البوصيري عبد الله: الخوف من المجهول سلطة رقابية من نوع آخر

حوار عن المشهد المسرحي الليبي في صعوده وهبوطه

البوصيري عبد الله
البوصيري عبد الله
TT

البوصيري عبد الله: الخوف من المجهول سلطة رقابية من نوع آخر

البوصيري عبد الله
البوصيري عبد الله

يعيش المسرح الليبي الحالي - بحسب تعبير أحد النقاد - «الحالة الظلية» من حيث التجربة النصية والعرض، مستكينا إلى هدوء يبدو فيه مشغولا بسؤال المرحلة وتقلباتها العاصفة. وللوقوف على ملامح وأحوال المشهد الحالي، كان هذا الحوار مع الكاتب المسرحي البوصيري عبد الله لمعرفة أبعاد هذا الفضاء من خلال مسيرته الطويلة في التأليف المسرحي، ولكونه بحكم عمله متابعاً دقيقاً لما قدم ويقدم على خشبات العرض
> أفضل أن أبدأ حواري معك بالحديث عن مسرحيتك «لعبة السلطان والوزير». وعلى حدِّ علمي أن هذه المسرحية كتبت في مطلع ثمانينات القرن الماضي، ومع ذلك لا يزال يعكس الواقع المعاش. كيف يبدو لك النص المسرحي الليبي الحديث في تعاطيه مع المشهد الحالي؟
- أولاً اسمح لي بتصحيح بسيط يتصل بتاريخ المسرحية المذكورة، فهي كتبت ونشرت في مجلة «الأقلام العراقية» في السبعينات ولكنها عرضت في الثمانينات. أما بخصوص سؤالك فأقول: إنه يتعذر علينا - للأسف - قراءة النص المسرحي الليبي الآن.. وخلال السنوات الأخيرة، وذلك لعدم وجود نصوص مسرحية تسمح لنا بالتأمل والتقويم.. ليست ثمة نصوص منشورة لا في الصحف، ولا مطبوعة في كتب، أما فيما يخص النص «الركحي»، أي المسرحيات التي تكتب مباشرة إلى الفرق، فقد بدأت بأسلوب مغازلة الثورة، وذلك على سبيل الترحيب بنظام جديد يأمل أصحاب تلك المسرحيات أن يكون أفضل حالاً مما سبقه، بيد أن الأعوام العجاف التي مرت لا تشير إلى ذلك أبداً. وقد استشعرت بعض المسرحيات بخيبة أمل فطفقت تنتقد وتكشف وتعري ولكن رغبة في التنفيس لا رغبة في التغيير. وعلى العموم فإن الخطاب المسرحي الحقيقي.. أي الخطاب الذي يسترشد وينقد ويحلل ما فتئ غائباً. وإذا حضر كموضوع غاب كقيمة فنية.
> عرفنا انك كتبت مسرحية جديدة بعنوان «أحوال حايلة»، وقد وصفتها بأنها «كوميديا سوداء مثل ليلة بلا قمر» تتناول فيها واقع هذه الأعوام العجاف فهل هي من «النوع الذي يسترشد وينقد ويحلل» حسب تعبيرك؟
- نعم.. أزعم أنها كذلك.. إذ إني عنيت عناية خاصة بتصوير السلبيات التي رافقت انتفاضة فبراير (شباط)، ووقفت عند المعوقات التي تحول دون تطور البلاد واستقرارها. وبالمناسبة أنا لم ألقِ اللوم على السياسيين - إن كان حقاً لدينا سياسيون - وإنما ألقيت اللوم على الشعب الذي عبرت بعض فئاته عن مخزون من الدموية والأنانية والجشع وغياب الوعي على نحو لا يوصف، ولذلك تنهض المسرحية على كشف أربعة نماذج تمثل أربعة كيانات أفرزتها المرحلة. ومع ذلك لا أعرف سبيلا إلى عرضها، فكل زملائي من المخرجين الذين تحمسوا للنص ما لبث حماسهم أن خمد واصفين النص بأنه (خطير) وهو ما يعكس إحساسنا بانعدام حرية التعبير، وهكذا يصبح الخوف من المجهول سلطة رقابية من نوع آخر.
> هذا الحديث يقودنا إلى رحلة المسرح الليبي وصراعه مع الرقابة والحجب وهمومهما، فهل يمكننا أن نلقي الضوء على تفاصيل هذه الرحلة الطويلة والمريرة.
- المسرح الليبي هو أكثر الأجناس الأدبية والفنية عرضة للمصادرة والحجب... إنه مسكون بالخوف من السلطة، ومسكون في الوقت ذاته بروح مشاكسة السلطة... إن صراعه مع السلطة الرقابية له فعلاً تاريخ طويل ومرير، وقد حاول المسرحيون الهروب من عين الرقابة بواسطة التحايل... واللف والدوران والتغريب، وتجاوز الزمان والمكان، فأحيانا كان الهروب يتم بواسطة اللجوء إلى التاريخ واستلهام التراث، كما حدث أثناء الاحتلال الإيطالي، وأحيانا باللجوء إلى الغمز واللمز كما هو الحال في العهد الملكي، ومثال ذلك مسرحيات: (العسل المر، وشيخ المنافقين، ولو تزرق الشمس، حوت يأكل حوتاً.. وغيرها). وأحياناً بأسلوب (شد العصا من الوسط) بحيث لا تعرف السلطة الرقابية ما إذا كانت المسرحيات تسير وفق أحكامها أم أنها على الضد، وهذا حدث خلال مرحلة سلطة (العسكريتاريا).
> كأن مسرحنا لم يعش فترة ازدهار أبداً. وإن كان حاله عكس هذا الاستنتاج فإني أسألك: متى عاش المسرح الليبي عصره الذهبي.. إن كان قد عاش فعلا عصراً كهذا؟
- لم يعرف المسرح الليبي عصراً ذهبياً واحداً، بل عاش ثلاثة عصور ذهبية، كان أولها في فترة الأربعينات وتحديدا من سنة 1944 إلى 1948، ففي هذه الفترة كان المسرح الليبي يدور على ستة محاور هي: الفرق المسرحية العاملة وفرق النوادي الرياضية وفرق المؤسسات الشبابية كرابطة الشباب الإسلامية والفرق الإيطالية المقيمة والفرق الإيطالية الزائرة التي كانت لها زيارات شهرية تقريباً، بالإضافة إلى المسرح المدرسي الذي كان له مهرجان خاص يقام كلُّ عام بمناسبة المولد النبوي الشريف.
والعصر الذهبي الثاني كان في فترة الستينات، أي في الفترة الممتدة من سنة 1964 - 1967. في هذه الفترة تولى خليفة التليسي وزارة الإعلام والثقافة فأسس إدارة الفنون والآداب وأسند إلى الفنان المسرحي شعبان القبلاوي قيادة هذه الإدارة، فيما أسندت مهام رئيس قسم المسرح إلى المسرحي عبد الحميد المجراب، فشهد المسرح خلالها هذه الفترة إزهارا طيباً نعثر على صداه في صحف المرحلة المرصعة بكتابات النقاد: سليمان كشلاف، ومحمد أحمد الزوي، وفوزي البشتي، والصيد أبو ديب، وعبد الرحمن الشاطر. والجدير بالذكر أنه في هذه الفترة تأسست فرقتان للمسرح الوطني إحداهما بطرابلس والثانية بمدينة ببنغازي، كما تأسس معهد التمثيل والموسيقى بطرابلس.
أما العصر الذهبي الثالث فانطلق في سنة 1971. وقد قاد حركة الازدهار هذه رجل عشق المسرح على نحو نادر الوجود ألا وهو إبراهيم عريبي الذي يجب أن نحييه بهذه المناسبة، فقد سعى هذا الرجل إلى تأسيس ظاهرة المهرجانات المسرحية، وأصدر لوائح المكافآت للممثلين والمخرجين والكتاب، ووزع مقاراً على الفرق المسرحية وقد كانت قبل ذلك تقيم في «جراجات». وقد أسفرت جهوده النبيلة عن تأسيس الهيئة العامة للمسرح والموسيقى وهي أعلى درجة إدارية يحظى بها المسرح الليبي. وعملت هذه الهيئة على إيفاد عددٍ من المواهب لدراسة فنون المسرح دراسة تخصصية. ومن مميزات هذا العصر الذهبي أنه استطاع أن يخلق أقلاماً جديدة مارست النقد التطبيقي – مع التحفظ - الأمر الذي ساعد في لفت أنظار الناس إلى النشاط المسرحي الوطني. وقد انتكس هذا العصر سنة 1976م. بسببين: أولهما التأويل والوشايات التي كان يقدمها المخبرون - وبعضهم من أهل المسرح - وثانيهما صدور قانون التجنيد الإجباري الذي زج بكثير من رجال المسرح في معسكرات التدريب، ومن بينهم هذا الذي يخاطبك الآن.
> بعد مرور أكثر من مائة سنة على المسرح الليبي، ماذا كسب المسرح الليبي؟ وماذا خسر؟
- كسب المسرح تجربة مديدة انطلقت منذ سنة 1908 على يدي محمد قدري المحامي، وهذه التجربة زاخرة بالعطاء، وتعد من التراث الثقافي الوطني وفيه - بكل تأكيد - دروس وعبر. وخلال هذه الرحلة كسب المسرح مواقف وطنية وقومية وإنسانية واجتماعية مشرفة وهي أجل مكاسبه، ثم كسب كُتاباً رسخوا الدراما كجنس أدبي بجانب الرواية والقصة، ومخرجين مسلحين بالعلم والدراسة مما ساعد على تطوره الحرفي، وكفاءات في مجال التمثيل والديكور والموسيقى التصويرية، وكتاباً حاولوا اقتحام النقد التطبيقي فتركوا لنا تراثاً نقدياً جديراً بالدراسة، وكذلك كسب عددا من الأبحاث الأكاديمية ما يعني ترسيخ وتجذير التجربة المسرحية الليبية. ولكنه في المقابل تخلف على مستوى الفكر والموقف، وبذلك فقد احترامه وتوسعت دائرة التشكيك في وظيفته وفاعليته نتيجة انتشار ظاهرة التطرف.
> هناك من يرى أن أزمة المسرح الليبي، بل العربي عموما واقع في فخ الاشتغال على الموضوع.. على الصياغة الأدبية، أي التركيز على العنصر السمعي أكثر من التركيز على العنصر البصري، وهذا مخالف لشروط الدراما.. أليس كذلك؟
- صدقت.. إن كلمة الدراما في أصلها اليوناني تعنى «الكلام المتزامن مع الحركة» وهذا النوع من الأدب البصري لم يعرفه العرب، وإنما عرفوا وعشقوا الفنون السمعية، إذن ذوق الإنسان العربي هو في الأصل ذوق يعتمد على حاسة السمع لا على حاسة البصر، وذلك كنتيجة لولعهم الشديد بالشعر الذي كان في الأساس شعرا غنائياً وجدانياً وليس حكائياً درامياً.. وهذا الولع يتمثل لنا في ظاهرة سوق عكاظ التي هي مجرد مباراة كلامية يشنف فيها الناس أسماعهم بأحلى الكلم، شعراً كان أم نثراً، ثم شاع فن النثر عن طريق رواة أخبار العرب، وفي العصر العباسي ظهر أدب الكدية، والمقامات، مثل مقامات بديع الزمان الهمداني والحريري، والزمخشري، وهي جميعها تسعى إلى متعٍ سمعية، ومن هنا اعتمد الدين الإسلامي على حاسة السمع لتوصيل آي القران الكريم وشرح أحكامه. وعندما استورد العرب المسرح جعلوه مسرحاً غنائياً يحفل بالشعر قبل سواه، فلا غرو إن افتقد المسرحيون العرب التركيز على القيمة البصرية في أعمالهم الدرامية والانشغال بالموضوع أكثر من الانشغال بطريقة العرض وفق حرفية المسرح، ثم ثمة سبب آخر وهو أن أغلب الذي يكتبون للمسرح العربي هم في الأصل أدباء (شوقي، وعزيز أباظة، والحكيم، وتيمور) وليسوا مسرحيين.. والأدهى من ذلك أن يغرق أصحاب النقد التطبيقي من العرب في ذات المطب حيث نراهم يركزون اهتمامهم على الموضوع ويهملون بقية العناصر الفنية الأخرى.
> ولكن بعض المخرجين يرى أن المسرح الليبي، والعربي عموماً، يعاني أزمة غياب النص.. فما رأيك؟
- هل المقصود هو غياب النص الجيد، أو النص الكوميدي الذي يضحكنا ويسلينا، أو النص التراجيدي أو... أو..؟ ما هو النص الذي يبحث عنه الأساتذة المخرجون ولم يجدونه؟ إن القول بغياب النص ليس سوى تبرير للتكاسل وعدم الاطلاع، والافتقار لشهية القراءة، وإذا كانت شهية القراءة عند المخرجين العرب مفتوحة لما قالوا هذا القول النافل. لقد حلفت صحف ومجلات ومؤسسات عربية بنشر وترجمة وطباعة عدد غير قليل من المسرحيات العربية والعالمية فأين ذهب هذا الكم الهائل من المسرحيات؟
ومن ناحية أخرى... في مطلع السبعينات من القرن الماضي ظهرت فكرة التأليف الجماعي، وهو أن يبدع المسرحيون نصوصاً ارتجالية ثم يعيدون صياغتها حسب المعايير وشروط الدراما. وهذه أيضا وسيلة جيدة لتوفير النص المناسب للفرقة.
ومن جانب ثالث... ثمة حالياً نظرية تدعو إلى التمرد على المؤلف المسرحي وتحرض رجال المسرح على إيجاد نصوصهم الخاصة التي تستجيب لفكرهم وقدراتهم وإمكاناتهم. وعليهم أن يفعلوا... وعندئذ سيتضح لهم أن غياب النص ليس سوى أكذوبة كطائر العنقاء.



واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها. وبينما اتخذت وزارة السياحة والآثار المصرية إجراءات فورية ضد المتورطين في الواقعة، واستبعدتهم من مواقع عملهم وأحالتهم للتحقيق طالب خبراء ومتخصصون بتشديد إجراءات التأمين للمواقع الأثرية، وتشديد عقوبات التعدي على الآثار.

وأصدرت وزارة السياحة والآثار بياناً، الأربعاء، أشارت خلاله إلى تداول صور على بعض مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر قيام سائحتين بتسلق أحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية، ما عدّته الوزارة «مخالفة صريحة لكافة القوانين واللوائح المنظمة للزيارة داخل المواقع الأثرية»، مؤكدة أنه «تم على الفور استبعاد المسؤولين المتورطين في هذه الواقعة من أماكن عملهم، وإحالتهم إلى التحقيق، مع اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم، وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة».

وأكدت الوزارة التزامها الكامل بـ«الحفاظ على المواقع الأثرية والسياحية واحترام قواعد زيارتها، والتصدي بكل حزم لأي تجاوزات من شأنها الإخلال بالضوابط والقواعد المعمول بها، بما يضمن صون التراث الحضاري والأثري المصري».

والسيرابيوم هو سرداب يضم دفنات للعجل المقدس «أبيس» الذي ارتبط بالمعبود بتاح معبود مدينة منف، ويؤدي طريق على جانبيه تماثيل أبو الهول إلى السيرابيوم الذي يتألف من ممرين طويلين كانا يحويان بقايا العجول المحنطة. وقد بدأ استخدام السيرابيوم منذ عهد أمنحتب الثالث بالدولة الحديثة حتى العصر البطلمي، وفق وزارة السياحة والآثار. وتضم ممرات السيرابيوم 24 تابوتاً حجرياً ضخماً، مصنوعة من أحجار صلبة، ويصل وزن كل تابوت إلى نحو 60 طناً، وفق تقديرات أثرية.

ووصف الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، هذه الواقعة بأنها «سلوك فردي وحالات فردية لا ترتقي لمستوى الظاهرة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يجب مراعاة كل الاحتياطات اللازمة في التعامل مع الآثار لضمان حمايتها وحفظها من العبث بها حتى لو كانت حالات فردية»، ودعا عبد المقصود إلى «تشديد الرقابة عبر استخدام المزيد من الكاميرات؛ لأنه لن نستطيع تخصيص عنصر بشري لكل أثر، وهذا يحدث في بعض المواقع، لكن يجب أن يمتد لكل المواقع»، وعدّ الإجراء الذي اتخذته وزارة السياحة «حاسماً ومن شأنه أن يحد ويوقف هذه التصرفات الفردية، ويضع كل شخص أمام مسؤولياته».

وشهدت منطقة سقّارة الأثرية واقعة مشابهة في فبراير (شباط) الماضي؛ إذ تم توقيف مرشد سياحي لقيامه بالرسم على أحد الآثار أثناء الشرح لمجموعة سياحية. وبمواجهته بمقطع فيديو متداول، أقر بارتكاب الواقعة، وبرر تصرفه برغبته في تبسيط المعلومات التاريخية للسائحين، دون تقديره لخطورة الفعل أو تبعاته القانونية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده، وإزالة الرسوم بمعرفة متخصصين.

ممرات السيرابيوم بسقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن معاقبة المتورطين في واقعة السماح لسائحتين بتسلق «تابوت السيرابيوم» بسقّارة، هي إجراء قانوني وفقاً لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته؛ إذ إن القانون يجرم لمس الآثار والتسلق، بالإضافة إلى أن ذلك يدخل في دور الإهمال، مما يستدعي التعامل وفقاً للقوانين.

وقال عامر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الواقعة ليست الأولى في منطقة آثار سقّارة؛ فقد سبقها قبل ذلك كحت بآلة حادة في مقبرة (مريروكا)، وكذلك سرقة جدارية من مقبرة (خنتي_كا)، مما يستوجب إعادة تقييم المنظومة الأمنية بهذه المنطقة المهمة، بالإضافة إلى التفتيش والمتابعة الدورية، ولا بد من وضع كاميرات مراقبة داخل هذه الأماكن المهمة».

وتحدد المادة 45 من قانون حماية الآثار المصرية رقم 117 لسنة 1983 عقوبة من يتسلق أثراً دون ترخيص له بذلك؛ إذ تصل إلى الحبس شهراً وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه (الدولار يساوي نحو 52.85 جنيه مصري)، ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، أن البيان الذي أصدرته وزارة السياحة والآثار حول الواقعة «يعكس قدراً عالياً من المسؤولية المؤسسية في التعامل مع واقعة (تابوت السيرابيوم) في سقّارة بسرعة وحسم؛ إذ بادرت بفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتورطين، في خطوة تؤكد التزامها الصارم بحماية التراث الأثري وصونه».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التحرك السريع يؤكد الوعي بأهمية المواقع الأثرية، ليس فقط بوصفها شواهد تاريخية، بل باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية المصرية وإرثاً إنسانياً عالمياً. كما يعكس حرص الوزارة على تطبيق معايير الانضباط والرقابة داخل المنظومة الأثرية، بما يضمن الحفاظ على هذه الكنوز الفريدة.

وعدّت أن «الحفاظ على الآثار يأتي في صدارة الأولويات. كما يعكس ذلك نهجاً إدارياً يسعى إلى التطوير المستمر، وتعزيز كفاءة الأداء داخل المواقع الأثرية كدليل على جدية الدولة في صون تراثها الحضاري، وقدرتها على التعامل باحترافية مع التحديات، بما يدعم مكانة مصر كوجهة ثقافية وسياحية تحظى بالاحترام والتقدير على المستويين الإقليمي والدولي».


«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
TT

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

لا يكتفي الفنان السوداني الهميم الماحي باستحضار صورة الأم بمعناها المباشر، بل يذهب إلى ما هو أبعد، حيث تتحوَّل الأمومة إلى استعارة للأرض والوطن في معرضه الأحدث «أمومة» الذي يستضيفه غاليري «أكسيس آرت سبيس» بوسط القاهرة.

ويقول الفنان إنه المعرض الفردي هو الثاني له في غاليري «أكسيس»، إذ سبقه معرض «طبقات من الجنوب» عام 2022، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «رغم اختلاف الثيمة، فإنّ المعرض الجديد يُعدّ امتداداً للمعرض الأول، فالأمومة أساس الحياة، وهي رمز وحدة الوطن وتماسكه ودفئه، مثلما هي الحال في الأسرة؛ وهو ما تناولته في معرضي السابق الذي احتفى بالوطن في الأساس».

سردية ممتدَّة عن السودان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «معظم لوحاتي تنبع من الخيال أو مستمدة من البيئة السودانية؛ ولذلك فهي تتجاوز صورة الأم في دورها داخل الأسرة لتغدو العمود الفقري الذي تستند إليه الحياة اليومية بكل تفاصيلها»، مؤكداً أنّ «المرأة السودانية، أدَّت، كما هي الحال في كثير من المجتمعات، خصوصاً التي تواجه تحديات وصراعات، أدواراً مُتشعِّبة، امتدَّت من تدبير شؤون البيت إلى الإسهام في المجال العام، لتكون شريكاً أصيلاً في صياغة ملامح المجتمع وهويته».

ويوضح أنها «في لحظات الطمأنينة كانت ملاذاً للحنان والاحتواء، أما في أوقات الشدَّة، فقد برزت على هيئة قوة صلبة تحيط أسرتها بالرعاية والحماية والصمود».

يظلُّ الوطن حاضراً في تفاصيل العمل (الشرق الأوسط)

وعلى المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية، وتردّد الأشعار والأمثال التي تختزن خبرات الأجيال، وإنما هذه الصورة المضيئة تواجه اليوم، في تلك المجتمعات، في ظلّ الحروب والأهوال العالمية، واقعاً بالغ القسوة، وفق ما تُبينه لوحات الماحي.

وفي عيد الأم، تتجدَّد مكانتها رمزاً للحياة والصبر، وتتجدَّد معه مظاهر الاحتفاء والتقدير؛ ومن هنا أراد الفنان تكريمها من خلال هذا المعرض، وجاءت معالجته لقضية الأمومة، ليس فقط من خلال الوجوه لأمهات أو امرأة وطفلها، إنما جاءت وسط حشود ومَشاهد درامية تسرد كثيراً عن المجتمع العالمي.

ويكشف المعرض، المستمرّ حتى نهاية مارس (آذار) الحالي، عن ارتباط وثيق بين تجربة الفنان وبيئته الأولى من جهة، والعالم المحيط من جهة أخرى، مستخدماً في ذلك المعالجة التجريدية، وهي مرحلة فنّية جديدة تشكَّلت عبر مسار طويل من التجريب.

ففي بداياته، تنقَّل الفنان بين مدارس وأساليب متعدّدة، من رسم البورتريه إلى الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية، في محاولة لاكتشاف أدواته الخاصة.

حضور المرأة وسط الحشود ضمن فلسفة المعرض (الشرق الأوسط)

ويضمّ المعرض نحو 30 عملاً، تتنوَّع في أحجامها وتكويناتها، وتعتمد على الألوان الزيتية والأكريليك، مع ميل واضح إلى الاختزال في الشكل والتركيز على الجوهر.

من اللافت أنه يطرح في مضمونه أسئلة تتّصل بالهوية والانتماء، مثل: «كيف يمكن للإنسان أن يعيد تعريف ذاته بعيداً عن أرضه؟ وهل يصبح الفن بديلاً مؤقتاً عن الوطن أم وسيلة للعودة إليه؟»، هذه التساؤلات تتسلَّل عبر الأعمال بسلاسة، من خلال حشده للشخوص واستحضاره رموزاً ومفردات من بيئته، ممّا يجعل المتلقي جزءاً من التجربة ذاتها.

وفي بعض الأعمال، تتجلَّى الروح الصوفية في تقاطع لافت مع فكرة الأمومة، إذ تتجاور مفاهيم الحبّ والاحتواء مع التجربة الروحية التي تحتفي بالصفاء الداخلي.

ولا يمكن فصل هذا الحضور عن السياق الأوسع للتصوّف، الذي لعبت فيه الأم دوراً مهماً عبر التاريخ، سواء من خلال الممارسة الروحية أو الإسهام في تشكيل الوعي الجمعي، فيقول الماحي: «في بعض الأوساط الصوفية، اندمجت النساء مع الرجال في الطقوس».

المرأة في لوحات المعرض رمز للصمود (الشرق الأوسط)

ويتابع: «وفي طرق صوفية أخرى، اجتمعت النساء في حلقات خاصة بهن للتأمُّل والعبادة بمعزل عن الرجال، بل كرَّست بعض النساء أنفسهن للروحانية زهداً، بينما اختارت أخريات دور المُحسنات ورعين حلقات العبادة والدراسة».

وفي هذا الإطار، تبدو بعض الأعمال كأنها تستعيد هذا الامتداد، عبر رموز وإشارات تفتح المجال لتأويلات متعدّدة.

ينتمي الهميم الماحي إبراهيم إلى جيل من الفنانين الذين تشكَّلت تجربتهم عبر التراكم والمعرفة، إذ تعكس أعماله قدرة واضحة على استيعاب الفنّ وإعادة صياغته برؤية خاصة.

وتعود جذوره إلى قرية «قريب» بولاية القضارف شرق السودان، فهناك تشكَّلت ملامح وعيه الأول، ومنذ بداياته سعى إلى تطوير أدواته؛ فالتحق بمعهد «قصر الشباب والأطفال» قبل أن يشارك في ورشات فنّية مع اتحاد التشكيليين السودانيين، ثم في معارض جماعية، من بينها معرض في «المركز الثقافي الفرنسي» عام 2013، إضافةً إلى مشاركاته في فعاليات تُعنى بحماية التراث والفنون تحت مظلة «المجلس القومي للآداب والفنون».


آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
TT

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

قال الفنان الفلسطيني آدم بكري إنّ مسلسل «صحاب الأرض» حكى عن نفسه من خلال ردود الفعل الواسعة التي تلقّاها، فشهادته فيه مجروحة. وكشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار نفسه، عادّاً فيلم «اللي باقي منك» أهم محطة في مشواره الفنّي، لكونه العمل الوحيد الذي جمعه بوالده الفنان الراحل محمد بكري وشقيقه صالح، مؤكداً أنّ والده رسم صورة واضحة للفنان الفلسطيني، وأنه هو شخصياً رفض أعمالاً أميركية عدّة لأنها تُقدم صورة مشوّهة للإنسان العربي، لأن لديه مسؤولية تجاه الأعمال التي يقدّمها.

وأثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»، لا سيما بعد استشهاده ضمن أحداثه، وقال إنه وافق على العمل بعدما قرأ 3 حلقات فقط منه، إذ لم تكن الحلقات قد اكتمل كتابتها.

وأضاف أنّ المخرج بيتر ميمي تواصل معه، وأوضح له أنّ شخصية «مجد» حسَّاسة تجاه المسؤولية، وأنه تحمَّس كثيراً ليكون جزءاً من هذا العمل، وشعر بأنه سيكون عملاً مصرياً مهماً ولم يحدث قبل ذلك.

آدم بكري في لقطة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنّ «الفلسطينيين الذين عاشوا هذه المأساة تأثروا بالمسلسل، وشعروا بصدقه»، مؤكداً أنّ «صحاب الأرض» حكى عن نفسه عبر ردود فعل إيجابية عربية وأخرى سلبية ردَّدها إسرائيليون، وأنّ العمل ترك الأثر الذي أراده.

«اللي باقي منك»

وجمع الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، للمرة الأولى، بين آدم بكري ووالده الفنان الكبير محمد بكري وشقيقه صالح، وهو الفيلم الذي يستعيد القضية الفلسطينية من خلال 3 أجيال منذ نكبة 1948، وقد لاقى اهتماماً لافتاً وعُرض في عدد من المهرجانات الكبرى. يقول آدم عنه: «إنه من أهم محطاتي الفنّية لأنه العمل الوحيد الذي جمعني بوالدي وشقيقي. كبرتُ ورأيتُ والدي يقدّم سينما فلسطينية يحكي فيها قصصنا، وكنت أتطلّع إلى يوم أُشاركه في هذه المهمّة، فأكون جزءاً من هذا الفيلم وأؤدي دور والدي شاباً، في حين يستكمل هو دوري حين أكبر. مشاركتي له تُشرفني، فأبي مثلي الأعلى والبطل في عيني».

الفنان الراحل محمد بكري في لقطة مع بعض أبطال «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

وتحدَّث عن ظروف التصوير: «كان من المفترض أن نُصوّر في فلسطين، وكانت قد بدأت حرب الإبادة في غزة، فصوَّرنا في قبرص واليونان والأردن. كنا نصوّر وسط الحرب، ومثَّل هذا ثقلاً لمعاناة أهلنا في غزة. ولم تجمعني مَشاهد مع أبي، لكننا كنا نعيش معاً في شقة بقبرص خلال التصوير، وزارتنا أمي، وكانت أياماً لا تُنسى».

ويستعيد ليلة العرض الأول للفيلم: «حضرت العرض الأول للفيلم مع أبي في مهرجان (كارلوفي فاري)، وقد وقف الجمهور يصفّق لـ17 دقيقة متواصلة. كان أبي يجلس بجانبي في العرض، ووضع يده فوق يدي مرات تأثراً بردود الأفعال القوية، ثم جئت إلى مصر ولم أشارك في جولة الفيلم بالمهرجانات، إلى أن توفّي والدي في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي».

ومع بدايته السينمائية المبكرة في فيلم «عمر» للمخرج هاني أبو أسعد، الذي أُنتج عام 2013، لفت آدم بكري الأنظار إلى موهبته، إذ قدَّم بطولة هذا الفيلم الذي وصل إلى القائمة القصيرة في ترشيحات الأوسكار. وبعد نحو 13 عاماً من هذه البداية، يقول: «دائماً كانت لديّ مسؤولية تجاه الأعمال التي أقدّمها، لأن والدي رسم صورة واضحة عن مسؤولية الفنان الفلسطيني تجاه وطنه، فلم يكن في حاجة إلى أن يقول لي ماذا أختار أو أرفض، كان هذا واضحاً لي منذ البداية، فأبي مثلي الأعلى».

ومن هذا المنطلق، لم يشارك آدم في أعمال تُشوّه صورة الإنسان العربي، كما يؤكد: «رفضت أعمالاً عدّة في أميركا تُظهر العربي إرهابياً أو شريراً، وقد بات لديّ نضوج أكبر فكرياً وفنياً، ثم جاءت حرب الإبادة لتضع النقاط على الحروف بالنسبة إليّ، فصارت خياراتي دقيقة وحازمة وحاسمة».

الفنان الفلسطيني آدم بكري لا يُساوم على أدوار تُصوّر العربي شريراً (الشرق الأوسط)

وحظي آدم بكري بتكريم خاص في مهرجان القاهرة السينمائي الماضي، وقد تأثر به، كما يقول: «لا يزال أمامي الكثير. وكان والدي قد كرّمه الفنان عمر الشريف في مهرجان القاهرة أيضاً عام 2005، وتكريمي يزيدني مسؤولية وحماسةً، وتعني لي هذه اللفتة من مصر، فقد تربّيتُ على أفلام عمالقة الفنّ المصري، أمثال عمر الشريف، وأحمد زكي، وسعاد حسني، وعبلة كامل، وغيرهم».

وكشف بكري عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار الذي بدأه في مصر من خلال مسلسل «صحاب الأرض».