سيطرة النظام على الغوطة تنعش «أسواق الغنائم» في دمشق

{الشرق الأوسط} تجولت في أماكن البيع... والمعروضات تشمل أثاث النازحين وأغنامهم

TT

سيطرة النظام على الغوطة تنعش «أسواق الغنائم» في دمشق

انهمكت قوات النظام السوري وميليشيات تابعة له منذ السيطرة على مدن وبلدات وقرى في الغوطة الشرقية لدمشق، في نهب منازل 150 ألف مدني و40 ألف مقاتل وعائلاتهم خرجوا من شرق العاصمة، ما أدى إلى ازدهار «أسواق الغنائم» في أطراف دمشق.
وحسب شهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن ضباط «الحرس الجمهوري» التابع لقوات النظام الذين أشرفوا على العملية العسكرية للنظام من الجهة الغربية للغوطة الشرقية، «لا يمكثون حالياً بشكل نهائي في مكاتبهم ومنشغلون للغاية بالإشراف على عمليات التعفيش (سرقة ونهب المنازل)».
وقالت مصادر إن هؤلاء، قسّموا المدن والبلدات والقرى إلى «قطاعات (حصص) لكل ضابط منهم القطاع الخاص به»، الذي بدوره يقوم بـ«الإشراف شخصياً على عمليات النهب والتحميل والنقل التي يكلف بها العناصر التابعة له». وأشارت إلى أن أرتال من السيارات التابعة لجيش النظام وشاحنات أخرى تُشاهَد على طريق حرستا – «ضاحية الأسد» وهي محملة بالمسروقات من منازل ومحال الأهالي في الغوطة الشرقية، وكذلك على طريقي حرستا – البانوراما، وحاميش – مساكن برزة.
ويلاحظ، حسب المصادر، مرافقة كل رتل من الأرتال سيارة عسكرية تسير أمامه ويوجد فيها ضابط، وأخرى في مؤخرته، وذلك لتسهيل مروره من حواجز النظام والميليشيات، وحمايته من عمليات سرقة يمكن أن تحدث لبعض محتويات الشاحنات عند الحواجز. وتابعت أن أرتالاً من السيارات المحملة بالمسروقات تُشاهَد على طريق التل – صيدنايا بريف دمشق الشمالي، موضحةً أن حمولة تلك السيارات يجري تفرغيها في مستودعات في تلك المناطق.
وسيطرت قوات النظام والميليشيات الموالية على معظم مساحة غوطة دمشق الشرقية، بعد توصل روسيا تباعاً مع فصيلي «حركة أحرار الشام» في مدينة حرستا، ثم «فيلق الرحمن» في جنوب الغوطة الشرقية، إلى اتفاقين تم بموجبهما تهجير عشرات الآلاف من المقاتلين وعوائلهم إلى منطقة إدلب (شمال غرب)، وعشرات الآلاف أيضاً إلى مراكز إيواء في أطراف العاصمة، في وقت تتردد أنباء عن الوصول إلى اتفاق مشابه مع فصيل «جيش الإسلام» بشأن مدينة دوما، كبرى مدن الغوطة الشرقية. ومنذ اندلاع الحرب في سوريا قبل نحو 6 سنوات، انتشرت في مناطق سيطرة النظام، أسواق لبيع الأدوات المستعملة يطلق عليها أهالٍ «أسواق الغنائم»، في استعادة لحروب «العصر الجاهلي»، ذلك بالتزامن مع زيادة عمليات السرقة والنهب التي تقوم بها عناصر النظام وميليشيات موالية لدى استعادتها السيطرة على المناطق.
ودار جدل إزاء التعامل مع هذه «الأسواق» بين من يعتبرها «حراماً» ويدعو إلى عدم الإقبال عليها من جهة، ومن لا يجد حرجاً في «أخذ مقتنيات الإرهابيين» ويعتبرها «حلالاً» من «غنائم الحرب».
وفي دمشق، تنتشر هذه «الأسواق» في شارع الثورة قرب ما يُعرف بـ«سوق الحرامية» وفي أحياء الدويلعة، والطبالة، ودف الشوك، وشارع نسرين، ونهر عيشة، والدحاديل، والميدان، وفي مدينة جرمانا بريف دمشق. وتشاهَد في عدد من الدكاكين بضائع مسروقة، بينها أجهزة كهربائية بمختلف أنواعها وأثاث منزلي ونوافذ وأبواب وسجاد وأحذية... وقطع السيارات.
واقتحمت قوات النظام والميليشيات في السنوات القليلة الماضية عشرات آلاف المنازل والمتاجر في الأحياء والمناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها في ريف دمشق، مثل مناطق حجيرة، والسبينة، والذيابية، ومدينة داريا، والجهة الغربية من حي القدم، والجزء الشمالي من مخيم اليرموك جنوب العاصمة، وكذلك منازل المعارضين في حلب وحمص.
ولم تتخذ حكومة النظام أي إجراءات لوقف عمليات السرقة والنهب، بل تتم هذه العمليات أمام أعينها، بينما يتهم معارضون النظام ليس فقط بغض النظر عن عمليات النهب، بل بـ«تشجيعها».
وحسب شهود العيان، فإن عمليات بيع المسروقات من مدن وبلدات وقرى الغوطة الشرقية لا تتم بشكل مباشر لأصحاب محال «أسواق الغنائم»، وإنما يعمد الضباط الذي تقاسموا القطاعات إلى بيع القافلة بشكل إجمالي لشخص واحد يقوم الأخير بدوره ببيعها بشكل انفرادي لأصحاب محال «أسواق الغنائم».
ويقدر هؤلاء قيمة بيع «الحمل الواحد بنحو 2500 دولار أميركي، في حين تبلغ قيمته أكثر من 10 آلاف دولار»، علماً بأن الدولار يساوي حاليا نحو 450 ليرة سورية.
وفي بداية انتشار عمليات «التعفيش» كان عناصر قوات النظام والميليشيات يقومون بعمليات بيع المسروقات لأصحاب محال «أسواق الغنائم» في الليل، وتطور الأمر بعد فترة وجيزة إلى بيعها في وضح النهار، وإفراغ سياراتهم المغلقة أمام أعين المارة دون أن يعتريهم أي خجل، بالترافق مع إطلاقهم كلمة «غنائم» وبصوت عالٍ لعدة مرات وهم يفرغون حمولات سياراتهم.
ومع عمليات النهب الجارية في مدن وبلدات وقرى الغوطة الشرقية، انتعشت أسواق «التعفيش» في مدينة جرمانا المحاذية للقطاع الأوسط للغوطة الشرقية من الناحية الغربية، وعُرضت في محالها، خصوصاً في شارعي «النسيم» و«الحمصي»، حسب أحد سكان المنطقة، مختلف أنواع المفروشات والمكيفات والأدوات الكهربائية والمنزلية والأبواب والنوافذ الحديدية والخشبية والأسلاك الكهربائية، وسط إقبال كبير من الزبائن عليها وانخفاض ملحوظ في أسعارها، وذلك أن سعر غرفة النوم الجيدة لا يتجاوز 25 ألف ليرة، بينما يصل الجديد منها إلى أكثر من 250 ألف ليرة.
وقال أحد المتابعين، إن هناك اعتقاداً سائداً لدى من يقومون بعمليات «التعفيش» ويعملون بمحال «أسواق الغنائم» وبعض الموالين للنظام بأن أهالي الغوطة الشرقية والمناطق الثائرة عموماً من «الإرهابيين» و«العملاء»، وأن ما يُسرق من ممتلكاتهم هو «حلال»، في حين يعتبر آخرون الأمر «حراماً» كونه «سرقة موصوفة». ولاحظ مراقبون «حقداً كبيراً لدى الميليشيات المنتشرة في جرمانا على الثوار والأهالي في الغوطة الشرقية بسبب الاستهداف الدائم الذي كان يحصل من قبل الثوار لتلك الميليشيات ومراكزها».
وفي «ضاحية الأسد» المجاورة لمدينة حرستا من الناحية الشمالية الغربية التي كانت الميليشيات فيها هدفاً دائماً لثوار الغوطة الشرقية، انتعشت أيضاً أسواق «التعفيش» بمسروقات مدن وبلدات وقرى الغوطة، حسب شهود عيان أكدوا لـ«الشرق الأوسط»، أن المسروقات المعروضة في تلك الأسواق شملت حتى «الأبقار والأغنام»، بينما تحدثت مصادر أخرى عن نقل قوافل مسروقات بأكملها إلى محافظات حماة وطرطوس واللاذقية.
وفي المناطق التي سمح النظام للأهالي بالعودة إلى منازلهم فيها بعد أن استعاد السيطرة عليها، فوجئ هؤلاء الأهالي بخلو المنازل والمحال التجارية من أي أثاث ومقتنيات، حتى إن بعض المنازل بدت كأنها قيد الإنشاء وتحتاج إلى عملية إكساء شاملة، إثر سرقة الأبواب والنوافذ وخلاطات المياه والمفاتيح والأسلاك الكهربائية وحتى «المراحيض الإفرنجية».
ومع بداية ظهور هذه «الأسواق»، كانت أسعار السلع شبه الجديدة فيها منخفضة عن سعرها، فسعر الثلاجة تراوح بين 3 و5 آلاف ليرة سورية، بينما ثمن الجديدة 50 ألف ليرة، وجهاز التلفزيون (20 بوصة) كان يباع في هذه الأسواق بنحو ألفى ليرة، بينما سعره جديداً يقارب الـ140 ألفاً.
وفي تلك الفترة، انتهز البعض ممن يجاهرون بموالاة النظام، الفرصة لاقتناص صفقات من تلك المحلات، وأكملوا بها ما ينقص بيوتهم من حاجات، لاعتقادهم أن «مصدرها حلال».
في المقابل، يتردد عدد من النازحين إلى مناطق سيطرة النظام وبعض السكان الأصليين، في الإقدام على الشراء من تلك المحال رغم صعوبة الأوضاع المعيشية، لاعتقادهم أن مصدرها «حرام».
ومع الارتفاع الجنوني للأسعار بسبب تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، عمد بعض أصحاب محلات «أسواق الغنائم» إلى رفع أسعار ما يعرضونه ليقترب بعضها من سعر الحاجات الجديدة، خصوصاً المواد النادرة، بسبب توقف عمليات الاستيراد على خلفية العقوبات المفروضة على النظام.
ويحض بعض رجال الدين على عدم الشراء من محال «أسواق الغنائم»، لأن ما تحتويه تم جلبه بطرق غير مشروعة ويعد «حراماً»، وأن الشراء منها «يشجع» من يقومون بعمليات السرقة على «الاستمرار» في ذلك. وبات كثير من المواطنين يفرقون بين محال «الأدوات المستعملة» التي كانت تنتشر في فترة ما قبل الحرب، وبين محال «أسواق الغنائم»، ولا يتردد بعضهم عند الاشتباه بهذه المحال في سؤال البائع إن كان ما يحتويه محله مصدره «حلال»، وهنا يرد بعض الباعة بتأكيد أنه «حلال»، بينما يرد آخرون بغضب: «لا أعلم» على حين يلتزم آخرون الصمت لدى سؤالهم.
لكن النازحين يعتريهم الكثير من الحسرة لدى مشاهدتهم حاجاتهم تباع في تلك المحال، ويحتارون بين إبلاغ صاحب المحل بأن هذه الحاجة لهم، الأمر الذي يؤدي إلى الدخول معه في جدل واسع، وبين السكوت تفادياً لحدوث تهديدات لهم، أو إعادة شراء حاجتهم.



مسؤول إسرائيلي: العمليات العسكرية في لبنان قد تستمر سنوات

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
TT

مسؤول إسرائيلي: العمليات العسكرية في لبنان قد تستمر سنوات

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)

تعمل القوات الإسرائيلية في لبنان تحت وابل كثيف من القذائف الصاروخية والصواريخ المضادة للدروع، وسط استمرار هجمات «حزب الله». ويقول الجيش إن قواته قد تبقى في جنوب لبنان حتى في حال تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

وبعد شهر من بدء الحرب على إيران، تواصل قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في جنوب لبنان توسيع ما تصفه بأنه «منطقة أمنية»، في وقت يشير فيه مسؤولون إلى أن الجيش من المرجح أن يبقى في المنطقة أشهراً أو أكثر، وفقاً لموقع «واي نت» الإسرائيلي.

وقال مسؤول أمني إن الحكومة اللبنانية غير قادرة على نزع سلاح «حزب الله»، وإن وجود الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي اللبنانية من المتوقع أن يستمر «أشهراً عدة على الأقل، وربما سنوات». وأضاف مسؤولون من وزارة الدفاع أنه حتى في حال وقف إطلاق النار، ليس من المتوقع أن ينسحب الجيش.

ووفقاً للموقع، تعمل القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان تحت نيران كثيفة، تشمل المدفعية والصواريخ والقذائف المضادة للدروع. ويتلقى الجنود تحذيراً قبل ثوانٍ فقط من القصف، مع وقت قليل للوصول إلى مأوى. فمنهم من يحتمي داخل مركبات مصفحة، بينما يبحث آخرون عن حماية خلف الصخور أو المباني.

ومنذ بدء الهجوم البري، تم دفع عناصر «حزب الله» إلى الخلف؛ لكنهم يواصلون هجماتهم، بإطلاق مئات الصواريخ يومياً ضد قوات الجيش الإسرائيلي والمناطق الشمالية، بالإضافة إلى الطائرات المُسيَّرة والصواريخ المضادة للدروع.

وقُتل 5 جنود خلال القتال في جنوب لبنان، وأصيب أكثر من 30 آخرين.

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يشغِّل طائرة مُسيَّرة خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

ووفقاً للجيش الإسرائيلي، تهدف العملية إلى إنشاء منطقة عازلة أعمق داخل جنوب لبنان، بهدف تقليل إطلاق النار باتجاه شمال إسرائيل.

وينفِّذ الجيش الإسرائيلي أيضاً عمليات لفرض السيطرة النارية على المنطقة، بما في ذلك تدمير البنى التحتية وتفكيك الأسلحة. ووصف الجنود التقدم بأنه منهجي وبطيء أحياناً، مع مقاومة مباشرة محدودة؛ لكن هناك تهديدات مستمرة من نيران غير مباشرة.

وقال أحد الجنود: «نسوي المنطقة بالأرض قدر المستطاع. هذه منطقة قتال يتم إعادة تشكيلها».

ولا تزال هناك تساؤلات حول قدرة الجيش على تحمل وجود طويل الأمد، ولا سيما في ظل تحديات القوى البشرية.

وحذَّر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي مؤخراً من أن الجيش قد يواجه إجهاداً كبيراً دون إجراء تغييرات في سياسات التجنيد والاحتياط، بما في ذلك تمديد الخدمة الإلزامية وتوسيع نطاق التجنيد.

ولم تحدد إسرائيل رسمياً أهدافها الكاملة في لبنان، ولكنها شددت على توسيع المنطقة الأمنية لتقليل التهديدات، بما في ذلك نيران الصواريخ المضادة للدروع والهجمات المحتملة عبر الحدود.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الهدف هو تغيير الوضع في لبنان بشكل جذري، وربط ذلك بالصراع الأوسع مع إيران.

وأضاف: «نضع مسألة نزع سلاح (حزب الله) أمامنا. نحن مصممون على فعل كل شيء لتغيير الوضع في لبنان من جذوره».

كما وصف مسؤولون هدفاً أكثر طموحاً يتمثل في تطهير جنوب لبنان من الأسلحة حتى نهر الليطاني، والاحتفاظ بالسيطرة على مناطق رئيسية.

ووفقاً لمسؤولين إسرائيليين: «لا يزال (حزب الله) ضعيفاً؛ لكنه يحتفظ بقدرات كبيرة، بما في ذلك أسلحة زودته بها إيران في الأشهر الأخيرة».

وتعمل إسرائيل على ضمان أن أي وقف محتمل لإطلاق النار مع إيران لا يرتبط بوقف العمليات في لبنان، بينما سعت إيران إلى ربط الجبهتين.

وقال دبلوماسيون غربيون إن الولايات المتحدة تركز حالياً على إيران، ومنحت إسرائيل حرية عمل نسبية في لبنان، بشرط أن تتجنب الضربات على البنية التحتية المدنية.

وأشار بعض المسؤولين إلى احتمال أن يؤدي الضغط الأميركي في النهاية إلى تقييد العمليات الإسرائيلية، بينما يرى آخرون أن الفاعلين الإقليميين قد يدعمون استمرار العمل ضد «حزب الله».

ونزح أكثر من 600 ألف نسمة من جنوب لبنان، وفقاً للتقديرات الإسرائيلية، وهو عامل يقول مسؤولون إنه قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية مع تصاعد الضغط على «حزب الله».


ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.