محسن فخري الرأس المدبر لجهود التسلح النووي الإيراني السرية

شخصية غامضة نادرا ما يظهر في العلن وطهران ترفض طلب الوكالة الذرية اللقاء معه

محسن فخري الرأس المدبر لجهود التسلح النووي الإيراني السرية
TT

محسن فخري الرأس المدبر لجهود التسلح النووي الإيراني السرية

محسن فخري الرأس المدبر لجهود التسلح النووي الإيراني السرية

يعتقد أنه يتصدر لائحة المسؤولين الإيرانيين الذين تضع الوكالة الدولية للطاقة الذرية علامات استفهام حولهم. ويتحدث عنه المعارضون الإيرانيون في الخارج على أنه الرأس المدبر للجهود السرية لتصميم قنبلة نووية. لكن في حين تنفي طهران سعيها لحيازة أي أسلحة نووية فإنها تلزم الصمت التام تجاهه.
لم ينضم محسن فخري زادة - الذي ربما يكون محاطا بحراسة أمنية مشددة - إلى المحادثات التي جرت هذا الأسبوع في العاصمة النمساوية فيينا بين إيران والدول الست الكبرى بهدف إبرام اتفاق بحلول 20 يوليو (تموز) ينهي صراعا مستمرا منذ عشر سنوات حول التطلعات النووية لطهران.
ولكن مسؤولين وخبراء غربيين يعتقدون وفقا لتقرير لـ«رويترز» أن هذه الشخصية العسكرية التي تعيش في الظل لعبت دورا محوريا في جهود يعتقدون أن إيران قامت بها في الماضي لتطوير وسائل تجميع رأس نووي خلف واجهة برنامج مدني معلن لتخصيب اليورانيوم.
وهم يقولون: إن إلقاء الضوء على أنشطته المشتبه بها ضروري لإدراك المدى الذي بلغته إيران والتأكد من عدم استمرارها في هذه الجهود وهو أمر يريد الغرب أن يضمنه في أي تسوية معها.
ولكن قول هذا أسهل من فعله.. فالرجل تحيط به هالة من الغموض الشديد ونادرا ما يظهر في العلن هذا إن ظهر أساسا. وقلة قليلة ممن يعيشون خارج إيران هي التي تعرف شكله على وجه اليقين ناهيك عن كون أحدهم قد التقى به أساسا.
وقال دبلوماسي غربي معارض للبرنامج النووي الإيراني ولا ينتمي لأي من الدول التي تفاوض طهران إذا اختارت إيران التسلح فسيكون معروفا أن فخري زادة أبو القنبلة النووية الإيرانية.
وتقول إيران بأنها لا تخصب اليورانيوم إلا لتشغيل شبكة محطات للطاقة النووية تخطط لبنائها وليس لاستخدامه في قنابل نووية وهو اتهام تتهم خصومها الغربيين بتلفيقه.
وتريد الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ فترة لقاء فخري زادة في إطار تحقيق حول ما إذا كانت إيران قد أجرت أبحاثا غير مشروعة عن الأسلحة النووية.
وقال مصدر دبلوماسي مطلع على الأمر بأن إيران لم تبد أي إشارة على أنها ستلبي الطلب ولكنها اعترفت قبل سنوات بأنه شخص موجود بالفعل وقالت: إنه ضابط في الجيش لا صلة له بالبرنامج النووي. ولم يتسن الحصول على تعليق من إيران أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
غير أن مصدرا إيرانيا رفيعا وصف فخري زادة بأنه قيمة في حد ذاته وخبير كرس جهوده في المساهمة في تقدم إيران تكنولوجيا ويتمتع بالتأييد الكامل من الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي حسب تقرير رويترز.
وأضاف المصدر أن فخري زادة يملك ثلاثة جوازات سفر وقد سافر إلى أماكن كثيرة - من ضمنها آسيا - للاطلاع على أحدث المعلومات من الخارج لكنه لم يتطرق لتفاصيل. وتقول مصادر أمنية غربية بأن إيران بارعة في الحصول على المواد النووية والمعرفة التقنية من السوق الدولية السوداء.
وربما يكون اغتيال أربعة علماء إيرانيين على صلة بالبرنامج النووي بين عامي 2010 و2012 قد زاد إيران إصرارا على عدم اتصال الوكالة الدولية للطاقة الذرية بفخري زادة خوفا من أن يقود هذا إلى تسرب معلومات عنه أو عن مكان إقامته. واتهمت إيران خصميها اللدودين الولايات المتحدة وإسرائيل بأنهما وراء هذه الاغتيالات.
وجاء في تقرير مهم أصدرته الوكالة الدولية عام 2011 أن فخري زادة شخصية محورية في الجهود الإيرانية المشتبه بها لتطوير التكنولوجيا والمهارات اللازمة لتصنيع قنابل نووية. وأشار إلى أنه ربما ما زال يلعب دورا في هذه الجهود.
وكان فخري زادة - الذي يعتقد أنه ضابط رفيع في الحرس الثوري - هو الإيراني الوحيد الذي ورد اسمه في التقرير.
وقال مارك فيتزباتريك مدير برنامج الحد من الانتشار النووي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن لو كان للوكالة الدولية للطاقة الذرية قائمة بأسماء أبرز المطلوبين لتصدرها فخري زادة.
كما ورد اسم فخري زادة في قرار صدر عن الأمم المتحدة بشأن إيران عام 2007 على أنه شخص يشارك في النشاطات النووية أو الباليستية. وقال جاري سامور الذي كان يتولى حتى عام مضى منصب كبير خبراء ملف الانتشار النووي في فريق الأمن القومي للرئيس الأميركي باراك أوباما يعد الدكتور فخري زادة قائد برنامج التسلح النووي الإيراني الذي كان قائما قبل عام 2003.
وأضاف ترغب الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التحدث معه عن نشاطاته السابقة والحالية.
وقال مسؤول غربي بارز بأن احتمال قيام إيران بمواصلة نشاطها السري المرتبط بأبحاث القنبلة النووية بينما هي تفاوض الدول الكبرى لن يكون مفاجأة على الإطلاق.
وأضاف أن دفع المفاوضات قدما هو الأهم الآن إذ يتوجب على طهران إنهاء أي نشاط مرتبط بالقنبلة النووية إذا ما أرادت تخفيف العقوبات الدولية المفروضة عليها. وقال: إنهم يريدون شيئا ونحن نريد شيئا في المقابل.
وقال مصدر استخباراتي بإحدى الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذي بأن فخري زادة يبدو مديرا ذا كفاءة للغاية يزرع الولاء بين جميع من يعمل معه. وعلق المسؤول الإيراني قائلا: إنه شخص متواضع للغاية يدعم الفريق الذي يعمل معه.
وفي مايو (أيار) الماضي أصدرت جماعة إيرانية معارضة في الخارج تطلق على نفسها اسم المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تقريرا تضمن صورة قالت: إنها لفخري زادة. ويظهر الرجل في الصورة بشعر داكن وباللحية التقليدية التي يطلقها عادة مؤيدو الزعامة الإسلامية في إيران. ولم يتسن التحقق من صحة الصورة من مصدر مستقل. وقال متحدث باسم الجماعة المعارضة بأن الصورة ليست حديثة جدا ولكنه لم يقدم أي تفاصيل.
وقال المجلس بأن فخري زادة ولد عام 1958 في مدينة قم وأنه نائب لوزير الدفاع وضابط في الحرس الثوري برتبة بريجادير جنرال. وأضاف أنه يحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة النووية ويحاضر في جامعة الإمام الحسين بإيران. كما ذكر أنه رئيس هيئة سرية تقف وراء الأنشطة المرتبطة بالقنبلة الذرية ويطلق عليها مركز القيادة.
وقال الخبير النووي ديفيد ألبرايت هذه المعلومات تتماشى مع الاعتقاد العام بأن فخري زادة أدار وربما لا يزال يدير نوعا من البرامج التي تبدو متصلة بتطوير السلاح النووي.
وكان المجلس الوطني للمقاومة الإسلامية هو من كشف عن مفاعل تخصيب اليورانيوم في ناتانز ومنشأة إنتاج المياه الثقيلة في أراك عام 2002. ولكن المحللين يقولون: إن سجل المجلس متباين وإن لديه أجندة لتغيير النظام في إيران.
وقال طارق رؤوف وهو مسؤول رفيع سابق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وينتقد تحقيقها بأن المجلس الوطني ربما يحاول إعاقة المفاوضات بين إيران والقوى الكبرى.
وأضاف رؤوف - وهو الآن باحث في معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي - في رسالة بالبريد الإلكتروني لـ«رويترز» أتشكك في أن العمل المرتبط بالسلاح النووي لا يزال جاريا.
وتحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ سنوات فيما تصفه بالأبعاد العسكرية المحتملة للبرنامج النووي الإيراني. وتنفي إيران صحة هذه المزاعم ولكنها عرضت توضيحها بعد أن تولى البراغماتي حسن روحاني رئاسة البلاد في العام الماضي.
ولكن المسؤولين الغربيين يقولون: إن على إيران أن تزيد من التعاون مع الوكالة الدولية - التي يقع مقرها في فيينا - ويرون هذا الأمر مصيريا لإنجاح فرص التوصل إلى نتيجة للمفاوضات المنفصلة بين إيران والقوى العالمية حول كبح برنامج طهران النووي في مقابل رفع العقوبات عنها وهو اتفاق يمكن أن يستأصل خطر اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط.
وقدم تقرير الوكالة عام 2011 صورة عن برنامج تسليح منظم تم وقفه عام 2003 عندما تعرضت إيران لضغوط غربية واستشهد في ذلك بمعلومات من دول أعضاء ومصادر أخرى لكنه ذكر أن بعض النشاطات استؤنفت لاحقا.
وضمنت الوكالة تقريرها دراسات بشأن حسابات المنتج النووي ووسيلة إطلاق السلاح النووي وهي نشاطات يحتمل أنها استمرت بعد عام 2003 وربما حتى عام 2009.
وقالت الوكالة الدولية بأنه في 2002 - 2003 أو نحو ذلك كان فخري زادة هو المسؤول التنفيذي لبرنامج التسليح النووي الإيراني المزعوم. وأضافت أن معلوماتها تشير إلى أن البرنامج شمل دراسات ذات صلة باليورانيوم والقنابل شديدة الانفجار وإعادة تصميم مخروط صاروخي ليصبح قابلا لحمل رأس نووي.
وأصبح فخري زادة فيما بعد رئيسا لهيئة تدعى منظمة الابتكار والأبحاث الدفاعية وذلك وفقا لمعلومات استخباراتية من بلد لم يكشف عنه التقرير.
وقال تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشعر الوكالة بالقلق لأن بعض النشاطات التي جرت بعد عام 2003 ربما كانت وثيقة الصلة ببرنامج يرمي لإنتاج سلاح نووي.
وقال مصدر مطلع على المعلومات الاستخبارية بشأن هذا الموضوع بأنه فخري زادة اعترض فيما يبدو على قرار القيادة الإيرانية تعليق أبحاث القنبلة النووية قبل أكثر من عقد مشيرا إلى أنه ملتزم شخصيا بالمشروع.
وقال فيتزباتريك لا مجال لأن تسمح إيران بالتواصل معه. ستقول: إن هذا سيعرضه للخطر وإن اسمه ربما يكون واردا فعلا على قائمة اغتيال.



استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران
TT

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

ذكرت وكالة «تسنيم» للأنباء شبه الرسمية، أن بعض المنشآت التابعة لقطاع النفط في حقل بارس الجنوبي ومنطقة عسلوية في إيران تعرضت لهجوم، الأربعاء، مضيفة أن حجم الأضرار لم يتضح بعد.

وأضافت الوكالة أن منشآت بتروكيماوية في حقل بارس الجنوبي كانت من بين الأهداف.

قال التلفزيون الرسمي في إيران، الأربعاء، إن طهران استهدفت تل أبيب بصواريخ ​تحمل رؤوساً حربية عنقودية، فيما وصفته بأنه رد على قتل إسرائيل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.

بدوره، قال وزير الخارجية ​الإيراني عباس عراقجي إن موقف طهران ‌الرافض لصنع ‌أسلحة ​نووية ‌لن ⁠يتغير ​بشكل كبير، ⁠مشيراً إلى أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي لم يعبّر بعد ⁠عن رأيه ‌علناً ‌في هذا الشأن.


واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
TT

واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)

مع نهاية الأسبوع الثالث من الحرب ضد إيران، تبدو الصورة أقل التباساً من الضوضاء السياسية المحيطة بها... فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا بالفعل اختراقات عسكرية هائلة: تصفية قيادات عليا، وتدمير واسع للبنيتين الصاروخية والبحرية، مع التآكل الواضح في قدرة طهران على الضرب بالحجم نفسه الذي بدأت به الحرب.

لكن هذا التقدم لم يُترجم حتى الآن إلى نهاية سياسية واضحة، لا في شكل انهيار للنظام، ولا في شكل قبول إيراني بشروط أميركية نهائية. وفي هذا التوقيت، لا تبدو طهران على وشك الانهيار، كما لا تبدو واشنطن في وارد التراجع، وفي هذه الفجوة تحديداً يتموضع السؤال الأهم: أين تقف واشنطن من تحقيق أهدافها فعلاً، وهل تضغط على طهران نحو التفاوض، أم تدفعها إلى مزيد من التشدد واستخدام مضيق هرمز سلاحاً لمساومة العالم؟

تفوق عسكري دون حسم سياسي

على المستوى العسكري، يصعب إنكار أن واشنطن تمضي بعيداً في تحقيق أهدافها المباشرة. فالحملة الأميركية - الإسرائيلية أصابت منذ يومها الأول مئات المواقع، واستهدفت القيادة العليا والبنية الصاروخية والدفاعات الجوية ومراكز «الحرس الثوري»، فيما تقول إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن قدرات إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة تراجعت بشكل حاد. كما أن مقتل علي لاريجاني، الذي كان يُنظر إليه بوصفه القائد المدني الفعلي في ظروف الحرب، وغلام علي رضا سليماني قائد «الباسيج»، يمثل ضربة إضافية ثقيلة لطبقة القيادة التي تدير الأمن الداخلي والحرب معاً.

هنا يبرز ما قاله مايكل روبين، كبير باحثي شؤون إيران والشرق الأوسط في «معهد أميركان إنتربرايز»، لـ«الشرق الأوسط»: «عسكرياً، تهزم الولايات المتحدة إيران بسهولة. لكن في الرأي العام، تتفوق إيران على الولايات المتحدة عبر عملياتها المعلوماتية وحربها النفسية».

وهذه الملاحظة تصيب جوهر المرحلة الراهنة. فواشنطن، وفق روبين، «أزالت قسماً كبيراً من القيادة الإيرانية، وضربت بدقة معظم الأهداف التي أرادت إصابتها، بما يوحي بأن البنتاغون كان يجمع بنك الأهداف منذ سنوات طويلة». ويضيف روبين: «لكن هذا النجاح لم يتحول بعد إلى سردية انتصار سياسي مكتمل؛ لأن طهران لا تزال قادرة على إظهار تماسك الدولة، وعلى تصوير الحرب بوصفها معركة صمود لا هزيمة».

المشكلة أن أجهزة الاستخبارات الأميركية نفسها كانت قد قدّرت قبل الحرب أن هجوماً واسعاً لن يكون كافياً لإسقاط النظام الإيراني أو فتح الطريق سريعاً أمام بديل داخلي. وبعد أكثر من أسبوعين من القصف، لا تزال التقديرات الغربية تتحدث عن نظام أضعف؛ لكنه أشد تصلباً مع قبضة أكبر لـ«الحرس الثوري»، لا عن نظام يتداعى. بهذا المعنى، فإن واشنطن تقترب من تحقيق «سقفها العسكري» أكثر مما تقترب من إنجاز «هدفها السياسي» الأشمل، خصوصاً إذا كان هذا الهدف يتجاوز الردع وتخريب البرنامجين الصاروخي والنووي إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية في إيران.

لاريجاني لدى تقديم أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة بمقر الانتخابات الإيرانية في طهران خلال مايو 2024 (أ.ف.ب)

إضعاف للنظام أم دفعه لمزيد من التشدد؟

اغتيال لاريجاني مهم ليس فقط لرتبته، بل لدلالته. الرجل كان يوصف في تغطيات أميركية بأنه من أكبر الشخصيات قدرة على الجمع بين البراغماتيين والمتشددين، كما كان يمثل، في نظر بعض التقديرات، شخصية يمكن أن تتكلم مع الغرب بلغة سياسية أعلى مرونة من كثيرين داخل الحلقة الصلبة. لذلك؛ فإن مقتله يضعف، دون شك، القدرة المؤسسية للنظام، لكنه قد يدفع أيضاً نحو نتيجة معاكسة: تقوية الجناح الأكبر تشدداً وارتباطاً بـ«الحرس الثوري»، أي الجناح الأقل استعداداً لتقديم تنازلات سريعة.

وتعزز التقارير الأميركية والإسرائيلية الأخيرة هذا الاستنتاج؛ فـ«واشنطن بوست» نقلت عن تقديرات استخبارية أميركية أن النظام الإيراني يرسخ سلطته رغم الخسائر، وأن الاحتمال الأرجح هو بقاء الجمهورية الإسلامية، ولكن في صيغة أكبر تشدداً وتغولاً أمنياً، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن الرهان الإسرائيلي على انتفاضة شعبية سريعة يصطدم بواقع أن أجهزة القمع لا تزال ممسكة بالأرض، وأن أي حراك واسع قد يتعرض لمذبحة أكثر من تحوله إلى تغيير نظام.

وهنا يبرز رأي باراك بارفي، الباحث في «نيو أميركا»، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، بوصفه النقيض المباشر بشكل شبه كلي لقراءة روبين. يقول: «مع كل يوم يمر، تزداد مغالطات هذه الحرب اتضاحاً، كما يزداد اتضاحاً عجز الإدارة عن إيجاد مخرج منها. وبينما يتباهى الرئيس بأن الحرب تسير بشكل رائع، فإن الواقع أنه لا يملك مخرجا آمناً لإنهائها». يذهب بارفي أبعد من ذلك حين يعدّ أن الإيرانيين هم من سيحددون توقيت نهاية الحرب، لا ترمب. قد يكون في هذا الرأي قدر من المبالغة إذا قيس بحجم التدمير العسكري الذي لحق بإيران، لكنه يلتقط عقدة أساسية: طهران لم تعد تراهن على كسب الحرب في الميدان، بل على إفشال ترجمة الإنجاز الأميركي إلى تسوية سياسية مريحة لواشنطن. وهذا فرق جوهري.

ناقلة نفط راسية في مسقط بعد تعطل حركة الملاحة بمضيق هرمز (رويترز)

مضيق هرمز لم يُحسم

إذا كان ميزان النار يميل بوضوح إلى واشنطن، فإن ميزان الضغط السياسي والاقتصادي لا يزال أشد تعقيداً. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، تحول إلى عقدة الحرب الأساسية.

واللافت أن الولايات المتحدة، رغم سيطرتها الجوية وضرباتها المكثفة، لم تنجح حتى الآن في تحويل هذه السيطرة إلى «أمن ملاحي» كامل. تقارير أميركية وصفت المضيق بأنه أشبه بـ«صندوق قتل» بفعل الصواريخ المتحركة والزوارق السريعة والألغام والطائرات المسيّرة، فيما تباطأت حركة الشحن وارتفعت أسعار النفط العالمية بقوة.

هنا أيضاً تتكشف حدود القوة الأميركية. فترمب صعّد هجومه على الأوروبيين وحلفاء «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» بعدما رفضت دول أساسية إرسال قوات بحرية للمشاركة في فتح المضيق، بينما شدد قادة أوروبيون على أن هذه ليست حربهم، وأن الـ«ناتو» تحالف دفاعي لا يُلزمهم بالانضمام إلى حرب اختيارية في الشرق الأوسط.

هذا الرفض ليس تفصيلاً دبلوماسياً؛ إنه مؤشر إلى أن واشنطن تريد تدويل تكلفة إدارة الأزمة بعدما انفردت شبه كلياً بقرار إشعالها. كما أنه يفسر جانباً من نبرة ترمب الغاضبة: هو يريد من الحلفاء تخفيف الضغط الاقتصادي الذي قد يرغمه هو نفسه على إنهاء الحرب قبل أوانها السياسي المرغوب.

لكن القراءة الأخرى، الأقرب إلى منطق ترمب، تقول إن الرجل يحاول تحويل هرمز من نقطة ضعف إلى أداة ابتزاز استراتيجية. فما دام أن العالم - من أوروبا إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية - يحتاج إلى انسياب الطاقة عبر هذا الممر، فإن واشنطن تستطيع أن تستخدم الأزمة لفرض اصطفافات جديدة وتحصيل أثمان سياسية وأمنية من الجميع.

غير أن هذه المقاربة، حتى لو صحت، تبقى محفوفة بالمخاطر؛ لأن استمرار إغلاق المضيق أو اضطرابه لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط أيضاً على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأميركي نفسه قبل انتخابات التجديد النصفي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع مع أعضاء مجلس أمناء مركز «جون إف كيندي» للفنون المسرحية في واشنطن (إ.ب.أ)

هل اقتربت طهران من المفاوضات؟

الجواب الأدق عن هذا السؤال هو: اقتربت من الاختبار التفاوضي، لا من التسوية بعد... فالمعطيات المتوفرة تشير إلى إعادة تفعيل قناة اتصال مباشرة بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق «أكسيوس»، في أول تواصل معروف منذ اندلاع الحرب. لكن طهران سارعت إلى النفي، وكرر عراقجي أن التفاوض لا يكون تحت التهديد.

ولا يعني هذا التناقض أن التواصل غير موجود بالضرورة، بل يعني أن ما يجري لا يزال في مرحلة جس النبض ومحاولة استكشاف الشروط، لا في مرحلة تفاوض رسمي على وقف دائم للحرب.

المؤشر الأهم هنا أن واشنطن نفسها لا تبدو واثقة بمن يملك قرار التفاوض داخل طهران بعد سلسلة الاغتيالات، وأنها تشك في أن عراقجي مخول فعلاً حسم المسائل الكبرى. وفي المقابل، تقول التقديرات الأميركية إن النظام لا يزال متماسكاً بما يكفي لرفض «استسلام» سريع، فيما يفضّل استخدام هرمز والصمود الداخلي لرفع تكلفة الحرب على خصومه. لذلك؛ يبدو أن إيران تريد التفاوض من «موقع مَن لم يسقط»؛ لا من «موقع مَن هُزم بالكامل»، وأنها تسعى أولاً إلى ضمانات أقوى من مجرد هدنة تسمح لواشنطن وإسرائيل بإعادة التموضع.


إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني

وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
TT

إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني

وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، أن الدولة العبرية اغتالت وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب، وذلك غداة قتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقائد قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري» غلام رضا سليماني.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

وقال كاتس، في بيان: «ليلة أمس، جرى أيضاً القضاء على وزير استخبارات إيران إسماعيل خطيب».