هل ساهم النتاج الأدبي الخليجي في إضعاف الذائقة اللغوية؟

أدباء ونقاد يدافعون عنها ويعتقدون أنها تنتج لغة عصرية

د. حسن النعمي
د. حسن النعمي
TT

هل ساهم النتاج الأدبي الخليجي في إضعاف الذائقة اللغوية؟

د. حسن النعمي
د. حسن النعمي

مع وفرة المنتجات الأدبية في السوق الخليجية، وخصوصا ما يتعلق بالرواية والقصة القصيرة، يرى نقاد ومتابعون أن عددا كبيرا من هذه الأعمال كتب بلغة أقرب إلى اللغة المحكية، وأنها لا تساهم في تقديم أدب رفيع من حيث التكوين اللغوي.
فاتهام الأدباء الحاليين بأنهم يقدمون منتجات أدبية (رواية أو قصة أو شعر أو كتاب) يفتقد الرصانة اللغوية، ويصل إلى الحد الذي يوصم تلك المنتجات بأنها تساهم في (تهبيط) الذوق اللغوي، وإضعاف الذائقة الأدبية. بينما يرد المدافعون، إن هذا اللون من اللغة هو اللغة الوسطى المحكية التي تعبر عن حركة ونبض الشارع، وأن الأدب ينتمي في عمومه لعصره لغة وأسلوبا.

يقول الناقد الدكتور حسن النعمي، إن «الأدباء إذا كتبوا بلغة فصحى مرنة مواكبة متجاوبة مع الحياة، فإن منتجهم الأدبي حينها يكون قد ساهم في إبقاء اللغة العربية حية متفاعلة نامية مستوعبة للمستجدات».
ويرى النعمي أن معظم الكتب التي تصدر في السعودية حاليا، في غالبها تكتب بالفصحى الوسيطة والمقبولة. مبينا أنها تحقق تفاعلا مع عدد كبير من القراء. ويقول: «لا خوف على اللغة العربية من لغة الإعلام ولغة الأدب الحديث».
ويضيف: «هناك مستويات للغة الأدب المطروح الآن، منها: لغة الشعر الحديث، وهي لغة راقية والتعايش معها سهل مع مستوى من التكنيك العالي. ولكن إجمالا، هناك مقولة تفيد بأن الشعراء هم من يصنعون اللغة، وأنا بدوري أعممها للأدباء بأنهم يحيون اللغة، بمعنى أن الأدباء خط دفاع مهم جدا للحفاظ على اللغة العربية».
ويرى النعمي أن الفارق بين الفصحى والعامية ليس بالفارق الخطير في الفهم، مشيرا إلى كون الناس تفهم اللغة سواء بالعامية أو الفصحى، يعد في حد ذاته قيمة كبيرة لا تتوفر في كثير من لغات العالم.

* طالب الرفاعي: رفع الذوق اللغوي

* وفي الإطار نفسه، يرى الروائي الكويتي طالب الرفاعي، أن سؤالا كهذا يكشف الحاجة الملحة لمراكز دراسات فكرية وثقافية عربية، وهي وحدها بدراساتها وبحوثها الميدانية مؤهلة للإجابة على الأسئلة ذات الطابع الجمعي.
واستدرك الرفاعي قائلا: «على المستوى الشخصي، أرى أن الإنتاج الأدبي بعموم الأجناس الأدبية، وأخص على الذكر الشعر والقصة القصيرة اللذين ازدهرا خلال منتصف الستينات وحتى أواخر السبعينات، وتاليا تسيد جنس الرواية على سواه من الأجناس الأدبية، أرى أن النتاج الأدبي العربي ساهم مساهمة فاعلة في رفع مستوى الذوق اللغوي لدى شريحة القراء».
وأضاف: «علينا أن نفرق بين فئتين: فئة القراء المهتمين، وفئة عموم الناس. فبحكم الأمية الكبيرة المنتشرة بين الشعوب العربية، وبحكم قلة أوقات القراءة مقارنة بشعوب أمم أخرى، فإن الفئة العربية القارئة هي فئة قليلة جدا مقارنة بعموم الشعب. ومن هنا فمؤكد أن هذه الفئة القارئة قد استفادت من الإنتاج الأدبي، وساهم، بشكل أو بآخر، برفع مستوى تذوقها اللغوي».
وتأكيدا لرأيه استدل الرفاعي على ذلك، بكثرة النتاج الشبابي الخليجي في الأعوام الأخيرة، سواء كان قصة أو رواية، منوها أن تربية أجيال من أبناء الخليج على الشعر والقصة والرواية العربية، دفعتهم لأن يسلكوا درب الكتابة، ودفعتهم للاستعانة باللغة العربية لإيصال نتاجهم الإبداعي.
ويعتقد أنه ليس أدل من المكانة التي وصل إليها النتاج الروائي في دول الخليج العربي، أنه أصبح حاضرا في جميع المعارض العربية، سواء كان الناشر عربيا أو خليجيا، وهو ما يكشف انتشار القراءة والكتابة، والإيمان بأهمية الكتابة وبجدواها، خصوصا وأن هناك أعمالا روائية وقصصية استطاعت أن تصل إلى القارئ العربي، وهو ما لم يكن حاصلا في عقود ماضية.
وقال الرفاعي: «لعقود كانت هناك نظرة عامة دونية تجاه النتاج الشعري والقصصي والروائي الخليجي، باستثناء كتابات بعينها لكتاب خليجيين استطاعوا أن يثبتوا وجودهم على الساحة العربية، ومن أبرزهم السعودي عبد الرحمن منيف، والكويتي إسماعيل فهد إسماعيل كروائيين، والبحريني قاسم حداد، والعماني سيف الرحبي كشعراء».
ويضيف: «لكن العجلة سرعان ما دارت ومع دورتها جاء روائيون وقصاصون خليجيون، واستطاعوا بإبداعهم أن يلفتوا أنظار القراء العرب واهتمامهم، وأن ينالوا جوائز عربية وعالمية مرموقة، وأن يقولوا بما لا يدع مجالا للشك بوجود الشاعر والقاص والروائي الخليجي إلى جانب أقرانه من الكتاب العرب».
ويخلص الروائي طالب الرفاعي إلى القول: «نعم لقد ساهم الإنتاج الأدبي شعرا وقصة ورواية في رفع مستوى الذوق اللغوي لدى عموم شريحة القراء العرب، وساهم أكثر في خلق جيل عربي واسع من الكتاب الشباب، وما كان يمكن أن يحدث ذلك لولا النتاج العربي الأدبي السابق، وما تركه من بصمة في قلوب الكثيرين من الشباب، ووحدها تلك البصمة كان المشجع الحقيقي وراء ما نرى من كتابات روائية وقصصية عربية تضاهي أي كتابة عالمية».

* صالحة غابش: حرية الإبداع

* من جهتها، لا ترى الكاتبة الإماراتية صالحة غابش، مدير عام المكتب الثقافي والإعلامي بالمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة، أن الإنتاج الأدبي حاليا ساهم أو أثر في اللغة العربية المعاصرة، أو تلك التي تجري على ألسنة الشباب والأطفال هذه الأيام، معزية ذلك لكون أغلب أطفال اليوم استعانوا بعبارات أجنبية مختلفة اللهجات وأولها الإنجليزية.
وقالت: «أخذت العربية الفصحى - للأسف - تشكل مع الواقع الجديد، جماليات على ألسنة الأجيال الجديدة، على غير زمننا الذي كنا نقرأ فيه قصصا عن التراث وموضوعات معاصرة مهمة تؤثر في الإنسان وفي القيمة الإنسانية، وتدعونا لأن نؤمن بها نظريا وسلوكيا، حيث كانت تلك الحكايات ثرية باللغة العربية الفصحى».
وأضافت صالحة: «الآن حتى اللغة العربية تحتاج إلى الاعتناء بها عناية مضاعفة عما سبق، حتى تكون أيضا لغة العصر والتي هي لغة التقنية والتكنولوجيا سواء من خلال الشعر أو الرواية أو القصة». وأوضحت أن «الواقع ينبئ عن تراجع ولو أنه قليل في لغة الإنتاج الأدبي».
وعلى مستوى الشعر، قالت صالحة، إن «الشعر المعاصر في حاجة لقراءة فلسفية أو تأملية، فإذا منحنا الشباب حرية قراءة النظر على غير طريقتنا القديمة، أو على غير ما كنا نحفظ النص ونحفظ شرح النص، فإنهم سيستوعبون الفكرة حسب رؤيتهم الشخصية لهذا النص، بحيث يستنتجونه ويتحدثون عنه باللغة العربية الفصحى، ولكان التواصل أقوى بين الجيل ولغته العربية».
وأكدت أن النصوص الأدبية حاليا، لا تساعد كثيرا في إعطاء من يتعامل معها من الشباب العربي الحرية بأن يعبر عن فكرته، تماما مثل النقاد والذين من حقهم أن ينظروا إلى النص بشكل مختلف بحسب ثقافتهم وموروثهم واتجاههم.
وقالت: «نحن لا نملي عليهم فكرة النص، فوفقا لحرية التعامل وحرية التعاطي والانفتاح الكبير يكون صعبا، إذ لا بد أن نفتح لهم نافذة ليتنفسوا من خلالها اللغة العربية الفصحى حسب وجهة نظرهم دون الخروج عن القواعد الرئيسة».

* علي بافقيه: رفعت الذوق

* من جهته أكد الشاعر السعودي علي بافقيه، على أن المنتجات (الإبداعات الأدبية) بمختلف مشاربها، كانت دوما إحدى أدوات الرقي بالذوق اللغوي، وهي التي كما يرى تجدد اللغة العربية خاصة الشعر، مشيرا إلى أنه يضيف إليها وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال في سائر الأجناس الأدبية الأخرى خاصة الفنون الأدبية الأخرى.
وقال: «الشعر والسرد والقصة والمسرح، من أهم الفنون الأدبية، التي ترتقي باللغة بعكس ما يعتقد التقليديون والمحافظون والذين يرون أن التجديد في اللغة والتجديد في الفن والأدب من خلالها يضر بها»، وزاد: «إذا قارنا بين اللغة العربية قبل 70 عاما وحاليا، سنجد أن اللغة العربية أرقى وأجمل وأكثر تطورا مما سبق».
وأضاف بافقيه: أن «هناك من يعتقد أن الإنتاج الأدبي المطروح في الساحة الثقافية حاليا أو الأصوات الجديدة التي تغرد في الساحة، لا يجيدون اللغة العربية أو لا يهتمون بها، ولديهم أخطاء في الصياغات والنحو والإملاء، غير أنني أعتقد أن الزمن كفيل بأن يصفيها من الشوائب ويطورها، إذ إن الأجيال الجديدة تحاول أن تطوع اللغة لتواكب التسارع التقني والحياتي».
وقال: «حينما كنت طالبا أدرس في أميركا، كنت أداوم على زيارة مكتبة هارفارد، إذ لديهم قسم للغة العربية، وكنت قد صادفت جرائد مصرية قديمة، فلما قرأت الصياغات وجدت بالفعل أن اللغة الآن أكثر صفاء ورقيا وتطورا وأكثر جودة وإبداعا وهذا ما حصل في الأجناس الأخرى».

* يوسف المحيميد: تأثير محدود

* أما الروائي والكاتب السعودي يوسف المحيميد، فيرى أن تأثير الإنتاج الأدبي على الذوق اللغوي ضئيل، لا سيما مع انفلات مواقع التواصل الاجتماعي، مبينا أن انتشار اللهجات بشكل مريع ساهم في ذلك، فضلا عن ندرة من يقرأ الشعر الآن، أو حتى القصة القصيرة.
أما الرواية، وفقا للمحيميد، فهي انساقت مع اللغة أو اللهجة المحكية، وقال: «إذا كان هناك وسيلة رفعت الذوق اللغوي، وفرضت الفصحى بجمالياتها، فهي أفلام الرسوم المتحركة قديما، قبل عقدين، حينما كانت تتم دبلجتها في بيروت، فتعلم منها ذاك الجيل من الأطفال، جماليات اللغة، وسلامة نطقها ومخارجها».
وأضاف: «قد يكون للأدب تأثير في رفع الذوق الأدبي، لكنني أراه محدودا، وعلى نطاق ضيق لدى عدد من القراء. لكنني أظن أن اللغة المنطوقة بعناية وسلامة في أفلام الكرتون، أكثر تأثيرا من لغة الكتب المنسية».



معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.


الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة
TT

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

لا تنفصل الإحالة التي يحملها عنوان رواية «الحياة في الأبراج الرملية» للشاعر والروائي المصري عمرو البطا عن معمارها السردي، القائم على ثنائية البناء والهدم، بوصفها آليةً لكشف هشاشة البنيان الذي لا يفلح في حماية الإنسان من جموح أحلامه وأشباحه، فـ«البرج» لا يُستدعى هنا بوصفه حلماً فردياً فحسب، بل فانتازيا للسيطرة على عالم «رملي» مُراوغ بطبيعته.

في هذه الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «الشروق» بالقاهرة، يؤسّس الكاتب أسئلته الوجودية من خلال حبكة لجريمة جنائية غامضة، حيث يصحو سكان شارع على مشهد جثة مسجاة على الأرض، فيتورطون في سجالات ممتدة، ولعبة من الشدّ والجذب في محاولة لتتبّع لغز القتيل وسيرته، غير أن الرواية لا تكتفي بحبكة الجريمة بقدر ما تتخذها ذريعة للنفاذ إلى مستويات نفسية واجتماعية أعمق لشخصياتها المعقدة.

لا يتحوّل الشارع في الرواية إلى مجرد خلفية مكانية للأحداث، بل يغدو مسرحاً جماعياً تتقاطع فوقه مشاعر الذنب والارتياب، حيث يصبح كل ساكن في مواجهة احتمالات أن يكون شاهداً، أو متورطاً، أو شريكاً بالصمت. ومع تصاعد محاولات تفكيك لغز الجثة، تتكشف العلاقات الهشّة التي تربط الشخصيات بالمكان وببعضها البعض، ويصبح الشارع فضاءً مكثفاً للشكوك المتبادلة.

طموح خيالي

تنهض الرواية في بنيتها السردية على صوت راوٍ عليم، فيما يُفرد الكاتب لبطله الرئيسي فصولاً بضمير المتكلم، تتقاطع مع سردية الراوي العليم قبل أن يذوبا معاً في النهاية، ويبدو صوت البطل، عبر تداعي الذاكرة، كاشفاً عن تعقيدات طفولته، ومساره التعليمي في الغرب، وقصة حب متوهجة بالخيال، وصولاً إلى حلمه ببناء برجٍ في الصحراء يستعصي تحقّقه على أرض الواقع، غير أن هذا الحلم لا يبدو امتداداً رومانسياً لطموح فردي، بقدر ما يكشف عن رغبة عميقة في إخضاع الفوضى وبناء معنى جمالي، وهو ما يدفع البطل، بعناد واع، إلى المضيّ في استكماله رغم إدراكه لهشاشة الأساس، وعدم واقعية إنجازه.

وتبدو ذروة التحوّل في صوت الراوي في عبارته: «إن كاتب هذه السطور أصبح شخصاً مختلفاً عن كاتب الصفحات السابقة»، بمثابة وعي سردي يُعلن اكتمال التحوّل الذي راكمته الرواية على مستوى الصوت والذات معاً، فهنا يتقاطع مسار السرد مع مسار الذات، في تحوّل داخلي لا يقل هشاشةً وتعقيداً عن الأبراج الرملية التي يسعى البطل إلى بنائها.

عين رمادية

يتكئ الكاتب على رمز «العين الرمادية» بوصفه علامة سردية تتكرّر في مسرح الجريمة وبين مشاهدات الجيران، لتقود إلى سؤال الرؤية وحدودها، ففي مسار فانتازي يعثر أحد الجيران على عين الجثة، فيحملها إلى بيته، لتورطه في مأزق كبير، إلا أنه قبل هذا يكون قد تماهى وجدانياً مع قصة القتيل وهو يُطالع عينه تلك: «رأى ما كابده صاحب العين، هواجسه، وأحلامه، آلامه، موته، رأى كل ذلك في لمحات خاطفة لا تكشف له فكرة واضحة عن شيء، لكنها كفيلة بالتحامه وجدانياً مع صاحب العين»، حيث تتحوّل العين إلى علامة شعورية، وصوت مُختزن، يصعب تفسيره أو السيطرة عليه.

ويظل السرد يُهمِّش شفرة «اللون الرمادي» حتى نهاية الرواية، قبل أن تتكشّف مع تقدّمه دلالتان متوازيتان؛ دلالة جنائية تشير إلى هُوية القتيل، ودلالة إنسانية يستدرّها البطل بقوله: «يمكنني أن أقول بثقة إن كل البشر ذوو عيون رمادية. كلهم يولدون بهذا اللون، ثم تصبغهم الحياة بألوان أخرى»، وهكذا لا يعود الرمادي مجرّد علامة لونية، بل توصيف لحالة إنسانية مُعلّقة.

يُوّظف الكاتب الأمكنة الصغيرة والهامشية في تعميق روابط الشخصيات وألغازها، ما بين «البوتيك» و«الصيدلية» و«الشقة المهجورة» و«الدكان» و«المقابر»، لتغدو هذه الفضاءات بؤراً سردية تُراكم التوتر وتعيد وصل الشخصيات بماضيها، وعلى مستوى البناء، يعتمد السارد في كثير من الفصول على إنهائها عند نقاط ذروة، في تقنية تتسق مع بنية لغز الجريمة المُشوّق، لكنها في الوقت ذاته تعمّق البعد التأملي للرواية، حيث يتحرّك الزمن في مسار دائري يعيد الشخصيات باستمرار إلى جرح الماضي الذي لم يُحسم.

ويتجلّى هذا المنحى في اختيار بعض عناوين الفصول، مثل «أوديب» و«قابيل»، في مساحة فنية تتناص مع تعقيد علاقة البطل بوالده، وتستدعي فكرة الصراع الأبدي والجريمة الأولى بوصفها أصلاً مؤسساً للعنف والذنب، ويتكثف هذا التناص في مشهد يتقمص فيه البطل صورة والدهً: «وجدتني أحلّ في جسد أبي وهو يدلف عبر الباب ويوصده بقوة ثم يسعل ويجلس واضعاً حقائبه فوق المنضدة. وجدتني أمرر يديه الخشنتين على وجهه المبلل بالعرق. كان وجهه عابساً، غارقاً في التفكير».

هنا لا يكتفي السرد بتفكيك صورة الأب بوصفه سلطةً قاسيةً، بل ينتقل إلى مستوى أعمق من التقمّص والتعاطف، حيث تذوب المسافة بين الابن والأب، لتغدو عقدة الجريمة في جوهرها عقدةً نفسيةً بالدرجة الأولى.

وتتكثف ثيمة «البصيرة» داخل الرواية عبر شخصيات ترى ما لا يراه الآخرون، لتأخذنا تدريجياً من منطقة الرؤية إلى منطقة «التعامي»، فشخصية «أم مطيعة» تمتلك قدرةً على الرؤية تتجاوز الظاهر، لكنها تُواجَه بالاستخفاف والإقصاء، كنموذج لمن يُهمشون لأنهم يرون أكثر مما يحتمل الواقع، وعلى الضفة الأخرى، يقف «شحاتة» بوصفه عيناً تراقب الشاردة والواردة أمام دكانه الشاغر.

في المقابل، تمثل «الأم» و«العمة» نماذج متواطئة بفعل القهر، لا لأنهما لا تبصران، بل لأنهما تختاران «التعامي» بوصفه آلية للبقاء، فيصبح العمى استراتيجية دفاعية، في عالم لا يُكافئ من يرى، بل يحمّله تكلفة إضافية.

أما البطل، فيبدو ضحية ملكاته الخيالية الجامحة، تلك التي تمنحه قدرة مضاعفة على الرؤية، لكنها تضعه في مواجهة مباشرة مع الخوف، وفي رحلة تصالحه معه، يصل إلى لحظة إدراك فارقة: «عندما غادرني الخوف لم أعد أكره أحداً حتى من أساءوا إليّ».


«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات
TT

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

من دواعي السرور عندي أن أقرأ رواية صادرة عن قلم ينتمي لإحدى الأقليات الكثيرة التي يحفل بها العالم العربي، ولكنها في أغلب الأحيان تغيب عن التمثيل السياسي والثقافي وعن الوعي العام للأغلبية الدينية أو العرقية أو اللونية المحيطة بها. لذلك أبتهج حين يبرز كاتب أو كاتبة من داخل إحدى الأقليات فيثري الوجدان العام بمقاربة الوضع الإنساني من داخل النسيج الحياتي اليومي لتلك الأقلية المغيّبة عادة من الشأن العام. هناك كتّاب من الأقليات ينضوون اختياراً في الثقافة الحياتية للأغلبية المجتمعية حين يجلسون للكتابة، فلا ترى فيما يكتبون انعكاساً للنسيج اليومي لحياتهم في اختلافه عن النسيج العام. أذكر أني مرة سألت الكاتب المسرحي الألمع الفريد فرج: لماذا لا نجد في مسرحه شخصيات قبطية أو انعكاساً من أي لون لكونه مصرياً مسيحياً؟ فلم يحر جواباً فيما عدا أنه قال إنه ثقافياً ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية.

لا غبار على هذا عندي؛ فالحضارة العربية الإسلامية شيء أوسع من الدين الإسلامي ومن الممكن الانتماء إليها من دون أن يكون المرء مسلماً، إلا أن هذا لا يمنع من الخصوصية المسيحية داخل الانتماء الحضاري الأوسع. إلا أني أعتقد أن الثقافات المهيمنة، دينية كانت أو عرقية، في بلادنا العربية لا تفسح المجال التعبيري أمام الثقافات الأخرى، تماماً كما أنها لا تفسح المجال أمامها سياسياً. هناك دائماً رفض سافر أو مُقنَّع للاختلاف. هناك رغبة لم أفهمها أبداً في احتواء الآخر. هناك عجز عن إدراك أن الاختلاف ثروة وأن التماثل والتشابه والاصطفاف هو أجدر بالآلات والروبوتات، لا بالوجود البشري الخلّاق، المتغير، المولِّد للأفكار على مدى تاريخه من آلاف السنين. لذلك أفرح بالروايات التي تؤكد في نسيجها خصوصيةً ما، عرقية أو دينية أو لغوية أو غيره، في الوقت ذاته الذي تؤكد التماثل الأكبر: التماثل البشري العابر للخصوصيات المتمايزة. هذه هي الأخلاقية الكبرى في الفن والأدب: التأكيد على التماثل رغم الاختلاف. أما أكبر الشرور اجتماعياً فهو الرغبة في احتواء الآخر في الذات وقصره على التماثل معها، ومحو خصوصيته ليتطابق مع ذات الغالبية. لذلك أفرح إذا ما قرأت رواية تكشف لي عن الخصوصية الكردية أو الخصوصية الطوارقية أو اليزيدية أو الشيعية أو المسيحية أو البهائية أو النوبية. أو كما في رواية حنين الصايغ «ميثاق النساء» (دار الآداب، 2023)، الخصوصية الدرزية.

من يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ الدروز ومذهبهم العقيدي منذ نشأته في القرن الحادي عشر حتى اليوم فلن تنقصه المصادر والمراجع. لكن الدروز ليسوا مادة تاريخية وإنما هم أفراد وأسر وجماعات لا يزيد عددهم حول العالم على المليون إلا بقليل ويعيش أغلبهم في سوريا ولبنان. تصف الموسوعات الدروز بأنهم جماعة مغلقة، باطنية، سرية، إلخ. فمن كان لا يكفيه ما يُستقى من كتب التاريخ والمذاهب، من كان يريد أن يتعرف على إنسانية الدروز كبشر يعيشون في الشارع المجاور أو في القرية المجاورة في الوطن نفسه يتكلمون اللغة نفسها ولكن لهم معتقدات مخالفة للشائع الغالب وفي نسيج حياتهم اليومية وعاداتهم خيوط من لون مختلف وإن كانوا فيما عدا ذلك يشبهوننا في كل شيء – من كان يريد ذلك فليس عليه إلا أن يقرأ رواية مثل «ميثاق النساء» لحنين الصايغ؛ فهي حقيقةٌ أن تكون خير دليل لنا في رحلة الاختلاف المفضي إلى التماثل تلك، فهي درزية، تعرف تلك الحياة «السرية» معرفة المعايشة اللصيقة من لحظة الميلاد. وهي كفيلة بفتح المغلق وكشف السري لنكتشف أن لا سرية هناك وإنما بشر عاديون مثلنا تماماً. هذا الاكتشاف لن تتيحه لك كتب التاريخ والعقائد، وإنما المُؤهَّل لكشفه لنا هو فن الرواية، ذلك الفن المنسوج من تفاصيل الحياة اليومية بعاداتها وطقوسها، بأكلها وشربها، بعلاقاتها الأسرية، وبمعتقداتها الدينية وكيف تؤثر تلك في حيوات أفرادها ومصائرهم.

هل تصدَّت حنين الصايغ إذن لكتابة رواية تصور لنا حياة الدروز وعقائدهم الإيمانية في «ميثاق النساء»؟ كلا بالتأكيد. إنما كانت الكاتبة، مثلها مثل أي روائي من أي مذهب أو خلفية، مشغولةً بقضايا وأفكار عن الفرد والمجتمع والحياة والموت وما بعد الموت إلى آخر ما يشغلنا نحن البشر ونحن الكتّاب الذين نضطلع بالتعبير عما يؤرق البشر من أفكار وأوضاع. كانت مشغولة بهذا كله واختارت أن تعبر عنه من داخل السياق الاجتماعي الذي تعرفه خير معرفة وهو سياق حياة الدروز في المجتمع اللبناني. ولعلي كنتُ غير دقيق حين كتبتُ «اختارت» فلا خيار عند الكاتب إلا يكتب لنا من داخل السياق الذي يعرفه معرفة حميمية، وإلا جاءت كتابته مصطنعة، خالية من نبض الحياة.

أما الهاجس الرئيسي لدى الكاتبة، فيوحي به على الفور عنوان الرواية، «ميثاق النساء».

يمكن أن نحزر من قبل القراءة أننا أمام رواية عن قضية المرأة في مجتمع عربي تقليدي، حريتها، علاقتها بالرجل في مجتمع ذكوري، علاقتها بالأب في مجتمع بطركي، ثقل التقاليد، العوائق أمام حرية الدراسة والعمل والكسب والاستقلال الاقتصادي، بل وإن شئنا أيضاً موقف قسم من رجال الدين منها والفهم المجتمعي له، وكيف أنهم يستخدمون الدين من حرية المرأة وتكريس السيطرة الذكورية عليها. كل هذا يمكن أن نتوقعه مع فرصة غير ضئيلة أن يصدق توقعنا من رواية بهذا العنوان، وخاصة أن كاتبتها امرأة. لكن من لم يكن درزياً أو غير مطلع على خصائص العقيدة الدرزية، فلن يدرك المغزى الكامل لكلمة «ميثاق» في العنوان إلا بعد أن يقطع شوطاً في القراءة. فميثاق النساء الذي يمكن أن نفهمه فهماً عاماً باعتباره ميثاق السلوكيات الذي يفرضه مجتمع بطركي على المرأة هو في الواقع أشد من ذلك؛ لأنه في الحقيقة نص عقيدي يحدد ضمن النصوص العقيدية للديانة الدرزية وضعية المرأة في المجتمع الدرزي.

نص كتبه رجل بطبيعة الحال وقام على تكريسه أجيال من الذكور ومن النساء اللاتي تشربن بالقيم الذكورية المفروضة عليهن عبر القرون. والمجتمع الدرزي كما نعرف من الرواية ومن خارج الرواية هو مجتمع «مغلق»؛ لأنه يحرّم على الدروز الزواج من غير الدروز كما أن الدعوة الدرزية انغلقت على نفسها وكفّت عن التبشير في خلال فترة لا تتجاوز العقود الثلاثة من نشأتها في القرن الحادي عشر. كل هذا ساعد على تماسك المجتمع وتقارب أفراده القليلين نسبياً وزاد في حرصهم على عاداتهم وتقاليدهم. بل يزيد من هذا كله أن الدروز يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن الروح الدرزية لا تعود إلا في جسد وليد درزي، وكأن المجتمع يعيد تدوير ذاته لا يتجدد فيه شيء إلى الأبد.

هذه هي الخلفية التاريخية والعقيدية والمجتمعية لحياة بطلة روايتنا، أمل بونمر التي نعاصرها على امتداد ما يقرب من أربعمائة صفحة من الطفولة إلى المراهقة والزواج المبكر والجسد المنتهك والأمومة المتعثرة والطموح المكبوت للمعرفة والدراسة. هي تواجه قدراً مرسوماً لها من المهد إلى اللحد وما وراء اللحد ثم العودة من جديد. لكنه قدر لا تستسلم له، بل تصارعه هي الضعيفة المقهورة المعتمدة اقتصادياً المُراقَبة أسرياً واجتماعياً. قدر يكاد أن يقهرها، لكنها تفلت منه بعد نضال مرير وخسائر وتضحيات ليس هنا مجال بسطها.

هذه رواية نسوية إذن، بمعنى أنها قصة تحرر امرأة، ولأنها تتعامل مع المعطيات الحتمية التي نجدها في مثل هذه الروايات لأنها موجودة في المجتمعات القائمة وراءها.

ولكنها فيما عدا ذلك قصة تحرر وحسب. قصة تحرر إنساني. قصة مساءلة للمعتقدات والمقدسات والتقاليد الموروثة. قصة صراع الفرد للنهوض من تحت الثقل الباهظ للتاريخ والغيب والجماعة والأسرة، ذلك الثقل الذي ينسحق تحته الأغلبية في انصياع غير مُدرِك. وفوق كل هذا فالرواية بسياقها الدرزي غير المألوف لغير الدروز تمنحنا هبة أخرى ضمن توسيع مداركنا الإنسانية الذي نتوقعه من كل عمل أدبي يستحق الاسم. هي تعلمنا التماثل البشري الجوهري وراء كل اختلاف عرضي. فقصة أمل بونمر هي قصة الغالبية العظمى من النساء العربيات على اختلاف أديانهن وأوطانهن في الرقعة العريضة للعالم العربي. ليس هذا فقط وإنما واقع الأمر أن المجتمع الدرزي الصغير المتشبث بموروثاته بأي ثمن، والذي نتعرف عليه عن قرب في هذا الحكي الشائق ليس إلا نموذجاً مصغراً مع اختلاف التفاصيل لحال المجتمعات العربية التي ما زالت من الخليج إلى المحيط تعاني فصام الدين والعقل، والموروث والمستحدث على كل صعيد معاشي.