تعهدات بملياري دولار لليمن في «جنيف»... وتشديد على الحل السياسي للأزمة

غوتيريش أشاد بالدعم السخي من السعودية والإمارات... والشرعية اليمنية تقترح «لامركزية المساعدات»

غوتيريش يتحدث في مؤتمر الجهات المانحة لليمن في جنيف أمس (رويترز)
غوتيريش يتحدث في مؤتمر الجهات المانحة لليمن في جنيف أمس (رويترز)
TT

تعهدات بملياري دولار لليمن في «جنيف»... وتشديد على الحل السياسي للأزمة

غوتيريش يتحدث في مؤتمر الجهات المانحة لليمن في جنيف أمس (رويترز)
غوتيريش يتحدث في مؤتمر الجهات المانحة لليمن في جنيف أمس (رويترز)

تداخلت الجوانب الإنسانية والسياسية، أمس، في مؤتمر جنيف الذي نظمته الأمم المتحدة لحشد الدعم الإنساني لليمن.
وبينما حصلت الأمم المتحدة على تعهدات بتقديم أكثر من ملياري دولار خلال المؤتمر، ناشد أمينها العام أنطونيو غوتيريش الأطراف المتحاربة سرعة التوصل إلى حل سياسي.
وأشاد غوتيريش بأعمال المؤتمر ووصفها بـ«النجاح الملحوظ». وقال غوتيريش للصحافيين إنه بالإضافة إلى التعهدات بدفع ملياري دولار، وعد عدد من الدول بمزيد من التبرعات في الأشهر المقبلة ما يجعله «متفائلاً بإمكان التوصل إلى المستوى الذي يتناسب مع الاحتياجات».
وبينما جدد غوتيريش الإشادة بالمنحة السخية المقدمة من قبل السعودية والإمارات والبالغة مليار دولار في سياق دعم خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في اليمن، كشف ممثل السعودية في المؤتمر عبد الله الربيعة عن حجم دعم المملكة لليمن والذي فاق 10 مليارات دولار في السنوات الثلاث الماضية.
وناشد غوتيريش، في كلمته، الأطراف المتحاربة في اليمن «التوصل إلى تسوية سياسية لإنهاء صراع دخل عامه الرابع وترك أكثر من 22 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدات». وقال: «أحثّ جميع الأطراف على العمل مع مبعوثي الخاص الجديد مارتن غريفيث دون تأخير». ودعا غوتيريش إلى الإبقاء على موانئ اليمن مفتوحة أمام الشحنات الإنسانية والتجارية خصوصاً شحنات الأغذية والأدوية والوقود، كما لم ينسَ تجديد الإشادة بالدعم السعودي والإماراتي السخي لخطة المنظمة الإنسانية في اليمن، والتي يتطلب تنفيذها نحو 3 مليارات دولار.
وإلى جانب المنحة السعودية الإماراتية التزمت الكويت بتقديم 250 ألف دولار، كما تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 107 ملايين يورو، وهو ما يجعل المناشدة الأممية مستمرة للمانحين الدوليين لتغطية الفجوة القائمة في التمويل اللازم لإنجاح خطتها الإنسانية في اليمن.
وكانت المنظمة قد استبقت مؤتمر جنيف بشأن اليمن بإصدار بيان على موقعها الإلكتروني، قالت فيه إن 75 في المائة من سكان اليمن، أي أكثر من 22 مليون شخص، يحتاجون إلى نوع من المساعدة الإنسانية والحماية. وأكدت أن جميع المؤشرات تنبئ بأن الأوضاع ستتدهور بحدة بنهاية العام الحالي. وكشف البيان الأممي أن 17.8 مليون شخص يمنيّ يعانون من انعدام الأمن الغذائي إلى جانب 3 ملايين مصابين بسوء التغذية الحاد، من بينهم نحو مليوني طفل يمكن أن يلقوا حتفهم إذا لم تصلهم المساعدات الضرورية، على حد قول المنظمة. ودعت الأمم المتحدة الشركاء في مجال العمل الإنساني إلى توفير 2.96 مليار دولار لمساعدة ملايين الأشخاص في أنحاء اليمن، مشيرةً إلى اشتداد الحاجة إلى توفير مزيد من التمويل لضمان استدامة الجهود طوال العام.
من جانبه، أكد المستشار بالديوان الملكي المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الدكتور عبد الله الربيعة، في كلمته في المؤتمر الأممي، حرص المملكة الدائم على الشعب اليمني الشقيق، وهو ما تعكسه إحصاءات الأمم المتحدة ومنظمات العمل الإنساني والإغاثي والتي تبين أن المملكة تصدرت دول العالم دعماً لليمن. وكشف الربيعة أن مساعدات المملكة لليمن بلغت خلال السنوات الثلاث الماضية ما قيمته 10.96 مليار دولار، تمثلت في دعم البرامج الإنسانية والتنموية، والحكومية الثنائية، والبنك المركزي اليمني، دون تفريق بين فئات، أو طوائف، أو مناطق، أو محافظات اليمن من حيث تقديم تلك البرامج والمساعدات.
وفي حين أشاد الربيعة بالشراكة مع جميع منظمات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية، أبدى تطلعه «إلى سرعة التنفيذ والوجود المتوازن في جميع مناطق اليمن لتخفيف معاناة الشعب اليمني الشقيق».
وفي سياق حرص دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية على الشعب اليمني، قال الربيعة إن المملكة والإمارات بادرتا «بتقديم أكبر منحة في تاريخ الأمم المتحدة وهي مليار دولار أميركي، لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2018».
وأفاد الربيعة بأن مشاريع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وصلت إلى جميع المحافظات اليمنية دون استثناء من خلال تنفيذ 217 مشروعاً بتكلفة 925 مليون دولار، إلا أنه أوضح أن هذه الجهود الضخمة تواجه تحديات كبيرة جراء الممارسات غير الإنسانية التي تقوم بها الميليشيات الانقلابية بدعم من إيران. وقال إن الميليشيات «تمنع دخول المساعدات الإغاثية وتنهبها، وتفرض عليها رسوماً عالية للسماح بدخولها، كما تقوم بتجنيد الأطفال، ودعم الإرهاب، وتطلق الصواريخ الباليستية على المملكة، مخالفةً بذلك جميع القوانين والأعراف الدولية».
إلى ذلك، أكد المخلافي في كلمته في مؤتمر جنيف، أن أحد الحلول المناسبة لتجنب نهب ومصادرة وبيع المساعدات من قبل ميليشيات الحوثي الانقلابية، يتمثل في تنفيذ مبدأ لامركزية العمل الإغاثي، وذلك من خلال تقسيم اليمن إلى 5 مراكز توزّع من خلالها الإغاثة وفقاً للقرب الجغرافي من المناطق المحتاجة، والاستفادة من الطاقات الاستيعابية للموانئ والمطارات في معظم المحافظات وكذا المنافذ البرية مع السعودية.
كما كشف المخلافي جانباً من الآثار المأساوية التي تسبب فيها الانقلابيون الحوثيون للمواطنين في بلاده خلال 3 سنوات من الحرب.
وقال: «إن الحرب التي فرضها الانقلابيون أثرت تأثيراً كبيراً على الوضع الاقتصادي الشامل مع توقف صادرات البلاد المحدودة والضغوط المتواصلة على سعر صرف العملة، وعدم صرف رواتب الموظفين في الكثير من المحافظات، وارتفاع معدل التضخم، إضافة إلى تهالك البنية التحتية الحيوية، وتدهور القطاع الصحي وشبكات الصرف الصحي في المدن، وتسبب انقطاع التيار الكهربائي عن المرافق الصحية وعدم توفر الوقود والميزانيات والقدرات التشغيلية لهذه المرافق في زيادة مخاطر انتشار الأوبئة».
وعدّ الوزير اليمني «أن الحل الأمثل لإنهاء الأزمة الإنسانية يتمثل في العودة إلى طاولة الحوار، وإنهاء الانقلاب والحرب، وتحقيق السلام المستدام وفقاً للمرجعيات الثلاث التي أجمع عليها اليمنيون».
وفي معرض الحديث عن الممارسات الحوثية الانقلابية التي ضاعفت من معاناة المدنيين في بلاده، قال المخلافي إن ميليشيات الجماعة قامت خلال العام المنصرم بحجز ومنع دخول أكثر من 65 سفينة إغاثية وأكثر من 580 شاحنة، وتفجير 4 شاحنات غذائية، إضافة إلى نهب الآلاف من السلال الغذائية وتصريفها في السوق السوداء.
وأشار إلى أن الميليشيات زادت من تكلفة البضائع عبر فرض جبايات، وإنشاء مراكز جمركية في مداخل المدن الرئيسية، واتهمها بأنها «تعمدت قبل يومين فقط إحراق مخازن الغذاء التابعة لبرنامج الغذاء العالمي في ميناء الحديدة، ما أدى إلى إتلاف كميات كبيرة من مواد الإغاثة التي يحتاج إليها السكان في تلك المناطق، ما يعد إهداراً لأموال المانحين».
واستند وزير خارجية اليمن إلى ما ورد في التقرير الأخير لفريق خبراء لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي، عن تحصيل الميليشيات الحوثية أكثر من ملياري ونصف المليار دولار أميركي خلال عام 2017، كموارد من ميناء الحديدة وعائدات الضرائب من شركات الاتصالات والتبغ والنفط وغيرها من الشركات، وقال إنه «من غير العدل ولا من المنطق أن تسخَّر تلك الأموال لآلة الحرب ويُحرم منها موظفو الدولة والمؤسسات الخدمية، خصوصاً الصحة والتربية، في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين».
وربط المخلافي صرف الحكومة جميع رواتب الموظفين في المناطق غير المحررة بـ«قيام الحوثيين بتوريد العائدات في المناطق الخاضعة لسيطرتهم إلى فروع البنك المركزي في المحافظات وفقاً لآلية تشرف عليها الأمم المتحدة».
وكان وزير الخارجية اليمني قد التقى على هامش المؤتمر الأممي في جنيف، المبعوث الجديد مارتن غريفيث، وبحث معه نتائج زيارته للعاصمة «صنعاء» وترتيبات زيارته المقبلة للعاصمة المؤقتة «عدن» ضمن برنامجه قبل ذهابه إلى نيويورك لتقديم إحاطته الأولى لمجلس الأمن في 17 أبريل (نيسان) الحالي.
ونسبت المصادر اليمنية إلى المخلافي قوله إن السلام «ممكن التحقيق إذا جرى الالتزام بمرجعيات الحل التي نصت عليها القرارات الأممية، وتم البناء على ما تحقق في الكويت، والتزمت الميليشيات بتنفيذ مجموعة من الخطوات الأساسية لبناء الثقة، وفي مقدمتها الإفراج عن المعتقلين والمخطوفين والمخفيين قسراً، وإنهاء حصار المدن وفي المقدمة مدينة تعز، ووقف إطلاق الصواريخ».
على صعيد متصل بمؤتمر جنيف، أطلعت المنظمة الدولية للصليب الأحمر، المجتمعين في مؤتمر جنيف، على مظاهر تردي الجوانب الإنسانية في اليمن، وقالت في بيان «إن الموت البطيء الذي يسري في شرايين المجتمع في اليمن يتبدى في مظاهر عدة»، مضيفة أن «قائمة الخدمات التي انهارت تضم: سلسلة الإمدادات الغذائية، ونظام الرعاية الصحية، والنظام التعليمي، ومرافق الصرف الصحي والمياه». وأورد البيان تصريحاً للمدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى والأوسط باللجنة الدولية، روبير مارديني، قال فيه إنه «يمكن أن ينحسر الوضع البائس وتقل معدلات انتشار الأمراض وسوء التغذية ووفيات المدنيين إذا تحقق الالتزام بأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني». وأشار مارديني إلى أن «المجتمع اليمني ينحدر نحو هوة الموت البطيء بسبب المجاعة المتفشية وقلة الأدوية المتوفرة. ولا تستطيع أي كلماتٍ التعبير عن مدى خطورة الوضع»، على حد قوله.


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.