الشقير: علم الاجتماع خضع لنفوذ الصحوة

الباحث السعودي كتب في رأس المال الثقافي وألف في التاريخ واعتنى بالسير والتراجم

عبد الرحمن الشقير
عبد الرحمن الشقير
TT

الشقير: علم الاجتماع خضع لنفوذ الصحوة

عبد الرحمن الشقير
عبد الرحمن الشقير

في هذا الحوار، الذي أجري معه في الرياض، يؤكد الباحث السعودي عبد الرحمن الشقير على ضرورة علم الاجتماع باعتباره «مطلبا تنمويا وشرعيا واقتصاديا وسياسيا»، في مجتمع يُعّد أحد أهم وأكبر المعامل الاجتماعية في العالم. وقد تناولت دراسات أكاديمية وصحافية عديدة في أميركا وأوروبا هذا المجتمع بالدراسات الميدانية المستمرة وبخاصة المؤسسات الدينية، على عكسنا نحن.
وهو يرى أن حقل علم الاجتماع يواجه مرحلة ركود علمي ونشاطات بحثية وثقافية هشة، رغم أهمية هذا العلم في تفسير مشكلات المجتمع ورصد آلاف القضايا التي يتعامل معها الأفراد يوميا، ومع ذلك هو يعتقد أن هناك علماء سعوديين لهم نشاطات علمية مستقلة لها تأثيرها في الفكر الاجتماعي وتحظى بالتقدير.
ويشير الشقير إلى أن من أهم مشكلات علم الاجتماع في السعودية هو الصراع بين تقليدي متنفذ ومبدع بلا نفوذ، كما أن أبرز موانع الإبداع العلمي في هذا الجانب غياب مراكز للدراسات الاجتماعية الفكرية المتخصصة في صناعة القرار. وهنا نص الحوار:
* كيف تؤثر دراسة علم الاجتماع في تعميق الفهم بتطورات المجتمع؟
- لم تعد دراسات علم الاجتماع الحديثة تنظر للمجتمع بوصفه مجموعة أفراد أو جماعات يتفاعلون في ما بينهم، وﻻ كمؤسسات وبناءات سياسية واقتصادية ودينية، وإنما تنظر إلى مجتمع واقعي تقليدي بدأ يتلاشى، ومجتمع افتراضي تقني اتصالي في تزايد، ولكل واحد منهما مشكلاته وطموحاته ونظريات تفسرها، كما توسعت مفاهيم علم الاجتماع لتزيل الحدود الوهمية بين العلوم الاجتماعية، بل بين أكثر العلوم عامة، فحياة الإنسان بلغت مبلغها من التعقيد، وتداعيات تأثير التقنية والرفاهية والتصنيع عليها درجة كبيرة، بحيث أصبح الإنسان يتعامل في حياته اليومية مع عناصر اجتماعية ونفسية وفيزيائية وطبية وجغرافية وميكانيكية وهكذا. علم الاجتماع علم نقدي جدلي، وهو يعنى بالكشف عن أسباب الظواهر في المجتمع، وبملاحظة بذور التغيرات الاجتماعية، والتنبؤ ببدائل الواقع.
* وماذا يعني علم الاجتماع بالنسبة للمجتمع؟
- يعتبر المجتمع هو مهمة علم الاجتماع الرئيسة، ومجال دراساته، وفي رأيي يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسين: الأول تمثله فروع علم الاجتماع التقليدية التي تهتم بالأسرة والجريمة والصناعة والطب والحضر والريف وهكذا، وهذه الفروع تدرس تأثير المجتمع على الفرد والعكس، وتحلل القضايا الفردية التي تؤثر على المجتمع مثل الطلاق والبطالة وأوقات الفراغ. والقسم الثاني فكري بحت، ويمثله علم اجتماع المعرفة وتاريخ الأفكار ودراسة العلوم، وهي تهتم في جانب منها بالعوامل التي تتحكم في سلوكنا وتوجه تفكيرنا مثل الآيديولوجيات والوعي وتأثير التقنية وكيف تنشأ المعرفة العلمية، وبهذا المفهوم العام فإن كلا القسمين مهم. وإذا دُرس المجتمع بأي شكل منهما بصدق فإنه سيخدمه، وهو ما يسبب صداعا للحكومات ويفضح ممارسات الشركات.
* وما ضرورة علم الاجتماع إذا كان «مزعجا» لهذه الدرجة؟
- لدي إيمان تام بضرورة علم الاجتماع، بل أعد وجوده مطلبا أخلاقيا وشرعيا واقتصاديا وتنمويا وسياسيا، فهو يقدم النصح للحكومة ويساعد متخذي القرار ويفضح أساليب الشركات التي تسوق لمنتجاتها على حساب استنزاف المجتمع وتفكيك الأسرة وتوسيع الفجوة بين الأجيال وتشويه تقاليدنا تحت شعارات الموضة والعصرنة، ويكشف الوعي الزائف الذي يمارسه الإعلام على المجتمع، ويسهم في تفسير مشكلات المجتمع التي يتعامل معها الأفراد يوميا مثل قضايا المرأة والبطالة والعمالة وأوقات الفراغ وعدم انعكاس تعاليم الدين في الحياة اليومية وغيرها آلاف القضايا وليس المئات.

* الحالة السعودية
* دعنا نتساءل عن واقع علم الاجتماع في السعودية..
- للأسف يواجه حقل علم الاجتماع في السعودية، سواء بمقارنته مع علم الاجتماع العربي أو بمقارنته بالعلوم الاجتماعية السعودية، مرحلة ركود علمي ونشاطات بحثية وثقافية هشة، وغياب الندوات وحركة الترجمة. وعلى مستوى التدريس فمعروف أن العلوم الاجتماعية صممت مناهجها على يد الاستعمار لتكون تبعيتها للغرب، وصار علم الاجتماع العربي عالة على علم الاجتماع الغربي، ولكن علم الاجتماع السعودي لا يزال عالة على علم الاجتماع المصري، ولم يستقل أو يطور مقرراته ومناهجه حتى الآن، ولم يحتك مباشرة بعلم الاجتماع الغربي إلا بحدود بعثات طلابية صادفت مرحلة الطفرة وحاجة البلد آنذاك إلى الكم وليس الكيف. ومع ذلك فقد برز منهم علماء مميزون لهم نشاطات علمية مستقلة لها تأثير في الفكر الاجتماعي وتحظى بالتقدير أمثال أبو بكر باقادر وسعد الصويان وغيرهما.
* ما أسباب ذلك الركود في نظرك؟
- الأسباب كثيرة ومتنوعة، منها أن علم الاجتماع لا يزال يصنف من العلوم الأكاديمية المتخصصة، وليس علما شعبيا وثقافيا مثل التاريخ والأدب واللغة وبعض العلوم الشرعية، مما أضعف إثراءه من قبل الباحثين المستقلين والهواة، وكذلك غياب حركة النقد التي تعتبر وظيفته الأساسية، وسيطرة الأساتذة التقليديين على الأقسام العلمية بالجامعات وفرضهم لهذا الركود ومحاربتهم للأساتذة المتميزين.
ومن المعروف أن جودة جميع العلوم وسمعتها في المجتمع، ومنها علم الاجتماع، ترتبط بعمليات الإنتاج العلمي وتعتبر الجامعات من أكبر وأهم المحاضن العلمية التي تسهم في تغير المجتمع وتطوره أو ركوده. ولذلك خضع لنفوذ الصحوة في الثمانينيات وتغلغلها في الجامعات وفرْض كثير من آيديولوجياتها على المؤسسة الأكاديمية، حيث استطاعت أن تمنع تدريس الفلسفة والأنثربولوجيا، وهما العلمان الشقيقان لعلم الاجتماع، وحل محلها مشروع محاولة توطين وأسلمة علم الاجتماع الذي بدأ في جامعة الإمام وكان يمكن أن يكون واعدا ويعيد صياغة التراث الإسلامي بنظريات ويؤكدها بدراسات ميدانية، لكنه توقف.
* وماذا يمكن أن يقدم علم الاجتماع للمجتمع السعودي؟
- يستطيع علم الاجتماع تقديم مفاهيم ونظريات ودراسات ميدانية تكشف عن فهم حقيقة الواقع وتسهم في النمو الاقتصادي والتنمية وتحسين مستوى المعيشة، وتقديم النصح لراسمي السياسات ومتخذي القرار بتصور بدائل الواقع، ويستطيع مساعدة الفرد على التكيف الاجتماعي في ظل عالم مشحون بالتوترات والتناقضات وسرعة التغير، ويمنحه الثقة في نفسه وفي مجتمعه وقيمه ويساعده في تطوير ذاته، كما يسهم فكريا في مواجهة المشكلات بواقعية وبتجديد دراسة الخطاب الديني والتنبؤ بمستقبل المجتمع ورصد تاريخ الأفكار المتداولة فيه وتوجيهها.
ويمكن أن يقدم من الناحية البحثية الإنتاج العلمي المميز، إذ يعتبر المجتمع السعودي أحد أهم وأكبر المعامل الاجتماعية في العالم، ويمكن تنفيذ دراسات ميدانية لها ثلاثة مستويات، أبسطها الاستكشافية وتكون للموضوعات الجديدة التي لم تكتشف بعد، وذلك باستخدام منهج المسح الاجتماعي بالاستبانة، والمستوى المتعمق في الموضوعات المطروقة باستخدام مناهج دراسة الحالة بالمقابلة وتحليل المضمون، وثالثا، التعمق بدقة عالية للموضوعات التي تحتاج فهمها من داخلها برؤية الباحث باستخدام المنهج «اﻹثنوجرافي» وأداته الملاحظة من خلال مشاركة المجتمع الذي يدرسه وكأنه واحد منهم، مثل مجتمع السجناء والفقراء والمنحرفين والمشردين وهكذا، ويمكن تطبيق الدراسات على كثير من الظواهر مثل التفاعلات في مواسم الحج والعمرة، وأسباب تأثير القبيلة في مجتمع عصري متعلم، وكذلك ظاهرة الوهابية وعمق تأثيرها عالميا وجاذبيتها الشعبية، والثقافات الفرعية والمجتمعات الحدودية، والهوية، وصورتنا الذهنية في الخارج، وظاهرة استخدام الشركات لجسد المرأة وصوتها وملامحها كسلعة لها قيمة تبادلية ووضعها في التسويق والاستقبال، بينما استخدام ملامح الرجل الصارمة في استخلاص الحقوق والمطالبات وفي إدارة المواجهة التصادمية مع الجمهور، إضافة إلى ما تمثله بلادنا من تراث تاريخي وأدبي واجتماعي.
* وماذا بشأن دراسة الظواهر الاجتماعية؟
- هناك ظواهر اجتماعية جديرة بالدراسات المعمقة، وهي مغيبة أو تدرس بشكل سطحي مثل: البروز السريع لظاهرة الرفاهية كالمقاهي ومحلات المساج والأندية الرياضية والتفاعلات داخلها، أو الاتفاق الجمعي على «تويتر» كملتقى اجتماعي يومي كبديل شكلي عن ملتقى الأسرة وعن الإعلام الرسمي، وانتشار بدائل الزواج التقليدي كالمسيار والزواج بنية الطلاق، وقدرة الهويات المغيبة والطبقات المهمشة على أن تعرف بنفسها عبر التقنية ووسائل الاتصال، وتأثير تحول المباني في المدن الكبيرة من أفقية إلى عمودية، ونحوها.
كذلك، من الناحية التدريسية هناك فروع جديدة لعلم الاجتماع يحتاجها المجتمع وسوق العمل، مثل علم اجتماع المستقبل، والمعرفة، والعلم، والنقد، والتقنية ووسائل الاتصال ونحوها من فروع علم الاجتماع التي تحتاج تدريبا وممارسة بحثية وتعلم مهارات، فهذه الاهتمامات هي التي تجعل منه علما واقعيا ويلامس الحياة اليومية ويؤدي دوره الفكري والتنموي والأخلاقي الذي أسس من أجله، ومن ناحية المسؤولية الاجتماعية يمكن أن ينفتح علم الاجتماع على المجتمع ويشارك أفراده المعرفة بتنفيذ دورات ومحاضرات ومجلات غير محكمة وتبسيط النظريات وإعداد برامج تفاعلية عبر التقنية ووسائل الاتصال، فغالبية كتب تطوير الذات إنما هي نظريات اجتماعية مبسطة.
* وما الذي يمنع من تحقيق ذلك؟
- مثل هذه المطالبات والتطلعات تعد بعيدة المنال قياسا بواقع أقسام وأساتذة علم الاجتماع، على الرغم من وجود جيل من الباحثين الشباب المتحفزين للإبداع في تنويع المناهج وطرق موضوعات جديدة. ومن أهم مشكلات علم الاجتماع في السعودية هو الصراع بين تقليدي متنفذ ومبدع بلا نفوذ، وهذا أحد أبرز موانع الإبداع العلمي في جامعاتنا، ومنها أن السعودية لا تملك مركزا للدراسات الاجتماعية الفكرية المتخصصة في صناعة القرار المعروفة باسم «ثينك تانك»، وإنما تملك مراكز للدراسات الاجتماعية التقليدية، ولذلك نلحظ أن الدراسات الاجتماعية تأتي نتيجة تفاعل مع الطرح الإعلامي واستجابة لضغوطه وليست بمبادرات استباقية.
* لكن الأبحاث الاجتماعية تحظى بالدعم ولا تزال المؤسسات الحكومية تستعين بالأكاديميين؟
- إذا طالعنا حجم ما أنفق على الدراسات الاجتماعية للاحظنا بون المسافة بين ضعف المخرجات من كفاءات بحثية ومن دراسات ومؤتمرات ومجلات وما أنفق عليها من أموال. فالأطروحات العلمية وكثير من مؤلفات الأكاديميين ضعيفة المحتوى، وغالبيتها لا تعدو اختيار موضوعات عادية تقوم على المنهج المسحي عبر توزيع استبانات، ثم تخرج بنتائج عادية يمكن أن يلاحظها رجل الشارع العادي من دون دراسة، وهذا المنهج مع أنه وضع لأغراض علمية معينة وله عيوب واضحة، إﻻ أن جعله المنهج المهيمن على دراسات الباحثين والأطروحات يعد نقصا علميا وخللا أكاديميا.
وانعكس على ذلك عدم ثقة المؤسسات الحكومية والخاصة في كثير من إنتاجها العلمي ولا في نتائجها لعدم فاعليتها وانخفاض حرية التعبير ومحاولة إرضاء المسؤولين بنتائج متلاعب فيها بإحصاءات مضللة، مما أضعف محتواها، لذلك حلت محلها كثافة الدراسات الأكاديمية والصحافية في أميركا وأوروبا والتي تتناول مجتمعنا بالدراسات الميدانية المستمرة وبخاصة التاريخ الآني، ومعروف أن المجتمع السعودي يحظى باهتمام دولي وبخاصة المؤسسة الدينية، وصارت المؤسسات الحكومية تستعين ببيوت الخبرة العالمية إذا أرادت اتخاذ قرار مبني على دراسة جادة.
* إذن، ما الأسلوب الأمثل للنهوض بعلم الاجتماع لكي يؤدي دوره في المجتمع؟
- يحتاج واقع علم الاجتماع السعودي إلى مواجهة نفسه بشفافية وعقد الندوات للبحث عن الخلل، ونشر مبادئ «التفكير الناقد» في البيئة الجامعية، ورفع سقف الحرية في اختيار الموضوعات العصرية والمناهج المتنوعة للأطروحات العلمية، أسوة بالأطروحات المتميزة المعمول بها في أقسام التربية وعلم النفس، وهي تمتاز بالجدية في ضبط الإجراءات المنهجية والعمق في التعامل مع النظريات، ومن ثم فعلم الاجتماع يحتاج إلى قرارات جريئة لا تكتفي بالبحث في سبل النهوض بها، من أهمها الدعم الحكومي ودعم القطاع الخاص وبخاصة دعم جيل من الباحثين يملكون الخيال الاجتماعي والحس البحثي، فعلم الاجتماع يعتمد بشكل رئيس على ملكة النقد والخيال الاجتماعي والتحليل وليس على التعليم البنكي القائم على إيداع المعلومات وسحبها.
ومن أهم الإصلاحات تصحيح مسار علم الاجتماع في الجامعات وفصله عن «الخدمة الاجتماعية» لعدم وجود مبرر منطقي يجمع بينهما، فعلم الاجتماع فكر ومفاهيمه مفتوحة، و«الخدمة الاجتماعية» رغم تطوره وقدرته على مواجهة المشكلات الاجتماعية، فإن تطوره لم يدخل أقسام الخدمة وصار مجرد ممارسة مفاهيمها مغلقة ومحدودة، وكذلك تطوير مناهج علم الاجتماع وإضافة مسارات خاصة بالأنثربولوجيا وبالفلسفة والنقد، وإلغاء فروع علم الاجتماع القديمة التي يمكن تحصيلها بالقراءة واستبدالها فروع علم الاجتماع العصرية بها. ومن مظاهر التطوير الالتزام بتقاليد الجامعات وأعرافها بعقد مؤتمرات سنوية وتأسيس مجلات علمية محكمة وغير محكمة موجهة لغير المتخصص والدخول في شراكات مع المراكز العالمية المتخصصة.



وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود
TT

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود

قد يفاجأ من يلتقي بالباحث في الكتابات التاريخية، فيليب وود، بصغر سنه، خصوصاً إذا كان اطّلع على قائمة ما أنجزه من كتب، وأوراق بحثية، وقيادته لعدد من مشاريع البحث الأكاديمي، وما أثارت أفكاره من نقاشات في العديد من الجامعات البارزة في العالم الأنجلوساكسوني بالدرجة الأولى، وانعكست عبر الكثير من المجلات الأكاديمية المتخصصة في التاريخ الروماني-البيزنطي.

لقد صدر كتابه الأول القائم على أطروحة الدكتوراه عام 2010 عن دار نشر جامعة أكسفورد، أي إن البروفسور وود كان في سن السابعة والعشرين، ولا بد أن صدوره تطلب انتظاراً لعامين على الأقل، أي إنه كان قد حاز درجة الدكتوراه وهو ربما في سن الخامسة والعشرين.

استعار وود جزءاً من عنوان كتابه من شعار رفعه سكان مدينة الرُّها (أورفا التركية حالياً) خلال الحصار الذي فرضه الشاه الساساني قُباذ الأول حول أسوارها عام 503 ميلادية مطالباً بفتح أبوابها، وفيه عبروا عن معارضتهم للملوك الأغراب، سواء كانوا ببيزنطيين، أو ساسانيين: «لا ملك عندنا غير المسيح».

كتب المؤرخ الكندي جفري غريتريكس من جامعة أوتاوا الأميركية في دورية «بي إم سي آر» في عددها الصادر يوم 31 مايو (أيار) 2011 مراجعة للكتاب جاء فيها: «يُعدّ كتاب فيليب وود عملاً أولاً لافتاً للنظر، ويختلف كثيراً عن معظم الأعمال المقتبسة من رسائل الدكتوراه. فالكتاب واسع الأفق، ومقتصد في استخدام الهوامش، ومحفّز فكرياً في الصورة التي يرسمها للمشرق الروماني في القرنين الخامس والسادس الميلاديين».

ورأى آدم شور المؤرخ المتخصص بأواخر العصر القديم Antiquity والأستاذ في جامعة ساوث كارولاينا الأميركية في مراجعة أخرى أن أهمية الكتاب «تكمن في أنه لا يدرس اللاهوت وحده، بل يدرس تشكل هوية سياسية وثقافية سريانية مستقلة داخل عالم تهيمن عليه الإمبراطورية الرومانية المسيحية».

يركّز الكتاب على الكيفية التي بدأت بها الجماعات المسيحية السريانية في سوريا الكبرى وبلاد ما بين النهرين في تطوير هوية دينية-سياسية خاصة بها داخل الإمبراطورية البيزنطية، وهذا التطور الفكري والثقافي ساهم لاحقاً في تهيئة بعض الجماعات المسيحية الشرقية للتكيّف مع الحكم العربي الإسلامي بعد الفتح، لأن ولاءها الديني والثقافي لم يكن مرتبطاً بالكامل بالإمبراطورية البيزنطية.

فخلال المرحلة الأولى من نشوء الدولة الأموية استمر السِّريان في إدارة الدواوين، وخصوصاً في الشام، وكانت الإغريقية والسريانية مستخدمتين في بعض الدواوين قبل تعريبها في عهد عبد الملك بن مروان.

أما خلال عهد العباسيين، فقد بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية، خاصة في بغداد، حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى في بيت الحكمة، إذ ترجموا هناك الكثير من كتب الفلسفة اليونانية، والطب، والرياضيات، والمنطق، وعلوم الطبيعة. وغالباً ما كانت الترجمة تمر من اليونانية إلى اللغة الآرامية (السريانية)، ثم إلى العربية.

كان حُنين بن إسحاق من أعظم المترجمين في التاريخ الإسلامي، فهو من ترجم جالينوس، وأبقراط، وأرسطو. وهناك ثابت بن قرة الذي هو من أسرة سريانية-صابئية في حران، وأسهم في الرياضيات، والفلك، وفي بغداد كان يوحنا بن ماسويه من أشهر أطبائها.

سنوات التأهيل

كان السؤال الذي دار في بالي عند لقائي بأستاذ الديانات المقارنة والباحث في الكتابات التاريخية فيليب وود هو التالي: كيف جاء اهتمامك بتاريخ الآراميين السريان في العراق وسوريا؟

وكانت المفاجأة أن ذلك الولع جاء بفضل سفرة بحرية قام بها وهو في سن الحادية عشرة من خلال المدرسة الابتدائية التي كان يتلقى تعليمه فيها. «يعود اهتمامي هذا أولاً إلى وقوعي في حب سوريا. حين كنت طالباً في المدرسة ذهبت إلى شرق المتوسط لوحدي من دون والديّ. وتلك الرحلة كانت مهمة. تأثير السفر برؤية العالم لا من خلال عيون الوالدين. والداي التقيا أولاً في ماليزيا، وكنا هناك، أنا رافقتهما في السفر إلى إندونيسيا، والصين، وماليزيا، وتايلاند. كنت دائماً معهما. لكن تلك الرحلة في الباخرة كانت المرة الأولى لي في مكان آخر، لذلك فأنا ذهبت من دون أي مساعدة إلى فلسطين، ومصر، وكريت، وقبرص لوحدي، في رحلة بحرية. وأظن أنه كان مهمّاً أن أرى هذه الأماكن من البحر للمرة الأولى بدلاً من الوصول إليها إلى مطاراتها بالطائرة».

ثم خلال المرحلة الأولى الجامعية درس وود تاريخ الحروب الصليبية على يد أستاذ اسمه جوناثان رايلي سميث. «كان إنساناً إنجليزياً تقليدياً، وقد تنقل خلال رحلاته داخل سوريا في كل مناطقها، وأراني كل الصور التي التقطها هناك».

وفي عام 2002 حين لم يبلغ بعد سن العشرين لم يكتفِ وود بزيارة سوريا فقط. وقد حاول آنذاك إقناع بعض الأصدقاء لمرافقته، ولكن لا أحد رغب في ذلك.

«في عطلة عيد الميلاد، اشتريتُ تذكرة إلى دمشق، وفي بداية عام 2003 ذهبت إلى دمشق، وحلب، وتدمر، ومن هناك تنقلت بين المدن الأخرى عن طريق إيقاف السيارات العابرة. قضيت وقتاً رائعاً، وكان شعوري في دمشق أن المدينة حافظت على تركيبها كمدينة رومانية».

«كيف ذلك؟» أسأله محفزاً. «أظن أنه هناك كثيراً من كتابات المستشرقين التي أكدت أن دمشق كانت المدينة الرومانية المثالية، ولكنها تحت الحكم الإسلامي شُوِّهت، وفقدت طابعها، ولكنني لم أشعر بذلك أبداً، بل كنت أشعر دائماً أن المدينة الإسلامية هي تطوُّر للمدينة الرومانية. وهذا ما جعلني مقتنعاً بأن ذلك ينطبق على الكثير من المناطق المدينية في سوريا، وأناضوليا. بل وأرى أن بقاء النمط المعماري الروماني أكثر في تلك المناطق مما هو قائم في الغرب. وهذا ينطبق على لبنان أيضاً، إذ تجد أن هناك استمرارية في نمط العمارة الذي تشاهده في الإمبراطورية الرومانية، وهذا أكثر بكثير مما نجده في الغرب».

هذا الجانب كان أحد المواضيع التي شغلت د.فيليب، آنذاك وقد توصل إلى قناعة أن سيادة المجتمع الإسلامي في المناطق التي كانت تحت حكم الرومان لفترات طويلة لم تكن عنصر تحلل وتفكك في مجال العمارة، بل فترة تطور وتكيف لما كان موجوداً سابقاً، سواء كان ثقافياً، أو بما يخص الأنظمة المدنية.

«ثم درستُ التاريخ في جامعة كمبردج، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس فيه. وهذا تضمن دراسة مواضيع أخرى مثل تاريخ الفكر السياسي، والتاريخ الاستعماري. وأنا قمت بالعديد من البحوث المتعلقة بالأثنوغرافيا الاستعمارية. (الأثنوغرافيا هي دراسة الحياة اليومية للمجتمعات ضمن سياقاتهم الثقافية)».

إضافة إلى ذلك درس وود خلال المرحلة الجامعية الأولى عالم روما في مرحلته الأخيرة، وكتب أطروحته عن المانوية. وهذا ما جعل كل من كان يعرفه يعتبر اختياره جنونياً. يعلق وود ضاحكاً: «وربما كانوا على حق!».

بدء مرحلة التخصص

يشكل التاريخ الروماني البيزنطي حقلاً أساسياً في العديد من الجامعات العريقة مثل كمبردج، وهذا يعود إلى كون الإمبراطورية الرومانية الغربية انهارت في القرن الخامس الميلادي في حين أن قسمها الشرقي الذي عاصمته القسطنطينة (إسطنبول لاحقاً) ظل قائماً حتى سقوط هذه المدينة بيد العثمانيين عام 1453، رغم فقدانها آنذاك كل أراضي الشرق الأوسط قبل قرون عديدة.

«اخترتُ حقل الدراسات البيزنطية للماجستير، ومع هذا الاختيار بدأتُ في تعلم الإغريقية (اليونانية) والسريانية، ومن هنا بدأت رحلتي مع اللغات».

بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية خلال عهد العباسيين خاصة في بغداد حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى

ولا بد أن وود كان محظوظاً أن يدرس على يد أستاذ حريص على اتباع أسلوب قديم في التدريس يدعى جيمس هوارد جونسون، ومعه درس موضوع الإمبراطورية البيزنطية، وكان هذا الأستاذ مهتماً بالجيوش، وبنى الدولة، وهذا ما قاده إلى الأدب الآرامي (بلهجته السريانية). «وتحت تأثير تلك الفترة من دراستي للماجستير، اتخذتُ قراراً أن تكون الدكتوراه في خريف التاريخ الروماني مع البروفسورة أفيرِل كاميرون التي كانت من بين الأوائل التي طبقت كتابات ميشيل فوكو على أواخر العصر الكلاسيكي القديم».

وكانت د.كاميرون قد ألفت كتاباً ترك أثراً كبيراً على طالب الدكتوراه فيليب عنوانه: «المسيحية والخطاب الإمبراطوري». وكانت مهتمة باستكشاف كيف أن التوحيد (الإيمان بإله واحد) تفاعَلَ مع الثقافات الحضرية في الشرق الأوسط، وهذا ما حدد، كما رأت، ملامح أواخر العصر القديم، «وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نرى نوعاً من الاستمرارية ابتداء من الإمبراطور قسطنطين... وهذه هي المنطقة التي تجذبني... هذه الوحدة... لديك إمبراطورية عالمية، وثقافة حضرية وتوحيد... وضمن هذا السياق لم يكن قدوم الإسلام مخالفاً لما هو قائم... إنه كان حركة جديدة ضمن السيمفونية نفسها. فهو لم يكن اقتحاماً، بل قطعة موسيقية متواصلة».

كتب فيليب أطروحته مع أستاذته أفيرِل كاميرون، وأكملها في عام 2007 «أتذكر أن مخطط أطروحة الدكتوراه حضرني وأنا هناك، كنت جالساً في سوق النحاسين بمدينة أورفة (الرُّها سابقاً) وأنا أستمع إلى أصوات المطارق المعدنية المتواصلة حولي. وعلى ورقة كبيرة خططت الكتاب كاملاً».

وكان هذا الكتاب عن المسيحيين السريان في سوريا الكبرى قبيل الفتح العربي-الإسلامي.

يقول وود موضحاً: «كان مهيَّأ لي إلى حد ما كتابة تاريخ برؤية حديثة، لذلك حاولت تطبيق الأسئلة نفسها التي يستخدمها المؤرخون الذين يتناولون العصر الحديث حول الاعتزاز بالهوية الوطنية والدولة، لكن طرح هذه الأسئلة على الإمبراطورية الرومانية. لذلك فنحن لدينا عالم خالٍ من أية نزعة انفصال قومية، ولكن مع ذلك ما زال لدينا عالم يعبّر الناس فيه بوضوح عن كل أنواع الاستقلال الثقافي».


المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض
TT

المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض

يُعد الأدب أحد أهم العوامل الثقافية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات وتوثق تحولات الإنسان في المكان والزمان، ولذلك ارتبطت دراسة الآداب العالمية والعربية بمفهوم المرجعية الجغرافية والتاريخية بوصفهما عنصرين أساسيين في فهم النصوص الأدبية وتأويلها. فالنص الأدبي لا يُنتج في فراغ، بل يتشكل داخل بيئة جغرافية محددة وسياق تاريخي معين ينعكسان على لغته وصوره ورموزه وقضاياه. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية تدريس الأدب الخليجي في الجامعات الخليجية، باعتباره تعبيراً عن تجربة ثقافية وحضارية نشأت في فضاء جغرافي وتاريخي خاص، وأسهمت في إثراء المشهد الأدبي العربي المعاصر.

تمثل الجغرافيا الخليجية العربية أحد أهم مكونات الهوية الأدبية في المنطقة؛ فالبحر والصحراء والموانئ القديمة وطرق التجارة والغوص على اللؤلؤ ليست مجرد عناصر مكانية، بل تحولت إلى رموز ثقافية شكّلت الوعي الجمعي لسكان الخليج العربي، وانعكست بصورة واضحة في الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والمسرح. ومن خلال دراسة الأدب الخليجي العربي يتعرف الطالب إلى العلاقة بين المكان والإبداع، ويدرك كيف أسهمت البيئة المحلية في تشكيل الرؤية الأدبية والإنسانية للكاتب الخليجي.

أما المرجعية التاريخية فتتمثل في قدرة الأدب الخليجي على توثيق التحولات التي شهدتها المنطقة عبر مراحلها المختلفة؛ من الحياة التقليدية قبل النفط، إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت بناء الدولة الحديثة، وصولاً إلى التحديات الثقافية المرتبطة بالعولمة والتحول الرقمي. وبهذا المعنى يصبح الأدب مصدراً معرفياً يوازي الوثيقة التاريخية؛ لأنه يرصد تفاصيل الحياة اليومية ومشاعر الأفراد وتصوراتهم تجاه الأحداث والتحولات الكبرى.

وتشير مراجعة أولية لعدد من الخطط الدراسية المعلنة في الجامعات الخليجية، والمتاحة عبر الأدلة الأكاديمية الإلكترونية (Course Catalogs)، إلى أن الأدب الخليجي لا يزال يحظى بحضور محدود مقارنة بالأدب العربي العام. فبينما تستحوذ مقررات الأدب العربي القديم والحديث والنقد الأدبي على ما يقارب 80-90 في المائة من إجمالي المقررات الأدبية، لا تتجاوز نسبة المقررات المتخصصة مباشرة في الأدب الخليجي ما بين 3 في المائة و8 في المائة في معظم البرامج الأكاديمية. كما يدرس الطالب في المتوسط ما بين 20 و30 مقرراً أدبياً خلال مرحلته الجامعية، مقابل مقرر واحد أو مقررين فقط يتناولان الأدب الخليجي بصورة مباشرة. وتكشف هذه المؤشرات عن أن الأدب الخليجي غالباً ما يُقدَّم بوصفه جزءاً تكميلياً داخل السردية الأدبية العربية العامة، لا بوصفه مجالاً معرفياً يمتلك مرجعيته الجغرافية والتاريخية الخاصة.

- كاتب وناقد كويتي


قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»