كريستوفر وايلي... نجم المصادفة والتكنولوجيا

صنعت شهرته فضيحة «كمبريدج آناليتيكا» وتداعياتها العالمية

كريستوفر وايلي... نجم المصادفة والتكنولوجيا
TT

كريستوفر وايلي... نجم المصادفة والتكنولوجيا

كريستوفر وايلي... نجم المصادفة والتكنولوجيا

سرّب محلل البيانات الكندي كريستوفر وايلي، أخيراً، معلومات مثيرة وغاية في الخطورة عن تورّط شركة استشارات سياسة في التأثير على آراء الناخبين وفقا لملفاتهم في الشبكات الاجتماعية، وذلك خلال الانتخابات الأميركية السابقة واستطلاع الرأي الخاصة بالاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومن خلال ما قاله وايلي، كان بين الأطراف الضالعة في الفضيحة - بجانبه - كل من شركة «كمبريدج آناليتيكا» البريطانية والمجموعة المالكة لها «إس سي إل»، وستيف بانون المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وألكساندر نيكس المدير الحالي لـ«كمبريدج آناليتيكا»، والملياردير روبرت ميرسر أحد كبار داعمي الرئيس ترمب و«حزب استقلال المملكة المتحدة» UKIP، والباحث الروسي ألكساندر كوغان، وشركتا «أغريغيت آي كيو» الكندية و«بلاك كيوب» الإسرائيلية، ورئيس UKIP نايجل فاراج وشركة «فيسبوك».
ولقد طالب الكونغرس الأميركي ومجلس العموم البريطاني سماع إفادة وايلي، وكذلك مارك زوكربيرغ، مؤسس «فيسبوك» حول ملابسات ما حدث، مع استمرار كشف وايلي المزيد من تفاصيل ما حدث إبان فترة عمله في «كمبريدج آناليتيكا».
فجّر الشاب الكندي كريستوفر وايلي Christopher Wylie مفاجأة «عالمية» من العيار الثقيل خلال شهر مارس (آذار) حول عملية تحايل على نظام «فيسبوك» بهدف سرقة بيانات ملفات ملايين المستخدمين للتأثير على رأي الناخبين الأميركيين إبان الانتخابات الرئاسية السابقة، واستطلاعات الرأي المتصلة بالاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولكن من هو هذا الشاب الذي أصبح اسمه متداولا بين ليلة وضحاها، وكيف استطاع الحصول على هذه المعلومات الخطيرة؟
- النشأة وبداية المسيرة
كريستوفر - أو «كريس» - وايلي شاب كندي يبلغ من العمر 28 سنة. والده هو الدكتور كيفن وايلي ووالدته الدكتورة جوان كاروثرز. ولقد نشأ في مدينة فيكتوريا عاصمة ولاية بريتيش كولومبيا في أقصى غرب كندا، لكنه مرّ بمرحلة صعبة في المدرسة، حيث أزعجه الكثير من الطلبة المتنمّرين، واعتدى عليه شخص مختل عقلياً عندما كان عمره 6 سنوات فقط، وأخفت مدرسته هذا الأمر ولكنه استطاع الحصول على تسوية بقيمة 290 ألف دولار كندي في العام 2000، وإبان طفولته شخصت معاناته من متلازمة عسر الكلام واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، ليترك المدرسة بسبب كرهه لها وغضبه من النظام التعليمي عندما كان لا يزال في سن الـ16 من دون أي مؤهلات تساعده في الحياة.
مع ذلك، عمل الشاب الموهوب العديم الخبرة مع السياسي الكندي الليبرالي السابق مايكل إغناتييف عندما كان عمره 17 سنة، وتعلم بعد ذلك علوم البيانات من كين ستراسما، الاستراتيجي السياسي للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. ومن ثم علّم نفسه البرمجة عند بلوغه سن 19 سنة، واستطاع بفضل فطنته الواسعة الحصول على عمل في حزب الأحرار الكندي الليبرالي (الحاكم حالياً) كخبير رقمي قبل أن ينتقل إلى بريطانيا في سن العشرين، ويدرس الحقوق في إحدى أشهر جامعاتها، مدرسة لندن للاقتصاد.
عمل وايلي حزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني في العام 2012، وساعد الحزب يومذاك في ترقية نظام قواعد بياناته وآلية استهداف الناخبين. واليوم يصف وايلي نفسه بأنه «نباتي، ومثلي الميول الجنسية، وينتمي إلى حزب الأحرار الكندي وحزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني».
- أول السلّم... صعوداً
عندما كان عمره 23 سنة، برزت أهميته حين سعى للحصول على شهادة في التنبؤ بنزعات الأزياء، واستطاع ابتكار طريقة تحلّل البيانات الضخمة والشبكات الاجتماعية لاستهداف الناخبين في الانتخابات. ومن ثم تعرف على مجموعة «إس سي إل» SCL التي أسست شركة «كمبريدج آناليتيكا» البريطانية للاستشارات السياسية. وبدأ حينذاك يفكر بكيفية استخدام ما يفضله الأفراد للتنبؤ بتصرّفاتهم السياسية، ولم يلبث أن عرض عليه ألكسندر نيكس، مدير شركة «كمبريدج آناليتيكا»، عملاً في الشركة وفرصة لتطبيق أفكاره الجنونية. وبالفعل، باشر وايلي العمل في الشركة التي كانت تعمل مع وزارات الدفاع الأميركية والبريطانية في مجال حروب البيانات، ولتبدأ عندها مرحلة «عمليات المعلومات» التي نالت إعجاب الاستراتيجيين السياسيين، بمن فيهم ستيف بانون.
بانون، المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، كان حلقة الوصل بين «كمبريدج آناليتيكا» وحملة الرئيس الأميركي - إذ كان بانون يترأس «كمبريدج آناليتيكا» في السابق - التي يموّلها الملياردير اليميني المتشدد روبرت ميرسر، المؤيد لدونالد ترمب، إذ يعتبر ميرسر أكبر المستثمرين في «كابريدج آناليتيكا» بـ16 مليون دولار أميركي. ومن جهة ثانية، تعاون بانون مع باحث علوم نفسية روسي في جامعة كمبريدج البريطانية العريقة، اسمه ألكسندر كوغان، من خلال شركة الباحث «غلوبال ساينس ريسيرتش» Global Science Research التي قدّمت البيانات إلى «كمبريدج آناليتيكا». وما يزيد الأمر سوءاً أن كوغان هذا تعاون مع شركة نفط روسية مقرّبة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان بالادعاءات السائرة في الولايات المتحدة بأن الحكومة الروسية تلاعبت بالانتخابات لصالح ترمب، والذي قد يعني أن عملية انتخاب الرئيس الأميركي ليست شرعية.
- الصلة مع «فيسبوك»
وايلي ادعى أن «كمبريدج آناليتيكا» استغلت آلية في «فيسبوك» لجمع معلومات من ملفات الناخبين المستهدفين من خلال تطبيق خاص أطلقه الباحث كتجربة علمي، ثم تكوين ملف نفسي متكامل لكل منهم وفقا لما يحبّونه ويكرهونه من المنشورات ومّن هم أصدقاؤهم. وبعد ذلك بوشر العمل على إيجاد سبل للوصول إليهم والتأثير عليهم وتطوير الدراسات لتحليل بيانات الأفراد المستهدَفين في «فيسبوك» من خلال التطبيق الذي يتطلب الدخول إليه ما يعرف في عالم البرمجة بواجهة برمجة التطبيقات Application Programming Interface API.
هذا الأمر يتيح لأطراف غير تابعة لـ«فيسبوك» بالحصول على بيانات من مستخدمي «فيسبوك»، وليس فقط من يستخدم التطبيق المخادع، مثل جميع من يتواصل معهم في الشبكة، وذلك بهدف إيجاد نماذج للشخصيات واستغلال ما يفضلونه وما يؤثر بهم لبناء الحملات الانتخابية واستهدافهم بشكل أفضل. كذلك نشرت الشركة أخبارا مزيفة للتأثير في قرارهم الانتخابي. ولقد ضم فريق العمل مصممي رسوم وكتّاباً ومنتجي أفلام ومصورين عكفوا على إنتاج محتوى مضلل بأشكال عديدة حسب اهتمامات المجموعات المستهدفة.
- مرحلة عمل جديدة
كريستوفر وايلي ترك العمل في «كمبريدج آناليتيكا» عام 2014، وتواصل مع «فيسبوك» وأخبرهم بما تفعله الشركة. وقدم أخيراً مجموعة رسائل بريد إلكتروني ووثائق تثبت أن شركة «كمبريدج آناليتيكا» استطاعت سرقة معلومات من حسابات «فيسبوك» تابعة لملايين الناخبين المستهدَفين في حملتي الانتخابات الأميركية والاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. من جهة ثانية، ذكر وايلي أيضاً، أن شركة «أغريغيت آي كيو» الكندية المرتبطة بـ«كمبريدج أناليتيكا» عملت أيضاً للمساعدة في استهداف البريطانيين لتحفيزهم على التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ذلك أنه كان للحملة الرسمية لدعم التصويت لصالح الخروج إمكانية الوصول إلى البيانات التي سبق جمعها بطريقة غير مباشرة من مستخدمي «فيسبوك»، وأن «أغريغيت آي كيو» اعتمدت على قواعد بيانات «كمبريدج آناليتيكا» لعملها في استفتاء الاتحاد الأوروبي. وأوضح بأن «أغريغيت آي كيو» طوّرت برنامج كومبيوتر اسمه «ريبون» واستخدمته لتحديد هويات الناخبين المحتملين من خلال تحليل بياناتهم في «فيسبوك». وللعلم، كان روبرت ميرسر أحد كبار داعمي «حزب استقلال المملكة المتحدة» الذي قاد حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولقد قدّم جميع خدمات «كمبريدج آناليتيكا» مجاناً إلى نايجل فاراج رئيس ذلك الحزب، الذي لم يبلغ السلطات البريطانية عن هذا الأمر.
- الزاوية التقنية
كيف حدث ما حدث، من الزاوية التقنية؟
وفق المعلومات التي أدلى بها وايلي، استخدم الباحث الروسي ألكسندر كوغان تطبيقاً خاصاً كتجربة اجتماعية ونفسية على مئات الآلاف من المستخدمين الذين كان يجب عليهم مشاركة بياناتهم الخاصة بـ«فيسبوك». ومن ثم، استطاع التطبيق معرفة عادات المستخدمين ورغباتهم، وجمع المزيد من البيانات عنهم وعن أصدقائهم دون علمهم أو موافقتهم. وفيما بعد، قدّم هذه البيانات إلى شركة «كمبريدج آناليتيكا» لتحليلها واستنباط شخصية كل مستخدم، وإعداد إعلانات وأخبار ملفقة للتأثير على رأيهم الانتخابي، وذلك - حسب زعمه - بهدف مساعدة المرشح الجمهوري يومذاك دونالد ترمب على الفوز في الانتخابات الرئاسية الأميركية بمطلع نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016 من خلال مستشاره السابق ستيف بانون. وفي بريطانيا، أمر شبيه بذلك حدث مع قضية التأثير على نتيجة الاستفتاء الخاص بمسألة خروج بريطانيا من أسرة الاتحاد الأوروبي.
- بخاري... وواينشتين
وفي السياق ذاته، ولكن في مواضع أخرى، زعم وايلي خلال شهادته أمام البرلمان البريطاني بأن «كمبريدج آناليتيكا» استعانت بشركة استخباراتية إسرائيلية خاصة اسمها «بلاك كيوب» لاختراق حسابات الرئيس النيجيري محمد بخاري والوصول إلى سجلاته الطبية ورسائل البريد الإلكتروني الخاصة به. وحسب زعمه، جرى التعاقد بين «كمبريدج آناليتيكا» و«بلاك كيوب»، من خلال شركة «أغريغيت آي كيو»، لاستخدام البيانات التي حصلت عليها «بلاك كيوب» لنشر عروض فيديو معادية للمسلمين على «فيسبوك» بهدف الإضرار بحملة الرئيس بخاري. وأضاف أن «كمبريدج آناليتيكا» سعت أيضاً للتأثير على العديد من الحملات الانتخابية في دول نامية بشكل منتظم.
وبعيداً عن السياسة، أشار وايلي إلى أن شركة «بلاك كيوب» الإسرائيلية قدّمت خدماتها للمنتج الهوليوودي المعروف هارفي واينستين لردع النساء اللواتي اتهمنه بالتحرّش أو الاعتداء الجنسي خلال عقود من الإساءة في أروقة هوليوود الفنية. وكان موظفان يعملان في «بلاك كيوب» قد أدينا بتهمة التجسس على أعلى مسؤول لمكافحة الفساد في رومانيا في العام 2016.
هذا، ويصف صحافيون في صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية كريستوفر وايلي بأنه شخص ذكي وصاحب روح دعابة، كما أنه يتذمر كثيراً وحديثه مليء بالكلمات النابية، وهو فضلاً عن ذلك نهم ثقافيا ويحب تعلم المزيد، وبارع في سرد القصص وماهر في السياسة وعلوم البيانات. واليوم، يدعو وايلي إلى إصلاح «فيسبوك» وليس حذفه، قائلا بأن التواصل مع الآخرين بات مستحيلاً من دون هذه المنصات، ولكن لا بد من وضع ضوابط لها.
- يمكن متابعة «كريستوفر وايلي» في «تويتر» في حسابه @ChrisInSilico
كيف تكتشف حجم ما يخزنه «فيسبوك» عن حياتك؟
- تستطيع معاينة أرشيفك الذي يخزنه «فيسبوك» ويعرفه عنك بتحميل ملفك منه عبر متصفح الإنترنت للكومبيوتر الشخصي، وذلك بالذهاب إلى أيقونة المثلث أعلى صفحة «فيسبوك» والنقر عليها واختيار «الإعدادات» Settings، ومن ثم النقر على رابط «تحميل نسخة من بياناتك في «فيسبوك» Download a copy of your Facebook data، ومن ثم الضغط على زر «البدء بتحميل أرشيفي» Start My Archive وإدخال كلمة السر الخاصة بحسابك في «فيسبوك».
ويجب الانتظار قليلا ريثما ينتهي «فيسبوك» من تجميع بياناتك، وسيخبرك بعد قليل بأن العملية قد تمت. ويجب بعد ذلك الضغط على زر «تحميل الأرشيف» Download Archive لتحصل على نسخة مضغوطة بامتداد Zip من حياتك الرقمية في «فيسبوك» منذ انضمامك إليه.
ويمكن بعد فك ضغط النسخة معاينة كل ملف حدة لاكتشاف تفاصيل حياتك الرقمية التي قد تكون نسيتها، مثل ملفات الصور وعروض الفيديو وجميع الرسائل المتبادلة والفعاليات التي شاركت بها وكل إعلان ضغطت عليه والمنشورات التي أعجبتك والتطبيقات التي حملتها والمناوشات الطريفة مع الآخرين عبر زر «الوخز» Poke وعروض الفيديو والصور التي نشرتها ومنشورات جدارك، وغيرها من التفاصيل الأخرى.


مقالات ذات صلة

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا (الولايات المتحدة))
تكنولوجيا صورة للرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ وشعار الشركة (أرشيفية - أ.ف.ب)

زوكربيرغ يعمل على تطوير وكيل ذكي لمساعدته في مهامه

يعمل مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» على تطوير مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدته في أداء مهامه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)

تعرف على وسائل التواصل الاجتماعي الأسوأ لصحتك النفسية

كشف تقرير عالمي حديث عن أن تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك» ترتبط بتأثيرات سلبية أكبر على الصحة النفسية مقارنة بـ«فيسبوك» و«واتساب».

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا إحدى نظارات «ميتا» في برشلونة (أ.ف.ب)

تقرير: نظارات «ميتا» تتجسس على مرتديها في المرحاض

زعم تقرير صحافي أن لقطات مصورة بنظارات «ميتا»، التي تتضمن أشخاصاً يخلعون ملابسهم أو يجلسون في المرحاض، تُشاهد من قبل موظفين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
إعلام مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.