المبعوث الخاص للحكومة الصينية لقضية الشرق الأوسط، تشاي جيون، إلى دول الخليج.

وقال هوا، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، أصدر مع نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، مبادرة مشتركة من خمس نقاط بين الصين وباكستان، تهدف إلى استعادة السلام والاستقرار في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أن المبادرة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل أولاً وقف إطلاق النار، وثانياً إطلاق المفاوضات، وثالثاً تقديم الضمانات، بما يعني وقف الأعمال العدائية بشكل فوري، مؤكداً استعداد الصين للعمل مع دول الشرق الأوسط لتنفيذ مبادرة الأمن العالمية بما يسهم في إعادة الاستقرار للمنطقة، وتعزيز الأمن لشعوبها، ودعم السلام العالمي.

بكين تقف إلى جانب الرياض

وأشار هوا، إلى أن الصين والسعودية حافظتا على التواصل والتنسيق بشأن الأوضاع في المنطقة، موضحاً أن وزير الخارجية وانغ يي أجرى مكالمتين هاتفيتين مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، فيما كانت السعودية المحطة الأولى لزيارة المبعوث الخاص تشاي جيون.

وأكد حرص بلاده على تعزيز التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى مع السعودية، معرباً عن تطلعه إلى توسيع التنسيق الثنائي في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، مشيراً إلى أن بكين تدعم جهود الرياض ودول الخليج للحفاظ على سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها.

وأضاف أن الصين تشيد بضبط النفس الذي تبديه السعودية وسعيها إلى إحلال السلام ومنع اتساع رقعة الحرب، مؤكداً استعداد بلاده للعمل مع المملكة لاستعادة الاستقرار في المنطقة، لافتاً إلى أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط يشكل تهديداً مباشراً لأمن السعودية ودول الخليج.

كما أكد رفض بلاده لأي هجوم يستهدف دول الخليج، ومعارضتها للهجمات العشوائية التي تصيب المدنيين والأهداف المدنية، مع دعمها للمخاوف الأمنية المشروعة لدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها السعودية.

السعودية تؤمن الطاقة رغم تحديات هرمز

وأوضح هوا أن الحرب المستمرة منذ أكثر من شهر أدت إلى تداعيات كبيرة تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وتؤثر في استقرار إمدادات الطاقة العالمية وسلاسل الإنتاج والنمو الاقتصادي الدولي.

وأكد أن السعودية تعد مورداً رئيسياً للنفط الخام للصين، مشيراً إلى تعمق المواءمة بين مبادرة «الحزام والطريق» و«رؤية السعودية 2030» خلال السنوات الأخيرة، مع تعزيز التعاون الثنائي في مجال الطاقة بوصفه من أهم ركائز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وأضاف أن الصين تقدر الدور الإيجابي للسعودية في الحفاظ على توازن واستقرار سوق النفط العالمية، موضحاً أن مضيق هرمز والمياه المجاورة له يمثلان ممراً حيوياً لتجارة الطاقة والسلع الدولية، وأن الحفاظ على أمن واستقرار هذه المنطقة يمثل مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي.

وأشار إلى أن التوتر في مضيق هرمز يعكس تداعيات الحرب على إيران، مؤكداً أن استمرار الحرب سيبقي حالة عدم الاستقرار في المضيق، ما يستدعي وقفاً فورياً لإطلاق النار.

ودعا جميع الأطراف إلى تكثيف الجهود لخفض التصعيد وتجنب اضطرابات أوسع قد تؤثر في أمن الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة، مؤكداً استعداد الصين لمواصلة القيام بدور بنّاء في هذا الإطار.


تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)

تتسارع التحركات الدولية لمعالجة تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز، في وقت تتباين فيه المقاربات بين طرح عسكري دفاعي مباشر، كما فعلت أوكرانيا، والدفع نحو تنسيق سياسي - أمني أوسع، كما برز في التقارب الفرنسي - الكوري الجنوبي، والاجتماع الدولي الذي استضافته لندن، الخميس.

وبينما تشكك باريس وعواصم أوروبية أخرى في واقعية أي تدخل عسكري لفتح الممر الحيوي، تستعدّ لندن لاستضافة اجتماع لـ«مخططين عسكريين»، الأسبوع المقبل، لبحث خيارات تشمل إزالة الألغام وتوفير قوة طمأنة للسفن التجارية، ضمن مقاربة متعددة المراحل قد لا تُفعّل قبل وقف إطلاق النار.

عرض زيلينسكي

عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مساهمة بلاده في جهود إعادة فتح المضيق، مؤكداً استعداد كييف لتقديم دعم دفاعي يستند إلى خبرتها في تأمين الملاحة في البحر الأسود بعد الغزو الروسي. وقال إن بلاده قادرة على توفير تقنيات تشمل اعتراض الطائرات المسيّرة، ومرافقة السفن، والحرب الإلكترونية، مشيراً إلى أن إعادة فتح المضيق قد تتطلب أيضاً مزيجاً من أنظمة الدفاع الجوي، وقوافل بحرية محمية، وقدرات تشويش متقدمة لضمان سلامة العبور. وأضاف أن أوكرانيا «مستعدة للمساعدة في كل ما يتعلق بالدفاع».

ويأتي الطرح الأوكراني في ظل مساعٍ من كييف لتفادي تراجع موقعها على الأجندة الدولية مع تحوّل التركيز نحو حرب الشرق الأوسط، ومحاولة توظيف خبرتها العسكرية في مواجهة أنماط تسليح مشابهة لتلك التي تستخدمها إيران، لا سيما الطائرات المسيّرة التي اكتسبت القوات الأوكرانية خبرة واسعة في التصدي لها، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، كما يأتي ذلك بعد جولة قام بها زيلينسكي في عدد من دول الشرق الأوسط، شملت توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي في إطار سعيه لتعزيز حضور بلاده كشريك أمني في المنطقة.

باريس تفضّل الدبلوماسية

في المقابل، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمّة جمعته بنظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، التركيز على المسار الدبلوماسي؛ حيث اتفق الجانبان على تنسيق الجهود للمساهمة في إعادة فتح المضيق، وتخفيف تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

وأكد الزعيمان ضرورة ضمان أمن خطوط الملاحة، دون الخوض في تفاصيل عملياتية. وشدد ماكرون على أهمية بلورة إطار دولي لخفض التصعيد، معتبراً أن اللجوء إلى عملية عسكرية لفتح المضيق «غير واقعي»، وهو موقف يعكس تبايناً مع دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي حضّ الحلفاء، خصوصاً في آسيا، على الاضطلاع بدور أكبر في تأمين الممر الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وكان الرئيس الفرنسي قد وصف خيار السيطرة العسكرية على المضيق بأنه «غير واقعي»، محذراً من مخاطر التصعيد، وتعريض السفن لهجمات محتملة.

إجماع دولي

وجاءت هذه المواقف غداة اجتماع عبر الفيديو، نظّمته لندن، الخميس، وجمع 40 دولة شدّدت على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي شروط». ورأى وزراء خارجية هذه الدول، التي لم تشمل الولايات المتّحدة، أن إغلاق المضيق من جانب إيران يُشكّل «تهديداً مباشراً للازدهار العالمي» وانتهاكاً لمبدأ حرية الملاحة وقانون البحار.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن المجتمع الدولي أظهر «تصميماً واضحاً» على ضمان حرية العبور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، كما يكتسب المضيق أهمية خاصة لنقل مواد حيوية، مثل الأسمدة؛ ما يجعله عنصراً أساسياً في دعم سلاسل الغذاء، خصوصاً في أفريقيا.

وحدّد المشاركون 4 محاور رئيسية للتحرك المشترك: أولاً، زيادة الضغط الدبلوماسي الدولي، بما في ذلك عبر الأمم المتحدة، لإيصال رسالة واضحة ومنسقة إلى إيران بضرورة السماح بالمرور الحرّ وغير المقيّد، ورفض فرض أي رسوم على السفن. ثانياً، بحث إجراءات اقتصادية وسياسية منسقة، بما فيها العقوبات، في حال استمرار إغلاق المضيق. ثالثاً، العمل مع المنظمة البحرية الدولية للإفراج عن آلاف السفن والبحّارة العالقين، وإعادة حركة الشحن. رابعاً، إقامة ترتيبات مشتركة لتعزيز الثقة في الأسواق والعمليات التشغيلية، عبر التنسيق مع شركات الشحن والهيئات المعنية لضمان تدفق المعلومات بشكل متماسك وفي الوقت المناسب.


أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
TT

أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)

أصبح بابا الفاتيكان، البابا ليو، في ‌مايو (أيار) الماضي أول زعيم أميركي للكنيسة الكاثوليكية العالمية، لكنه تجنّب في الغالب خلال الأشهر العشرة الأولى من ولايته الإدلاء بتعليقات بشأن بلده الأم، ولم يذكر الرئيس دونالد ترمب علناً ولو مرة واحدة، لكن هذا زمن ولّى.

ففي الأسابيع القليلة الماضية، ​أصبح البابا منتقداً حاداً للحرب مع إيران. وذكر اسم ترمب، لأول مرة علناً، يوم الثلاثاء في نداء مباشر حضّ فيه الرئيس على إنهاء الصراع الآخذ في التوسع.

وهذا تحوّل مهم في اللهجة والنهج، قال خبراء إنه يُشير إلى رغبة البابا في أن يكون ثقلاً موازناً أمام ترمب وأهداف سياسته الخارجية على الساحة العالمية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال ماسيمو فاغولي، وهو أكاديمي إيطالي يتابع الفاتيكان من كثب: «لا أعتقد أنه يريد أن يُتهم الفاتيكان بالتساهل مع سياسات ترمب لأنه أميركي».

وحضّ البابا ليو، المعروف بحرصه الشديد على اختيار كلماته، ترمب على إيجاد «مخرج» لإنهاء الحرب، مستخدماً مصطلحاً عامياً أميركياً يفهمه الرئيس ومسؤولو الإدارة.

وقال فاغولي، الأستاذ في كلية ترينيتي في دبلن، «عندما يتحدث (البابا ‌ليو)، يكون دائماً ‌حذراً... لا أعتقد أن ذلك كان مصادفة».

وقال الكاردينال بليز كوبيتش، ​وهو ‌حليف مقرب ​للبابا ليو، لوكالة «رويترز»، إن البابا يتبنى نهج سلسلة طويلة من الباباوات الذين حثوا قادة العالم على الابتعاد عن الحرب.

وأوضح: «ففي الوقت الحالي، يستمع الأميركيون والعالم الناطق باللغة الإنجليزية بأسره إلى الرسالة بلغة مألوفة لهم».

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر يتحدث للصحافيين (رويترز)

البابا: الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنون حروباً

قبل يومين من مناشدة ترمب مباشرة، قال البابا ليو إن الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنّون الحروب، وتصبح «أيديهم ملطخة بالدماء»، في تصريحات قوية بشكل غير معتاد بالنسبة لبابا كاثوليكي.

وفسر معلقون كاثوليك محافظون تلك التعليقات على أنها موجهة إلى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي استخدم كلمات مسيحية لتبرير الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران، والتي أشعلت الحرب.

وأدت هذه التصريحات ‌إلى أحد الردود الأولى المباشرة من إدارة ترمب على تعليق للبابا ‌ليو. فقد قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، عندما سُئلت عن تصريحات ​البابا: «لا أعتقد أن هناك أي مشكلة في ‌دعوة قادتنا العسكريين أو الرئيس للشعب الأميركي للصلاة من أجل أفراد جيشنا».

وقالت ماري دينيس، الزعيمة السابقة ‌لحركة السلام الكاثوليكية الدولية «باكس كريستي»، إن تعليقات البابا ليو الأحدث ونداءه المباشر لترمب «انعكاس لقلب محطم بسبب العنف الذي لا هوادة فيه».

وأضافت: «هو يمد يده إلى جميع الذين أرهقهم هذا العنف المتواصل، ويتوقون إلى قيادة شجاعة».

البابا يُصعّد انتقاداته منذ أسابيع

واستهدف البابا ليو في السابق سياسات ترمب المتشددة تجاه الهجرة، متسائلاً عما إذا كانت تتماشى مع تعاليم الكنيسة ‌المؤيدة للحق في الحياة. وفي تلك التعليقات، التي أثارت انتقادات حادة من الكاثوليك المحافظين، امتنع عن ذكر اسم ترمب أو أي مسؤول في الإدارة بشكل مباشر.

وأجرى البابا تغييراً كبيراً في قيادة الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول)، إذ أقال الكاردينال تيموثي دولان من منصب رئيس أساقفة نيويورك. وخلف دولان، الذي يُعدّ من أبرز المحافظين بين الأساقفة الأميركيين، رجل دين غير معروف نسبياً من إلينوي، هو رئيس الأساقفة رونالد هيكس.

وصعّد البابا من انتقاداته للحرب على إيران على مدار أسابيع.

وقال في 13 مارس (آذار) إن القادة السياسيين المسيحيين الذين يشنون الحروب يجب أن يذهبوا للاعتراف ويقيموا ما إذا كانوا يتبعون تعاليم المسيح. وفي 23 مارس (آذار)، قال البابا إن الغارات الجوية العسكرية عشوائية، ويجب حظرها.

وقال الكاردينال مايكل تشيرني، أحد كبار المسؤولين في الفاتيكان، إن صوت البابا له وزن على الصعيد العالمي؛ لأنه «بوسع الجميع أن يدركوا أنه يتحدث... من أجل الصالح العام، ومن أجل جميع الناس، خصوصاً الضعفاء».

وتابع: «صوت البابا ليو الأخلاقي موثوق به، والعالم يريد بشدة أن يؤمن بأن السلام ممكن».

وبدأ البابا ليو، الخميس، 4 أيام ​من الفعاليات في الفاتيكان التي تسبق «عيد القيامة» ​يوم الأحد عندما سيلقي صلاة خاصة ورسالة من شرفة كاتدرائية القديس بطرس.

وخطاب «عيد القيامة» من أكثر الفعاليات التي تحظى بمتابعة دقيقة على جدول أعمال الفاتيكان، وغالباً ما يستغله البابا لإطلاق نداء دولي مهم.